Ibn 'AshurAl‑Anfal · 8:32–35

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Anfal 8:32–35

8:32–33Page 180

وَإِذۡ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ ٱلۡحَقَّ مِنۡ عِندِكَ فَأَمۡطِرۡ عَلَيۡنَا حِجَارَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئۡتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٖ ٣٢

And [remember] when they said, "O Allāh, if this should be the truth from You, then rain down upon us stones from the sky or bring us a painful punishment."

وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمۡ وَأَنتَ فِيهِمۡۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمۡ وَهُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ ٣٣

But Allāh would not punish them while you, [O Muḥammad], are among them, and Allāh would not punish them while they seek forgiveness.

﴿وإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ عُطِفَ عَلى ”﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠]“ أوْ عَلى ”﴿قالُوا قَدْ سَمِعْنا﴾ [الأنفال: ٣١]“ وقائِلُ هَذِهِ المَقالَةِ هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ صاحِبُ المَقالَةِ السّابِقَةِ، وقالَها أيْضًا أبُو جَهْلٍ وإسْنادُ القَوْلِ إلى جَمِيعِ المُشْرِكِينَ لِلْوَجْهِ الَّذِي أُسْنِدَ لَهُ قَوْلُ النَّضِرِ قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا، فارْجِعْ إلَيْهِ، وكَذَلِكَ طَرِيقُ حِكايَةِ كَلامِهِمْ إنَّما هو جارٍ عَلى نَحْوِ ما قَرَّرْتُهُ هُنالِكَ مِن حِكايَةِ المَعْنى.

وكَلامُهم هَذا جارٍ مَجْرى القَسَمِ، وذَلِكَ أنَّهم يُقْسِمُونَ بِطَرِيقَةِ الدُّعاءِ عَلى أنْفُسِهِمْ إذا كانَ ما حَصَلَ في الوُجُودِ عَلى خِلافِ ما يَحْكُونَهُ أوْ يَعْتَقِدُونَهُ، وهم يَحْسَبُونَ أنَّ دَعْوَةَ المَرْءِ عَلى نَفْسِهِ مُسْتَجابَةً، وهَذِهِ طَرِيقَةٌ شَهِيرَةٌ في كَلامِهِمْ. قالَ النّابِغَةُ: ما إنْ أتَيْتُ بِشَيْءٍ أنْتَ تَكْرَهُهُ إذَنْ فَلا رَفَعَتْ سَوْطِي إلَيَّ يَدِي

صفحة ٣٣٢

وقالَ مَعْدانُ بْنُ جَوّاسٍ الكِنْدِيُّ، أوْ حُجَيَّةُ بْنُ المُضَرِّبِ السَّكُونِيُّ

إنْ كانَ ما بُلِّغْتِ عَنِّي فَلامَنِي صَدِيقِي وشَلَّتْ مِن يَدَيَّ الأنامِلُ

وكُفِّنْتُ وحْدِي مُنْذَرًا بِرِدائِهِ ∗∗∗ وصادَفَ حَوْطًا مِن أعادِيَّ قاتِلُ

وقالَ الأشْتَرُ النَّخَعِيُّ:

بُقَّيْتُ وفْرِي وانْحَرَفْتُ عَنِ العُلا ∗∗∗ ولَقِيتُ أضْيافِي بِوَجْهِ عَبُـوسِ

إنْ لَمْ أشُنَّ عَلى ابْنِ حَرْبٍ غارَةً ∗∗∗ لَمْ تَخْلُ يَوْمًا مِن نَهابِ نُفُـوسِ

وقَدْ ضَمَّنَ الحَرِيرِيُّ في المَقامَةِ العاشِرَةِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ في حِكايَةِ يَمِينٍ وجَّهَها أبُو زَيْدٍ السُّرُوجِيُّ عَلى غُلامِهِ المَزْعُومِ لَدى والِي رَحْبَةِ مالِكِ بْنِ طَوْقٍ حَتّى اضْطُرَّ الغُلامُ إلى أنْ يَقُولَ: الِاصْطِلاءُ بِالبَلِيَّةِ، ولا الِابْتِلاءُ بِهَذِهِ الألِيَّةِ.

فَمَعْنى كَلامِهِمْ: إنَّ هَذا القُرْآنَ لَيْسَ حَقًّا مِن عِنْدِكَ فَإنْ كانَ حَقًّا فَأصِبْنا بِالعَذابِ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّهم قَدْ جَزَمُوا بِأنَّهُ لَيْسَ بِحَقٍّ، ولَيْسَ الشَّرْطُ عَلى ظاهِرِهِ حَتّى يُفِيدَ تَرَدُّدَهم في كَوْنِهِ حَقًّا، ولَكِنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ اليَمِينِ، وقَدْ كانُوا لِجَهْلِهِمْ وضَلالِهِمْ يَحْسَبُونَ أنَّ اللَّهَ يَتَصَدّى لِمُخاطَرَتِهِمْ، فَإذا سَألُوهُ أنْ يُمْطِرَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً إنْ كانَ القُرْآنُ حَقًّا مِنهُ أمْطَرَ عَلَيْهِمُ الحِجارَةَ وأرادُوا أنْ يُظْهِرُوا لِقَوْمِهِمْ صِحَّةَ جَزْمِهِمْ بِعَدَمِ حَقِّيَّةِ القُرْآنِ فَأعْلَنُوا الدُّعاءَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنْ يُصِيبَهم عَذابٌ عاجِلٌ إنْ كانَ القُرْآنُ حَقًّا مِنَ اللَّهِ لِيَسْتَدِلُّوا بِعَدَمِ نُزُولِ العَذابِ عَلى أنَّ القُرْآنَ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وذَلِكَ في مَعْنى القَسَمِ كَما عَلِمْتَ.

وتَعْلِيقُ الشَّرْطِ بِحَرْفِ ”إنْ“ لِأنَّ الأصْلَ فِيها عَدَمُ اليَقِينِ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ، فَهم غَيْرُ جازِمِينَ بِأنَّ القُرْآنَ حَقٌّ ومُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ بَلْ هم مُوقِنُونَ بِأنَّهُ غَيْرُ حَقٍّ، واليَقِينُ بِأنَّهُ غَيْرُ حَقٍّ أخَصُّ مِن عَدَمِ اليَقِينِ بِأنَّهُ حَقٌّ.

وضَمِيرُ هو ضَمِيرُ فَصْلٍ فَهو يَقْتَضِي تَقَوِّي الخَبَرِ أيْ: إنْ كانَ هَذا حَقًّا ومِن عِنْدِكَ بِلا شَكٍّ.

وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ بِلامِ الجِنْسِ يَقْتَضِي الحَصْرَ، فاجْتَمَعَ في التَّرْكِيبِ تَقَوٍّ وحَصْرٌ وذَلِكَ تَعْبِيرُهم يَحْكُونَ بِهِ أقْوالَ القُرْآنِ المُنَوِّهَةَ بِصِدْقِهِ كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ﴾ [آل عمران: ٦٢]

صفحة ٣٣٣

وهم إنَّما أرادُوا إنْ كانَ القُرْآنُ حَقًّا ولا داعِيَ لَهم إلى نَفْيِ قُوَّةِ حَقِّيَّتِهِ ولا نَفْيِ انْحِصارِ الحَقِّيَّةِ فِيهِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ لازِمًا لِكَوْنِهِ حَقًّا، لِأنَّهُ إذا كانَ حَقًّا كانَ ما هم عَلَيْهِ باطِلًا فَصَحَّ اعْتِبارُ انْحِصارِ الحَقِّيَّةِ فِيهِ انْحِصارًا إضافِيًّا، إلّا أنَّهُ لا داعِيَ إلَيْهِ لَوْلا أنَّهم أرادُوا حِكايَةَ الكَلامِ الَّذِي يُبْطِلُونَهُ.

وهَذا الدُّعاءُ كِنايَةٌ مِنهم عَنْ كَوْنِ القُرْآنِ لَيْسَ كَما يُوصَفُ بِهِ، لِلتَّلازُمِ بَيْنَ الدُّعاءِ عَلى أنْفُسِهِمْ وبَيْنَ الجَزْمِ بِانْتِفاءِ ما جَعَلُوهُ سَبَبَ الدُّعاءِ بِحَسْبِ عُرْفِ كَلامِهِمْ واعْتِقادِهِمْ.

و”مِن عِنْدِكَ“ حالٌ مِنَ الحَقِّ أيْ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِكَ فَهم يَطْعَنُونَ في كَوْنِهِ حَقًّا وفي كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ.

وقَوْلُهُ ”مِنَ السَّماءِ“ وصْفٌ لِحِجارَةٍ أيْ حِجارَةٌ مَخْلُوقَةٌ لِعَذابِ مَن تُصِيبُهُ لِأنَّ الشَّأْنَ أنَّ مَطَرَ السَّماءِ لا يَكُونُ بِحِجارَةٍ كَقَوْلِهِ - تَعالى - ”﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾ [الفجر: ١٣]“ والصَّبُّ قَرِيبٌ مِنَ الأمْطارِ.

ذَكَرُوا عَذابًا خاصًّا وهو مَطَرُ الحِجارَةِ ثُمَّ عَمَّمُوا فَقالُوا أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ ويُرِيدُونَ بِذَلِكَ كُلِّهِ عَذابَ الدُّنْيا لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ، ووَصَفُوا العَذابَ بِالألِيمِ زِيادَةً في تَحْقِيقِ يَقِينِهِمْ بِأنَّ المَحْلُوفَ عَلَيْهِ بِهَذا الدُّعاءِ لَيْسَ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ فَلِذَلِكَ عَرَّضُوا أنْفُسَهم لِخَطَرٍ عَظِيمٍ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ القُرْآنُ حَقًّا ومُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ.

وإذْ كانَ هَذا القَوْلُ إنَّما يَلْزَمُ قائِلَهُ خاصَّةً ومَن شارَكَهُ فِيهِ ونَطَقَ بِهِ مِثْلَ النَّضْرِ وأبِي جَهْلٍ ومَنِ التَزَمَ ذَلِكَ وشارَكَ فِيهِ مِن أهْلِ نادِيهِمْ، كانُوا قَدْ عَرَّضُوا أنْفُسَهم بِهِ إلى تَعْذِيبِ اللَّهِ إيّاهُمُ انْتِصارًا لِنَبِيِّهِ وكِتابِهِ، وكانَتِ الآيَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ أنْ حَقَّ العَذابُ عَلى قائِلِي هَذا القَوْلِ وهو عَذابُ القَتْلِ المُهِينِ بِأيْدِي المُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَ - تَعالى - ”﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٤]“ وكانَ العَذابُ قَدْ تَأخَّرَ عَنْهم زَمَنًا اقْتَضَتْهُ حِكْمَةُ اللَّهِ، بَيَّنَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ في هَذِهِ الآيَةِ سَبَبَ تَأخُّرِ العَذابِ عَنْهم حِينَ قالُوا ما قالُوا، وأيْقَظَ النُّفُوسَ إلى حُلُولِهِ بِهِمْ وهم لا يَشْعُرُونَ.

فَقَوْلُهُ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ كِنايَةٌ عَنِ اسْتِحْقاقِهِمْ، وإعْلامٍ بِكَرامَةِ رَسُولِهِ ﷺ عِنْدَهُ، لِأنَّهُ جَعَلَ وجُودَهُ بَيْنَ ظَهْرانَيِ المُشْرِكِينَ مَعَ اسْتِحْقاقِهِمُ

صفحة ٣٣٤

العِقابَ سَبَبًا في تَأْخِيرِ العَذابِ عَنْهم، وهَذِهِ مَكْرُمَةٌ أكْرَمَ اللَّهُ بِها نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ فَجَعَلَ وجُودَهُ في مَكانٍ مانِعًا مِن نُزُولِ العَذابِ عَلى أهْلِهِ، فَهَذِهِ الآيَةُ إخْبارٌ عَمّا قَدَّرَهُ اللَّهُ فِيما مَضى.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ قالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كُلُّها بِمَكَّةَ، وقالَ ابْنُ أبْزى نَزَلَ قَوْلُهُ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ بِمَكَّةَ إثْرَ قَوْلِهِمْ ”﴿أوِ ايتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾“ ونَزَلَ قَوْلُهُ ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ عِنْدَ خُرُوجِ النَّبِيءِ ﷺ إلى المَدِينَةِ وقَدْ بَقِيَ بِمَكَّةَ مُؤْمِنُونَ يَسْتَغْفِرُونَ، ونَزَلَ قَوْلُهُ ”وما لَهم أنْ لا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ بَعْدَ بَدْرٍ.

وفِي تَوْجِيهِ الخِطابِ بِهَذا إلى النَّبِيءِ ﷺ، واجْتِلابِ ضَمِيرِ خِطابِهِ بِقَوْلِهِ“ وأنْتَ فِيهِمْ ”لَطِيفَةٌ مِنَ التَّكْرِمَةِ إذْ لَمْ يَقُلْ: وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وفِيهِمْ رَسُولُهُ، كَما قالَ ﴿وكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ وفِيكم رَسُولُهُ﴾ [آل عمران: ١٠١] .

وأمّا قَوْلُهُ ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ فَقَدْ أشْكَلَ عَلى المُفَسِّرِينَ نَظْمُها، وحَمَلَ ذَلِكَ بَعْضُهم عَلى تَفْكِيكِ الضَّمائِرِ فَجَعَلَ ضَمائِرَ الغَيْبَةِ مِن يُعَذِّبَهم وفِيهِمْ ووَمُعَذِّبَهم لِلْمُشْرِكِينَ، وجَعَلَ ضَمِيرَ“ وهم يَسْتَغْفِرُونَ ”لِلْمُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ عائِدًا إلى مَفْهُومٍ مِنَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلَيْهِ يَسْتَغْفِرُونَ فَإنَّهُ لا يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إلّا المُسْلِمُونَ، وعَلى تَأْوِيلِ الإسْنادِ فَإنَّهُ إسْنادُ الِاسْتِغْفارِ لِمَن حَلَّ بَيْنَهم مِنَ المُسْلِمِينَ، بِناءً عَلى أنَّ المُشْرِكِينَ لا يَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ مِنَ الشِّرْكِ.

فالَّذِي يَظْهَرُ أنَّها جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ انْتُهِزَتْ بِها فُرْصَةُ التَّهْدِيدِ بِتَعْقِيبِهِ بِتَرْغِيبٍ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَعْقِيبِ الوَعِيدِ بِالوَعْدِ، فَبَعْدَ أنْ هَدَّدَ المُشْرِكِينَ بِالعَذابِ ذَكَّرَهم بِالتَّوْبَةِ مِنَ الشِّرْكِ بِطَلَبِ المَغْفِرَةِ مِن رَبِّهِمْ بِأنْ يُؤْمِنُوا بِأنَّهُ واحِدٌ، ويُصَدِّقُوا رَسُولَهُ، فَهو وعْدٌ بِأنَّ التَّوْبَةَ مِنَ الشِّرْكِ تَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ وتَكُونُ لَهم أمْنًا وذَلِكَ هو المُرادُ بِالِاسْتِغْفارِ، إذْ مِنَ البَيِّنِ أنْ لَيْسَ المُرادُ بِيَسْتَغْفِرُونَ أنَّهم يَقُولُونَ: غُفْرانَكَ اللَّهُمَّ ونَحْوَهُ، إذْ لا عِبْرَةَ بِالِاسْتِغْفارِ بِالقَوْلِ والعَمَلُ يُخالِفُهُ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ تَحْرِيضًا وذَلِكَ في الِاسْتِغْفارِ وتَلْقِيَنًا لِلتَّوْبَةِ زِيادَةً في الإعْذارِ لَهم عَلى مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ﴾ [النساء: ١٤٧] وقَوْلِهِ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ وإنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣٨] .

صفحة ٣٣٥

وفِي قَوْلِهِ ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ تَعْرِيضٌ بِأنَّهُ يُوشِكُ أنْ يُعَذِّبَهم إنْ لَمْ يَسْتَغْفِرُوا وهَذا مِنَ الكِنايَةِ العُرْضِيَّةِ.

وجُمْلَةُ ﴿وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ أيْ إذا اسْتَغْفَرُوا اللَّهَ مِنَ الشِّرْكِ، وحُسْنُ مَوْقِعِها هُنا أنَّها جاءَتْ قَيْدًا لِعَمَلٍ مَنفِيٍّ فالمَعْنى: وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم لَوِ اسْتَغْفَرُوا.

وبِذَلِكَ يَظْهَرُ أنَّ جُمْلَةَ“ ﴿وما لَهم أنْ لا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٤] ”صادَفَتْ مَحَزَّها مِنَ الكَلامِ أيْ لَمْ يَسْلُكُوا، يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ عَذابِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهم أنْ يَنْتَفِيَ عَنْهم عَذابُ اللَّهِ.

وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى فَضِيلَةِ الِاسْتِغْفارِ وبَرَكَتِهِ بِإثْباتٍ بِأنَّ المُسْلِمِينَ أمِنُوا مِنَ العَذابِ الَّذِي عَذَّبَ اللَّهُ بِهِ الأُمَمَ لِأنَّهُمُ اسْتَغْفَرُوا مِنَ الشِّرْكِ بِاتِّباعِهِمُ الإسْلامَ. رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ أمانَيْنِ لِأُمَّتِي“ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ " فَإذا مَضَيْتُ تَرَكْتُ فِيهِمُ الِاسْتِغْفارَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» .

8:34Page 181

وَمَا لَهُمۡ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمۡ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَمَا كَانُوٓاْ أَوۡلِيَآءَهُۥٓۚ إِنۡ أَوۡلِيَآؤُهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُتَّقُونَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٤

But why should Allāh not punish them while they obstruct [people] from al-Masjid al-Ḥarām and they were not [fit to be] its guardians? Its [true] guardians are not but the righteous, but most of them do not know.

﴿وما لَهم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ”﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]“ وهو ارْتِقاءٌ في بَيانِ أنَّهم أحِقّاءُ بِتَعْذِيبِ اللَّهِ إيّاهم، بَيانًا بِالصَّراحَةِ.

وما اسْتِفْهامِيَّةٌ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، وهي في مَحَلِّ المُبْتَدَإ ولَهم خَبَرُهُ، واللّامُ لِلِاسْتِحْقاقِ، والتَّقْدِيرُ: ما الَّذِي ثَبَتَ لَهم لِأنْ يَنْتَفِيَ عَنْهم عَذابُ اللَّهِ، فَكَلِمَةُ ما اسْمُ اسْتِفْهامٍ إنْكارِيٍّ والمَعْنى لَمْ يَثْبُتْ لَهم شَيْءٌ.

و”أنْ لا يُعَذِّبَهم“ مَجْرُورٌ بِلامِ جَرٍّ مَحْذُوفَةٍ بَعْدَ أنْ عَلى الشّائِعِ مِن حَذْفِ الجَرِّ مَعَ أنْ والتَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ كانَ لَهم في عَدَمِ تَعْذِيبِهِمْ أيْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ في عَدَمِ تَعْذِيبِهِمْ أوْ مِن عَدَمِ تَعْذِيبِهِمْ أيْ أنَّهم لا شَيْءَ يَمْنَعُهم مِنَ العَذابِ، والمَقْصُودُ الكِنايَةُ عَنِ اسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ وحُلُولِهِ بِهِمْ، أوْ تَوَقُّعِ حُلُولِهِ بِهِمْ، تَقُولُ العَرَبُ: ”ما لَكَ أنْ لا تُكْرَمَ“ أيْ أنْتَ حَقِيقٌ بِأنْ تُكْرَمَ ولا يَمْنَعُكَ مِنَ الإكْرامِ شَيْءٌ، فاللَّفْظُ نَفْيٌ لِمانِعِ الفِعْلِ، والمَقْصُودُ أنَّ الفِعْلَ تَوَفَّرَتْ أسْبابُهُ ثُمَّ انْتَفَتْ مَوانِعُهُ، فَلَمْ يَبْقَ ما يَحُولُ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ.

صفحة ٣٣٦

وقَدْ يَتْرُكُونَ ”أنْ“ ويَقُولُونَ: ما لَكَ لا تَفْعَلُ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ في مَوْضِعِ الحالِ، وتَكُونُ تِلْكَ الحالُ هي مُثِيرُ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وهَذا هو المَعْنى الجارِي عَلى الِاسْتِعْمالِ.

وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ ما في الآيَةِ نافِيَةً فَيَكُونَ ”أنْ لا يُعَذِّبَهُمُ“ اسْمَها، و”لَهم“ خَبَرَها، والتَّقْدِيرُ: وما عَدَمُ التَّعْذِيبِ كائِنًا لَهم.

وجُمْلَةُ ”﴿وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾“ في مَوْضِعِ الحالِ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ.

والصَّدُّ الصَّرْفُ، ومَفْعُولُ يَصُدُّونَ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ، أيْ يَصُدُّونَ المُؤْمِنِينَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ﴾ فَكانَ الصَّدُّ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ جَرِيمَةً عَظِيمَةً يَسْتَحِقُّ فاعِلُوهُ عَذابَ الدُّنْيا قُبَيْلَ عَذابِ الآخِرَةِ، لِأنَّهُ يَئُولُ إلى الصَّدِّ عَنِ التَّوْحِيدِ لِأنَّ ذَلِكَ المَسْجِدَ بَناهُ مُؤَسِّسُهُ لِيَكُونَ عَلَمًا عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ ومَأْوًى لِلْمُوَحِّدِينَ، فَصَدُّهُمُ المُسْلِمِينَ عَنْهُ، لِأنَّهم آمَنُوا بِإلَهٍ واحِدٍ، صَرْفٌ لَهُ عَنْ كَوْنِهِ عَلَمًا عَلى التَّوْحِيدِ، إذْ صارَ المُوَحِّدُونَ مَعْدُودِينَ غَيْرَ أهْلٍ لِزِيارَتِهِ، فَقَدْ جُعِلُوا مُضادِّينَ لَهُ، فَلَزِمَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المَسْجِدُ مُضادًّا لِلتَّوْحِيدِ وأهْلِهِ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ ”﴿وما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ﴾“ وهَذا كَقَوْلِهِ ”﴿ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] . والظُّلْمُ الشِّرْكُ لِقَوْلِهِ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .

وهَذا الصَّدُّ الَّذِي ذَكَرَتْهُ الآيَةُ: هو عَزْمُهم عَلى صَدِّ المُسْلِمِينَ المُهاجِرِينَ عَنْ أنْ يَحُجُّوا ويَعْتَمِرُوا، ولَعَلَّهم أعْلَنُوا بِذَلِكَ بِحَيْثُ كانَ المُسْلِمُونَ لا يَدْخُلُونَ مَكَّةَ. في الكَشّافِ: كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ وُلاةُ البَيْتِ والحَرَمِ فَنَصُدُّ مَن نَشاءُ ونُدْخِلُ مَن نَشاءُ.

قُلْتُ: ويَشْهَدُ لِذَلِكَ قَضِيَّةُ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ مَعَ أبِي جَهْلٍ فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أنَّهُ حَدَّثَ عَنْ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ: أنَّهُ كانَ صَدِيقًا لِأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وكانَ أُمَيَّةُ إذا مَرَّ بِالمَدِينَةِ نَزَلَ عَلى سَعْدٍ، وكانَ سَعْدٌ إذا مَرَّ بِمَكَّةَ نَزَلَ عَلى أُمَيَّةَ فَلَمّا هاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ انْطَلَقَ سَعْدٌ مُعْتَمِرًا فَنَزَلَ عَلى أُمَيَّةَ بِمَكَّةَ فَقالَ لِأُمَيَّةَ: انْظُرْ لِي ساعَةَ خَلْوَةٍ لَعَلِّي أطُوفُ بِالبَيْتِ، فَخَرَجَ قَرِيبًا مِن نِصْفِ النَّهارِ، فَلَقِيَهُما أبُو جَهْلٍ، فَقالَ: يا أبا صَفْوانَ مَن - كُنْيَةُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ - هَذا مَعَكَ. فَقالَ: هَذا سَعْدٌ فَقالَ لَهُ أبُو جَهْلٍ: ألا أراكَ تَطُوفُ بِالبَيْتِ آمِنًا وقَدْ

صفحة ٣٣٧

آوَيْتُمُ الصُّباةَ، أما واللَّهِ لَوْلا أنَّكَ مَعَ أبِي صَفْوانَ ما رَجَعْتَ إلى أهْلِكَ سالِمًا“ الحَدِيثَ.

وقَدْ أفادَتِ الآيَةُ: أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا العَذابَ فَنَبَّهَتْ عَلى أنَّ ما أصابَهم يَوْمَ بَدْرٍ، مِنَ القَتْلِ والأسْرِ، هو مِنَ العَذابِ، ولَكِنَّ اللَّهَ قَدْ رَحِمَ هَذِهِ الأُمَّةَ تَكْرِمَةً لَنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَلَمْ يُؤاخِذْ عامَّتَهم بِظُلْمِ الخاصَّةِ بَلْ سَلَّطَ عَلى كُلِّ أحَدٍ مِنَ العَذابِ ما يُجازِي كُفْرَهُ وظُلْمَهُ وإذايَتَهُ النَّبِيءَ ﷺ والمُسْلِمِينَ، ولِذَلِكَ عَذَّبَ بِالقَتْلِ والأسْرِ والإهانَةِ نَفَرًا عُرِفُوا بِالغُلُوِّ في كُفْرِهِمْ وأذاهم، مِثْلَ النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، وطُعَيْمَةَ بْنِ عَدِيٍّ، وعُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ، وأبِي جَهْلٍ، وعَذَّبَ بِالخَوْفِ والجُوعِ مَن كانُوا دُونَ هَؤُلاءِ كُفْرًا واسْتَبَقاهم وأمْهَلَهم فَكانَ عاقِبَةَ أمْرِهِمْ أنْ أسْلَمُوا، بِقُرْبٍ أوْ بُعْدٍ، وهَؤُلاءِ مِثْلَ أبِي سُفْيانَ، وحَكِيمِ بْنِ حِزامٍ، وخالِدِ بْنِ الوَلِيدِ، فَكانَ جَزاؤُهُ إيّاهم عَلى حَسَبِ عِلْمِهِ، وحَقَّقَ بِذَلِكَ رَجاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ قالَ ”«لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يُخْرِجَ مِن أصْلابِهِمْ مَن يَعْبُدُهُ» .

وجُمْلَةُ“ ﴿وما كانُوا أوْلِياءَهُ﴾ ”في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ“ يَصُدُّونَ ”والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الحالِ إظْهارُ اعْتِدائِهِمْ في صَدِّهِمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، فَإنَّ مَن صَدَّ عَمًّا هو لَهُ مِنَ الخَيْرِ كانَ ظالِمًا، ومَن صَدَّ عَمّا لَيْسَ مِن حَقِّهِ كانَ أشَدَّ ظُلْمًا، ولِذَلِكَ قالَ - تَعالى - ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤] أيْ لا أظْلَمَ مِنهُ أحَدَ لِأنَّهُ مَنَعَ شَيْئًا عَنْ مُسْتَحِقِّهِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ﴾ تَعْيِينٌ لِأوْلِيائِهِ الحَقِّ، وتَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِ“ ﴿وما كانُوا أوْلِياءَهُ﴾ ”مَعَ زِيادَةِ ما أفادَهُ القَصْرُ مِن تَعْيِينِ أوْلِيائِهِ، فَهي بِمَنزِلَةِ الدَّلِيلِ عَلى نَفْيِ وِلايَةِ المُشْرِكِينَ، ولِذَلِكَ فُصَلَتْ.

وإنَّما لَمْ يَكْتَفِ بِجُمْلَةِ القَصْرِ مَعَ اقْتِضائِهِ أنَّ غَيْرَ المُتَّقِينَ لَيْسُوا أوْلِياءَ المَسْجِدِ الحَرامِ، لِقَصْدِ التَّصْرِيحِ بِظُلْمِ المُشْرِكِينَ في صَدِّهِمُ المُسْلِمِينَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ بِأنَّهم لا وِلايَةَ لَهم عَلَيْهِ، فَكانَتْ جُمْلَةُ“ ﴿وما كانُوا أوْلِياءَهُ﴾ ”أشَدَّ تَعَلُّقًا بِجُمْلَةِ“ ﴿وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ ”مِن جُمْلَةِ“ ﴿إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ﴾ ”وكانَتْ جُمْلَةُ“ ﴿إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ﴾ ”كالدَّلِيلِ، فانْتَظَمَ الِاسْتِدْلالُ أبْدَعَ انْتِظامٍ، ولِما في إناطَةِ وِلايَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ بِالمُتَّقِينَ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ سُلِبَتْ عَنْهم وِلايَتُهُ لَيْسُوا مِنَ المُتَّقِينَ، فَهو مَذَمَّةٌ لَهم وتَحْقِيقٌ لِلنَّفْيِ بِحُجَّةٍ.

صفحة ٣٣٨

والِاسْتِدْراكُ الَّذِي أفادَهُ“ لَكِنَّ ”ناشِئٌ عَنِ المُقَدَّمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَضَمَّنَتْهُما جُمْلَتا“ ﴿وما كانُوا أوْلِياءَهُ﴾ ”﴿إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ﴾“ لِأنَّ ذَلِكَ يُثِيرُ فَرْضَ سائِلٍ يَسْألُ عَنِ المُوجَبِ الَّذِي أقْحَمَهم في الصَّدِّ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، ويَحْسَبُونَ أنَّهم حَقِيقُونَ بِوِلايَتِهِ لِما تَقَدَّمَ عَنِ الكَشّافِ، فَحُذِفَ مَفْعُولُ ”يَعْلَمُونَ“ لِدَلالَةِ الِاسْتِدْراكِ عَلَيْهِ لِتَعَلُّقِ الِاسْتِدْراكِ بِقَوْلِهِ ”﴿وما كانُوا أوْلِياءَهُ﴾“ .

وإنَّما نَفى العِلْمَ عَنْ أكْثَرِهِمْ دُونَ أنْ يُقالَ ولَكِنَّهم لا يَعْلَمُونَ فاقْتَضى أنَّ مِنهم مَن يَعْلَمُ أنَّهم لَيْسُوا أوْلِياءَ المَسْجِدِ الحَرامِ، وهم مَن أيْقَنُوا بِصِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ واسْتَفاقُوا مِن غَفْلَتِهِمُ القَدِيمَةِ، ولَكِنْ حَمَلَهم عَلى المُشايَعَةِ لِلصّادِّينَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، العِنادُ وطَلَبُ الرِّئاسَةِ، ومُوافَقَةُ الدَّهْماءِ عَلى ضَلالِهِمْ، وهَؤُلاءِ هم عُقَلاءُ أهْلِ مَكَّةَ ومَن تَهَيَّأ لِلْإيمانِ مِنهم مِثْلَ العَبّاسِ وعَقِيلِ بْنِ أبِي طالِبٍ وأبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ وحَكِيمِ بْنِ حِزامٍ وخالِدِ بْنِ الوَلِيدِ ومَنِ اسْتَبَقاهُمُ اللَّهُ لِلْإسْلامِ فَكانُوا مِن نُصَرائِهِ مِن بَعْدِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ.

8:35Page 181

وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمۡ عِندَ ٱلۡبَيۡتِ إِلَّا مُكَآءٗ وَتَصۡدِيَةٗۚ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ٣٥

And their prayer at the House [i.e., the Kaʿbah] was not except whistling and handclapping. So taste the punishment for what you disbelieved [i.e., practiced of deviations].

﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ”﴿وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [الأنفال: ٣٤]“ فَمَضْمُونُها سَبَبٌ ثانٍ لِاسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ، ومَوْقِعُها عَقِبَ جُمْلَةِ ”﴿وما كانُوا أوْلِياءَهُ﴾ [الأنفال: ٣٤]“ يَجْعَلُها كالدَّلِيلِ المُقَرِّرِ لِانْتِفاءِ وِلايَتِهِمْ لِلْمَسْجِدِ الحَرامِ، لِأنَّ مَن كانَ يَفْعَلُ مِثْلَ هَذا عِنْدَ مَسْجِدِ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُتَّقِينَ، فَكانَ حَقِيقًا بِسَلْبِ وِلايَةِ المَسْجِدِ عَنْهُ، فَعُطِفَتِ الجُمْلَةُ بِاعْتِبارِها سَبَبًا لِلْعَذابِ، ولَوْ فُصِلَتْ بِاعْتِبارِها مُقَرِّرَةً لِسَلْبِ أهْلِيَّةِ الوِلايَةِ عَنْهم لَصَحَّ ذَلِكَ، ولَكِنْ كانَ الِاعْتِبارُ الأوَّلُ أرْجَحَ لِأنَّ العَطْفَ أدَلُّ عَلَيْهِ مَعَ كَوْنِ مَوْقِعِها يُفِيدُ الِاعْتِبارَ الثّانِي.

والمُكاءُ عَلى صِيغَةِ مَصادِرِ الأصْواتِ كالرُّغاءِ والثُّغاءِ والبُكاءِ والنُّواحِ. يُقالُ: مَكا يَمْكُو إذا صَفَّرَ بِفِيهِ ومِنهُ سُمِّيَ نَوْعٌ مِنَ الطَّيْرِ المَكّاءُ بِفَتْحِ المِيمِ وتَشْدِيدِ الكافِ وجَمُعُهُ مَكاكِيءُ بِهَمْزَةٍ في آخِرِهِ بَعْدَ الياءِ وهو طائِرٌ أبْيَضُ يَكُونُ بِالحِجازِ.

صفحة ٣٣٩

وعَنِ الأصْمَعِيِّ قُلْتُ لِمُنْتَجِعِ بْنِ نَبْهانَ ما ”تَمْكُو“ فَشَبَّكَ بَيْنَ أصابِعِهِ ثُمَّ وضَعَها عَلى فَمِهِ ونَفَخَ.

والتَّصْدِيَةُ التَّصْفِيقُ مُشْتَقًّا مِنَ الصَّدى وهو الصَّوْتُ الَّذِي يَرُدُّهُ الهَواءُ مُحاكِيًا لِصَوْتٍ صالِحٍ في البَراحِ مِن جِهَةٍ مُقابِلَةٍ.

ولا تُعْرَفُ لِلْمُشْرِكِينَ صَلاةٌ فَتَسْمِيَةُ مُكائِهِمْ وتَصْدِيَتِهِمْ صَلاةً مُشاكَلَةٌ تَقْدِيرِيَّةٌ لِأنَّهم لَمّا صَدُّوا المُسْلِمِينَ عَنِ الصَّلاةِ وقِراءَةِ القُرْآنِ في المَسْجِدِ الحَرامِ عِنْدَ البَيْتِ، كانَ مِن جُمْلَةِ طَرائِقِ صَدِّهِمْ إيّاهم تَشْغِيبُهم عَلَيْهِمْ وسُخْرِيَتُهم بِهِمْ يُحاكُونَ قِراءَةَ المُسْلِمِينَ وصَلاتَهم بِالمُكاءِ والتَّصْدِيَةِ، قالَ مُجاهِدٌ: فَعَلَ ذَلِكَ نَفَرٌ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ يَخْلِطُونَ عَلى مُحَمَّدٍ صَلاتَهُ، وبَنُو عَبْدِ الدّارِ هم سَدَنَةُ الكَعْبَةِ وأهْلُ عِمارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ لِلِاسْتِسْخارِ مِنَ الصَّلاةِ سُمِّيَ فِعْلُهم ذَلِكَ صَلاةً عَلى طَرِيقَةِ المُشاكَلَةِ التَّقْدِيرِيَّةِ، والمُشاكَلَةُ تَرْجِعُ إلى اسْتِعارَةٍ عَلاقَتُها المُشاكَلَةُ اللَّفْظِيَّةُ أوِ التَّقْدِيرِيَّةُ، فَلَمْ تَكُنْ لِلْمُشْرِكِينَ صَلاةٌ بِالمُكاءِ والتَّصْدِيَةِ، وهَذا الَّذِي نَحاهُ حُذّاقُ المُفَسِّرِينَ: مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ ”﴿فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾“ لِأنَّ شَأْنَ التَّفْرِيعِ أنْ يَكُونَ جَزاءً عَلى العَمَلِ المَحْكِيِّ قَبْلَهُ، والمُكاءُ والتَّصْدِيَةُ لا يُعَدّانِ كُفْرًا إلّا إذا كانا صادِرَيْنِ لِلسُّخْرِيَةِ بِالنَّبِيءِ ﷺ وبِالدِّينِ، وأمّا لَوْ أُرِيدَ مُجَرَّدُ لَهْوٍ عَمِلُوهُ في المَسْجِدِ الحَرامِ فَلَيْسَ بِمُقْتَضٍ كَوْنَهُ كُفْرًا إلّا عَلى تَأْوِيلِهِ بِأثَرٍ مِن آثارِ الكُفْرِ كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿إنَّما النَّسِيُّ زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] .

ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن ذَكَرَ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً ويَمْكُوَنَ ويُصَفِّقُونَ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كانَتْ قُرَيْشٌ يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً يُصَفِّقُونَ ويُصَفِّرُونَ وعَلَيْهِ فَإطْلاقُ الصَّلاةِ عَلى المُكاءِ والتَّصْدِيَةِ مَجازٌ مُرْسَلٌ، قالَ طَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو: أرانِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ المَكانَ الَّذِي كانُوا يَمْكُوَنَ فِيهِ نَحْوَ أبِي قُبَيْسٍ، فَإذا صَحَّ الَّذِي قالَهُ طَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو هَذا فالعِنْدِيَّةُ في قَوْلِهِ ”عِنْدَ البَيْتِ“ بِمَعْنى مُطْلَقِ المُقارَبَةِ ولَيْسَتْ عَلى حَقِيقَةِ ما يُفِيدُهُ ”عِنْدَ“ مِن شِدَّةِ القُرْبِ.

ودَلَّ قَوْلُهُ ”فَذُوقُوا العَذابَ“ عَلى عَذابٍ واقِعٍ بِهِمْ، إذِ الأمْرُ هُنا لِلتَّوْبِيخِ والتَّغْلِيطِ وذَلِكَ هو العَذابُ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، مِن قَتْلٍ وأسْرٍ وحَرَبٍ بِفَتْحِ الرّاءِ

صفحة ٣٤٠

بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أيْ بِكُفْرِكم، فَما مَصْدَرِيَّةٌ، وكانَ إذا جُعِلَ خَبَرُها جُمْلَةً مُضارِعِيَّةً أفادَتِ الِاسْتِمْرارَ والعادَةَ، كَقَوْلِ عايِشَةَ: ”فَكانُوا لا يَقْطَعُونَ السّارِقَ في الشَّيْءِ التّافِهِ وقَوْلِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ في المُوَطَّأِ: كانُوا يُعْطُونَ النَّفَلَ مِنَ الخُمُسِ.

وعَبَّرَ هُنا بِ“ تَكْفُرُونَ ”وفي سُورَةِ الأعْرافِ بِ“ تَكْسِبُونَ " لِأنَّ العَذابَ المُتَحَدَّثَ عَنْهُ هُنا لِأجْلِ الكُفْرِ، والمُتَحَدَّثَ عَنْهُ في الأعْرافِ لِأجْلِ الكُفْرِ والإضْلالِ وما يَجُرُّهُ الإضْلالُ مِنَ الكِبْرِياءِ والرِّئاسَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском