Ibn 'AshurAl‑Anfal · 8:2–4

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Anfal 8:2–4

8:2Page 177

إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَإِذَا تُلِيَتۡ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٢

The believers are only those who, when Allāh is mentioned, their hearts become fearful, and when His verses are recited to them, it increases them in faith; and upon their Lord they rely -

﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾

مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ وما عُطِفَ عَلَيْها مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ لِوُجُوبِ تَقْوى اللَّهِ وإصْلاحِ ذاتِ بَيْنِهِمْ وطاعَتِهِمُ اللَّهَ ورَسُولَهُ، لِأنَّ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الجُمَلُ الَّتِي بَعْدَ ”إنَّما“ مِن شَأْنِهِ أنْ يَحْمِلَ المُتَّصِفِينَ بِهِ عَلى الِامْتِثالِ لِما تَضَمَّنَتْهُ جُمَلُ الأمْرِ الثَّلاثِ السّابِقَةِ،

صفحة ٢٥٥

وقَدِ اقْتَضى ظاهِرُ القِصَرِ المُسْتَفادُ مِن ”إنَّما“ أنَّ مَن لَمْ يَجِلْ قَلْبُهُ إذا ذُكِرَ اللَّهُ، ولَمْ تَزِدْهُ تِلاوَةُ آياتِ اللَّهِ إيمانًا مَعَ إيمانِهِ، ولَمْ يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ، ولَمْ يُقِمِ الصَّلاةَ، ولَمْ يُنْفِقْ، لَمْ يَكُنْ مَوْصُوفًا بِصِفَةِ الإيمانِ، فَهَذا ظاهِرٌ مُؤَوَّلٌ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ أدِلَّةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ مِن أنَّ الإيمانَ لا يَنْقُضُهُ الإخْلالُ بِبَعْضِ الواجِباتِ كَما سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤] فَتَعَيَّنَ أنَّ القَصْرَ ادِّعائِيٌّ بِتَنْزِيلِ الإيمانِ الَّذِي عُدِمَ الواجِباتِ العَظِيمَةَ مَنزِلَةَ العَدَمِ، وهو قَصْرٌ مَجازِيٌّ لِابْتِنائِهِ عَلى التَّشْبِيهِ، فَهو اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ: شُبِّهَ الجانِبُ المَنفِيُّ في صِيغَةِ القَصْرِ بِمَن لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ، وطُوِيَ ذِكْرُ المُشَبَّهِ بِهِ ورُمِزَ إلَيْهِ بِذِكْرِ لازِمِهِ وهو حَصْرُ الإيمانِ فِيمَنِ اتَّصَفَ بِالصِّفاتِ الَّتِي لَمْ يَتَّصِفْ بِها المُشَبَّهُ بِهِ، ويُؤَوَّلُ هَذا إلى مَعْنى: إنَّما المُؤْمِنُونَ الكامِلُونَ الإيمانِ، فالتَّعْرِيفُ في ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ تَعْرِيفُ الجِنْسِ المُفِيدُ قَصْرًا ادِّعائِيًّا عَلى أصْحابِ هَذِهِ الصِّفاتِ مُبالَغَةً، وحَرْفُ ”ال“ فِيهِ هو ما يُسَمّى بِالدّالَّةِ عَلى مَعْنى الكَمالِ.

وقَدْ تَكُونُ جُمْلَةُ ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِجَوابِ سُؤالِ سائِلٍ يُثِيرُهُ الشَّرْطُ وجَزاؤُهُ المُقَدَّرُ في قَوْلِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١] بِأنْ يَتَساءَلُوا عَنْ هَذا الِاشْتِراطِ بَعْدَ ما تَحَقَّقَ أنَّهم مُؤْمِنُونَ مِن قَبْلُ، وهَلْ يُمْتَرى في أنَّهم مُؤْمِنُونَ، فَيُجابُوا بِأنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ الَّذِينَ صِفَتُهم كَيْتَ وكَيْتَ، فَيَعْلَمُوا أنَّ الإيمانَ المَجْعُولَ شَرْطًا هو الإيمانُ الكامِلُ فَتَنْبَعِثَ نُفُوسُهم إلى الِاتِّسامِ بِهِ والتَّباعُدِ عَنْ مَوانِعِ زِيادَتِهِ.

وإذْ قَدْ كانَ الِاحْتِمالانِ غَيْرَ مُتَنافِيَيْنِ صَحَّ تَحْمِيلُ الآيَةِ إيّاهُما تَوْفِيرًا لِمَعانِي الكَلامِ المُعْجِزِ، فَإنَّ عِلَّةَ الشَّيْءِ مِمّا يُسْألُ عَنْهُ، وإنَّ بَيانَ العِلَّةِ مِمّا يَصِحُّ كَوْنُهُ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا.

وعَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ وقَعَتِ الجُمْلَةُ مَفْصُولَةً عَنِ الَّتِي قَبْلَها لِاسْتِغْنائِها عَنِ الرَّبْطِ وإنِ اخْتَلَفَ مُوجِبُ الِاسْتِغْناءِ بِاخْتِلافِ الِاحْتِمالَيْنِ، والِاعْتِباراتُ البَلاغِيَّةُ يَصِحُّ تَعَدُّدُ أسْبابِها في المَوْقِعِ الواحِدِ لِأنَّها اعْتِباراتٌ مَعْنَوِيَّةٌ ولَيْسَتْ كَيْفِيّاتٍ لَفْظِيَّةً فَتَحَقَّقْهُ حَقَّ تَحَقُّقِهِ.

والمَعْنى لَيْسَ المُؤْمِنُونَ الكامِلُ إيمانُهم إلّا أصْحابَ هَذِهِ الصِّلَةِ الَّتِي يَعْرِفُ المُتَّصِفُ بِها تَحَقُّقَها فِيهِ أوْ عَدَمَهُ مِن عَرْضِ نَفْسِهِ عَلى حَقِيقَتِها، فَإنَّهُ لَمّا كانَ الكَلامُ وارِدًا

صفحة ٢٥٦

مَوْرِدَ الأمْرِ بِالتَّخَلُّقِ بِما يَقْتَضِيهِ الإيمانُ أُحِيلُوا في مَعْرِفَةِ أماراتِ هَذا التَّخَلُّقِ عَلى صِفاتٍ يَأْنَسُونَها مِن أنْفُسِهِمْ إذا عَلِمُوها.

والذِّكْرُ حَقِيقَتُهُ التَّلَفُّظُ بِاللِّسانِ، وإذا عُلِّقَ بِما يَدُلُّ عَلى ذاتٍ فالمَقْصُودُ مِنَ الذّاتِ أسْماؤُها، فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿إذا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ إذا نَطَقَ ناطِقٌ بِاسْمٍ مِن أسْماءِ اللَّهِ أوْ بِشَأْنٍ مِن شُئُونِهِ، مِثْلِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ لا بُدَّ مَعَهُ مِن جَرَيانِ اسْمِهِ أوْ ضَمِيرِهِ أوْ مَوْصُولِهِ أوْ إشارَتِهِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِن دَلائِلِ ذاتِهِ.

والوَجَلُ خَوْفٌ مَعَ فَزَعٍ فَيَكُونُ لِاسْتِعْظامِ المَوْجُولِ مِنهُ.

وقَدْ جاءَ فِعْلُ ”وجِلَ“ في الفَصِيحِ بِكَسْرِ العَيْنِ في الماضِي عَلى طَرِيقَةِ الأفْعالِ الدّالَّةِ عَلى الِانْفِعالِ الباطِنِيِّ مِثْلَ فَرِحَ، وصَدِيَ، وهَوِيَ، ورَوِيَ.

وأُسْنِدَ الوَجَلُ إلى القُلُوبِ لِأنَّ القَلْبَ يَكْثُرُ إطْلاقُهُ في كَلامِ العَرَبِ عَلى إحْساسِ الإنْسانِ وقَرارَةِ إدْراكِهِ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ هَذا العُضْوَ الصَّنَوْبَرِيَّ الَّذِي يُرْسِلُ الدَّمَ إلى الشَّرايِينِ.

وقَدْ أجْمَلَتِ الآيَةُ ذِكْرَ اللَّهِ إجْمالًا بَدِيعًا لِيُناسِبَ مَعْنى الوَجِلِ، فَذِكْرُ اللَّهِ يَكُونُ: بِذِكْرِ اسْمِهِ، وبِذِكْرِ عِقابِهِ، وعَظَمَتِهِ، وبِذِكْرِ ثَوابِهِ ورَحْمَتِهِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَحْصُلُ مَعَهُ الوَجَلُ في قُلُوبِ كُمَّلِ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّهُ يَحْصُلُ مَعَهُ اسْتِحْضارُ جَلالِ اللَّهِ وشِدَّةِ بَأْسِهِ وسِعَةِ ثَوابِهِ، فَيَنْبَعِثُ عَنْ ذَلِكَ الِاسْتِحْضارِ تَوَقُّعُ حُلُولِ بَأْسِهِ، وتَوَقُّعُ انْقِطاعِ بَعْضِ ثَوابِهِ أوْ رَحْمَتِهِ، وهو وجَلٌ يَبْعَثُ المُؤْمِنَ إلى الِاسْتِكْثارِ مِنَ الخَيْرِ وتَوَقِّي ما لا يُرْضِي اللَّهَ - تَعالى - ومُلاحَظَةِ الوُقُوفِ عِنْدَ حُدُودِ اللَّهِ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ، ولِذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ: ”أفْضَلُ مِن ذِكْرِ اللَّهِ بِاللِّسانِ ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ أمْرِهِ ونَهْيِهِ“ .

وإذْ قَدْ كانَ المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ حَثَّ المُؤْمِنِينَ عَلى الرِّضى بِما قَسَّمَ النَّبِيءُ ﷺ مِن غَنائِمِ بَدْرٍ وأنْ يَتْرُكُوا التَّشاجُرَ بَيْنَهم في ذَلِكَ، ناسَبَ الِاقْتِصارُ عَلى وجِلِ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ، والوَجَلُ حالَيْنِ يَحْصُلانِ لِلْمُؤْمِنِ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ والحالُ الآخَرُ هو الأمَلُ والطَّمَعُ في الثَّوابِ، فَطَوى ذِكْرَهُ هُنا اعْتِمادًا عَلى اسْتِلْزامِ الوَجَلِ إيّاهُ لِأنَّ مِنَ الوَجَلِ أنْ يَجِلَ مِن فَواتِ الثَّوابِ أوْ نُقْصانِهِ.

* * *

﴿وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا﴾

التِّلاوَةُ: القِراءَةُ واسْتِظْهارُ ما يَحْفَظُهُ التّالِي مِن كَلامٍ لَهُ أوْ لِغَيْرِهِ يَحْكِيهِ لِسامِعِهِ،

صفحة ٢٥٧

وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] في البَقَرَةِ.

وآياتُ اللَّهِ القُرْآنُ، سُمِّيَتْ آياتٌ لِأنَّ وحْيَها إلى النَّبِيءِ الأُمِّيِّ ﷺ وعَجْزَ قَوْمِهِ، خاصَّتِهِمْ وعامَّتِهِمْ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِها فِيهِ دَلالَةٌ عَلى صِدْقِ مَن جاءَ بِها فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ آياتٌ، ويُسَمّى القُرْآنُ كُلُّهُ آيَةً أيْضًا بِاعْتِبارِ دَلالَةِ جُمْلَتِهِ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في المُقَدِّمَةِ الثّامِنَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ.

وإسْنادُ فِعْلِ زِيادَةِ الإيمانِ إلى آياتِ اللَّهِ لِأنَّها سَبَبُ تِلْكَ الزِّيادَةِ لِلْإيمانِ بِاعْتِبارِ حالٍ مِن أحْوالِها، وهو تِلاوَتُها لِاعْتِبارِ مُجَرَّدِ وُجُودِها في صَدْرِ غَيْرِ المَتْلُوَّةِ عَلَيْهِ. وهَذا الإسْنادُ مِنَ المَجازِ العَقْلِيِّ إذْ جُعِلَتِ الآياتُ بِمَنزِلَةِ فاعِلِ الزِّيادَةِ في الإيمانِ.

فَإنَّهُ لَمّا لَمْ يُعْرَفِ الفاعِلُ الحَقِيقِيُّ لِزِيادَةِ الإيمانِ، إذْ تِلْكَ الزِّيادَةُ كَيْفِيَّةٌ نَفْسِيَّةٌ عارِضَةٌ لِلْيَقِينِ لا يُعْرَفُ فاعِلُ انْقِداحِها في العَقْلِ، وغايَةُ ما يُعْرَفُ أنْ يُقالَ: ازْدادَ إيمانُ فُلانٍ، أوِ ازْدادَ فُلانٌ إيمانًا، بِطَرِيقِ ما يَدُلُّ عَلى المُطاوَعَةِ، ولا التِفاتَ في الِاسْتِعْمالِ إلى أنَّ اللَّهَ هو خالِقُ الأحْوالِ كُلِّها إذْ لَيْسَ ذَلِكَ مَعْنى الفاعِلِ الحَقِيقِيِّ في العُرْفِ، ولَوْ لُوحِظَ ذَلِكَ لَمْ يَنْقَسِمِ الكَلامُ إلى حَقِيقَةٍ ومَجازٍ عَقْلِيَّيْنِ وإنَّما الفاعِلُ الحَقِيقِيُّ هو مَن يَأْتِي الفِعْلَ ويَصْنَعُهُ كالكاتِبِ لِلْكِتابَةِ والضّارِبِ بِالسَّيْفِ لِلْقَتْلِ.

والإيمانُ: تَصْدِيقُ النَّفْسِ بِثُبُوتِ نِسْبَةِ شَيْءٍ لِشَيْءٍ، أوْ بِانْتِفاءِ نِسْبَةِ شَيْءٍ عَنْ شَيْءٍ، تَصْدِيقًا جازِمًا لا يَحْتَمِلُ نَقِيضَ تِلْكَ النِّسْبَةِ، وقَدِ اشْتُهِرَ اسْمُ الإيمانِ شَرْعًا في اليَقِينِ بِالنِّسْبَةِ المُقْتَضِيَةِ وُجُودَ اللَّهِ ووُجُودَ صِفاتِهِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْها الأدِلَّةُ العَقْلِيَّةُ أوِ الشَّرْعِيَّةُ، والمُقْتَضِيَةُ مَجِيءَ رَسُولِ اللَّهِ مُخْبِرًا عَنِ اللَّهِ الَّذِي أرْسَلَهُ وثُبُوتَ صِفاتِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - الَّتِي لا يَتِمُّ مَعْنى رِسالَتِهِ عَنِ اللَّهِ بِدُونِها: مِثْلَ الصِّدْقِ فِيما يُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ، والعِصْمَةِ عَنِ اقْتِرافِ مَعْصِيَةِ اللَّهِ - تَعالى - .

ومَعْنى زِيادَةِ الإيمانِ: قُوَّةُ اليَقِينِ في نَفْسِ المُوقِنِ عَلى حَسَبِ شِدَّةِ الِاسْتِغْناءِ عَنِ اسْتِحْضارِ الأدِلَّةِ في نَفْسِهِ، وعَنْ إعادَةِ النَّظَرِ فِيها، ودَفْعِ الشَّكِّ العارِضِ لِلنَّفْسِ، فَإنَّهُ كُلَّما كانَتِ الأدِلَّةُ أكْثَرَ وأقْوى وأجْلى مُقَدِّماتٍ كانَ اليَقِينُ أقْوى، فَتِلْكَ القُوَّةُ هي المُعَبَّرُ عَنْها بِالزِّيادَةِ، وتَفاوُتُها تَدَرُّجٌ في الزِّيادَةِ. ويَجُوزُ أنْ تُسَمّى قِلَّةُ التَّدَرُّجِ في الأدِلَّةِ نَقْصًا لَكِنَّهُ نَقْصٌ عَنِ الزِّيادَةِ، وذَلِكَ مَعَ مُراعاةِ وُجُودِ أصْلِ حَقِيقَةِ

صفحة ٢٥٨

الإيمانِ، لِأنَّها لَوْ نَقَصَتْ عَنِ اليَقِينِ لَبَطَلَتْ ماهِيَّةُ الإيمانِ، وقَدْ أشارَ البُخارِيُّ إلى هَذا بِقَوْلِهِ ”بابُ زِيادَةِ الإيمانِ ونُقْصانِهِ، فَإذا تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الكَمالِ فَهو ناقِصٌ“ فَلَوْ أنَّ نَقْصَ الأدِلَّةِ بَلَغَ بِصاحِبِهِ إلى انْخِرامِ اليَقِينِ لَمْ يَكُنِ العِلْمُ الحاصِلُ لَهُ إيمانًا، حَتّى يُوصَفَ بِالنَّقْصِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن وصْفِ الإيمانِ بِالزِّيادَةِ، في القُرْآنِ وكَلامِ الرَّسُولِ ﷺ، وهو بَيِّنٌ. ولَمْ يَرِدْ عَنِ الشَّرِيعَةِ ذِكْرُ نَقْصِ الإيمانِ، وذَلِكَ هو الَّذِي يُرِيدُهُ جُمْهُورُ عُلَماءِ الأُمَّةِ إذا قالُوا الإيمانَ يَزِيدُ كَما قالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ الإيمانُ يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ، وهي عِبارَةٌ كامِلَةٌ، وقَدْ يُطْلَقُ الإيمانُ عَلى الأعْمالِ الَّتِي تَجِبُ عَلى المُؤْمِنِ وهو إطْلاقٌ بِاعْتِبارِ كَوْنِ تِلْكَ الأعْمالِ مِن شَرائِعِ الإيمانِ، كَما أُطْلِقَ عَلى الصَّلاةِ اسْمُ الإيمانِ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] ولَكِنَّ الِاسْمَ المَضْبُوطَ لِهَذا المَعْنى هو اسْمُ الإسْلامِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ حَدِيثُ سُؤالِ جِبْرِيلَ عَنِ الإيمانِ والإسْلامِ والإحْسانِ، فالإيمانُ قَدْ يُطْلَقُ عَلى الإسْلامِ وهو بِهَذا الِاعْتِبارِ يُوصَفُ بِالنَّقْصِ والزِّيادَةِ بِاعْتِبارِ الإكْثارِ مِنَ الأعْمالِ والإقْلالِ، ولَكِنَّهُ لَيْسَ المُرادَ في هَذِهِ الآيَةِ ولا في نَظائِرِها مِن آياتِ الكِتابِ وأقْوالِ النَّبِيءِ ﷺ، وقَدْ يُرِيدُهُ بَعْضُ عُلَماءِ الأُمَّةِ فَيَقُولُ: الإيمانُ يَزِيدُ ويَنْقُصُ، ولَعَلَّ الَّذِي ألْجَأهم إلى وصْفِهِ بِالنَّقْصِ هو ما اقْتَضاهُ الوَصْفُ بِالزِّيادَةِ. وهَذا مَذْهَبٌ أشارَ إلَيْهِ البُخارِيُّ في قَوْلِهِ ”بابُ مَن قالَ إنَّ الإيمانَ هو العَمَلُ“ . وقالَ الشَّيْخُ ابْنُ أبِي زَيْدٍ ”وأنَّ الإيمانَ قَوْلٌ بِاللِّسانِ وإخْلاصٌ بِالقَلْبِ وعَمَلٌ بِالجَوارِحِ يَزِيدُ بِزِيادَةِ الأعْمالِ ويَنْقُصُ بِنَقْصِ الأعْمالِ فَيَكُونُ فِيها النَّقْصُ وبِها الزِّيادَةُ“، وهو جارٍ عَلى طَرِيقَةِ السَّلَفِ مِن إقْرارِ ظَواهِرِ ألْفاظِ القُرْآنِ والسَّنَةِ، في الأُمُورِ الِاعْتِقادِيَّةِ، ولَكِنَّ وصْفَ الإيمانِ بِالنَّقْصِ لا داعِيَ إلَيْهِ لِعَدَمِ وُجُودِ مُقْتَضِيهِ لِعَدَمِ وصْفِهِ بِالنَّقْصِ في القُرْآنِ والسُّنَّةِ ولِهَذا قالَ مالِكٌ: الإيمانُ يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ.

وكَيْفِيَّةُ تَأْثِيرِ تِلاوَةِ الآياتِ في زِيادَةِ الإيمانِ: أنَّ دَقائِقَ الإعْجازِ الَّتِي تَحْتَوِي عَلَيْها آياتُ القُرْآنِ تَزِيدُ كُلُّ آيَةٍ تَنْزِلُ مِنها أوْ تَتَكَرَّرُ عَلى الأسْماعِ سامِعَها يَقِينًا بِأنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَتَزِيدُهُ اسْتِدْلالًا عَلى ما في نَفْسِهِ، وذَلِكَ يُقَوِّي الإيمانَ حَتّى يَصِلَ إلى مَرْتَبَةٍ تُقَرِّبُ مِنَ الضَّرُورَةِ عَلى نَحْوِ ما يَحْصُلُ في تَواتُرِ الخَبَرِ مِنَ اليَقِينِ بِصِدْقِ المُخْبِرِينَ، ويَحْصُلُ مَعَ تِلْكَ الزِّيادَةِ زِيادَةٌ في الإقْبالِ عَلَيْها بِشَراشِرِ القُلُوبِ ثُمَّ في

صفحة ٢٥٩

العَمَلِ بِما تَتَضَمَّنُهُ مِن أمْرٍ أوْ نَهْيٍ، حَتّى يَحْصُلَ كَمالُ التَّقْوى، فَلا جَرَمَ كانَ لِكُلِّ آيَةٍ تُتْلى عَلى المُؤْمِنِينَ زِيادَةٌ في عَوارِضِ الإيمانِ مِن قُوَّةِ اليَقِينِ وتَكْثِيرِ الأعْمالِ فَهَذا وصْفٌ راسِخٌ لِلْآياتِ ويَجُوزُ أنْ تُفَسَّرَ زِيادَةُ الإيمانِ عِنْدَ تِلاوَةِ الآياتِ بِأنَّها زِيادَةُ إدْراكٍ لِلْمَعانِي المُؤْمَنِ بِها، كَما فُسِّرَتْ زِيادَةُ الإيمانِ بِالنِّسْبَةِ إلى الأعْمالِ، الَّتِي تَجِبُ عَلى المُؤْمِنِ إذْ تِلْكَ الإدْراكاتُ تَعَلُّقاتٌ بَعْضُها حِسِّيٍّ وبَعْضُها عَقْلِيٌّ.

وحَظُّ المَقامِ المُتَعَلِّقِ بِأحْكامِ الأنْفالِ مِن هَذِهِ الزِّيادَةِ هو أنَّ سَماعَ آياتِ حُكْمِ الأنْفالِ يَزِيدُ إيمانَ المُؤْمِنِينَ قُوَّةً، بِنَبْذِ الشِّقاقِ والتَّشاجُرِ الطّارِئِ بَيْنَهم في أنْفَسِ الأمْوالِ عِنْدَهم، وهو المالُ المُكْتَسَبُ مِن سُيُوفِهِمْ، فَإنَّهُ أحَبُّ أمْوالِهِمْ إلَيْهِمْ. وفي الحَدِيثِ «وجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي» وبِذَلِكَ تَتَّضِحُ المُناسِبَةُ بَيْنَ ذِكْرِ حُكْمِ الأنْفالِ، وتَعْقِيبِهِ بِالأمْرِ بِالتَّقْوى وإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ والطّاعَةِ، ثُمَّ تَعْلِيلُ ذَلِكَ بِأنَّ شَأْنَ المُؤْمِنِينَ ازْدِيادُ إيمانِهِمْ عِنْدَ تِلاوَةِ آياتِ اللَّهِ.

* * *

﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ صِلَةٌ ثالِثَةٌ لِ المُؤْمِنُونَ أوْ حالٌ مِنهُ، وجُعِلَتْ فِعْلًا مُضارِعًا لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنهم، ووَصْفُهم بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ وهو الِاعْتِمادُ عَلى اللَّهِ في الأحْوالِ والمَساعِي لِيُقَدِّرَ لِلْمُتَوَكِّلِ تَيْسِيرًا مَرَّةً ويُعَوِّضُهُ عَنِ الكَسْبِ المَنهِيِّ عَنْهُ بِأحْسَنِ مِنهُ مِنَ الحَلالِ المَأْذُونِ فِيهِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ التَّوَكُّلِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

ومُناسِبَةُ هَذا الوَصْفِ لِلْغَرَضِ: أنَّهم أُمِرُوا بِالتَّخَلِّي عَنِ الأنْفالِ، والرِّضى بِقِسْمَةِ الرَّسُولِ ﷺ فِيها، فَمَن كانَ قَدْ حُرِمَ مِن نَفَلِ قَتِيلِهِ يَتَوَكَّلُ عَلى اللَّهِ في تَعْوِيضِهِ بِأحْسَنَ مِنهُ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ إمّا لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ فَهو مِن مُقْتَضَياتِ الفَصاحَةِ مَعَ ما فِيهِ مِن الِاهْتِمامِ بِاسْمِ اللَّهِ، وإمّا لِلتَّعْرِيضِ بِالمُشْرِكِينَ، لِأنَّهم يَتَوَكَّلُونَ عَلى إعانَةِ الأصْنامِ، قالَ - تَعالى - ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ [مريم: ٨١] فَيَكُونُ الكَلامُ مَدْحًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وتَعْرِيضًا بِذَمِّ المُشْرِكِينَ، ثُمَّ فِيهِ تَحْذِيرٌ مِن أنْ تَبْقى في نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ آثارٌ مِنَ التَّعَلُّقِ بِما نُهُوا عَنِ التَّعَلُّقِ بِهِ، لِتَوَهُّمِهِمْ أنَّهم إذا فَوَّتُوهُ فَقَدْ أضاعُوا خَيْرًا مِنَ الدُّنْيا.

8:3Page 177

ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣

The ones who establish prayer, and from what We have provided them, they spend.

صفحة ٢٦٠

﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ وصْفُهم بِأنَّهُمُ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُنْفِقُونَ مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ جاءَ بِإعادَةِ المَوْصُولِ، كَما أُعِيدَ في قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [البقرة: ٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وذَلِكَ لِلدَّلالَةِ عَلى الِانْتِقالِ، في وصْفِهِمْ، إلى غَرَضٍ آخَرَ غَيْرِ الغَرَضِ الَّذِي اجْتُلِبَ المَوْصُولُ الأوَّلُ لِأجْلِهِ، وهو هُنا غَرَضُ مُحافَظَتِهِمْ عَلى رُكْنَيِ الإيمانِ: وهُما إقامَةُ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، فَلا عَلاقَةَ لِلصِّلَةِ المَذْكُورَةِ هُنا بِأحْكامِ الأنْفالِ والرِّضى بِقَسْمِها، ولَكِنَّهُ مُجَرَّدُ المَدْحِ، وعَبَّرَ في جانِبِ الصَّلاةِ بِالإقامَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى المُحافَظَةِ عَلَيْها وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وجِيءَ بِالفِعْلَيْنِ المُضارِعَيْنِ في يُقِيمُونَ ويُنْفِقُونَ لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ ذَلِكَ وتُجَدُّدِهِ.

واعْلَمْ أنَّ مُقْتَضى الِاسْتِعْمالِ في الخَبَرِ بِالصِّلاتِ المُتَعاطِفَةِ، الَّتِي مَوْصُولُها خَبَرٌ عَنْ مُبْتَدَأٍ أنْ تُعْتَبَرَ خَبَرًا بِعِدَّةِ أشْياءَ فَهي بِمَنزِلَةِ أخْبارٍ مُتَكَرِّرَةٍ، ومُقْتَضى الِاسْتِعْمالِ في الأخْبارِ المُتَعَدِّدَةِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها يُعْتَبَرُ خَبَرًا مُسْتَقِلًّا عَنِ المُبْتَدَأِ فَلِذَلِكَ تَكُونُ كُلُّ صِلَةٍ مِن هَذِهِ الصِّلاتِ بِمَنزِلَةِ خَبَرٍ عَنِ المُؤْمِنِينَ وهي مَحْصُورٌ فِيها المُؤْمِنُونَ أيْ حالُهم فَيَكُونُ المَعْنى، ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا﴾ [الأنفال: ٢] . وهَكَذا فَمَتى اخْتَلَّتْ صِفَةٌ مِن هَذِهِ الصِّفاتِ اخْتَلَّ وصْفُ الإيمانِ عَنْ صاحِبِها، فَلِذَلِكَ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ القَصْرِ المُبالِغَةَ الآيِلَةَ إلى مَعْنى قَصْرِ الإيمانِ الكامِلِ عَلى صاحِبِ كُلِّ صِلَةٍ مِن هَذِهِ الصِّلاتِ، وعَلى صاحِبِ الخِبْرَيْنِ، لِظُهُورِ أنَّ أصْلَ الإيمانِ لا يُسْلَبُ مَن أحَدٍ ذُكِرَ اللَّهُ عِنْدَهُ فَلا يَجِلُ قَلْبُهُ فَإنَّ أدِلَّةً قَطْعِيَّةً مَن أصُولُ الدِّينِ تُنافِي هَذا الِاحْتِمالَ، فَتَعَيَّنَ تَأْوِيلُ ”المُؤْمِنُونَ“ عَلى إرادَةِ أصْحابِ الإيمانِ الكامِلِ.

8:4Page 177

أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ لَّهُمۡ دَرَجَٰتٌ عِندَ رَبِّهِمۡ وَمَغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٤

Those are the believers, truly. For them are degrees [of high position] with their Lord and forgiveness and noble provision.

﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ومَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾

جُمْلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٢] إلى آخِرِها ولِذَلِكَ فُصِلَتْ.

صفحة ٢٦١

وعُرِّفَ المُسْنَدُ إلَيْهِ بِالإشارَةِ لِوُقُوعِهِ عَقِبَ صِفاتٍ لِتَدُلَّ الإشارَةُ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِالحُكْمِ المُسْنَدِ إلى اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ تِلْكَ الصِّفاتِ، فَكَأنَّ المُخْبَرَ عَنْهم قَدْ تَمَيَّزُوا لِلسّامِعِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ فَصارُوا بِحَيْثُ يُشارُ إلَيْهِمْ.

وفِي هَذِهِ الجُمْلَةِ قَصْرٌ آخَرُ يُشْبِهُ القَصْرَ الَّذِي قَوْلُهُ ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ [الأنفال: ٢] حَيْثُ قُصِرَ الإيمانُ مَرَّةً أُخْرى عَلى أصْحابِ تِلْكَ الصِّفاتِ ولَكِنَّهُ قُرِنَ هُنا بِما فِيهِ بَيانُ المَقْصُورِ وهو أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ الأحِقّاءُ بِوَصْفِ الإيمانِ.

والحَقُّ أصْلُهُ مَصْدَرُ حَقَّ بِمَعْنى ثَبَتَ، واسْتُعْمِلَ اسْتِعْمالَ الأسْماءِ لِلشَّيْءِ الثّابِتِ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ. قالَ - تَعالى - ﴿وعْدَ اللَّهِ حَقًّا ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢] .

ويُطْلَقُ كَثِيرًا، عَلى الكامِلِ في نَوْعِهِ، الَّذِي لا سُتْرَةَ في تَحَقُّقِ ماهِيَّةِ نَوْعِهِ فِيهِ، كَما يَقُولُ أحَدٌ لِابْنِهِ البارِّ بِهِ: أنْتَ ابْنِي حَقًّا، ولَيْسَ يُرِيدُ أنَّ غَيْرَهُ مِن أبْنائِهِ لَيْسُوا بِرَشَدَةٍ ولَكِنَّهُ يُرِيدُ أنْتَ بُنُوَّتُكَ واضِحَةٌ وآثارُها، ويُطْلَقُ الحَقُّ عَلى الصَّوابِ والحِكْمَةِ فاسْمُ الحَقِّ يَجْمَعُ مَعْنى كَمالِ النَّوْعِ.

ولِكُلِّ صِيغَةِ قَصْرٍ: مَنطُوقٌ ومَفْهُومٌ، فَمَنطُوقُها هُنا أنَّ الَّذِينَ جَمَعُوا ما دَلَّتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الصِّلاتُ هم مُؤْمِنُونَ حَقًّا، ومَفْهُومُها أنَّ مَنِ انْتَفى عَنْهُ أحَدُ مَدْلُولاتِ تِلْكَ الصِّلاتِ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا حَقًّا أيْ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا كامِلًا، ولَيْسَ المَقْصُودُ أنَّ مَن ثَبَتَتْ لَهُ إحْداها كانَ مُؤْمِنًا كامِلًا، إذا لَمْ يَتَّصِفْ بِبَقِيَّةِ خِصالِ المُؤْمِنِينَ الكامِلِينَ، فَمَعْنى أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا: أنَّ مَن كانَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ حَقًّا أيْ كامِلًا.

وهَذا تَأْوِيلٌ لِلْكَلامِ دَعا إلَيْهِ الجَمْعُ بَيْنَ عَدِيدِ الأدِلَّةِ الوارِدَةِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ القَوْلِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ مِن ثُبُوتِ وصْفِ الإيمانِ لِكُلِّ مَن أيْقَنَ بِأنَّ اللَّهَ مُنْفَرِدٌ بِالإلَهِيَّةِ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ إلى النّاسِ كافَّةً، فَتِلْكَ الأدِلَّةُ بَلَغَتْ مَبْلَغَ التَّواتُرِ المَعْنَوِيِّ المُحَصِّلِ لِلْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ بِأنَّ الإخْلالَ بِالواجِباتِ الدِّينِيَّةِ لا يَسْلِبُ صِفَةَ الإيمانِ والإسْلامِ عَنْ صاحِبِهِ، فَلَيْسَ حَمْلُ القَصْرِ عَلى الِادِّعائِي هُنا مُجَرَّدُ صُنْعِ اليَدِ، أوْ ذَهابٍ مَعَ الهَوى، عَلى أنَّ شَأْنَ الِاتِّصافِ بِبَعْضِ صِفاتِ الفَضائِلِ أنْ يَتَناسَقَ مَعَ نَظائِرِها فَمَن كانَ بِحَيْثُ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَ قَلْبُهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ إذا تُلِيَتْ عَلَيْهِ آياتُ اللَّهِ زادَتْهُ إيمانًا، فَهَذا تَحْقِيقُ مَعْنى القَصْرَيْنِ.

صفحة ٢٦٢

ومِمّا يَزِيدُ هَذا المَعْنى وُضُوحًا ما رَوى الطَّبَرانِيُّ، عَنِ الحارِثِ بْنِ مالِكٍ الأنْصارِيِّ، «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ لِلْحارِثِ بْنِ مالِكٍ الأنْصارِيِّ ”يا حارِثُ كَيْفَ أصْبَحْتَ ؟ قالَ: أصْبَحْتُ مُؤْمِنًا حَقًّا. قالَ: اعْلَمْ ما تَقُولُ - أوِ انْظُرْ ما تَقُولُ - إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةً فَما حَقِيقَةُ إيمانِكَ ؟ قالَ: عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيا فَأسْهَرْتُ لَيْلِي، وأظْمَأْتُ نَهارِي، وكَأنِّي أنْظُرُ إلى عَرْشِ رَبِّي، وكَأنِّي أنْظُرُ إلى أهْلِ الجَنَّةِ يَتَزاوَرُونَ، وكَأنِّي أسْمَعُ عُواءَ أهْلِ النّارِ، فَقالَ لَهُ: يا حارِثُ عَرَفْتَ فالزَمْ“ ثَلاثًا» وهو حَدِيثٌ ضَعِيفٌ وإنْ كَثُرَتْ طُرُقُهُ.

فَقَوْلُ الحارِثِ ”أصْبَحْتُ مُؤْمِنًا حَقًّا“ ظاهِرٌ في أنَّهُ أرادَ مِنهُ مُؤْمِنًا كامِلًا، وكَذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ، «إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةً فَما حَقِيقَةُ إيمانِكَ» ظاهِرٌ في أنَّهُ سَألَهُ عَنْ ما كانَ بِهِ إيمانُهُ كامِلًا ولَمْ يَسْألْهُ عَنْ أصْلِ ماهِيَّةِ الإيمانِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَشُكُّ في أنَّهُ مِن عِدادِ المُؤْمِنِينَ.

ومِن هَذا المَعْنى ما ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُ أنَّ رَجُلًا سَألَ الحَسَنَ البَصْرِيَّ فَقالَ: لَهُ يا أبا سَعِيدٍ أمُؤْمِنٌ أنْتَ ؟ فَقالَ: الإيمانُ إيمانانِ، فَإنْ كُنْتَ تَسْألُنِي عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ، ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ، ورُسُلِهِ، والجَنَّةِ، والنّارِ، والبَعْثِ، والحِسابِ، فَأنا بِهِ مُؤْمِنٌ، وإنْ كُنْتَ تَسْألُنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ - تَبارَكَ وتَعالى - ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] إلى قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ فَواللَّهِ ما أدْرِي أنا مِنهم أمْ لا.

وانْتَصَبَ حَقًّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المُؤْمِنُونَ أيْ إيمانًا حَقًّا، أوْ عَلى أنَّهُ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ أيْ ثُبُوتُ الإيمانِ لَهم حَقٌّ لا شُبْهَةَ فِيهِ، وهو تَحْقِيقٌ لِمَعْنى القَصْرِ بِما هو عَلَيْهِ مِن مَعْنى المُبالَغَةِ، ولَيْسَ تَأْكِيدًا لِرَفْعِ المَجازِ عَنِ القَصْرِ حَتّى يَصِيرَ بِالتَّأْكِيدِ قَصْرًا حَقِيقِيًّا، بَلِ التَّأْكِيدُ بِمَعْنى المُبالَغَةِ اعْتِمادًا عَلى القَرائِنِ، والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ هم فَيَكُونُ المَصْدَرُ مُؤَوَّلًا بِاسْمِ الفاعِلِ كَما هو الشَّأْنُ في وُقُوعِ المَصْدَرِ حالًا مِثْلَ أنْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً، أيْ مُحَقِّقِينَ إيمانَهم بِجَلائِلِ أعْمالِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا المَصْدَرِ في قَوْلِهِ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا وعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ [النساء: ١٢٢] في سُورَةِ النِّساءِ.

وجُمْلَةُ ﴿لَهم دَرَجاتٌ﴾ خَبَرٌ ثانٍ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ.

صفحة ٢٦٣

واللّامُ لِلِاسْتِحْقاقِ، أيْ دَرَجاتٌ مُسْتَحَقَّةٌ لَهم، وذَلِكَ اسْتِعارَةٌ لِلشَّرَفِ والكَرامَةِ عِنْدَ اللَّهِ، لِأنَّ الدَّرَجاتِ حَقِيقَتُها ما يُتَّخَذُ مِن بِناءٍ أوْ أعْوادٍ لِإمْكانِ تَخَطِّي الصّاعِدِ إلى مَكانٍ مُرْتَفِعٍ مُنْقَطِعٍ عَنِ الأرْضِ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ولِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وفي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وتُسْتَعارُ الدَّرَجَةُ لِعِنايَةِ العَظِيمِ بِبَعْضِ مَن يَصْطَفِيهِمْ، فَتَشَبُّهُ العِنايَةِ بِالدَّرَجَةِ تَشْبِيهُ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ، لِأنَّ الدُّنُوَّ مِنَ العُلُوِّ عُرْفًا يَكُونُ بِالصُّعُودِ إلَيْهِ في الدَّرَجاتِ، فَشُبِّهَ ذَلِكَ الدُّنُوُّ بِدَرَجاتٍ، وقَوْلُهُ ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ قَرِينَةُ المَجازِ.

ويَجُوزُ أنْ تُسْتَعارَ الدَّرَجَةُ هُنا لِمَكانِ جُلُوسِ المُرْتَفِعِ كَدَرَجَةِ المِنبَرِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ولِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] والقَرِينَةُ هي.

وقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ عَلى الكَرامَةِ والشَّرَفِ عِنْدَ اللَّهِ - تَعالى - في الدُّنْيا بِتَوْجِيهِ عِنايَتِهِ في الدُّنْيا، وفي الآخِرَةِ بِالنَّعِيمِ العَظِيمِ.

وتَنْوِينُ دَرَجاتٍ لِلتَّعْظِيمِ لِأنَّها مَراتِبُ مُتَفاوِتَةٌ.

والرِّزْقُ اسْمٌ لِما يُرْزَقُ أيْ يُعْطى لِلِانْتِفاعِ بِهِ، ووَصْفُهُ بِكَرِيمٍ بِمَعْنى النَّفِيسِ فَهو وصْفٌ حَقِيقِيٌّ لِلرِّزْقِ، وفِعْلُهُ كَرُمَ بِضَمِّ العَيْنِ، والكَرَمِ في كُلِّ شَيْءٍ الصِّفاتُ المَحْمُودَةُ في صِنْفِهِ أوْ نَوْعِهِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] في سُورَةِ النَّمْلِ، ومِنهُ إطْلاقُ الكَرَمِ عَلى السَّخاءِ والجُودِ، والوَصْفُ مِنهُ كَرِيمٌ، وتَصِحُّ إرادَتُهُ هُنا عَلى أنَّ وصْفَ الرِّزْقِ بِهِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، أيْ كِرِيمٌ رازِقُهُ، فَإنَّ الكَرِيمَ يَرْزُقُ بِوَفْرَةٍ وبِغَيْرِ حِسابٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском