Ibn 'AshurAl‑Anfal · 8:27–31

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Anfal 8:27–31

8:27–28Page 180

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓاْ أَمَٰنَٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٢٧

O you who have believed, do not betray Allāh and the Messenger or betray your trusts while you know [the consequence].

وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةٞ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ٢٨

And know that your properties and your children are but a trial and that Allāh has with Him a great reward.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ وأنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾

اسْتِئْنافُ خِطابٍ لِلْمُؤْمِنِينَ يُحَذِّرُهم مِنَ العِصْيانِ الخَفِيِّ، بَعْدَ أنْ أمَرَهم بِالطّاعَةِ والِاسْتِجابَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ﷺ حَذَّرَهم مِن أنْ يُظْهِرُوا الطّاعَةَ والِاسْتِجابَةَ في ظاهِرِ أمْرِهِمْ ويُبْطِنُوا المَعْصِيَةَ والخِلافَ في باطِنِهِ. ومُناسَبَتُهُ لِما قَبْلَهُ ظاهِرَةٌ وإنْ لَمْ تُسْبَقْ مِنَ المُسْلِمِينَ خِيانَةٌ، وإنَّما هو تَحْذِيرٌ.

وذَكَرَ الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ، ورَوى جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ وأهْلُ السِّيَرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ والكَلْبِيِّ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي قَتادَةَ، أنَّها نَزَلَتْ في أبِي لُبابَةَ بْنِ عَبْدِ المُنْذِرِ الأنْصارِيِّ «لَمّا حاصَرَ المُسْلِمُونَ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَسَألَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ الصُّلْحَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَنْزِلُونَ عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ فَأبَوْا وقالُوا أرْسِلْ إلَيْنا أبا لُبابَةَ فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِمْ أبا لُبابَةَ وكانَ ولَدُهُ وعِيالُهُ ومالُهُ عِنْدَهم، فَلَمّا جاءَهم قالُوا لَهُ: ما تَرى أنَنْزِلُ عَلى حُكْمِ سَعْدٍ، فَأشارَ أبُو لُبابَةَ بِيَدِهِ عَلى حَلْقِهِ: أنَّهُ الذَّبْحُ، ثُمَّ فَطِنَ أنَّهُ قَدْ خانَ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ»، وهَذا الخَبَرُ لَمْ

صفحة ٣٢٢

يَثْبُتْ في الصَّحِيحِ، ولَكِنَّهُ اشْتُهِرَ بَيْنَ أهْلِ السِّيَرِ والمُفَسِّرِينَ، فَإذا صَحَّ، وهو الأقْرَبُ كانَتِ الآيَةُ مِمّا نَزَلَ بَعْدَ زَمَنٍ طَوِيلٍ مِن وقْتِ نُزُولِ الآياتِ الَّتِي قَبْلَها، المُتَعَلِّقَةِ بِاخْتِلافِ المُسْلِمِينَ في أمْرِ الأنْفالِ، فَإنَّ بَيْنَ الحادِثَتَيْنِ نَحْوًا مِن ثَلاثِ سِنِينَ، ويُقَرِّبُ هَذا ما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا مِنَ انْتِفاءِ وُقُوعِ خِيانَةٍ لِلَّهِ ورَسُولِهِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ.

والخَوْنُ والخِيانَةُ: إبْطالُ ونَقْضُ ما وقَعَ عَلَيْهِ تَعاقُدٍ مِن دُونِ إعْلانٍ بِذَلِكَ النَّقْضِ، قالَ - تَعالى - ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] والخِيانَةُ ضِدَّ الوَفاءِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأصْلُ مَعْنى الخَوْنِ النَّقْصُ، كَما أنَّ أصْلَ الوَفاءِ التَّمامُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ الخَوْنُ في ضِدِّ الوَفاءِ لِأنَّكَ إذا خُنْتَ الرَّجُلَ في شَيْءٍ فَقَدْ أدْخَلْتَ عَلَيْهِ النُّقْصانَ فِيهِ، أيْ واسْتُعْمِلَ الوَفاءُ في الإتْمامِ بِالعَهْدِ، لِأنَّ مَن أنْجَزَ بِما عاهَدَ عَلَيْهِ فَقَدْ أتَمَّ عَهْدَهُ فَلِذَلِكَ يُقالُ: أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهِ.

فالإيمانُ والطّاعَةُ لِلَّهِ ورَسُولِهِ عَهْدٌ بَيْنَ المُؤْمِنِ وبَيْنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَكَما حُذِّرُوا مِنَ المَعْصِيَةِ العَلَنِيَّةِ حُذِّرُوا مِنَ المَعْصِيَةِ الخَفِيَّةِ.

وتَشْمَلُ الخِيانَةُ كُلَّ مَعْصِيَةٍ خَفِيَّةٍ، فَهي داخِلَةٌ في ”لا تَخُونُوا“، لِأنَّ الفِعْلَ في سِياقِ النَّهْيِ يَعُمُّ، فَكُلُّ مَعْصِيَةٍ خَفِيَّةٍ فَهي مُرادٌ مِن هَذا النَّهْيِ، فَتَشْمَلُ الغُلُولَ الَّذِي حامُوا حَوْلَهُ في قَضِيَّةِ الأنْفالِ، لِأنَّهم لَمّا سَألَ بَعْضُهُمُ النَّفَلَ وكانُوا قَدْ خَرَجُوا يَتَتَبَّعُونَ آثارَ القَتْلى لِيَنْتَفِلُوا مِنهم، تَعَيَّنَ تَحْذِيرُهم مِنَ الغُلُولِ، فَذَلِكَ مُناسِبَةُ وقْعِ هَذِهِ الآيَةِ مِن هَذِهِ الآياتِ سَواءٌ صَحَّ ما حُكِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ أمْ كانَتْ مُتَّصِلَةَ النُّزُولِ بِقَرِيناتِها.

وفِعْلُ الخِيانَةِ أصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ وهو المَخُونُ، وقَدْ يُعَدّى تَعْدِيَةً ثانِيَةً إلى ما وقَعَ نَقْضُهُ، يُقالُ: خانَ فُلانًا أمانَتَهُ أوْ عَهْدَهُ، وأصْلُهُ أنَّهُ نُصِبَ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ خانَهُ في عَهْدِهِ أوْ في أمانَتِهِ، فاقْتَصَرَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى المَخُوفِ ابْتِداءً، واقْتَصَرَ عَلى المَخُونِ فِيهِ في قَوْلِهِ ﴿وتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ أيْ في أماناتِكم أيْ وتَخُونُوا النّاسَ في أماناتِكم.

والنَّهْيُ عَنْ خِيانَةِ الأمانَةِ هُنا: إنْ كانَتِ الآيَةُ نازِلَةً في قَضِيَّةِ أبِي لُبابَةَ: أنَّ ما صَدَرَ مِنهُ مِن إشارَةٍ إلى ما في تَحْكِيمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ مِنَ الضُّرِّ عَلَيْهِمْ يُعْتَبَرُ خِيانَةً لِمَن بَعَثَهُ مُسْتَفْسِرًا، لِأنَّ حَقَّهُ أنْ لا يُشِيرَ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ، إذْ هو مَبْعُوثٌ ولَيْسَ بِمُسْتَشارٍ.

صفحة ٣٢٣

وإنْ كانَتِ الآيَةُ نَزَلَتْ مَعَ قَرِيناتِها فَنَهْيُ المُسْلِمِينَ عَنْ خِيانَةِ الأمانَةِ اسْتِطْرادٌ لِاسْتِكْمالِ النَّهْيِ عَنْ أنْواعِ الخِيانَةِ، وقَدْ عَدَلَ عَنْ ذِكْرِ المَفْعُولِ الأصْلِيِّ، إلى ذِكْرِ المَفْعُولِ المُتَّسَعِ فِيهِ، لِقَصْدِ تَبْشِيعِ الخِيانَةِ بِأنَّها نَقْضٌ لِلْأمانَةِ، فَإنَّ الأمانَةَ وصْفٌ مَحْمُودٌ مَشْهُورٌ بِالحُسْنِ بَيْنَ النّاسِ، فَما يَكُونُ نَقْضًا لَهُ يَكُونُ قَبِيحًا فَظِيعًا، ولِأجْلِ هَذا لَمْ يَقُلْ: وتَخُونُوا النّاسَ في أماناتِهِمْ، فَهَذا حَذْفٌ مِنَ الإيجازِ.

والأمانَةُ اسْمٌ لِما يَحْفَظُهُ المَرْءُ عِنْدَ غَيْرِهِ، مُشْتَقَّةٌ مِنَ الأمْنِ لِأنَّهُ يَأْمَنُهُ مِن أنْ يُضَيِّعَها، والأمِينُ الَّذِي يَحْفَظُ حُقُوقَ مَن يُوالِيهِ، وإنَّما أُضِيفَتِ الأماناتُ إلى المُخاطَبِينَ مُبالَغَةً في تَفْظِيعِ الخِيانَةِ، بِأنَّها نَقْضٌ لِأمانَةٍ مَنسُوبَةٍ إلى ناقِضِها، بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] دُونَ: ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ.

ولِلْأمانَةِ شَأْنٌ عَظِيمٌ في اسْتِقامَةِ أحْوالِ المُسْلِمِينَ، ما ثَبَتُوا عَلَيْها وتَخَلَّقُوا بِها، وهي دَلِيلُ نَزاهَةِ النَّفْسِ واعْتِدالِ أعْمالِها، وقَدْ حَذَّرَ النَّبِيءُ ﷺ مِن إضاعَتِها والتَّهاوُنِ بِها، وأشارَ إلى أنَّ في إضاعَتِها انْحِلالَ أمْرِ المُسْلِمِينَ، فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ «عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ قالَ حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثِينَ: رَأيْتُ أحَدَهُما وأنا أنْتَظِرُ الآخَرَ، حَدَّثَنا أنَّ الأمانَةَ نَزَلَتْ عَلى جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجالِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ القُرْآنِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ»، وحَدَّثَنا عَنْ رَفْعِها فَقالَ: «يَنامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ مِن قَلْبِهِ فَيَظَلُّ أثَرُها مِثْلَ الوَكْتِ، ثُمَّ يَنامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ فَيَبْقى أثَرُها مِثْلَ أثَرِ المَجْلِ كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلى رِجْلِكَ فَنَفِطَ فَتَراهُ مُنْتَبِرًا ولَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، ويُصْبِحُ النّاسُ يَتَبايَعُونَ ولا يَكادُ أحَدٌ يُؤَدِّي الأمانَةَ، فَيُقالُ: إنَّ في بَنِي فُلانٍ رَجُلًا أمِينًا، ويُقالُ لِلرَّجُلِ: ما أعْقَلَهُ وما أظْرَفَهُ وما أجْلَدَهُ، وما في قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِن إيمانٍ» .

الوَكْتُ سَوادٌ يَكُونُ في البُسْرِ إذا قارَبَ أنْ يَصِيرَ رُطَبًا، والمَجْلُ غِلَظُ الجِلْدِ مِن أثَرِ العَمَلِ والخِدْمَةِ، ونَفِطَ تَقَرَّحَ، ومُنْتَبِرًا مُنْتَفِخًا، وقَدْ جَعَلَها النَّبِيءُ ﷺ مِنَ الإيمانِ إذْ قالَ في آخِرِ الإخْبارِ عَنْها «وما في قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِن إيمانٍ»، وحَسْبُكَ مِن رَفْعِ شَأْنِ الأمانَةِ: أنْ كانَ صاحِبُها حَقِيقًا بِوِلايَةِ أمْرِ المُسْلِمِينَ، لِأنَّ وِلايَةَ أمْرِ المُسْلِمِينَ أمانَةٌ لَهم ونُصْحٌ، ولِذَلِكَ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ

صفحة ٣٢٤

حِينَ أوْصى بِأنْ يَكُونَ الأمْرُ شُورى بَيْنَ سِتَّةٍ ”ولَوْ كانَ أبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرّاحِ حَيًّا لَعَهِدْتُ إلَيْهِ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «لَهُ إنَّهُ أمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ» .

وقَوْلُهُ ﴿وتَخُونُوا﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ ﴿لا تَخُونُوا﴾ فَهو في حَيِّزِ النَّهْيِ، والتَّقْدِيرُ: ولا تَخُونُوا أماناتِكم، وإنَّما أُعِيدَ فِعْلُ ﴿تَخُونُوا﴾ ولَمْ يَكْتَفِ بِحَرْفِ العَطْفِ، الصّالِحِ لِلنِّيابَةِ عَنِ العامِلِ في المَعْطُوفِ، لِلتَّنْبِيهِ عَلى نَوْعٍ آخَرَ مِنَ الخِيانَةِ، فَإنَّ خِيانَتَهُمُ اللَّهَ ورَسُولَهُ نَقْضُ الوَفاءِ لَهُما بِالطّاعَةِ والِامْتِثالِ، وخِيانَةَ الأمانَةِ نَقْضُ الوَفاءِ بِأداءِ ما ائْتَمَنُوا عَلَيْهِ.

وجُمْلَةُ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ“ تَخُونُوا ”الأوَّلِ والثّانِي، وهي حالٌ كاشِفَةٌ، والمَقْصُودُ مِنها تَشْدِيدُ النَّهْيِ، أوْ تَشْنِيعُ المَنهِيِّ عَنْهُ، لِأنَّ النَّهْيَ عَنِ القَبِيحِ في حالِ مَعْرِفَةِ المَنهِيِّ أنَّهُ قَبِيحٌ يَكُونُ أشَدَّ، ولِأنَّ القَبِيحَ في حالِ عِلْمِ فاعِلِهِ بِقُبْحِهِ يَكُونُ أشْنَعَ، فالحالُ هُنا بِمَنزِلَةِ الصِّفَةِ الكاشِفَةِ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ومَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧] وقَوْلِهِ ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] ولَيْسَ المُرادُ تَقْيِيدُ النَّهْيِ عَنِ الخِيانَةِ بِحالَةِ العِلْمِ بِها، لِأنَّ ذَلِكَ قَلِيلُ الجَدْوى، فَإنَّ كُلَّ تَكْلِيفٍ مَشْرُوطٍ بِالعِلْمِ، وكَوْنُ الخِيانَةِ قَبِيحَةً أمْرٌ مَعْلُومٌ.

ولَكَ أنْ تَجْعَلَ فِعْلَ تَعْلَمُونَ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ اللّازِمِ، فَلا يُقَدَّرُ لَهُ مَفْعُولٌ، فَيَكُونُ مَعْناهُ“ وأنْتُمْ ذَوُو عِلْمٍ " أيْ مَعْرِفَةِ حَقائِقِ الأشْياءِ، أيْ وأنْتُمْ عُلَماءُ لا تَجْهَلُونَ الفَرْقَ بَيْنَ المَحاسِنِ والقَبائِحِ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

ولَكَ أنْ تُقَدِّرَ لَهُ هُنا مَفْعُولًا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿وتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ أيْ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ خِيانَةَ الأمانَةِ أيْ تَعْلَمُونَ قُبْحَها، فَإنَّ المُسْلِمِينَ قَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَهم في آدابِ دِينِهِمْ تَقْبِيحُ الخِيانَةِ، بَلْ هو أمْرٌ مَعْلُومٌ لِلنّاسِ حَتّى في الجاهِلِيَّةِ.

وابْتِداءُ جُمْلَةِ ﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ بِفِعْلِ اعْلَمُوا لِلِاهْتِمامِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] وقَوْلِهِ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى الحَذَرِ مِنَ الخِيانَةِ الَّتِي يَحْمِلُ عَلَيْها المَرْءَ حُبُّ المالِ وهي خِيانَةُ الغُلُولِ وغَيْرُها، فَتَقْدِيمُ الأمْوالِ لِأنَّها مَظِنَّةُ الحَمْلِ عَلى الخِيانَةِ في هَذا المَقامِ.

صفحة ٣٢٥

وعَطْفُ الأوْلادِ عَلى الأمْوالِ لِاسْتِيفاءِ أقْوى دَواعِي الخِيانَةِ فَإنَّ غَرَضَ جُمْهُورِ النّاسِ في جَمْعِ الأمْوالِ أنْ يَتْرُكُوها لِأبْنائِهِمْ مِن بَعْدِهِمْ، وقَدْ كَثُرَ قَرْنُ الأمْوالِ والأوْلادِ في التَّحْذِيرِ، ونَجِدُهُ في القُرْآنِ، قِيلَ إنَّ هاتِهِ الآيَةَ مِن جُمْلَةِ ما نَزَلَ في أبِي لُبابَةَ.

وجِيءَ في الإخْبارِ عَنْ كَوْنِ الأمْوالِ والأوْلادِ فِتْنَةً بِطَرِيقِ القَصْرِ قَصْرًا ادِّعائِيًّا لِقَصْدِ المُبالِغَةِ في إثْباتِ أنَّهم فِتْنَةٌ.

وجَعَلَ نَفْسَ الأمْوالِ والأوْلادِ فِتْنَةً لِكَثْرَةِ حُدُوثِ فِتْنَةِ المَرْءِ مِن جَرّاءِ أحْوالِهِما، مُبالَغَةً في التَّحْذِيرِ مِن تِلْكَ الأحْوالِ وما يَنْشَأُ عَنْها، فَكَأنَّ وُجُودَ الأمْوالِ والأوْلادِ نَفْسُ الفِتْنَةِ.

وعُطِفَ قَوْلُهُ ﴿وأنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ عَلى قَوْلِهِ ﴿أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الأجْرِ عَلى كَفِّ النَّفْسِ عَنِ المَنهِيّاتِ هو خَيْرٌ مِنَ المَنافِعِ الحاصِلَةِ عَنِ اقْتِحامِ المَناهِي لِأجْلِ الأمْوالِ والأوْلادِ.

8:29Page 180

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّكُمۡ فُرۡقَانٗا وَيُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٢٩

O you who have believed, if you fear Allāh, He will grant you a criterion1 and will remove from you your misdeeds and forgive you. And Allāh is the possessor of great bounty.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا ويُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ مُتَّصِلٌ بِالآياتِ السّابِقَةِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ [الأنفال: ٢٠] الآيَةَ وما بَعْدَهُ مِنَ الآياتِ إلى هُنا.

وافْتُتِحَ بِالنِّداءِ لِلِاهْتِمامِ، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.

وخُوطِبَ المُؤْمِنُونَ بِوَصْفِ الإيمانِ تَذْكِيرًا لَهم بِعَهْدِ الإيمانِ وما يَقْتَضِيهِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في نَظائِرِهِ، وعَقِبَ التَّحْذِيرِ مِنَ العِصْيانِ والتَّنْبِيهِ عَلى سُوءِ عَواقِبِهِ، بِالتَّرْغِيبِ في التَّقْوى وبَيانِ حُسْنِ عاقِبَتِها وبِالوَعْدِ بِدَوامِ النَّصْرِ واسْتِقامَةِ الأحْوالِ إنْ هم دامُوا عَلى التَّقْوى.

فَفِعْلُ الشَّرْطِ مُرادٌ بِهِ الدَّوامُ، فَإنَّهم كانُوا مُتَّقِينَ، ولَكِنَّهم لَمّا حُذِّرُوا مِنَ المُخالَفَةِ والخِيانَةِ ناسَبَ أنْ تُفْرَضَ لَهُمُ الطّاعَةُ في مُقابِلِ ذَلِكَ.

ولَقَدْ بَدا حُسْنُ المُناسَبَةِ إذْ رُتِّبَتْ عَلى المَنهِيّاتِ تَحْذِيراتٌ مِن شُرُورٍ وأضْرارٍ

صفحة ٣٢٦

مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ﴾ [الأنفال: ٢٢] وقَوْلِهِ ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً﴾ [الأنفال: ٢٥] الآيَةَ، ورُتِّبَ عَلى التَّقْوى: الوَعْدُ بِالنَّصْرِ ومَغْفِرَةُ الذُّنُوبِ وسَعَةُ الفَضْلِ.

والفُرْقانُ أصْلُهُ مَصْدَرٌ كالشُّكْرانِ والغُفْرانِ والبُهْتانِ، وهو ما يُفَرِّقُ أيْ يُمَيِّزُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ مُتَشابِهَيْنِ، وقَدْ أُطْلِقَ بِالخُصُوصِ عَلى أنْواعٍ مِنَ التَّفْرِقَةِ فَأُطْلِقَ عَلى النَّصْرِ، لِأنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ حالَيْنِ كانا مُحْتَمَلَيْنِ قَبْلَ ظُهُورِ النَّصْرِ، ولُقِّبَ القُرْآنُ بِالفُرْقانِ لِأنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، قالَ - تَعالى - ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] ولَعَلَّ اخْتِيارَهُ هُنا لِقَصْدِ شُمُولِهِ ما يَصْلُحُ لِلْمَقامِ مِن مَعانِيهِ، فَقَدْ فُسِّرَ بِالنَّصْرِ، وعَنِ السُّدِّيِّ، والضَّحّاكِ، ومُجاهِدٍ، الفُرْقانُ: المَخْرَجُ، وفي أحْكامِ ابْنِ العَرَبِيِّ، عَنِ ابْنِ وهْبٍ وابْنِ القاسِمِ وأشْهَبَ أنَّهم سَألُوا مالِكًا عَنْ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾ قالَ: مَخْرَجًا، ثُمَّ قَرَأ ”﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢] ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]“ . وفُسِّرَ بِالتَّمْيِيزِ بَيْنَهم وبَيْنَ الكُفّارِ في الأحْوالِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ فِيها التَّمايُزُ في أحْوالِ الدُّنْيا، فَيَشْمَلُ ذَلِكَ أحْوالُ النَّفْسِ: مِنَ الهِدايَةِ، والمَعْرِفَةِ، والرِّضى، وانْشِراحِ القَلْبِ، وإزالَةِ الحِقْدِ والغِلِّ والحَسَدِ بَيْنَهم، والمَكْرِ والخِداعِ وذَمِيمِ الخَلائِقِ.

وقَدْ أشْعَرَ قَوْلُهُ ”لَكم“ أنَّ الفُرْقانَ شَيْءٌ نافِعٌ لَهم، فالظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنهُ كُلُّ ما فِيهِ مَخْرَجٌ لَهم ونَجاةٌ مِنَ التِباسِ الأحْوالِ وارْتِباكِ الأُمُورِ وانْبِهامِ المَقاصِدِ، فَيَئُولُ إلى اسْتِقامَةِ أحْوالِ الحَياةِ، حَتّى يَكُونُوا مُطْمَئِنِّي البالِ مُنْشَرِحِي الخاطِرِ، وذَلِكَ يَسْتَدْعِي أنْ يَكُونُوا مَنصُورِينَ، غالِبِينَ، بُصَراءَ بِالأُمُورِ، كَمَلَةَ الأخْلاقِ، سائِرِينَ في طَرِيقِ الحَقِّ والرُّشْدِ، وذَلِكَ هو مِلاكُ اسْتِقامَةِ الأُمَمِ، فاخْتِيارُ الفُرْقانِ هُنا لِأنَّهُ اللَّفْظُ الَّذِي لا يُؤَدِّي غَيْرُهُ مُؤَدّاهُ في هَذا الغَرَضِ وذَلِكَ مِن تَمامِ الفَصاحَةِ.

والتَّقْوى تَشْمَلُ التَّوْبَةُ، فَتَكْفِيرُ السَّيِّئاتِ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ تَكْفِيرُ السَّيِّئاتِ الفارِطَةِ الَّتِي تَعْقُبُها التَّقْوى. ومَفْعُولُ ”يَغْفِرْ لَكم“، مَحْذُوفٌ وهو ما يَسْتَحِقُّ الغُفْرانَ وذَلِكَ هو الذَّنْبُ، ويَتَعَيَّنُ أنْ يُحْمَلَ عَلى نَوْعٍ مِنَ الذُّنُوبِ، وهو الصَّغائِرُ الَّتِي عَبَّرَ عَنْها بِاللَّمَمِ، ويَجُوزُ العَكْسُ بِأنْ يُرادَ بِالسَّيِّئاتِ الصَّغائِرُ وبِالمَغْفِرَةِ مَغْفِرَةُ الكَبائِرِ بِالتَّوْبَةِ المُعْقِبَةِ لَها. وقِيلَ: التَّكْفِيرُ السِّتْرُ في الدُّنْيا، والغُفْرانُ عَدَمُ المُؤاخَذَةِ بِها في

صفحة ٣٢٧

الآخِرَةِ، والحاصِلُ أنَّ الإجْمالَ مَقْصُودٌ لِلْحَثِّ عَلى التَّقْوى وتَحَقُّقِ فائِدَتِها والتَّعْرِيضِ بِالتَّحْذِيرِ مِنَ التَّفْرِيطِ فِيها، فَلا يَحْصُلُ التَّكْفِيرُ ولا المَغْفِرَةُ بِأيِّ احْتِمالٍ.

وقَوْلُهُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ تَذْيِيلٌ وتَكْمِيلٌ وهو كِنايَةٌ عَنْ حُصُولِ مَنافِعَ أُخْرى لَهم مِن جَرّاءِ التَّقْوى.

8:30Page 180

وَإِذۡ يَمۡكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثۡبِتُوكَ أَوۡ يَقۡتُلُوكَ أَوۡ يُخۡرِجُوكَۚ وَيَمۡكُرُونَ وَيَمۡكُرُ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ ٣٠

And [remember, O Muḥammad], when those who disbelieved plotted against you to restrain you or kill you or evict you [from Makkah]. But they plan, and Allāh plans. And Allāh is the best of planners.

﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفَ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ مِن قَصَصِ تَأْيِيدِ اللَّهِ رَسُولَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والمُؤْمِنِينَ، فَيَكُونَ إذْ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا، عَلى طَرِيقَةِ نَظائِرِهِ الكَثِيرَةِ في القُرْآنِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٢٦] فَهو مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ ”اذْكُرُوا“ مِن قَوْلِهِ ”واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ“، فَإنَّ المَكْرَ بِالرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَكْرٌ بِالمُسْلِمِينَ ويَكُونُ ما بَيْنَهُما اعْتِراضًا، فَهَذا تَعْدادٌ لِنِعَمِ النَّصْرِ، الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلى رَسُولِهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، في أحْوالٍ ما كانَ يَظُنُّ النّاسُ أنْ سَيَجِدُوا مِنها مَخْلَصًا، وهَذِهِ نِعْمَةٌ خاصَّةٌ بِالنَّبِيءِ ﷺ . والإنْعامُ بِحَياتِهِ وسَلامَتِهِ نِعْمَةٌ تَشْمَلُ المُسْلِمِينَ كُلَّهم، وهَذا تَذْكِيرٌ بِأيّامِ مُقامِهِمْ بِمَكَّةَ، وما لاقاهُ المُسْلِمُونَ عُمُومًا وما لاقاهُ النَّبِيءُ ﷺ خُصُوصًا وأنَّ سَلامَةَ النَّبِيءِ ﷺ سَلامَةٌ لِأُمَّتِهِ.

والمَكْرُ إيقاعُ الضُّرِّ خُفْيَةً، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] في آلِ عِمْرانَ. وعِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ”﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٩٩]“ في سُورَةِ الأعْرافِ.

والإتْيانُ بِالمُضارِعِ في مَوْضِعِ الماضِي الَّذِي هو الغالِبُ مَعَ ”إذْ“ اسْتِحْضارٌ لِلْحالَةِ الَّتِي دَبَّرُوا فِيها المَكْرَ، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [فاطر: ٩]

ومَعْنى لِيُثْبِتُوكَ لِيَحْبِسُوكَ. يُقالُ أثْبَتَهُ إذا حَبَسَهُ ومَنَعَهُ مِنَ الحَرَكَةِ وأوْثَقَهُ، والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في يُثْبِتُوكَ، ويَقْتُلُوكَ، ويُخْرِجُوكَ، لِأنَّ تِلْكَ الأفْعالَ مُسْتَقْبَلَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِفِعْلِ المَكْرِ، إذْ غايَةُ مَكْرِهِمْ تَحْصِيلُ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأفْعالِ.

وأشارَتِ الآيَةُ إلى تَرَدُّدِ قُرَيْشٍ في أمْرِ النَّبِيءِ ﷺ حِينَ اجْتَمَعُوا

صفحة ٣٢٨

لِلتَّشاوُرِ في ذَلِكَ بِدارِ النَّدْوَةِ في الأيّامِ الأخِيرَةِ قُبَيْلَ هِجْرَتِهِ، فَقالَ أبُو البَخْتَرِيِّ: إذا أصْبَحَ فَأثْبِتُوهُ بِالوَثائِقِ وسُدُّوا عَلَيْهِ بابَ بَيْتٍ غَيْرَ كُوَّةٍ تُلْقُونَ إلَيْهِ مِنها الطَّعامَ، وقالَ أبُو جَهْلٍ: أرى أنْ نَأْخُذَ مِن كُلِّ بَطْنٍ في قُرَيْشٍ فَتًى جَلْدًا فَيَجْتَمِعُونَ ثُمَّ يَأْخُذُ كُلٌّ واحِدٌ مِنهم سَيْفًا ويَأْتُونَ مُحَمَّدًا في بَيْتِهِ فَيَضْرِبُونَهُ ضَرْبَةَ رَجُلٍ واحِدٍ فَلا تَقْدِرُ بَنُو هاشِمٍ عَلى قِتالِ قُرَيْشٍ بِأسْرِها فَيَأْخُذُونَ العَقْلَ ونَسْتَرِيحُ مِنهُ، وقالَ هِشامُ بْنُ عَمْرٍو: الرَّأْيُ أنْ تَحْمِلُوهُ عَلى جَمَلٍ وتُخْرِجُوهُ مِن بَيْنِ أظْهُرِكم فَلا يَضُرُّكم ما صَنَعَ.

ومَوْقِعُ الواوِ في قَوْلِهِ ”ويَمْكُرُونَ“ لَمْ أرَ أحَدًا مِنَ المُفَسِّرِينَ عَرَّجَ عَلى بَيانِهِ وهي تَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ تَكُونَ واوَ الحالِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وهي حالٌ مُؤَسَّسَةٌ غَيْرُ مُؤَكَّدَةٍ، بِاعْتِبارِ ما اتَّصَلَ بِها مِنَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ عَلَيْها، وهي جُمْلَةُ ”ويَمْكُرُ اللَّهُ“ فَقَوْلُهُ ”﴿ويَمْكُرُ اللَّهُ﴾“ هو مَناطُ الفائِدَةِ مِنَ الحالِ وما قَبْلَهُ تَمْهِيدٌ لَهُ وتَنْصِيصٌ عَلى أنَّ مَكْرَهم يُقارِنُهُ مَكْرُ اللَّهِ بِهِمْ، والمُضارِعُ في ”﴿ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ﴾“ لِاسْتِحْضارِ حالَةِ المَكْرِ.

وثانِيهِما أنْ تَكُونَ واوَ الِاعْتِراضِ أيِ العَطْفِ الصُّورِيِّ، ويَكُونَ المُرادُ بِالفِعْلِ المَعْطُوفِ الدَّوامُ، أيْ هم مَكَرُوا بِكَ لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ وهم لا يَزالُونَ يَمْكُرُونَ، كَقَوْلِ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ لِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ ”وأيْضًا لَتَمَلَّنَّهُ“ يَعْنِي النَّبِيءَ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ ”ويَمْكُرُونَ“ مُعْتَرَضَةً، ويَكُونُ جُمْلَةُ ”ويَمْكُرُ اللَّهُ“ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ”وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا“ والمُضارِعُ في جُمْلَةِ ”ويَمْكُرُونَ“ لِلِاسْتِقْبالِ، والمُضارِعُ في ”ويَمْكُرُ اللَّهُ“ لِاسْتِحْضارِ حالَةِ مَكْرِ اللَّهِ في وقْتِ مَكْرِهِمْ مِثْلَ المُضارِعِ المَعْطُوفِ هو عَلَيْهِ.

وبَيانُ مَعْنى إسْنادِ المَكْرِ إلى اللَّهِ تَقَدَّمَ في آيَةِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وآيَةِ سُورَةِ الأعْرافِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ”واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ“ .

والَّذِينَ تَوَلَّوُا المَكْرَ هم سادَةُ المُشْرِكِينَ وكُبَراؤُهم وأعْوانُ أُولَئِكَ الَّذِينَ كانَ دَأْبُهُمُ الطَّعْنَ في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وفي نُزُولِ القُرْآنِ عَلَيْهِ، وإنَّما أُسْنِدَ إلى جَمِيعِ الكافِرِينَ لِأنَّ البَقِيَّةَ كانُوا أتْباعًا لِلزُّعَماءِ يَأْتَمِرُونَ بِأمْرِهِمْ، ومِن هَؤُلاءِ

صفحة ٣٢٩

أبُو جَهْلٍ، وعُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ، وأُمَّيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وأضْرابُهم.

8:31Page 180

وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا قَالُواْ قَدۡ سَمِعۡنَا لَوۡ نَشَآءُ لَقُلۡنَا مِثۡلَ هَٰذَآ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٣١

And when Our verses are recited to them, they say, "We have heard. If we willed, we could say [something] like this. This is not but legends of the former peoples."

﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾

انْتِقالٌ إلى ذِكْرِ بُهْتانٍ آخَرَ مِن حِجاجِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ، لَمْ تَنْزِلْ آياتُ هَذِهِ السُّورَةِ يَتَخَلَّلُها أخْبارُ كُفْرِهِمْ مِن قَوْلِهِ ﴿ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ [الأنفال: ٧] وقَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١٣] وقَوْلِهِ ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧] وقَوْلِهِ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١] ثُمَّ بِقَوْلِهِ ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠] .

وهَذِهِ الجُمَلُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣]“ .

وهَذا القَوْلُ مَقالَةُ المُتَصَدِّينَ لِلطَّعْنِ عَلى الرَّسُولِ ﷺ، ومُحاجَّتِهِ، والتَّشْغِيبِ عَلَيْهِ: مِنهُمُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، وطُعَيْمَةُ بْنُ عَدِيٍّ، وعُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ.

ومَعْنى قَدْ سَمِعْنا: قَدْ فَهِمْنا ما تَحْتَوِي عَلَيْهِ، لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَها وإنَّما اهْتَمُّوا بِالقَصَصِ ولَمْ يَتَبَيَّنُوا مَغْزاها ولا ما في القُرْآنِ مِنَ الآدابِ والحَقائِقِ، فَلِذَلِكَ قالَ اللَّهُ - تَعالى - عَنْهم ”﴿كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١]“ أيْ لا يَفْقَهُونَ ما سَمِعُوا.

ومِن عَجِيبِ بُهْتانِهِمْ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ تَحَدّاهم بِمُعارَضَةِ سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ، فَعَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ وأُفْحِمُوا، ثُمَّ اعْتَذَرُوا بِأنَّ ما في القُرْآنِ أساطِيرُ الأوَّلِينَ وأنَّهم قادِرُونَ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِ ذَلِكَ - قِيلَ: قائِلُ ذَلِكَ هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ، كانَ رَجُلًا مِن مَرَدَةِ قُرَيْشٍ ومِنَ المُسْتَهْزِئِينَ، وكانَ كَثِيرَ الأسْفارِ إلى الحِيرَةِ وإلى أطْرافِ بِلادِ العَجَمِ في تِجارَتِهِ، فَكانَ يَلْقى بِالحِيرَةِ ناسًا مِنَ العِبادِ - بِتَخْفِيفِ الباءِ اسْمُ طائِفَةٍ مِنَ النَّصارى - فَيُحَدِّثُونَهُ مِن أخْبارِ الإنْجِيلِ، ويَلْقى مِنَ العَرَبِ مَن يَنْقُلُ أُسْطُورَةَ حُرُوبِ ”رُسْتُمَ“ و”إسْفَنْدِياذَ“ مِن مُلُوكِ الفُرْسِ في قَصَصِهِمُ الخُرافِيِّ

صفحة ٣٣٠

وإنَّما كانَتْ تِلْكَ الأخْبارُ تُتَرْجَمُ لِلْعَرَبِ بِاللِّسانِ ويَسْتَظْهِرُها قُصّاصُهم وأصْحابُ النَّوادِرِ مِنهم ولَمْ يَذْكُرْ أحَدٌ أنَّ تِلْكَ الأخْبارَ كانَتْ مَكْتُوبَةً بِالعَرَبِيَّةِ، فِيما أحْسَبُ، إلّا ما وقَعَ في الكَشّافِ أنَّ النَّضْرَ بْنَ الحارِثِ جاءَ بِنُسْخَةٍ مِن خَبَرِ ”رُسْتُمَ“ و”إسْفَنْدِياذَ“ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ تِلْكَ الأخْبارِ مَكْتُوبًا بِالعَرَبِيَّةِ كَتَبَها القَصّاصُونَ مِن أهْلِ الحِيرَةِ والأنْبارِ تَذْكِرَةً لِأنْفُسِهِمْ، وإنَّما هي أخْبارٌ لا حِكْمَةَ فِيها ولا مَوْعِظَةَ، وقَدْ أطالَ فِيها الفِرْدَوْسِيُّ في كِتابِ ”الشّاهْنامِهْ“ تَطْوِيلًا مُمِلًّا عَلى عادَةِ أهْلِ القَصَصِ، وقالَ الفَخْرُ: اشْتَرى النَّضْرُ مِنَ الحِيرَةَ أحادِيثَ كَلِيلَةَ ودِمْنَةَ، وكانَ يَقْعُدُ مَعَ المُسْتَهْزِئِينَ والمُقْتَسِمِينَ وهو مِنهم فَيَقْرَأُ عَلَيْهِمْ أساطِيرَ الأوَّلِينَ، فَإسْنادُ قَوْلِ النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ إلى جَماعَةِ المُشْرِكِينَ: مِن حَيْثُ إنَّهم كانُوا يُؤَيِّدُونَهُ ويَحْكُونَهُ ويُحاكُونَهُ، ويَحْسَبُونَ فِيهِ مَعْذِرَةٌ لَهم عَنِ العَجْزِ الَّذِي تَلَبَّسُوا بِهِ في مُعارَضَةِ القُرْآنِ، وأنَّهُ نَفَّسَ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الأُغْلُوطَةِ، فَإذا كانَ الَّذِي ابْتَكَرَهُ هو النَّضْرَ بْنَ الحارِثِ فَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أنْ تَصْدُرَ أمْثالُ هَذا القَوْلِ مِن أمْثالِهِ وأتْباعِهِ، فَمِن ضِمْنَهم مَجْلِسُهُ الَّذِي جاءَ فِيهِ بِهَذِهِ التُّرّاقَةِ.

وقَوْلُهم ”﴿لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾“ إيهامٌ بِأنَّهم تَرَفَّعُوا عَنْ مُعارَضَتِهِ، وأنَّهم لَوْ شاءُوا لَنَقَلُوا مِن أساطِيرِ الأوَّلِينَ إلى العَرَبِيَّةِ ما يُوازِي قَصَصَ القُرْآنِ وهَذِهِ وقاحَةٌ، وإلّا فَما مَنَعَهم أنْ يَشاءُوا مُعارَضَةَ مَن تَحَدّاهم وقَرَّعَهم بِالعَجْزِ بِقَوْلِهِ ”فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا“ مَعَ تَحَيُّزِهِمْ وتَأمُّرِهِمْ في إيجادِ مَعْذِرَةٍ يَعْتَذِرُونَ بِها عَنِ القُرْآنِ وإعْجازِهِ إيّاهم وتَحَدِّيهِ لَهم، وما قالَهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ في أمْرِ القُرْآنِ.

صفحة ٣٣١

والأساطِيرُ جَمْعُ أُسْطُورَةٍ - بِضَمِّ الهَمْزَةِ - وهي القِصَّةُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ”﴿حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥]“ في سُورَةِ الأنْعامِ.

والمُخالَفَةُ بَيْنَ شَرْطِ لَوْ وجَوابِها إذا جُعِلَ شَرْطُها مُضارِعًا والجَزاءُ ماضِيًا جَرى عَلى الِاسْتِعْمالِ في لَوْ غالِبًا، لِأنَّها مَوْضُوعَةٌ لِلْماضِي فَلَزِمَ أنْ يَكُونَ أحَدَ جُزْأيْ جُمْلَتِها ماضِيًا، أوْ كِلاهُما، فَإذا أُرِيدَ التَّفَنُّنَ خُولِفَ بَيْنَهُما، فالتَّقْدِيرُ: لَوْ شِئْنا لَقُلْنا، ولا يَبْعُدُ عِنْدِي في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ أنْ يَكُونَ احْتِباكًا قائِمًا مَقامَ شَرْطَيْنِ وجَزاءَيْنِ فَإحْدى الجُمْلَتَيْنِ مُسْتَقْبَلَةٌ والأُخْرى ماضِيَةٌ، فالتَّقْدِيرُ لَوْ نَشاءُ أنْ نَقُولَ نَقُولُ، ولَوْ شِئْنا القَوْلَ في الماضِي لَقُلْنا فِيهِ، فَذَلِكَ أوْعَبُ لِلْأزْمانِ، ويَكُونُ هَذا هو الفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِ ”﴿ولَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ [السجدة: ١٣]“ وقَوْلِهِ ﴿أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣١] فَهم لَمّا قالُوا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا ادَّعَوُا القُدْرَةَ عَلى قَوْلٍ مِثْلِهِ في الماضِي وفي المُسْتَقْبَلِ إغْراقًا في النَّفاجَةِ والوَقاحَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском