Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Anfal 8:9–11
8:9Page 178
إِذۡ تَسۡتَغِيثُونَ رَبَّكُمۡ فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلۡفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُرۡدِفِينَ ٩
[Remember] when you were asking help of your Lord, and He answered you, "Indeed, I will reinforce you with a thousand from the angels, following one another."
﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكم فاسْتَجابَ لَكم أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدَفِينَ﴾ يَتَعَلَّقُ ظَرْفُ ”إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكم“ بِفِعْلِ ”يُرِيدُ اللَّهُ“ لِأنَّ إرادَةَ اللَّهِ مُسْتَمِرٌّ تَعَلُّقُها
صفحة ٢٧٤
بِأزْمِنَةٍ مِنها زَمانُ اسْتِغاثَةِ النَّبِيءِ ﷺ والمُسْلِمِينَ رَبَّهم عَلى عَدُوِّهِمْ، حِينَ لِقائِهِمْ مَعَ عَدُوِّهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَكانَتِ اسْتِجابَةُ اللَّهِ لَهم بِإمْدادِهِمْ بِالمَلائِكَةِ، مِن مَظاهِرِ إرادَتِهِ تَحْقِيقَ الحَقِّ فَكانَتْ الِاسْتِغاثَةُ يَوْمَ القِتالِ في بَدْرٍ وإرادَةُ اللَّهِ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ حَصَلَتْ في المَدِينَةِ يَوْمَ وعَدَهُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، ورَشَّحَ لَهم أنْ تَكُونَ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ ذاتَ الشَّوْكَةِ، وبَيْنَ وقْتِ الإرادَةِ ووَقْتِ الِاسْتِغاثَةِ مُدَّةُ أيّامٍ، ولَكِنْ لَمّا كانَتِ الإرادَةُ مُسْتَمِرَّةً إلى حِينِ النَّصْرِ يَوْمَ بَدْرٍ صَحَّ تَعْلِيقُ ظَرْفِ الِاسْتِغاثَةِ بِفِعْلِها، لِأنَّهُ اقْتِرانٌ بِبَعْضِها في امْتِدادِها، وهَذا أحْسَنُ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرُوها في مُتَعَلِّقٍ هَذا الظَّرْفِ أوْ مَوْقِعِهِ.
وقَدْ أشارَتِ الآيَةُ إلى دُعاءِ النَّبِيءِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ، أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ «نَظَرَ نَبِيءُ اللَّهِ ﷺ إلى المُشْرِكِينَ وهم ألْفَ وأصْحابُهُ ثَلاثُمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا فاسْتَقْبَلَ نَبِيءُ اللَّهِ ﷺ القِبْلَةَ ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ وجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: اللَّهُمَّ أنْجِزْ لِي ما وعَدْتَنِي اللَّهُمَّ إنْ تَهْلَكْ هَذِهِ العِصابَةُ مِن أهْلِ الإسْلامِ لا تَعْبُدُ في الأرْضِ فَما زالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبَلَ القِبْلَةِ حَتّى سَقَطَ رِداؤُهُ عَنْ مَنكِبَيْهِ فَأتاهُ أبُو بَكْرٍ فَأخَذَ رِداءَهُ فَألْقاهُ عَلى مَنكِبَيْهِ ثُمَّ ألْتَزِمُهُ مِن ورائِهِ فَقالَ يا نَبِيءَ اللَّهِ كَفاكَ مُناشَدَةَ رَبِّكَ فَإنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ ما وعَدَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكم فاسْتَجابَ لَكم أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدَفِينَ» أيْ فَأنْزَلَ اللَّهُ في حِكايَةِ تِلْكَ الحالَةِ. وعَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ يَكُونُ ضَمِيرُ ”تَسْتَغِيثُونَ“ مُرادًا بِهِ النَّبِيءُ ﷺ وعَبَّرَ عَنْهُ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ لِأنَّهُ كانَ يَدْعُو لِأجْلِهِمْ، ولِأنَّهُ كانَ مُعْلِنًا بِدُعائِهِ وهم يَسْمَعُونَهُ، فَهم بِحالِ مَن يَدْعُونَ، وقَدْ جاءَ في السِّيرَةِ أنَّ المُسْلِمِينَ لَمّا نَزَلُوا بِبَدْرٍ ورَأوْا كَثْرَةَ المُشْرِكِينَ اسْتَغاثُوا اللَّهَ - تَعالى - فَتَكُونُ الِاسْتِغاثَةُ في جَمِيعِ الجَيْشِ والضَّمِيرُ شامِلًا لَهم.
والِاسْتِغاثَةُ: طَلَبُ الغَوْثِ، وهو الإعانَةُ عَلى رَفْعِ الشِّدَّةِ والمَشَقَّةِ ولَمّا كانُوا يَوْمَئِذٍ في شِدَّةٍ ودَعَوْا بِطَلَبِ النَّصْرِ عَلى العَدُوِّ القَوِيِّ كانَ دُعاؤُهُمُ اسْتِغاثَةً.
فاسْتَجابَ لَكم أيْ وعَدَكم بِالإغاثَةِ.
وفِعْلُ اسْتَجابَ يَدُلُّ عَلى قَبُولِ الطَّلَبِ، والسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ أيْ تَحْقِيقُ المَطْلُوبِ
صفحة ٣٧٥
وقَوْلُهُ ﴿أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ هو الكَلامُ المُسْتَجابُ بِهِ ولِذَلِكَ قَدَّرَهُ في الكَشّافِ بِأنَّ أصْلَهُ بِأنِّي مُمِدُّكم أيْ فَحَذَفَ الجارَ وسَلَّطَ عَلَيْهِ اسْتَجابَ فَنَصَبَ مَحَلَّهُ.
وأرى أنَّ حَرْفَ أنَّ المَفْتُوحَةَ الهَمْزَةِ المُشَدَّدَةَ النُّونِ إذا وقَعَتْ بَعْدَ ما فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ أنْ تَكُونَ مُفِيدَةً لِلتَّفْسِيرِ مَعَ التَّأْكِيدِ كَما كانَتْ تُفِيدُ مَعْنى المَصْدَرِيَّةِ مَعَ التَّأْكِيدِ. فَمِنَ البَيِّنِ أنَّ ”أنَّ“ المَفْتُوحَةَ الهَمْزَةِ مُرَكَّبَةٌ مِن ”أنِ“ المَفْتُوحَةِ الهَمْزَةِ المُخَفَّفَةِ النُّونِ المَصْدَرِيَّةِ في الغالِبِ، يَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ تَرْكِيبُها مِن ”أنِ“ التَّفْسِيرِيَّةِ إذا وقَعَتْ بَعْدَ ما فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ، وذَلِكَ مَظِنَّةُ أنِ التَّفْسِيرِيَّةِ، وأعْتَضِدُ بِما في اللِّسانِ مِن قَوْلِ الفَرّاءِ: إذا جاءَتْ ”أنَّ“ بَعْدَ القَوْلِ وما تَصَرَّفَ مِنَ القَوْلِ كانَتْ حِكايَةً فَلَمْ يَقَعْ عَلَيْها أيُّ القَوْلِ فَهي مَكْسُورَةٌ. وإنْ كانَتْ تَفْسِيرًا لِلْقَوْلِ نَصَبَتْها ومِثْلُهُ: قَدْ قُلْتُ لَكَ كَلامًا حَسَنًا أنَّ أباكَ شَرِيفٌ، فُتِحَتْ ”أنَّ“ لِأنَّها فَسَرَّتِ الكَلامَ. قُلْتُ: ووُقُوعُ أنَّ مَوْقِعَ التَّفْسِيرِ كَثِيرٌ في الكَلامِ، وفي القُرْآنِ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى - ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] الآيَةَ، ومَن تَأمَّلَ بِإنْصافٍ وجَدَ مَتانَةَ مَعْنى قَوْلِهِ ”﴿أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾“ في كَوْنِ ”أنَّ“ تَفْسِيرِيَّةً، دُونَ كَوْنِها مَجْرُورَةً بِحَرْفِ جَرٍّ مَحْذُوفٍ، مَعَ أنَّ مَعْنى ذَلِكَ الحَرْفِ غَيْرُ بَيِّنٍ.
والإمْدادُ إعْطاءُ المَدَدِ وهو الزِّيادَةُ مِنَ الشَّيْءِ النّافِعِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ: بِفَتْحِ الدّالِّ مِن ”مُرْدَفِينَ“ أيْ يَرْدُفُهم غَيْرُهم مِنَ المَلائِكَةِ. وقَرَأ البَقِيَّةُ: بِكَسْرِ الدّالِّ أيْ تَكُونُ الألْفُ رادِفًا لِغَيْرِهِمْ قَبْلَهم.
والإرْدافُ الِاتْباعُ والإلْحاقُ فَيَكُونُ الوَعْدُ بِألْفٍ وبِغَيْرِها عَلى ما هو مُتَعارَفٌ عِنْدَهم مِن إعْدادِ نَجْدَةٍ لِلْجَيْشِ عِنْدَ الحاجَةِ تَكُونُ لَهم مَدَدًا، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ أمَدَّهم بِآلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ بَلَغُوا خَمْسَةَ آلافٍ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِألْفٍ هَنا مُطْلَقُ الكَثْرَةِ فَيُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ ”بِثَلاثَةِ آلافٍ“ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وهم مُرْدَفُونَ بِألْفَيْنِ، فَتِلْكَ خَمْسَةُ آلافٍ، وكانَتْ عادَتُهم في الحَرْبِ إذا كانَ الجَيْشُ عَظِيمًا أنْ يَبْعَثُوا طائِفَةً مِنهُ ثُمَّ يُعْقِبُوها بِأُخْرى لِأنَّ ذَلِكَ أرْهَبُ لِلْعَدُوِّ.
صفحة ٢٧٦
ويُوَجِّهُ سُيُوفَهم، وحُلُولُ المَلائِكَةِ في المُسْلِمِينَ كانَ بِكَيْفِيَّةٍ يَعْلَمُها اللَّهُ - تَعالى -: إمّا بِتَجْسِيمِ المُجَرَّداتِ فَيَراهم مَن أكْرَمَهُ اللَّهُ بِرُؤْيَتِهِمْ، وإمّا بِإراءَةِ اللَّهِ النّاسَ ما لَيْسَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُرى عادَةً.
8:10Page 178
وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ وَلِتَطۡمَئِنَّ بِهِۦ قُلُوبُكُمۡۚ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ١٠
And Allāh made it not but good tidings and so that your hearts would be assured thereby. And victory is not but from Allāh. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise.
﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكم وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
عَطْفٌ عَلى ”أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدَفِينَ“ فالضَّمِيرُ المَنصُوبُ في قَوْلِهِ ”جَعَلَهُ“ عائِدٌ إلى القَوْلِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ ”فاسْتَجابَ لَكم أنِّي مُمِدُّكم“ أيْ ما جَعَلَ جَوابَكم بِهَذا الكَلامِ إلّا لِيُبَشِّرَكم، وإلّا فَقَدْ كانَ يَكْفِيكم أنْ يَضْمَنَ لَكُمُ النَّصْرَ دُونَ أنْ يُبَيِّنَ أنَّهُ بِإمْدادٍ مِنَ المَلائِكَةِ.
وفائِدَةُ التَّبْشِيرِ بِإمْدادِ المَلائِكَةِ أنَّ يَوْمَ بَدْرٍ كانَ في أوَّلِ يَوْمٍ لَقِيَ فِيهِ المُسْلِمُونَ عَدُوًّا قَوِيًّا وجَيْشًا عَدِيدًا، فَبَشَّرَهُمُ اللَّهُ بِكَيْفِيَّةِ النَّصْرِ الَّذِي ضَمِنَهُ لَهم بِأنَّهُ بِجَيْشٍ مِنَ المَلائِكَةِ، لِأنَّ النُّفُوسَ أمْيَلُ إلى المَحْسُوساتِ، فالنَّصْرُ مَعْنًى مِنَ المَعانِي يَدِقُّ إدْراكُهُ وسُكُونُ النَّفْسِ لِتُصَوُّرِهِ بِخِلافِ الصُّوَرِ المَحْسُوسَةِ مِن تَصْوِيرِ مَدَدِ المَلائِكَةِ ورُؤْيَةِ أشْكالِ بَعْضِهِمْ.
وتَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ إلّا لِتَعَرُّضٍ لِما بَيْنَ الآيَتَيْنِ مِنَ اخْتِلافٍ في تَرْتِيبِ النَّظْمِ وذَلِكَ في ثَلاثَةِ أُمُورٍ.
أحَدُها أنَّهُ قالَ في آلِ عِمْرانَ ”﴿إلّا بُشْرى لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٦]“ وحَذَفَ ”لَكم“ هُنا دَفْعًا لِتَكْرِيرِ لَفْظِهِ لَسَبْقِ كَلِمَةِ ”لَكم“ قَرِيبًا في قَوْلِهِ ”فاسْتَجابَ لَكم“ فَعَلِمَ السّامِعُ أنَّ البُشْرى لَهم، فَأغْنَتْ ”لَكُمُ“ الأوْلى، بِلَفْظِها ومَعْناها، عَنْ ذِكْرِ ”لَكم“ مَرَّةً ثانِيَةً، ولِأنَّ آيَةَ آلِ عِمْرانَ سِيقَتْ مَساقَ الِامْتِنانِ والتَّذْكِيرِ بِنِعْمَةِ النَّصْرِ في حِينِ القِلَّةِ والضَّعْفِ، فَكانَ تَقْيِيدُ ”بُشْرى“ بِأنَّها لِأجْلِهِمْ زِيادَةً في المِنَّةِ أيْ: جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بُشْرى لِأجْلِكم كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] وأمّا آيَةُ الأنْفالِ فَهي مَسُوقَةٌ مَساقَ العِتابِ عَلى كَراهِيَةِ الخُرُوجِ إلى بَدْرٍ في أوَّلِ الأمْرِ، وعَلى اخْتِيارِ أنْ تَكُونَ الطّائِفَةُ الَّتِي تُلاقِيهِمْ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ، فَجَرَّدَ
صفحة ٢٧٧
بُشْرى عَنْ أنْ يُعَلِّقَ بِهِ ”لَكم“ إذْ كانَتِ البُشْرى لِلنَّبِيءِ ﷺ ومَن لَمْ يَتَرَدَّدُوا مِنَ المُسْلِمِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في آلِ عِمْرانَ.
ثانِيها تَقْدِيمُ المَجْرُورِ هُنا في قَوْلِهِ ”بِهِ قُلُوبُكم“ وهو يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ، فَيَكُونُ المَعْنى: ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكم لا بِغَيْرِهِ، وفي هَذا الِاخْتِصاصِ تَعْرِيضٌ بِما اعْتَراهم مِنَ الوَجَلِ مِنَ الطّائِفَةِ ذاتِ الشَّوْكَةِ وقَناعَتِهِمْ بِغَنْمِ العُرُوضِ الَّتِي كانَتْ مَعَ العِيرِ، فَعَرَّضَ لَهم بِأنَّهم لَمْ يَتَفَهَّمُوا مُرادَ الرَّسُولِ ﷺ، حِينَ اسْتَشارَهم، وأخْبَرَهم بِأنَّ العِيرَ سَلَكَتْ طَرِيقَ السّاحِلِ فَكانَ ذَلِكَ كافِيًا في أنْ يَعْلَمُوا أنَّ الطّائِفَةَ المَوْعُودَ بِها تَمَحَّضَتْ أنَّها طائِفَةُ النَّفِيرِ. وكانَ الشَّأْنُ أنْ يَظُنُّوا بِوَعْدِ اللَّهِ أكْمَلَ الأحْوالِ، فَلَمّا أرادَ اللَّهُ تَسْكِينَ رَوْعِهِمْ، وعَدَهم بِنُصْرَةِ المَلائِكَةِ عِلْمًا بِأنَّهُ لا يُطَمْئِنُ قُلُوبَهم إلّا ذَلِكَ. وجَعَلَ الفَخْرُ التَّقْدِيمَ هُنا لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِذَلِكَ الوَعْدِ، وذَلِكَ مِن وُجُوهِ التَّقْدِيمِ لَكِنَّهُ وجَّهَ تَأْخِيرَهُ في آلِ عِمْرانَ بِما هو غَيْرُ مَقْبُولٍ.
ثالِثُها أنَّهُ قالَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ العَزِيزُ الحَكِيمُ فَصاغَ الصِّفَتَيْنِ العَلِيَّتَيْنِ في صِيغَةِ النَّعْتِ، وجَعَلَهُما في هَذِهِ الآيَةِ في صِيغَةِ الخَبَرِ المُؤَكَّدِ، إذْ قالَ ”إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ“ فَنَزَّلَ المُخاطَبِينَ مَنزِلَةَ مَن يَتَرَدَّدُ في أنَّهُ - تَعالى - مَوْصُوفٌ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ: وهُما العِزَّةُ، المُقْتَضِيَةُ أنَّهُ إذا وعَدَ بِالنَّصْرِ لَمْ يُعْجِزْهُ شَيْءٌ، والحِكْمَةُ، فَما يَصْدُرُ مِن جانِبِهِ يَجِبُ غَوْصُ الأفْهامِ في تَبَيُّنِ مُقْتَضاءِهِ، فَكَيْفَ لا يَهْتَدُونَ إلى أنَّ اللَّهَ لَمّا وعَدَهُمُ الظَّفَرَ بِإحْدى الطّائِفَتَيْنِ وقَدْ فاتَتْهُمُ العِيرُ أنَّ ذَلِكَ آيِلٌ إلى الوَعْدِ بِالظَّفَرِ بِالنَّفِيرِ.
وجُمْلَةُ ”إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ“ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا جُعِلَتْ كالإخْبارِ بِما لَيْسَ بِمَعْلُومٍ لَهم.
8:11Page 178
إِذۡ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةٗ مِّنۡهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذۡهِبَ عَنكُمۡ رِجۡزَ ٱلشَّيۡطَٰنِ وَلِيَرۡبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمۡ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلۡأَقۡدَامَ ١١
[Remember] when He overwhelmed you with drowsiness [giving] security from Him and sent down upon you from the sky, rain by which to purify you and remove from you the evil [suggestions] of Satan and to make steadfast your hearts and plant firmly thereby your feet.
﴿إذْ يُغْشِيكُمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنهُ ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكم ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾
لَقَدْ أبْدَعَ نَظْمُ الآياتِ في التَّنَقُّلِ مِن قِصَّةٍ إلى أُخْرى مِن دَلائِلِ عِنايَةِ اللَّهِ
صفحة ٢٧٨
- تَعالى - بِرَسُولِهِ ﷺ وبِالمُؤْمِنِينَ، فَقَرَنَها في قَرْنِ زَمانِها، وجَعَلَ يَنْتَقِلُ مِن إحْداها إلى الأُخْرى بِواسِطَةِ ”إذِ“ الزَّمانِيَّةُ، وهَذا مِن أبْدَعِ التَّخَلُّصِ، وهو مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ فِيما أحْسَبُ.
ولِذَلِكَ فالوَجْهُ أنْ يَكُونَ هَذا الظَّرْفُ مَفْعُولًا فِيهِ لِقَوْلِهِ ”وما النَّصْرُ“ فَإنَّ إغْشاءَهُمُ النُّعاسَ كانَ مِن أسْبابِ النَّصْرِ، فَلا جَرَمَ أنْ يَكُونَ وقْتُ حُصُولِهِ ظَرْفًا لِلنَّصْرِ.
والغَشْيُ والغَشَيانُ كَوْنُ الشَّيْءِ غاشِيًا أيْ غامًّا ومُغَطِّيًا، فالنَّوْمُ يُغَطِّي العَقْلَ، والنُّعاسُ النَّوْمُ غَيْرُ الثَّقِيلِ، وهو مِثْلُ السِّنَةِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ: يُغْشِيكم، بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وسُكُونِ الغَيْنِ وتَخْفِيفِ الشِّينِ بَعْدَها ياءٌ مُضارِعُ أغْشاهُ وبِنَصْبِ النُّعاسِ، والتَّقْدِيرُ إذْ يُغْشِيكُمُ اللَّهُ النُّعاسَ، والنُّعاسُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِيَغْشى بِسَبَبِ تَعْدِيَةِ الهَمْزَةِ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ الشِّينِ بَعْدَها ألِفٌ، وبِرَفْعِ النُّعاسِ، عَلى أنَّ ”يَغْشاكم“ مُضارِعُ غَشِيَ والنُّعاسُ فاعِلٌ. وقَرَأهُ الباقُونَ: بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ، ونَصْبِ النُّعاسِ، عَلى أنَّهُ مُضارِعُ غَشّاهُ المُضاعَفِ والنُّعاسُ مَفْعُولٌ ثانٍ.
فَإسْنادُ الإغْشاءِ أوِ التَّغْشِيَةِ إلى اللَّهِ لِأنَّهُ الَّذِي قَدَّرَ أنْ يَنامُوا في وقْتٍ لا يَنامُ في مِثْلِهِ الخائِفُ، ولا يَكُونُ عامًّا سائِرَ الجَيْشِ فَهو نَوْمٌ مَنَحَهُمُ اللَّهُ إيّاهُ لِفائِدَتِهِمْ.
وإسْنادُ الغَشْيِ إلى النُّعاسِ حَقِيقَةٌ عَلى المُتَعارَفِ، وقَدْ عُلِمَ أنَّهُ مِن تَقْدِيرِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ أمَنَةً مِنهُ.
والأمَنَةُ الأمْنُ، وتَقَدَّمَ في آلِ عِمْرانَ، وهو مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ عَلى قِراءَةِ مَن نَصَبَ النُّعاسَ، وعَلى الحالِ عَلى قِراءَةِ مَن رَفَعَ النُّعاسَ.
وإنَّما كانَ النُّعاسُ أمْنًا لَهم لِأنَّهم لَمّا نامُوا زالَ أثَرُ الخَوْفِ مِن نُفُوسِهِمْ في مُدَّةِ النَّوْمِ فَتِلْكَ نِعْمَةٌ، ولَمّا اسْتَيْقَظُوا وجَدُوا نَشاطًا، ونَشاطُ الأعْصابِ يُكْسِبُ صاحِبَهُ شَجاعَةً ويُزِيلُ شُعُورِ الخَوْفِ الَّذِي هو فُتُورُ الأعْصابِ.
وصِيغَةُ المُضارِعِ في ”يُغْشِيكم“ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ.
صفحة ٢٧٩
و”مَن“ في قَوْلِهِ ”مِنهُ“ لِلِابْتِداءِ المَجازِيِّ، وهو وصْفٌ لِأمْنِهِ لِإفادَةِ تَشْرِيفِ ذَلِكَ النُّعاسِ وأنَّهُ وارِدٌ مِن جانِبِ القُدُسِ، فَهو لُطْفٌ وسَكِينَةٌ ورَحْمَةٌ رَبّانِيَّةٌ، ويَتَأكَّدُ بِهِ إسْنادُ الإغْشاءِ إلى اللَّهِ، عَلى قِراءَةِ مَن نَصَبُوا النُّعاسَ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ إسْنادٌ مَخْصُوصٌ، ولَيْسَ الإسْنادُ الَّذِي يَعُمُّ المَقْدُوراتِ كُلِّها، وعَلى قِراءَةِ مَن رَفَعُوا النُّعاسَ يَكُونُ وصْفُ الأمَنَةِ بِأنَّها مِنهُ سارِيًا إلى الغَشْيِ فَيُعْلَمُ أنَّهُ غَشْيٌ خاصٌّ قُدْسِيٌّ، ولَيْسَ مِثْلَ سائِرِ غَشَيانِ النُّعاسِ فَهو خارِقٌ لِلْعادَةِ كانَ كَرامَةً لَهم وقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ كَما هو صَرِيحُ هَذِهِ الآيَةِ، وحَصَلَ النُّعاسُ يَوْمَ أُحُدٍ لِطائِفَةٍ مِنَ الجَيْشِ قالَ - تَعالى - ﴿ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] وتَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ أبِي طَلْحَةَ قالَ: ”كُنْتُ فِيمَن تَغَشّاهُ النُّعاسَ يَوْمَ أُحُدٍ حَتّى سَقَطَ سَيْفِي مِن يَدِي مِرارًا“ .
وذَكَرَ اللَّهُ مِنَّةً أُخْرى جاءَتْ في وقْتِ الحاجَةِ: وهي أنَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِمُ المَطَرَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَإسْنادُ هَذا الإنْزالِ إلى اللَّهِ - تَعالى - لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ أكْرَمَهم بِهِ وذَلِكَ لِكَوْنِهِ نَزَلَ في وقْتِ احْتِياجِهِمْ إلى الماءِ، ولَعَلَّهُ كانَ في غَيْرِ الوَقْتِ المُعْتادِ فِيهِ نُزُولُ الأمْطارِ في أُفُقِهِمْ، قالَ أهْلُ السِّيَرِ: كانَ المُسْلِمُونَ حِينَ اقْتَرَبُوا مِن بَدْرٍ رامُوا أنْ يَسْبِقُوا جَيْشَ المُشْرِكِينَ إلى ماءِ بَدْرٍ، وكانَ طَرِيقُهم دَهْساءَ أيْ رَمْلًا لَيِّنًا، تَسُوخُ فِيهِ الأرْجُلُ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ إسْراعُ السَّيْرِ إلى الماءِ وكانَتْ أرْضُ طَرِيقِ المُشْرِكِينَ مُلَبَّدَةً، فَلَمّا أنْزَلَ اللَّهُ المَطَرَ تَلَبَّدَتِ الأرْضُ فَصارَ السَّيْرُ أمْكَنَ لَهم، واسْتَوْحَلَتِ الأرْضُ لِلْمُشْرِكِينَ فَصارَ السَّيْرُ فِيها مُتْعِبًا، فَأمْكَنَ لِلْمُسْلِمِينَ السَّبْقُ إلى الماءِ مِن بَدْرٍ ونَزَلُوا عَلَيْهِ وادَّخَرُوا ماءً كَثِيرًا مِن ماءِ المَطَرِ، وتَطَهَّرُوا وشَرِبُوا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعالى - ﴿لِيُطَهِّرَكم بِهِ ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ﴾ .
والرِّجْزُ القَذَرُ، والمُرادُ الوَسَخُ الحِسِّيُّ وهو النَّجَسُ والمَعْنَوِيُّ المُعَبَّرُ عَنْهُ في كُتُبِ الفِقْهِ بِالحَدَثِ، والمُرادُ الجَنابَةُ، وذَلِكَ هو الَّذِي يَعُمُّ الجَيْشَ كُلَّهُ فَلِذَلِكَ قالَ ”ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ“، وإضافَتُهُ إلى الشَّيْطانِ لِأنَّ غالِبَ الجَيْشِ لَمّا نامُوا احْتَلَمُوا فَأصْبَحُوا عَلى جَنابَةٍ وذَلِكَ قَدْ يَكُونُ خَواطِرَ الشَّيْطانِ يُخَيِّلُها لِلنّائِمِ لِيُفْسِدَ عَلَيْهِ طَهارَتَهُ بِدُونِ اخْتِيارٍ طَمَعًا في تَثاقُلِهِ عَنِ الِاغْتِسالِ حَتّى يَخْرُجَ وقْتُ صَلاةِ الصُّبْحِ، ولِأنَّ فُقْدانَ الماءِ يُلْجِئُهم إلى البَقاءِ في تَنَجُّسِ الثِّيابِ والأجْسادِ
صفحة ٢٨٠
والنَّجاسَةُ تُلائِمُ طَبْعَ الشَّيْطانِ.
وتَقْدِيرُ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ ﴿عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ﴾ لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ، لِأنَّها بُنِيَتْ عَلى مَدٍّ وحَرْفٍ بَعْدَهُ في هَذِهِ الآياتِ والَّتِي بَعْدَها مَعَ ما فِيهِ مِن الِاهْتِمامِ بِهِمْ.
وقَوْلُهُ ﴿ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ أيْ يُؤَمِّنَكم بِكَوْنِكم واثِقِينَ بِوُجُودِ الماءِ لا تَخافُونَ عَطَشًا، وتَثْبِيتُ الأقْدامِ هو التَّمَكُّنُ مِنَ السَّيْرِ في الرَّمْلِ، بِأنْ لا تَسُوخَ في ذَلِكَ الدَّهْسِ الأرْجُلُ، لِأنَّ هَذا المَعْنى هو المُناسِبُ حُصُولُهُ بِالمَطَرِ.
والرَّبْطُ حَقِيقَتُهُ شَدُّ الوَثاقِ عَلى الشَّيْءِ وهو مَجازٌ في التَّثْبِيتِ وإزالَةِ الِاضْطِرابِ ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانٌ رابِطُ الجَأْشِ ولَهُ رَباطَةُ جَأْشٍ.
و”عَلى“ مُسْتَعارَةٌ لِتَمَكُّنِ الرَّبْطِ فَهي تَرْشِيحٌ لِلْمَجازِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences