Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
An-Nazi'at 79:34–45
79:34–41Page 584
فَإِذَا جَآءَتِ ٱلطَّآمَّةُ ٱلۡكُبۡرَىٰ ٣٤
But when there comes the greatest Overwhelming Calamity1 -
يَوۡمَ يَتَذَكَّرُ ٱلۡإِنسَٰنُ مَا سَعَىٰ ٣٥
The Day when man will remember that for which he strove,
وَبُرِّزَتِ ٱلۡجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ ٣٦
And Hellfire will be exposed for [all] those who see -
فَأَمَّا مَن طَغَىٰ ٣٧
So as for he who transgressed
وَءَاثَرَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا ٣٨
And preferred the life of the world,
فَإِنَّ ٱلۡجَحِيمَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ ٣٩
Then indeed, Hellfire will be [his] refuge.
وَأَمَّا مَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفۡسَ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ ٤٠
But as for he who feared the position of his Lord1 and prevented the soul from [unlawful] inclination,
فَإِنَّ ٱلۡجَنَّةَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ ٤١
Then indeed, Paradise will be [his] refuge.
صفحة ٨٩
﴿فَإذا جاءَتِ الطّامَّةُ الكُبْرى﴾ ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ما سَعى﴾ ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ ﴿فَأمّا مَن طَغى﴾ ﴿وآثَرَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ ﴿فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى﴾ ﴿وأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى﴾ ﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ .
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّفْرِيعُ عَلى الِاسْتِدْلالِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ﴾ [النازعات: ٢٧] الآياتِ، فَإنَّ إثْباتَ البَعْثِ يَقْتَضِي الجَزاءَ إذْ هو حِكْمَتُهُ، وإذا اقْتَضى الجَزاءَ كانَ عَلى العاقِلِ أنْ يَعْمَلَ لِجَزاءِ الحُسْنى ويَجْتَنِبَ ما يُوقِعُ في الشَّقاءِ وأنْ يَهْتَمَّ بِالحَياةِ الدّائِمَةِ فَيُؤْثِرَها ولا يَكْتَرِثَ بِنَعِيمٍ زائِلٍ فَيَتَوَرَّطَ في اتِّباعِهِ، فَلِذَلِكَ فُرِّعَ عَلى دَلِيلِ إثْباتِ البَعْثِ تَذْكِيرٌ بِالجَزاءَيْنِ، وإرْشادٌ إلى النَّجْدَيْنِ.
وإذْ قَدْ قُدِّمَ قَبْلَ الِاسْتِدْلالِ تَحْذِيرٌ إجْمالِيٌّ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ﴾ [النازعات: ٦] الآيَةَ، كَما يُذْكَرُ المَطْلُوبُ قَبْلَ القِياسِ في الجَدَلِ، جِيءَ عَقِبَ الِاسْتِدْلالِ بِتَفْصِيلِ ذَلِكَ التَّحْذِيرِ مَعَ قَرْنِهِ بِالتَّبْشِيرِ لِمَن تَحَلّى بِضِدِّهِ؛ فَلِذَلِكَ عُبِّرَ عَنِ البَعْثِ ابْتِداءً بِالرّاجِفَةِ لِأنَّها مَبْدَؤُهُ، ثُمَّ بِالزَّجْرَةِ، وأخِيرًا بِالطّامَّةِ الكُبْرى لِما في هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ مِن مَعْنًى يَشْمَلُ الرّاجِفَةَ وما بَعْدَها مِنَ الأهْوالِ إلى أنْ يَسْتَقِرَّ كُلُّ فَرِيقٍ في مَقَرِّهِ.
ومِن تَمامِ المُناسَبَةِ لِلتَّذْكِيرِ بِيَوْمِ الجَزاءِ وُقُوعُهُ عَقِبَ التَّذْكِيرِ بِخَلْقِ الأرْضِ، والِامْتِنانُ بِما هَيَّأ مِنها لِلْإنْسانِ مَتاعًا بِهِ، لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ يَنْتَهِي عِنْدَما يَحِينُ يَوْمُ البَعْثِ والجَزاءِ.
ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: ﴿فَإذا جاءَتِ الطّامَّةُ الكُبْرى﴾ مُفَرَّعًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ [النازعات: ١٣] ﴿فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤] فَإنَّ الطّامَّةَ هي الزَّجْرَةُ.
ومَناطُ التَّفْرِيعِ هو ما عَقَّبَهُ مِنَ التَّفْصِيلِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأمّا مَن طَغى﴾ إلَخْ؛ إذْ لا يَلْتَئِمُ تَفْرِيعُ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ.
و(إذا) ظَرْفٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ، فَلِذَلِكَ إذا وقَعَ بَعْدَ الفِعْلِ الماضِي صُرِفَ إلى
صفحة ٩٠
الِاسْتِقْبالِ، وإنَّما يُؤْتى بَعْدَ (إذا) بِفِعْلِ المُضِيِّ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ ما يُفِيدُهُ (إذا) مِن تَحَقُّقِ الوُقُوعِ.
والمَجِيءُ: هُنا مَجازٌ في الحُصُولِ والوُقُوعِ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ المُوَقَّتَ المُؤَجَّلَ بِأجَلٍ يُشْبِهُ شَخْصًا سائِرًا إلى غايَةٍ، فَإذا حَصَلَ ذَلِكَ المُؤَجَّلُ عِنْدَ أجَلِهِ، فَكَأنَّهُ السّائِرُ إلى أنْ بَلَغَ المَكانَ المَقْصُودَ.
والطّامَّةُ: الحادِثَةُ، أوِ الوَقْعَةُ الَّتِي تَطِمُّ، أيْ: تَعْلُو وتَغْلِبُ بِمَعْنى تَفُوقُ أمْثالَها مِن نَوْعِها بِحَيْثُ يَقِلُّ مِثْلُها في نَوْعِها، مَأْخُوذٌ مَن طَمَّ الماءُ، إذا غَمَرَ الأشْياءَ وهَذا الوَصْفُ يُؤْذِنُ بِالشِّدَّةِ والهَوْلِ؛ إذْ لا يُقالُ مِثْلُهُ إلّا في الأُمُورِ المَهُولَةِ، ثُمَّ بُولِغَ في تَشْخِيصِ هَوْلِها بِأنْ وُصِفَتْ بِ (الكُبْرى) فَكانَ هَذا أصْرَحَ الكَلِماتِ لِتَصْوِيرِ ما يُقارِنُ الحادِثَةَ مِنَ الأهْوالِ.
والمُرادُ بِالطّامَّةِ الكُبْرى: القِيامَةُ وقَدْ وُصِفَتْ بِأوْصافٍ عَدِيدَةٍ في القُرْآنِ مِثْلَ الصّاخَّةِ، والقارِعَةِ، والرّاجِفَةِ، ووُصِفَتْ بِالكُبْرى.
و﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ما سَعى﴾ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ ﴿فَإذا جاءَتِ الطّامَّةُ الكُبْرى﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ؛ لِأنَّ ما أُضِيفَ إلَيْهِ يَوْمٌ هو مِنَ الأحْوالِ الَّتِي يَشْتَمِلُ عَلَيْها زَمَنُ مَجِيءِ الطّامَّةِ وهو يَوْمُ القِيامَةِ ويَوْمُ الحِسابِ. وتَذَكُّرُ الإنْسانِ ما سَعاهُ: أنْ يُوقَفَ عَلى أعْمالِهِ في كِتابِهِ؛ لِأنَّ التَّذَكُّرَ مُطاوِعُ ذَكَّرَهُ.
والتَّذَكُّرُ يَقْتَضِي سَبْقَ النِّسْيانِ وهو انْمِحاءُ المَعْلُومِ مِنَ الحافِظَةِ.
والمَعْنى: يَوْمَ يُذَكَّرُ الإنْسانُ فَيَتَذَكَّرُ، أيْ: يُعْرَضُ عَلَيْهِ عَمَلُهُ فَيَعْتَرِفُ بِهِ؛ إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ مِنَ التَّذَكُّرِ إلّا أثَرُهُ، وهو الجَزاءُ، فَكُنِّيَ بِالتَّذَكُّرِ عَنِ الجَزاءِ، قالَ تَعالى: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] .
وتَبْرِيزُ الجَحِيمِ: إظْهارُها لِأهْلِها. وجِيءَ بِالفِعْلِ المُضاعَفِ لِإفادَةِ إظْهارِ الجَحِيمِ لِأنَّهُ إظْهارٌ لِأجْلِ الإرْهابِ.
والجَحِيمُ: جَهَنَّمُ. ولِذَلِكَ قُرِنَ فِعْلُهُ بِتاءِ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ جَهَنَّمَ مُؤَنَّثَةٌ في
صفحة ٩١
الِاسْتِعْمالِ، أوْ هو بِتَأْوِيلِ النّارِ، والجَحِيمُ كُلُّ نارٍ عَظِيمَةٍ في حُفْرَةٍ عَمِيقَةٍ.
وبُنِيَ فِعْلُ (بُرِّزَتْ) لِلْمَجْهُولِ لِعَدَمِ الغَرَضِ بِبَيانِ مُبَرِّزِها إذِ المَوْعِظَةُ في الإعْلامِ بِوُقُوعِ إبْرازِها يَوْمَئِذٍ.
و(لِمَن يَرى) أيْ: لِكُلِّ راءٍ، فَفِعْلُ (يَرى) مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ لِمَن لَهُ بَصَرٌ، كَقَوْلِ البُحْتُرِيِّ:
أنْ يَرى مُبْصِرٌ ويَسْمَعَ واعٍ
والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا مَن طَغى﴾ رابِطَةٌ لِجَوابِ (إذا) لِأنَّ جُمْلَةَ (مَن طَغى) إلى آخِرِها جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ لَيْسَ فِيها فِعْلٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ (إذا) فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ (إذا) وبَيْنَ جَوابِها ارْتِباطٌ لَفْظِيٌّ؛ فَلِذَلِكَ تُجْلَبُ الفاءُ لِرَبْطِ الجَوابِ في ظاهِرِ اللَّفْظِ، وأمّا في المَعْنى فَيُعْلَمُ أنَّ (إذا) ظَرْفٌ يَتَعَلَّقُ بِمَعْنى الِاسْتِقْرارِ الَّذِي بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ.
و(أمّا) حَرْفُ تَفْصِيلٍ وشَرْطٍ؛ لِأنَّها في مَعْنى: مَهْما يَكُنْ شَيْءٌ.
والطُّغْيانُ تَقَدَّمَ مَعْناهُ آنِفًا، والمُرادُ هُنا: طَغى عَلى أمْرِ اللَّهِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ .
وقُدِّمَ ذِكْرُ الطُّغْيانِ عَلى إيثارِ الحَياةِ الدُّنْيا؛ لِأنَّ الطُّغْيانَ مِن أكْبَرِ أسْبابِ إيثارِ الحَياةِ الدُّنْيا، فَلَمّا كانَ مُسَبَّبًا عَنْهُ ذُكِرَ عَقِبَهُ مُراعاةً لِلتَّرَتُّبِ الطَّبِيعِيِّ.
والإيثارُ: تَفْضِيلُ شَيْءٍ عَلى شَيْءٍ في حالٍ لا يَتَيَسَّرُ فِيها الجَمْعُ بَيْنَ أحْوالِ كُلٍّ مِنهُما.
ويُعَدّى فِعْلُ الإيثارِ إلى اسْمِ المَأْثُورِ بِتَعْدِيَةِ الفِعْلِ إلى مَفْعُولِهِ، ويُعَدّى إلى المَأْثُورِ عَلَيْهِ بِحَرْفِ (عَلى)، قالَ تَعالى حِكايَةً ﴿لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ [يوسف: ٩١]، وقَدْ يُتْرَكُ ذِكْرُ المَأْثُورِ عَلَيْهِ إذا كانَ ذِكْرُ المَأْثُورِ يُشِيرُ إلَيْهِ كَما إذا كانَ المَأْثُورُ والمَأْثُورُ عَلَيْهِ ضِدَّيْنِ كَما هُنا لِما هو شائِعٌ مِنَ المُقابَلَةِ بَيْنَ الحَياةِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وقَدْ يُتْرَكُ ذِكْرُ المَأْثُورِ اكْتِفاءً بِذِكْرِ المَأْثُورِ عَلَيْهِ إذا كانَ هو الأهَمَّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الحشر: ٩] لِظُهُورِ أنَّ المُرادَ يُؤْثِرُونَ (الفُقَراءَ) .
صفحة ٩٢
والمُرادُ بِالحَياةِ الدُّنْيا حُظُوظُها ومَنافِعُها الخاصَّةُ بِها، أيِ: الَّتِي لا تُشارِكُها فِيها حُظُوظُ الآخِرَةِ، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، تَقْدِيرُهُ: نَعِيمَ الحَياةِ.
ويُفْهَمُ مِن فِعْلِ الإيثارِ أنَّ مَعَهُ نَبْذًا لِنَعِيمِ الآخِرَةِ. ويَرْجِعُ إيثارُ الحَياةِ الدُّنْيا إلى إرْضاءِ هَوى النَّفْسِ، وإنَّما يُعْرَفُ كِلا الحَظَّيْنِ بِالتَّوْقِيفِ الإلَهِيِّ كَما عُرِفَ الشِّرْكُ وتَكْذِيبُ الرُّسُلِ والِاعْتِداءُ عَلى النّاسِ والبَطَرُ والصَّلَفُ وما يَسْتَتْبِعُهُ ذَلِكَ مِنَ الأحْوالِ الذَّمِيمَةِ.
ومِلاكُ هَذا الإيثارِ هو الطُّغْيانُ عَلى أمْرِ اللَّهِ، فَإنَّ سادَتَهم ومُسَيِّرِيهِمْ يَعْلَمُونَ أنَّ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ الرَّسُولُ هو الحَقُّ، ولَكِنَّهم يَكْرَهُونَ مُتابَعَتَهُ اسْتِكْبارًا عَلى أنْ يَكُونُوا تَبَعًا لِلْغَيْرِ فَتَضِيعَ سِيادَتُهم، وقَدْ زادَ هَذا المُفادَ بَيانًا قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿وأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ الآيَةَ. وبِهِ يَظْهَرُ أنَّ مَناطَ الذَّمِّ في إيثارِ الحَياةِ الدُّنْيا هو إيثارُها عَلى الآخِرَةِ، فَأمّا الأخْذُ بِحُظُوظِ الحَياةِ الدُّنْيا الَّتِي لا يُفِيتُ الأخْذُ بِها حُظُوظَ الآخِرَةِ فَذَلِكَ غَيْرُ مَذْمُومٍ، وهو مَقامُ كَثِيرٍ مِن عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ صالِحِي بَنِي إسْرائِيلَ مِن قَوْلِهِمْ لِقارُونَ ﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ [القصص: ٧٧] .
وقَوْلُهُ: ﴿مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ مُقابِلُ قَوْلِهِ: مَن طَغى؛ لِأنَّ الخَوْفَ ضِدُّ الطُّغْيانِ، وقَوْلُهُ: ﴿ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى﴾ مُقابِلُ قَوْلِهِ: ﴿وآثَرَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ .
ونَهْيُ الخائِفِ نَفْسَهُ مُسْتَعارٌ لِلِانْكِفافِ عَنْ تَناوُلِ ما تُحِبُّهُ النَّفْسُ مِنَ المَعاصِي والهَوى، فَجُعِلَتْ نَفْسُ الإنْسانِ بِمَنزِلَةِ شَخْصٍ آخَرَ يَدْعُوهُ إلى السَّيِّئاتِ وهو يَنْهاهُ عَنْ هَذِهِ الدَّعْوَةِ، وهَذا يُشْبِهُ ما يُسَمّى بِالتَّجْرِيدِ، يَقُولُونَ: قالَتْ لَهُ نَفْسُهُ كَذا فَعَصاها، ويُقالُ: نَهى قَلْبَهُ، ومِن أحْسَنِ ما قِيلَ في ذَلِكَ قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ أُذَيْنَةَ:
وإذا وجَدْتُ لَها وساوِسَ سَلْوَةً ∗∗∗ شَفَعَ الفُؤادُ إلى الضَّمِيرِ فَسَلَّها
والمُرادُ بِـ (الهَوى) ما تَهْواهُ النَّفْسُ، فَهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ مِثْلَ الخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ، فَهو ما تَرْغَبُ فِيهِ قُوى النَّفْسِ الشَّهَوِيَّةُ والغَضَبِيَّةُ مِمّا يُخالِفُ الحَقَّ والنَّفْعَ الكامِلَ. وشاعَ الهَوى في المَرْغُوبِ الذَّمِيمِ ولِذَلِكَ قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى:
صفحة ٩٣
﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] أنَّ (بِغَيْرِ هُدًى) حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لَيْسَتْ تَقْيِيدًا؛ إذْ لا يَكُونُ الهَوى إلّا بِغَيْرِ هُدًى.
وتَعْرِيفُ الهَوى تَعْرِيفُ الجِنْسِ.
والتَّعْرِيفُ في (المَأْوى) الأوَّلِ والثّانِي تَعْرِيفُ العَهْدِ، أيْ: مَأْوى مَن طَغى، ومَأْوى مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ، وهو تَعْرِيفٌ مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِ ما يُضافُ إلَيْهِ (مَأْوى) ومَثَلُهُ شائِعٌ في الكَلامِ كَما في قَوْلِهِ: غُضَّ الطَّرْفَ، أيِ: الطَّرْفَ المَعْهُودَ مِنَ الأمْرِ، أيْ: غُضَّ طَرْفَكَ، وقَوْلِهِ: وامْلَأِ السَّمْعَ، أيْ: سَمْعَكَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَيْنَهُما حِجابٌ وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ﴾ [الأعراف: ٤٦] أيْ: عَلى أعْرافِ الحِجابِ، ولِذَلِكَ فَتَقْدِيرُ الكَلامِ عِنْدَ نُحاةِ البَصْرَةِ المَأْوى لَهُ أوْ مَأْواهُ عِنْدَ نُحاةِ الكُوفَةِ، ويُسَمِّي نُحاةُ الكُوفَةِ الألِفَ واللّامَ هَذِهِ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ وهي تَسْمِيَةٌ حَسَنَةٌ لِوُضُوحِها واخْتِصارِها، ويَأْبى ذَلِكَ البَصْرِيُّونَ، وهو خِلافٌ ضَئِيلٌ؛ إذِ المَعْنى مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
والمَأْوى: اسْمُ مَكانٍ مِن أوى إذا رَجَعَ، فالمُرادُ بِهِ: المَقَرُّ والمَسْكَنُ؛ لِأنَّ المَرْءَ يَذْهَبُ إلى قَضاءِ شُؤُونِهِ ثُمَّ يَرْجِعُ إلى مَسْكَنِهِ.
و(مَقامَ رَبِّهِ) مَجازٌ عَنِ الجَلالِ والمَهابَةِ، وأصْلُ المَقامِ مَكانُ القِيامِ فَكانَ أصْلُهُ مَكانَ ما يُضافُ هو إلَيْهِ، ثُمَّ شاعَ إطْلاقُهُ عَلى نَفْسِ ما يُضافُ إلَيْهِ عَلى طَرِيقَةِ الكِنايَةِ بِتَعْظِيمِ المَكانِ عَنْ تَعْظِيمِ صاحِبِهِ، مِثْلُ ألْفاظِ: جَنابٍ، وكَنَفٍ، وذَرًى، قالَ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] وقالَ: ﴿ذَلِكَ لِمَن خافَ مَقامِي﴾ [إبراهيم: ١٤] وذَلِكَ مِن قَبِيلِ الكِنايَةِ المَطْلُوبِ بِها نِسْبَةٌ إلى المُكَنّى عَنْهُ فَإنَّ خَوْفَ مَقامِ اللَّهِ مُرادٌ بِهِ خَوْفُ اللَّهِ والمُرادُ بِالنِّسْبَةِ ما يَشْمَلُ التَّعَلُّقَ بِالمَفْعُولِ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ما سَعى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ مُحَسِّنُ الجَمْعِ مَعَ التَّقْسِيمِ.
صفحة ٩٤
وتَعْرِيفُ (النَّفْسَ) في قَوْلِهِ: (﴿ونَهى النَّفْسَ﴾) هو مِثْلُ التَّعْرِيفِ في (المَأْوى) .
وفِي تَعْرِيفِ (أصْحابِ الجَحِيمِ) و(أصْحابِ الجَنَّةِ) بِطَرِيقِ المَوْصُولِ إيماءٌ إلى أنَّ الصِّلَتَيْنِ عِلَّتانِ في اسْتِحْقاقِ ذَلِكَ المَأْوى.
79:42–45Page 584
يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرۡسَىٰهَا ٤٢
They ask you, [O Muḥammad], about the Hour: when is its arrival?1
فِيمَ أَنتَ مِن ذِكۡرَىٰهَآ ٤٣
In what [position] are you that you should mention it?1
إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَىٰهَآ ٤٤
To your Lord is its finality.1
إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخۡشَىٰهَا ٤٥
You are only a warner for those who fear it.
( ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها﴾ ﴿فِيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ ﴿إلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾ ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾
.
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ مَنشَؤُهُ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَسْألُونَ عَنْ وقْتِ حُلُولِ السّاعَةِ الَّتِي يَتَوَعَّدُهم بِها النَّبِيءُ ﷺ كَما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم غَيْرَ مَرَّةٍ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨] .
وكانَ سُؤالُهُمُ اسْتِهْزاءً واسْتِخْفافًا؛ لِأنَّهم عَقَدُوا قُلُوبَهم عَلى اسْتِحالَةِ وُقُوعِ السّاعَةِ، ورُبَّما طَلَبُوا التَّعْجِيلَ بِوُقُوعِها وأوْهَمُوا أنْفُسَهم وأشْياعَهم أنَّ تَأخُّرَ وُقُوعِها دَلِيلٌ عَلى اليَأْسِ مِنها؛ لِأنَّهم يَتَوَهَّمُونَ أنَّهم إذا فَعَلُوا ذَلِكَ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ لَوْ كانَ صادِقًا لَحَمِيَ غَضَبُ اللَّهِ مُرْسِلِهِ - سُبْحانَهُ -، فَبادَرَ بِإراءَتِهِمُ العَذابَ، وهم يَتَوَهَّمُونَ شُؤُونَ الخالِقِ كَشِؤُونَ النّاسِ إذا غَضِبَ أحَدُهم عَجَّلَ بِالِانْتِقامِ طَيْشًا وحَنَقًا، قالَ تَعالى: ﴿لَوْ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ بَلْ لَهم مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ [الكهف: ٥٨] .
فَلا جَرَمَ لَمّا قُضِيَ حَقُّ الِاسْتِدْلالِ عَلى إمْكانِ البَعْثِ بِإقامَةِ الدَّلِيلِ وضَرْبِ الأمْثالِ، وعُرِّضَ بِعِقابِ الَّذِينَ اسْتَخَفُّوا بِها في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَتِ الطّامَّةُ الكُبْرى﴾ [النازعات: ٣٤]، كانَ ذَلِكَ مَثارًا لِسُؤالِهِمْ أنْ يَقُولُوا: هَلْ لِمَجِيءِ هَذِهِ الطّامَّةِ الكُبْرى وقْتٌ مَعْلُومٌ ؟ فَكانَ الحالُ مُقْتَضِيًا هَذا الِاسْتِئْنافَ البَيانِيَّ قَضاءً لِحَقِّ المَقامِ وجَوابًا عَنْ سابِقِ الكَلامِ.
فَضَمِيرُ (يَسْألُونَ) عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ أصْحابِ القُلُوبِ الواجِفَةِ والَّذِينَ قالُوا ﴿أإنّا لَمَرْدُودُونَ في الحافِرَةِ﴾ [النازعات: ١٠] .
صفحة ٩٥
وحُكِيَ فِعْلُ السُّؤالِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِلدِّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ هَذا السُّؤالِ وتَكَرُّرِهِ.
والسّاعَةُ: هي الطّامَّةُ؛ فَذِكْرُ السّاعَةِ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِقَصْدِ اسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ بِمَدْلُولِها مَعَ تَفَنُّنٍ في التَّعْبِيرِ عَنْها بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ (الطّامَّةِ) و(السّاعَةِ) .
و(﴿أيّانَ مُرْساها﴾) جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلسُّؤالِ.
و(أيّانَ) اسْمٌ يُسْتَفْهَمُ بِهِ عَنْ تَعْيِينِ الوَقْتِ.
والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في الِاسْتِبْعادِ كِنايَةً وهو أيْضًا كِنايَةٌ عَنِ الِاسْتِحالَةِ، و(مُرْساها) مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ لِفِعْلِ أرْسى، والإرْساءُ: جَعْلُ السَّفِينَةِ عِنْدَ الشّاطِئِ لِقَصْدِ النُّزُولِ مِنها. واسْتُعِيرَ الإرْساءُ لِلْوُقُوعِ والحُصُولِ تَشْبِيهًا لِلْأمْرِ المُغَيَّبِ حُصُولُهُ بِسَفِينَةٍ ماخِرَةِ البَحْرِ لا يُعْرَفُ وُصُولُها إلّا إذا رَسَتْ، وعَلَيْهِ فَ (أيّانَ) تَرْشِيحٌ لِلِاسْتِعارَةِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ في سُورَةِ الأعْرافِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فِيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ واقِعٌ مَوْقِعَ الجَوابِ عَنْ سُؤالِهِمْ عَنِ السّاعَةِ بِاعْتِبارِ ما يَظْهَرُ مِن حالِ سُؤالِهِمْ عَنِ السّاعَةِ مِن إرادَةِ تَعْيِينِ وقْتِها وصَرْفِ النَّظَرِ عَنْ إرادَتِهِمْ بِهِ الِاسْتِهْزاءَ، فَهَذا الجَوابُ مِن تَخْرِيجِ الكَلامِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ، وهو مِن تَلَقِّي السّائِلِ بِغَيْرِ ما يَتَطَلَّبُ تَنْبِيهًا لَهُ عَلى أنَّ الأوْلى بِهِ أنْ يَهْتَمَّ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وهو مَضْمُونُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ . وهَذا ما يُسَمّى بِالأُسْلُوبِ الحَكِيمِ، ونَظِيرُهُ ما رُوِيَ في الصَّحِيحِ «أنَّ رَجُلًا سَألَ النَّبِيءَ ﷺ عَنِ السّاعَةِ فَقالَ لَهُ: ماذا أعْدَدْتَ لَها» ؟ أيْ: كانَ الأوْلى لَكَ أنْ تَصْرِفَ عِنايَتَكَ إلى الِاسْتِكْثارِ مِنَ الحَسَناتِ إعْدادًا لِيَوْمِ السّاعَةِ.
والخِطابُ وإنْ كانَ مُوَجَّهًا إلى النَّبِيءِ ﷺ فالمَقْصُودُ بُلُوغُهُ إلى مَسامِعِ المُشْرِكِينَ، فَلِذَلِكَ اعْتُبِرَ اعْتِبارَ جَوابٍ عَنْ كَلامِهِمْ، وذَلِكَ مُقْتَضى فَصْلِ الجُمْلَةِ عَنِ الَّتِي قَبْلَها شَأْنَ الجَوابِ والسُّؤالِ.
و(ما) في قَوْلِهِ: (فِيمَ) اسْمُ اسْتِفْهامٍ بِمَعْنى: أيِّ شَيْءٍ ؟ مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّعْجِيبِ مِن سُؤالِ السّائِلِينَ عَنْها ثُمَّ تَوْبِيخِهِمْ. و(في) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ بِجَعْلِ المُشْرِكِينَ في إحْفائِهِمْ بِالسُّؤالِ عَنْ وقْتِ السّاعَةِ، كَأنَّهم جَعَلُوا النَّبِيءَ ﷺ مَحُوطًا
صفحة ٩٦
بِذِكْرِ وقْتِ السّاعَةِ، أيْ: مُتَلَبِّسًا بِهِ تَلَبُّسَ العالِمِ بِالمَعْلُومِ، فَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِحَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ في الحَرْفِ.
وحَذْفُ ألِفِ (ما) لِوُقُوعِها بَعْدَ حَرْفِ الجَرِّ مِثْلَ ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبإ: ١] . و(فِيمَ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ و(أنْتَ) مُبْتَدَأٌ، و(مِن ذِكْراها) إمّا مُتَعَلِّقٌ بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي في الخَبَرِ أوْ هو حالٌ مِنَ المُبْتَدَأِ.
و(مِن): إمّا مُبَيِّنَةٌ لِلْإبْهامِ الَّذِي في (ما) الِاسْتِفْهامِيَّةِ، أيْ: في شَيْءٍ هو ذِكْراها، أيْ: في شَيْءٍ هو أنْ تَذْكُرَها، أيْ: لَسْتَ مُتَصَدِّيًا لِشَيْءٍ هو ذِكْرى السّاعَةِ، وإمّا صِفَةٌ لِلْمُبْتَدَأِ فَهي اتِّصالِيَّةٌ وهي ضَرْبٌ مِنَ الِابْتِدائِيَّةِ ابْتِداؤُها مَجازِيٌّ، أيْ: لَسْتَ في شَيْءٍ يَتَّصِلُ بِذِكْرى السّاعَةِ ويَحُومُ حَوْلَهُ، أيْ: ما أنْتَ في شَيْءٍ هو ذِكْرُ وقْتِ السّاعَةِ، وعَلى الثّانِي: ما أنْتِ في صِلَةٍ مَعَ ذِكْرِ السّاعَةِ، أيْ: لا مُلابَسَةَ بَيْنَكَ وبَيْنَ تَعْيِينِ وقْتِها.
وتَقْدِيمُ (فِيمَ) عَلى المُبْتَدَأِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِيُفِيدَ أنَّ مَضْمُونَ الخَبَرِ هو مَناطُ الإنْكارِ بِخِلافِ ما لَوْ قِيلَ: أأنْتَ في شَيْءٍ مِن ذِكْراها ؟ والذِّكْرى: اسْمُ مَصْدَرِ الذِّكْرِ، والمُرادُ بِهِ هُنا الذِّكْرُ اللِّسانِيُّ.
وجُمْلَةُ ﴿إلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾ في مَوْقِعِ العِلَّةِ لِلْإنْكارِ الَّذِي اقْتَضاهُ قَوْلُهُ: ﴿فِيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ ولِذَلِكَ فُصِلَتْ، وفي الكَلامِ تَقْدِيرُ مُضافٍ، والمَعْنى: إلى رَبِّكَ عِلْمُ مُنْتَهاها.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى المُبْتَدَأِ في قَوْلِهِ: ﴿إلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾ لِإفادَةِ القَصْرِ، أيْ: لا إلَيْكَ، وهَذا قَصْرُ صِفَةٍ عَلى مَوْصُوفٍ.
والمُنْتَهى: أصْلُهُ مَكانُ انْتِهاءِ السَّيْرِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى المَصِيرِ؛ لِأنَّ المَصِيرَ لازِمٌ لِلِانْتِهاءِ قالَ تَعالى: ﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ [النجم: ٤٢] ثُمَّ تُوُسِّعَ فِيهِ فَأُطْلِقَ عَلى العِلْمِ، أيْ: لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ، فَقَوْلُهُ: (﴿مُنْتَهاها﴾) هو في المَعْنى عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: عِلْمُ وقْتِ حُصُولِها كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (﴿أيّانَ مُرْساها﴾) .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (مُنْتَهاها) بِمَعْنى بُلُوغِ خَبَرِها كَما يُقالُ: أنْهَيْتُ إلى فُلانٍ حادِثَةَ كَذا، وانْتَهى إلَيَّ نَبَأُ كَذا.
صفحة ٩٧
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ جُمْلَةِ ﴿فِيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها إلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾ وهو أنْ يَسْألَ السّامِعُ عَنْ وجْهِ إكْثارِ النَّبِيءِ ﷺ ذِكْرَها وأنَّها قَرِيبَةٌ، فَأُجِيبَ بِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ حَظُّهُ التَّحْذِيرُ مِن بِغْتَتِها، ولَيْسَ حَظُّهُ الإعْلامَ بِتَعْيِينِ وقْتِها، عَلى أنَّ المُشْرِكِينَ قَدِ اتَّخَذُوا إعْراضَ القُرْآنِ عَنْ تَعْيِينِ وقْتِها حُجَّةً لَهم عَلى إحالَتِها؛ لِأنَّهم بِجَهْلِهِمْ بِالحَقائِقِ يَحْسَبُونَ أنَّ مِن شَأْنِ النَّبِيءِ ﷺ أنْ يَعْلَمَ الغَيْبَ ولِذَلِكَ تَكَرَّرَ في القُرْآنِ تَبْرِئَةُ النَّبِيءِ ﷺ مِن ذَلِكَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ [الأنعام: ٥٠] .
وأفادَتْ (إنَّما) قَصْرَ المُخاطَبِ عَلى صِفَةِ الإنْذارِ، أيْ: تَخْصِيصَهُ بِحالِ الإنْذارِ وهو قَصْرٌ مَوْصُوفٌ عَلى صِفَةٍ فَهو قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ: بِالنِّسْبَةِ إلى ما اعْتَقَدُوهُ فِيهِ بِما دَلَّ عَلَيْهِ إلْحافُهم في السُّؤالِ مِن كَوْنِهِ مُطَّلِعًا عَلى الغَيْبِ.
وقَوْلُهُ: ﴿مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِإضافَةِ (مُنْذِرُ) إلى (مَن يَخْشاها) . وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِتَنْوِينِ (مُنْذِرُ) عَلى أنَّ (مَن يَخْشاها) مَفْعُولُهُ.
وفِي إضافَةِ (مُنْذِرُ) إلى (مَن يَخْشاها) أوْ نَصْبِهِ بِهِ إيجازُ حَذْفٍ، تَقْدِيرُهُ: مُنْذِرُها فَيَنْتَذِرُ مَن يَخْشاها، وقَرِينَةُ ذَلِكَ حالِيَّةٌ لِلْعِلْمِ المُتَواتِرِ مِنَ القُرْآنِ بِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ يُنْذِرُ جَمِيعَ النّاسِ لا يَخُصُّ قَوْمًا دُونَ آخَرِينَ، فَإنَّ آياتِ الدَّعْوَةِ مِنَ القُرْآنِ ومَقاماتِ دَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ لَمْ تَكُنْ إلّا عامَّةً، ولا يُعْرَفُ مَن يَخْشى السّاعَةَ إلّا بَعْدَ أنْ يُؤْمِنَ المُؤْمِنُ، ولَوْ عُرِفَ أحَدٌ بِعَيْنِهِ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ أبَدًا لَما وُجِّهَتْ إلَيْهِ الدَّعْوَةُ، فَتَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ: أنَّهُ لا يَنْتَفِعُ بِالإنْذارِ إلّا مَن يَخْشى السّاعَةَ، ومَن عَداهُ تَمُرُّ الدَّعْوَةُ بِسَمْعِهِ فَلا يَأْبَهُ بِها، فَكانَ ذِكْرُ مَن يَخْشاها تَنْوِيهًا بِشَأْنِ المُؤْمِنِينَ وإعْلانًا لِمَزِيَّتِهِمْ وتَحْقِيرًا لِلَّذِينَ بَقُوا عَلى الكُفْرِ قالَ تَعالى: ﴿وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ إنْ أنْتَ إلّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٢] .
وعَلى هَذا القانُونِ يُفْهَمُ لِماذا وُجِّهَ هَذا الخِطابُ بِالإيمانِ إلى ناسٍ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وكَشَفَ الواقِعُ عَلى أنَّهم هَلَكُوا ولَمْ يُؤْمِنُوا مِثْلَ صَنادِيدِ قُرَيْشٍ أصْحابِ القَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ، مِثْلَ أبِي جَهْلٍ، والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، ولِماذا وُجِّهَ الخِطابُ بِطَلَبِ التَّقْوى مِمَّنْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهُ لا يَتَّقِي مِثْلَ: دُعّارِ العَرَبِ الَّذِينَ أسْلَمُوا ولَمْ يَتْرُكُوا العُدْوانَ والفَواحِشَ، ومِثْلَ أهْلِ الرِّدَّةِ الَّذِينَ لَمْ يَكْفُرُوا مِنهم ولَكِنَّهم أصَرُّوا عَلى مَنعِ الزَّكاةِ
صفحة ٩٨
وقاتَلَهم أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فَمَن ماتَ مِنهم في ذَلِكَ فَهو مِمَّنْ لَمْ يَتَّقِ اللَّهَ؛ لِأنَّ ما في عِلْمِ اللَّهِ لا يَبْلُغُ النّاسُ إلى عِلْمِهِ ولا تَظْهَرُ نِهايَتُهُ إلّا بَعْدَ المَوْتِ وهي المَسْألَةُ المَعْرُوفَةُ عِنْدَ المُتَكَلِّمِينَ مِن أصْحابِنا بِمَسْألَةِ المُوافاةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences