Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Anfal 8:60–64
8:60Page 184
وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ ٦٠
And prepare against them whatever you are able of power and of steeds of war1 by which you may terrify the enemy of Allāh and your enemy and others besides them whom you do not know [but] whom Allāh knows. And whatever you spend in the cause of Allāh will be fully repaid to you, and you will not be wronged.
﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ ومِن رِباطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكم وآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهم وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ في سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إلَيْكم وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ .
عُطِفَتْ جُمْلَةُ ”وأعِدُّوا“ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ﴾ [الأنفال: ٥٧] أوْ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾ [الأنفال: ٥٩] فَتُفِيدُ مَفادَ الِاحْتِراسِ عَنْ مُفادِها؛ لِأنَّ قَوْلَهُ:
صفحة ٥٥
﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾ [الأنفال: ٥٩] يُفِيدُ تَوْهِينًا لِشَأْنِ المُشْرِكِينَ، فَتَعْقِيبُهُ بِالأمْرِ بِالِاسْتِعْدادِ لَهم: لِئَلّا يَحْسَبَ المُسْلِمُونَ أنَّ المُشْرِكِينَ قَدْ صارُوا في مُكْنَتِهِمْ، ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ الِاحْتِراسِ أنَّ الِاسْتِعْدادَ لَهم هو سَبَبُ جَعْلِ اللَّهِ إيّاهم لا يُعْجِزُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ هَيَّأ أسْبابَ اسْتِئْصالِهِمْ ظاهِرَها وباطِنَها.
والإعْدادُ: التَّهْيِئَةُ والإحْضارُ، ودَخَلَ في ”ما اسْتَطَعْتُمْ“ كُلُّ ما يَدْخُلُ تَحْتَ قُدْرَةِ النّاسِ اتِّخاذُهُ مِنَ العُدَّةِ.
والخِطابُ لِجَماعَةِ المُسْلِمِينَ ووُلاةِ الأمْرِ مِنهم؛ لِأنَّ ما يُرادُ مِنَ الجَماعَةِ إنَّما يَقُومُ بِتَنْفِيذِهِ وُلاةُ الأُمُورِ الَّذِينَ هم وُكَلاءُ الأُمَّةِ عَلى مَصالِحِها.
والقُوَّةُ كَمالُ صَلاحِيَةِ الأعْضاءِ لِعَمَلِها وقَدْ تَقَدَّمَتْ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [الأنفال: ٥٢] وعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَخُذْها بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] . وتُطْلَقُ القُوَّةُ مَجازًا عَلى شِدَّةِ تَأْثِيرِ شَيْءِ ذِي أثَرٍ، وتُطْلَقُ أيْضًا عَلى سَبَبِ شِدَّةِ التَّأْثِيرِ، فَقُوَّةُ الجَيْشِ شِدَّةُ وقْعِهِ عَلى العَدُوِّ، وقُوَّتُهُ أيْضًا سِلاحُهُ وعَتادُهُ، وهو المُرادُ هُنا، فَهو مَجازٌ مُرْسَلٌ بِواسِطَتَيْنِ فاتِّخاذُ السُّيُوفِ والرِّماحِ والأقْواسِ والنِّبالِ مِنَ القُوَّةِ في جُيُوشِ العُصُورِ الماضِيَةِ، واتِّخاذُ الدَّبّاباتِ والمَدافِعِ والطَّيّاراتِ والصَّوارِيخِ مِنَ القُوَّةِ في جُيُوشِ عَصْرِنا. وبِهَذا الِاعْتِبارِ يُفَسَّرُ ما رَوى مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ عَلى المِنبَرِ ثُمَّ قالَ: «ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، قالَها ثَلاثًا»، أيْ: أكْمَلُ أفْرادِ القُوَّةِ آلَةُ الرَّمْيِ، أيْ: في ذَلِكَ العَصْرِ. ولَيْسَ المُرادُ حَصْرَ القُوَّةِ في آلَةِ الرَّمْيِ.
وعَطْفُ ”﴿رِباطِ الخَيْلِ﴾“ عَلى القُوَّةِ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، لِلِاهْتِمامِ بِذَلِكَ الخاصِّ.
(والرِّباطُ) صِيغَةُ مُفاعَلَةٍ أُتِيَ بِها هُنا لِلْمُبالَغَةِ لِتَدُلَّ عَلى قَصْدِ الكَثْرَةِ مِن رَبْطِ الخَيْلِ لِلْغَزْوِ، أيِ احْتِباسُها ورَبْطُها انْتِظارًا لِلْغَزْوِ عَلَيْها، كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «مَنِ ارْتَبَطَ فَرَسًا في سَبِيلِ اللَّهِ كانَ رَوَثُها وبَوْلُها حَسَناتٍ لَهُ» الحَدِيثَ. يُقالُ: رَبَطَ الفَرَسَ إذا شَدَّهُ في مَكانِ حِفْظِهِ، وقَدْ سَمَّوُا المَكانَ الَّذِي تُرْتَبَطُ فِيهِ الخَيْلُ
صفحة ٥٦
رِباطًا؛ لِأنَّهم كانُوا يَحْرُسُونَ الثُّغُورَ المَخُوفَةَ راكِبِينَ عَلى أفْراسِهِمْ، كَما وصَفَ ذَلِكَ لَبِيدٌ في قَوْلِهِ:
ولَقَدْ حَمَيْتُ الحَيَّ تَحْمُلُ شِكَّتِي فُرُطٌ وِشاحِيَ إنْ رَكَبْتُ زِمامُها
إلى أنْ قالَ:
حَتّى إذا ألْقَتْ يَدًا في كَـافِـرٍ ∗∗∗ وأجَنَّ عَوْراتِ الثُّغُورِ ظَلامُها
أسْهَلْتُ وانْتَصَبَتْ كَجِذْعِ مُنِيفَةٍ ∗∗∗ جَرْداءَ يَحْصَرُ دُونَها جُرّامُها
ثُمَّ أُطْلِقَ الرِّباطُ عَلى مَحْرَسِ الثَّغْرِ البَحْرِيِّ، وبِهِ سَمَّوْا رِباطَ دِمْياطَ بِمِصْرَ، ورِباطَ المُنَسْتِيرِ بِتُونُسَ، ورِباطَ سَلا بِالمَغْرِبِ الأقْصى.
وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وجُمْلَةُ ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ﴾ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، ناشِئًا عَنْ تَخْصِيصِ الرِّباطِ بِالذِّكْرِ بَعْدَ ذِكْرِ ما يَعُمُّهُ، وهو القُوَّةُ، وإمّا في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”وأعِدُّوا“
وعَدُوُّ اللَّهِ وعَدُوُّهم: هُمُ المُشْرِكُونَ فَكانَ تَعْرِيفُهم بِالإضافَةِ لِأنَّها أخْصَرُ طَرِيقٍ لِتَعْرِيفِهِمْ، ولِما تَتَضَمَّنُهُ مِن وجْهِ قِتالِهِمْ وإرْهابِهِمْ، ومِن ذَمِّهِمْ، أنْ كانُوا أعْداءَ رَبِّهِمْ، ومِن تَحْرِيضِ المُسْلِمِينَ عَلى قِتالِهِمْ إذْ عُدُّوا أعْداءً لَهم، فَهم أعْداءُ اللَّهِ لِأنَّهم أعْداءُ تَوْحِيدِهِ وهم أعْداءُ رَسُولِهِ ﷺ لِأنَّهم صارَحُوهُ بِالعَداوَةِ، وهم أعْداءُ المُسْلِمِينَ لِأنَّ المُسْلِمِينَ أوْلِياءُ دِينِ اللَّهِ والقائِمُونَ بِهِ وأنْصارُهُ. فَعَطْفُ ”وعَدُوَّكم“ عَلى ﴿عَدُوَّ اللَّهِ﴾ مِن عَطْفِ صِفَةِ مَوْصُوفٍ واحِدٍ مِثْلَ قَوْلِ الشّاعِرِ، وهو مِن شَواهِدِ أهْلِ العَرَبِيَّةِ:
إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُما ∗∗∗ مِ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمِ
والإرْهابُ جَعْلُ الغَيْرِ راهِبًا، أيْ: خائِفًا، فَإنَّ العَدُوَّ إذا عَلِمَ اسْتِعْدادَ عَدُوِّهِ لِقِتالِهِ خافَهُ، ولَمْ يَجْرَأْ عَلَيْهِ، فَكانَ ذَلِكَ هَناءً لِلْمُسْلِمِينَ وأمْنًا مِن أنْ يَغْزُوَهم أعْداؤُهم،
صفحة ٥٧
فَيَكُونُ الغَزْوُ بِأيْدِيهِمْ: يَغْزُونَ الأعْداءَ مَتى أرادُوا، وكانَ الحالُ أوْفَقَ لَهم، وأيْضًا إذا رَهَبُوهم تَجَنَّبُوا إعانَةَ الأعْداءِ عَلَيْهِمْ.
والمُرادُ بِآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ أعْداءٌ لا يَعْرِفُهُمُ المُسْلِمُونَ بِالتَّعْيِينِ ولا بِالإجْمالِ، وهم مَن كانَ يُضْمِرُ لِلْمُسْلِمِينَ عَداوَةً وكَيْدًا، ويَتَرَبَّصُ بِهِمُ الدَّوائِرَ، مِثْلَ بَعْضِ القَبائِلِ. فَقَوْلُهُ: لا تَعْلَمُونَهم أيْ لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَهم قَبْلَ هَذا الإعْلامِ، وقَدْ عَلِمْتُمُوهُمُ الآنَ إجْمالًا، أوْ أُرِيدَ: لا تَعْلَمُونَهم بِالتَّفْصِيلِ ولَكِنَّكم تَعْلَمُونَ وجُودَهم إجْمالًا مِثْلَ المُنافِقِينَ، فالعِلْمُ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ. ولِهَذا نَصَبَ مَفْعُولًا واحِدًا.
وقَوْلُهُ: (مِن دُونِهِمْ) مُؤْذِنٌ بِأنَّهم قَبائِلُ مِنَ العَرَبِ كانُوا يَنْتَظِرُونَ ما تَنْكَشِفُ عَنْهُ عاقِبَةُ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ مِن حَرْبِهِمْ مَعَ المُسْلِمِينَ، فَقَدْ كانَ ذَلِكَ دَأْبَ كَثِيرٍ مِنَ القَبائِلِ كَما ورَدَ في السِّيرَةِ، ولِذَلِكَ ذُكِرَ مِن دُونِهِمْ بِمَعْنى: مِن جِهاتٍ أُخْرى؛ لِأنَّ أصْلَ (دُونَ) أنَّها لِلْمَكانِ المُخالِفِ، وهَذا أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى مُطْلَقِ المُغايَرَةِ الَّتِي هي مِن إطْلاقاتِ كَلِمَةِ (دُونَ) لِأنَّ ذَلِكَ المَعْنى قَدْ أغْنى عَنْهُ وصْفُهم بِـ ”آخَرِينَ“
وجُمْلَةُ ﴿اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ لِهَؤُلاءِ الآخَرِينَ، فالخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ الكِنائِيِّ، وهو تَعَقُّبُهم والإغْراءُ بِهِمْ، وتَعْرِيضٌ بِالِامْتِنانِ عَلى المُسْلِمِينَ بِأنَّهم بِمَحَلِّ عِنايَةِ اللَّهِ، فَهو يُحْصِي أعْداءَهم ويُنَبِّهُهم إلَيْهِمْ.
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ: لِلتَّقَوِّي، أيْ: تَحْقِيقِ الخَبَرِ وتَأْكِيدِهِ، والمَقْصُودُ تَأْكِيدُ لازِمِ مَعْناهُ، أمّا أصْلُ المَعْنى فَلا يَحْتاجُ إلى التَّأْكِيدِ إذْ لا يُنْكِرُهُ أحَدٌ، وأمّا حَمْلُ التَّقْدِيمِ هُنا عَلى إرادَةِ الِاخْتِصاصِ فَلا يَحْسُنُ، لِلِاسْتِغْناءِ عَنْ طَرِيقِ القَصْرِ بِجُمْلَةِ النَّفْيِ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَعْلَمُونَهُمُ﴾ فَلَوْ قِيلَ: ويَعْلَمُهُمُ اللَّهُ لَحَصَلَ مَعْنى القَصْرِ مِن مَجْمُوعِ الجُمْلَتَيْنِ.
وإذْ قَدْ كانَ إعْدادُ القُوَّةِ يَسْتَدْعِي إنْفاقًا، وكانَتِ النُّفُوسُ شَحِيحَةً بِالمالِ، تَكَفَّلَ اللَّهُ لِلْمُنْفِقِينَ في سَبِيلِهِ بِإخْلافِ ما أنْفَقُوهُ والإثابَةِ عَلَيْهِ، فَقالَ ﴿وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ في سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إلَيْكُمْ﴾ . فَسَبِيلُ اللَّهِ هو الجِهادُ لِإعْلاءِ كَلِمَتِهِ.
صفحة ٥٨
والتَّوْفِيَةُ: أداءُ الحَقِّ كامِلًا، جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ الإنْفاقَ كالقَرْضِ لِلَّهِ، وجَعَلَ عَلى الإنْفاقِ جَزاءً، فَسَمّى جَزاءَهُ تَوْفِيَةً عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ، وتَدُلُّ التَّوْفِيَةُ عَلى أنَّهُ يَشْمَلُ الأجْرَ في الدُّنْيا مَعَ أجْرِ الآخِرَةِ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وتَعْدِيَةُ التَّوْفِيَةِ إلى الإنْفاقِ بِطَرِيقِ بِناءِ الفِعْلِ لِلنّائِبِ، وإنَّما الَّذِي يُوَفّى هو الجَزاءُ عَلى الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المُوَفّى هو الثَّوابُ. والتَّوْفِيَةُ تَكُونُ عَلى قَدْرِ الإنْفاقِ وأنَّها مِثْلُهُ، كَما يُقالُ: وفّاهُ دَيْنَهُ، وإنَّما وفّاهُ مُماثِلًا لِدَيْنِهِ. وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهم: قَضى صَلاةَ الظُّهْرِ، وإنَّما قَضى صَلاةً بِمِقْدارِها، فالإسْنادُ: إمّا مَجازٌ عَقْلِيٌّ، أوْ هو مَجازٌ بِالحَذْفِ.
والظُّلْمُ: هُنا مُسْتَعْمَلٌ في النَّقْصِ مِنَ الحَقِّ؛ لِأنَّ نَقْصَ الحَقِّ ظُلْمٌ، وتَسْمِيَةُ النَّقْصِ مِنَ الحَقِّ ظُلْمًا حَقِيقَةٌ. ولَيْسَ هو كالَّذِي في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣]
8:61Page 184
۞ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلۡمِ فَٱجۡنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٦١
And if they incline to peace, then incline to it [also] and rely upon Allāh. Indeed, it is He who is the Hearing, the Knowing.
﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾
انْتِقالٌ مِن بَيانِ أحْوالِ مُعامَلَةِ العَدُوِّ في الحَرْبِ: مِن وفائِهِمْ بِالعَهْدِ، وخِيانَتِهِمْ، وكَيْفَ يَحِلُّ المُسْلِمُونَ العَهْدَ مَعَهم إنْ خافُوا خِيانَتَهم، ومُعامَلَتِهم إذا ظَفِرُوا بِالخائِنِينَ. والأمْرُ بِالِاسْتِعْدادِ لَهم؛ إلى بَيانِ أحْكامِ السِّلْمِ إنْ طَلَبُوا السَّلْمَ والمُهادَنَةَ، وكَفُّوا عَنْ حالَةِ الحَرْبِ. فَأمَرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ بِأنْ لا يَأْنَفُوا مِنَ السَّلْمِ وأنْ يُوافِقُوا مَن سَألَهُ مِنهم.
والجُنُوحُ: المَيْلُ، وهو مُشْتَقٌّ مِن جَناحِ الطّائِرِ: لِأنَّ الطّائِرَ إذا أرادَ النُّزُولَ مالَ بِأحَدِ جَناحَيْهِ، وهو جَناحُ جانِبِهِ الَّذِي يَنْزِلُ مِنهُ، قالَ النّابِغَةُ يَصِفُ الطَّيْرَ تَتْبَعُ الجَيْشَ
جَوانِحُ قَدْ أيْقَـنَّ أنَّ قَـبِـيلَـهُ إذا ما التَقى الجَمْعانِ أوَّلُ غالِبِ
صفحة ٥٩
فَمَعْنى ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ إنْ مالُوا إلى السَّلْمِ مَيْلَ القاصِدِ إلَيْهِ، كَما يَمِيلُ الطّائِرُ الجانِحُ. وإنَّما لَمْ يَقُلْ: وإنْ طَلَبُوا السَّلْمَ فَأجِبْهم إلَيْها، لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا يُسْعِفُهم إلى السَّلْمِ حَتّى يَعْلَمَ أنَّ حالَهم حالُ الرّاغِبِ؛ لِأنَّهم قَدْ يُظْهِرُونَ المَيْلَ إلى السَّلْمِ كَيْدًا، فَهَذا مُقابِلُ قَوْلِهِ: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] فَإنَّ نَبْذَ العَهْدِ نَبْذٌ لِحالِ السَّلْمِ.
واللّامُ في قَوْلِهِ: ”لِلسَّلْمِ“ واقِعَةٌ مَوْقِعَ (إلى) لِتَقْوِيَةِ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَيْلَهم إلى السَّلْمِ مَيْلُ حَقٍّ، أيْ: وإنْ مالُوا لِأجْلِ السَّلْمِ ورَغْبَةً فِيهِ لا لِغَرَضٍ آخَرَ غَيْرِهِ؛ لِأنَّ حَقَّ (جَنَحَ) أنْ يُعَدّى بِـ (إلى) لِأنَّهُ بِمَعْنى ”مالَ“ الَّذِي يُعَدّى بِـ (إلى) فَلا تَكُونُ تَعْدِيَتُهُ بِاللّامِ إلّا لِغَرَضٍ، وفي الكَشّافِ: أنَّهُ يُقالُ جَنَحَ لَهُ وإلَيْهِ.
والسَّلْمُ بِفَتْحِ السِّينِ وكَسْرِها ضِدُّ الحَرْبِ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالفَتْحِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ بِكَسْرِ السِّينِ وحَقُّ لَفْظِهِ التَّذْكِيرُ، ولَكِنَّهُ يُؤَنَّثُ حَمْلًا عَلى ضِدِّهِ الحَرْبِ، وقَدْ ورَدَ مُؤَنَّثًا في كَلامِهِمْ كَثِيرًا.
والأمْرُ بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ، بَعْدَ الأمْرِ بِالجُنُوحِ إلى السَّلْمِ، لِيَكُونَ النَّبِيءُ ﷺ مُعْتَمِدًا في جَمِيعِ شَأْنِهِ عَلى اللَّهِ - تَعالى، ومُفَوِّضًا إلَيْهِ تَسْيِيرَ أُمُورِهِ، لِتَكُونَ مُدَّةُ السَّلْمِ مُدَّةَ تَقَوٍّ واسْتِعْدادٍ، ولِيَكْفِيَهُ اللَّهُ شَرَّ عَدُوِّهِ إذا نَقَضُوا العَهْدَ، ولِذَلِكَ عُقِّبَ الأمْرُ بِالتَّوَكُّلِ بِتَذْكِيرِهِ بِأنَّ اللَّهَ السَّمِيعُ العَلِيمُ، أيِ: السَّمِيعُ لِكَلامِهِمْ في العَهْدِ، العَلِيمُ بِضَمائِرِهِمْ، فَهو يُعامِلُهم عَلى ما يَعْلَمُ مِنهم. وقَوْلُهُ: ﴿فاجْنَحْ لَها﴾ جِيءَ بِفِعْلِ (اجْنَحْ) لِمُشاكَلَةِ قَوْلِهِ: جَنَحُوا.
وطَرِيقُ القَصْرِ في قَوْلِهِ: هو السَّمِيعُ العَلِيمُ أفادَ قَصْرَ مَعْنى الكَمالِ في السَّمْعِ والعِلْمِ، أيْ: فَهو سَمِيعٌ مِنهم ما لا تَسْمَعُ ويَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُ. وقَصْرُ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ بِهَذا المَعْنى عَلى اللَّهِ - تَعالى - عَقِبَ الأمْرِ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ يُفْضِي إلى الأمْرِ بِقَصْرِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ لا عَلى غَيْرِهِ. وفي الجَمْعِ بَيْنَ الأمْرِ بِقَصْرِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وبَيْنَ الأمْرِ بِإعْدادِ ما اسْتَطاعَ مِنَ القُوَّةِ لِلْعَدُوِّ: دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلى أنَّ التَّوَكُّلَ أمْرٌ غَيْرُ تَعاطِي أسْبابِ الأشْياءِ، فَتَعاطِي الأسْبابِ فِيما هو مِن مَقْدُورِ النّاسِ، والتَّوَكُّلُ فِيما يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ.
صفحة ٦٠
واعْلَمْ أنَّ ضَمِيرَ جَمْعِ الغائِبِينَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ وقَعَ في هَذِهِ الآيَةِ عَقِبَ ذِكْرِ طَوائِفَ في الآياتِ قَبْلَها، مِنهم مُشْرِكُونَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨]، ومِنهم مَن قِيلَ: إنَّهم مِن أهْلِ الكِتابِ، ومِنهم مَن تَرَدَّدَتْ فِيهِمْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ: قِيلَ: هم مِن أهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: هم مِنَ المُشْرِكِينَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهم لا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٥] الآيَةَ. قِيلَ: هم قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ وبَنُو قَيْنُقاعَ، وقِيلَ: هم مِنَ المُشْرِكِينَ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ”جَنَحُوا“ عائِدًا إلى المُشْرِكِينَ. أوْ عائِدًا إلى أهْلِ الكِتابِ، أوْ عائِدًا إلى الفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِما.
فَقِيلَ: عادَ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ إلى المُشْرِكِينَ، قالَهُ قَتادَةُ، وعِكْرِمَةُ، والحَسَنُ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، ورَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: عادَ إلى أهْلِ الكِتابِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
فالَّذِينَ قالُوا: إنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ، قالُوا: كانَ هَذا في أوَّلِ الأمْرِ حِينَ قِلَّةِ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ نُسِخَ بِآيَةِ سُورَةِ ”بَراءَةٌ“ ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] الآيَةَ. ومَن قالُوا: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى أهْلِ الكِتابِ، قالُوا: هَذا حُكْمٌ باقٍ، والجُنُوحُ إلى السَّلْمِ إمّا بِإعْطاءِ الجِزْيَةِ أوْ بِالمُوادَعَةِ.
والوَجْهُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إلى صِنْفَيِ الكُفّارِ: مِن مُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ، إذْ وقَعَ قَبْلَهُ ذِكْرُ الَّذِينَ كَفَرُوا في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٥٥] فالمُشْرِكُونَ مِنَ العَرَبِ لا يُقْبَلُ مِنهم إلّا الإسْلامُ بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ ”بَراءَةٌ“ فَهي مُخَصِّصَةٌ العُمُومَ الَّذِي في ضَمِيرِ ”﴿جَنَحُوا﴾“ أوْ مُبِيِّنَةٌ إجْمالَهُ، ولَيْسَتْ مِنَ النَّسْخِ في شَيْءٍ. قالَ أبُو بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ أمّا مَن قالَ إنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] فَدَعْوى، فَإنَّ شُرُوطَ النَّسْخِ مَعْدُومَةٌ فِيها كَما بَيَّنّاهُ في مَوْضِعِهِ.
وهَؤُلاءِ قَدِ انْقَضى أمْرُهم. وأمّا المُشْرِكُونَ مِن غَيْرِهِمْ، والمَجُوسُ، وأهْلُ الكِتابِ، فَيَجْرِي أمْرُ المُهادَنَةِ مَعَهم عَلى حَسَبِ حالِ قُوَّةِ المُسْلِمِينَ ومَصالِحِهِمْ وأنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ أوْلى: فَإنْ دَعَوْا إلى السَّلْمِ قُبِلَ مِنهم، إذا كانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ. قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: فَإذا كانَ المُسْلِمُونَ في قُوَّةٍ ومَنَعَةٍ وعُدَّةٍ:
فَلا صُلْحَ حَتّى تُطْعَنَ الخَيْلُ بِالقَنا ∗∗∗ وتُضْرَبَ بِالبِيضِ الرِّقاقِ الجَماجِمُ
صفحة ٦١
وإنْ كانَ لِلْمُسْلِمِينَ مَصْلَحَةٌ في الصُّلْحِ لِانْتِفاعٍ يُجْلَبُ بِهِ أوْ ضُرٍّ يَنْدَفِعُ بِسَبَبِهِ فَلا بَأْسَ أنْ يَبْتَدِئَ المُسْلِمُونَ بِهِ إذا احْتاجُوا إلَيْهِ، وأنْ يُجِيبُوا إذا دُعُوا إلَيْهِ. قَدْ صالَحَ النَّبِيءُ ﷺ أهْلَ خَيْبَرَ، ووادَعَ الضُّمَرِيَّ، وصالَحَ أكْيَدَ رَدُومَةَ، وأهْلَ نَجْرانَ، وهادَنَ قُرَيْشًا لِعَشَرَةِ أعْوامٍ حَتّى نَقَضُوا عَهْدَهُ.
أمّا ما هَمَّ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ مِن مُصالَحَةِ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، ومَن مَعَهُ، عَلى أنْ يُعْطِيَهم نِصْفَ ثِمارِ المَدِينَةِ فَذَلِكَ قَدْ عَدَلَ عَنْهُ النَّبِيءُ ﷺ بَعْدَ أنْ قالَ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ، وسَعْدُ بْنُ مُعاذٍ، في جَماعَةِ الأنْصارِ: لا نُعْطِيهِمْ إلّا السَّيْفَ.
فَهَذا الأمْرُ بِقَبُولِ المُهادَنَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ اقْتَضاهُ حالُ المُسْلِمِينَ وحاجَتُهم إلى اسْتِجْمامِ أُمُورِهِمْ وتَجْدِيدِ قُوَّتِهِمْ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِقِتالِهِمُ المُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا، في آياتِ السَّيْفِ. قالَ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: نَسَخَتْ ”بَراءَةٌ“ كُلَّ مُواعَدَةٍ وبَقِيَ حُكْمُ التَّخْيِيرِ بِالنِّسْبَةِ لِمَن عَدا مُشْرِكِي العَرَبِ عَلى حَسَبِ مَصْلَحَةِ المُسْلِمِينَ.
8:62–63Page 185
وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٦٢
But if they intend to deceive you - then sufficient for you is Allāh. It is He who supported you with His help and with the believers
وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٦٣
And brought together their hearts. If you had spent all that is in the earth, you could not have brought their hearts together; but Allāh brought them together. Indeed, He is Exalted in Might and Wise.
﴿وإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هو الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهم إنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ لَمّا كانَ طَلَبُ السَّلْمِ والهُدْنَةِ مِنَ العَدُوِّ قَدْ يَكُونُ خَدِيعَةً حَرْبِيَّةً، لِيُغْرُوا المُسْلِمِينَ بِالمُصالَحَةِ ثُمَّ يَأْخُذُوهم عَلى غِرَّةٍ، أيْقَظَ اللَّهُ رَسُولَهُ لِهَذا الِاحْتِمالِ فَأمَرَهُ بِأنْ يَأْخُذَ الأعْداءَ عَلى ظاهِرِ حالِهِمْ، ويَحْمِلَهم عَلى الصِّدْقِ؛ لِأنَّهُ الخُلُقُ الإسْلامِيُّ وشَأْنُ أهْلِ المُرُوءَةِ؛ ولا تَكُونُ الخَدِيعَةُ بِمِثْلِ نَكْثِ العَهْدِ. فَإذا بَعَثَ العَدُوَّ كُفْرُهم عَلى ارْتِكابِ مِثْلِ هَذا التَّسَفُّلِ، فَإنَّ اللَّهَ تَكَفَّلَ لِلْوَفِيِّ بِعَهْدِهِ، أنْ يَقِيَهُ شَرَّ خِيانَةِ الخائِنِينَ. وهَذا
صفحة ٦٢
الأصْلُ، وهو أخْذُ النّاسِ بِظَواهِرِهِمْ، شُعْبَةٌ مِن شُعَبِ دِينِ الإسْلامِ. قالَ تَعالى: فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ وفي الحَدِيثِ: «آيَةُ المُنافِقِ ثَلاثٌ، مِنها: وإذا وعَدَ أخْلَفَ» . ومِن أحْكامِ الجِهادِ عِنْدَ المُسْلِمِينَ أنْ لا يَخْفِرَ لِلْعَدُوِّ بِعَهْدٍ.
والمَعْنى: إنْ كانُوا يُرِيدُونَ مِن إظْهارِ مَيْلِهِمْ إلى المُسالَمَةِ خَدِيعَةً فَإنَّ اللَّهَ كافِيكَ شَرَّهم. ولَيْسَ هَذا هو مَقامَ نَبْذِ العَهْدِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] فَإنَّ ذَلِكَ مَقامُ ظُهُورِ أماراتِ الخِيانَةِ مِنَ العَدُوِّ، وهَذا مَقامُ إضْمارِهِمُ الغَدْرَ دُونَ أمارَةٍ عَلى ما أضْمَرُوهُ.
فَجُمْلَةُ ﴿فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ دَلَّتْ عَلى تَكَفُّلِ كِفايَتِهِ، وقَدْ أُرِيدَ مِنهُ أيْضًا الكِنايَةُ عَنْ عَدَمِ مُعامَلَتِهِمْ بِهَذا الِاحْتِمالِ، وأنْ لا يَتَوَجَّسَ مِنهُ خِيفَةً، وأنَّ ذَلِكَ لا يَضُرُّهُ.
والخَدِيعَةُ تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ﴾ [البقرة: ٩] مِن سُورَةِ البَقَرَةِ.
و”حَسْبُ“ مَعْناهُ كافٍ وهو صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ، أيْ حاسِبُكَ، أيْ كافِيكَ وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) مُراعًى فِيهِ تَأْكِيدُ مَعْناهُ الكِنائِيِّ؛ لِأنَّ مَعْناهُ الصَّرِيحَ مِمّا لا يَشُكُّ فِيهِ أحَدٌ.
وجُعِلَ ”حَسْبُكَ“ مُسْنَدٌ إلَيْهِ، مَعَ أنَّهُ وصْفٌ. وشَأْنُ الإسْنادِ أنْ يَكُونَ لِلذّاتِ، بِاعْتِبارِ أنَّ الَّذِي يَخْطُرُ بِالبالِ بادِئَ ذِي بَدْءٍ هو طَلَبُ مَن يَكْفِيهِ.
وجُمْلَةُ ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ مَساقَ الِاسْتِدْلالِ عَلى أنَّهُ حَسْبُهُ، وعَلى المَعْنى التَّعْرِيضِيِّ وهو عَدَمُ التَّحَرُّجِ مِنِ احْتِمالِ قَصْدِهِمُ الخِيانَةَ والتَّوَجُّسِ مِن ذَلِكَ الِاحْتِمالِ خِيفَةً، والمَعْنى: فَإنَّ اللَّهَ قَدْ نَصَرَكَ مِن قَبْلُ وقَدْ كُنْتَ يَوْمَئِذٍ أضْعَفَ مِنكَ اليَوْمَ، فَنَصَرَكَ عَلى العَدُوِّ وهو مُجاهِرٌ بِعُدْوانِهِ، فَنَصْرُهُ إيّاكَ عَلَيْهِمْ مَعَ مُخاتَلَتِهِمْ، ومَعَ كَوْنِكَ في قُوَّةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ مَعَكَ، أوْلى وأقْرَبُ.
وتَعْدِيَةُ فِعْلِ ”يَخْدَعُوكَ“ إلى ضَمِيرِ النَّبِيءِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ ولِيَّ أمْرِ المُسْلِمِينَ، والمَقْصُودُ: ﴿وإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾، وقَدْ
صفحة ٦٣
بُدِّلَ الأُسْلُوبُ إلى خِطابِ النَّبِيءِ ﷺ: لِيُتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلى ذِكْرِ نَصْرِهِ مِن أوَّلِ يَوْمٍ حِينَ دَعا إلى اللَّهِ وهو وحْدُهُ مُخالِفًا أُمَّةً كامِلَةً.
والتَّأْيِيدُ التَّقْوِيَةُ بِالإعانَةِ عَلى عَمَلٍ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجُعِلَتِ التَّقْوِيَةُ بِالنَّصْرِ: لِأنَّ النَّصْرَ يُقَوِّي العَزِيمَةَ، ويُثَبِّتُ رَأْيَ المَنصُورِ، وضِدُّهُ يُشَوِّشُ العَقْلَ، ويُوهِنُ العَزْمَ، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في بَعْضِ خُطَبِهِ وأفْسَدْتُمْ عَلَيَّ رَأْيِي بِالعِصْيانِ حَتّى قالَتْ قُرَيْشٌ: ابْنُ أبِي طالِبٍ رَجُلٌ شُجاعٌ ولَكِنْ لا مَعْرِفَةَ لَهُ بِالحَرْبِ.
وإضافَةُ النَّصْرِ إلى اللَّهِ: تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ نَصْرٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ، وهو النَّصْرُ بِالمَلائِكَةِ والخَوارِقِ، مِن أوَّلِ أيّامِ الدَّعْوَةِ. .
وقَوْلُهُ: ”وبِالمُؤْمِنِينَ“ عُطِفَ عَلى ”بِنْصِرِهِ“ وأُعِيدَ حَرْفُ الجَرِّ بَعْدَ واوِ العَطْفِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى اسْمِ الجَلالَةِ فَيُوهِمُ أنَّ المَعْنى: ونَصَرَ المُؤْمِنِينَ. مَعَ أنَّ المَقْصُودَ أنَّ وُجُودَ المُؤْمِنِينَ تَأْيِيدٌ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ إذْ وفَّقَهم لِاتِّباعِهِ فَشَرَحَ صَدْرَهُ بِمُشاهَدَةِ نَجاحِ دَعْوَتِهِ وتَزايُدِ أُمَّتِهِ ولِكَوْنِ المُؤْمِنِينَ جَيْشًا ثابِتِي الجَنانِ، فَجُعِلَ المُؤْمِنُونَ بِذاتِهِمْ تَأْيِيدًا.
والتَّأْلِيفُ بَيْنَ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ مِنَّةٌ أُخْرى عَلى الرَّسُولِ، إذْ جَعَلَ أتْباعَهُ مُتَحابِّينَ وذَلِكَ أعْوَنُ لَهُ عَلى سِياسَتِهِمْ، وأرْجى لِاجْتِناءِ النَّفْعِ بِهِمْ، إذْ يَكُونُونَ عَلى قَلْبِ رَجُلٍ واحِدٍ، وقَدْ كانَ العَرَبُ يُفَضِّلُونَ الجَيْشَ المُؤَلَّفَ مِن قَبِيلَةٍ واحِدَةٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أبْعَدُ عَنْ حُصُولِ التَّنازُعِ بَيْنَهم.
وهُوَ أيْضًا مِنَّةٌ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ نَزَعَ مِن قُلُوبِهِمُ الأحْقادَ والإحَنَ، الَّتِي كانَتْ دَأْبَ النّاسِ في الجاهِلِيَّةِ، فَكانَتْ سَبَبَ التَّقاتُلِ بَيْنَ القَبائِلِ، بَعْضِها مَعَ بَعْضٍ، وبَيْنَ بُطُونِ القَبِيلَةِ الواحِدَةِ. وأقْوالُهم في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. ومِنها قَوْلُ الفَضْلِ بْنِ العَبّاسِ اللَّهَبِيِّ:
مَهْلًا بَنِي عَمِّنا مَهْلًا مَوالِينا لا تَنْبِشُوا بَيْنَنا ما كانَ مَدْفُونا
اللَّهُ يَعْلَمُ أنّا لا نُحِبُّـكُـمُـو ∗∗∗ ولا نَلُومُكُمُو أنْ لا تُحِبُّونا
صفحة ٦٤
فَلَمّا آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ انْقَلَبَتِ البَغْضاءُ بَيْنَهم مَوَدَّةً، كَما قالَ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وما كانَ ذَلِكَ التَّآلُفُ والتَّحابُّ إلّا بِتَقْدِيرِ اللَّهِ - تَعالى - فَإنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مِن قَبْلُ بِوَشائِجِ الأنْسابِ، ولا بِدَعَواتِ ذَوِي الألْبابِ.
ولِذَلِكَ اسْتَأْنَفَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ قَوْلَهُ: ﴿لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ اسْتِئْنافًا ناشِئًا عَنْ مَساقِ الِامْتِنانِ بِهَذا الِائْتِلافِ، فَهو بَيانِيٌّ، أيْ: لَوْ حاوَلْتَ تَأْلِيفَهم بِبَذْلِ المالِ العَظِيمِ ما حَصَلَ التَّآلُفُ بَيْنَهم.
فَقَوْلُهُ: ﴿ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ مُبالَغَةٌ حَسَنَةٌ لِوُقُوعِها مَعَ حَرْفِ ”لَوِ“ الدّالِّ عَلى عَدَمِ الوُقُوعِ. وأمّا تَرَتُّبُ الجَزاءِ عَلى الشَّرْطِ فَلا مُبالَغَةَ فِيهِ، فَكانَ التَّأْلِيفُ بَيْنَهم مِن آياتِ هَذا الدِّينِ، لِما نَظَّمَ اللَّهُ مَن أُلْفَتِهِمْ، وأماطَ عَنْهم مِنَ التَّباغُضِ. ومِن أعْظَمِ مَشاهِدِ ذَلِكَ ما حَدَثَ بَيْنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ مِنَ الإحَنِ قَبْلَ الإسْلامِ مِمّا نَشَأتْ عَنْهُ حَرْبُ بُعاثٍ بَيْنَهم، ثُمَّ أصْبَحُوا بَعْدَ حِينٍ إخْوانًا أنْصارًا لِلَّهِ تَعالى، وأزالَ اللَّهُ مِن قُلُوبِهِمُ البَغْضاءَ بَيْنَهم.
و”جَمِيعًا“ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِن ما في الأرْضِ وهو اسْمٌ عَلى وزْنِ ”فَعِيلٍ“ بِمَعْنى مُجْتَمِعٍ، وسَيَأْتِي بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥] في سُورَةِ هُودٍ.
ومَوْقِعُ الِاسْتِدْراكِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ لِأجْلِ ما يُتَوَهَّمُ مِن تَعَذُّرِ التَّأْلِيفِ بَيْنَهم في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ ولَكِنَّ تَكْوِينَ اللَّهِ يَلِينُ بِهِ الصَّلْبُ ويَحْصُلُ بِهِ المُتَعَذِّرُ.
والخِطابُ في ”أنْفَقْتَ“ و”ألَّفْتَ“ لِلرَّسُولِ ﷺ بِاعْتِبارِ أنَّهُ أوَّلُ مَن دَعا إلى اللَّهِ. وإذْ كانَ هَذا التَّكْوِينُ صُنْعًا عَجِيبًا ذَيَّلَ اللَّهُ الخَبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: إنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ أيْ قَوِيُّ القُدْرَةِ فَلا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، مُحْكِمُ التَّكْوِينِ فَهو يُكَوِّنُ المُتَعَذِّرَ، ويَجْعَلُهُ كالأمْرِ المَسْنُونِ المَأْلُوفِ.
والتَّأْكِيدُ بِـ (إنَّ) لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ بِاعْتِبارِ جَعْلِهِ دَلِيلًا عَلى بَدِيعِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى.
8:64Page 185
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسۡبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٦٤
O Prophet, sufficient for you is Allāh and for whoever follows you of the believers.
صفحة ٦٥
﴿يا أيُّها النَّبِيءُ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ بِالإقْبالِ عَلى خِطابِ الرَّسُولِ ﷺ بِأوامِرَ وتَعالِيمَ عَظِيمَةٍ، مَهَّدَ لِقَبُولِها وتَسْهِيلِها بِما مَضى مِنَ التَّذْكِيرِ بِعَجِيبِ صُنْعِ اللَّهِ والِامْتِنانِ بِعِنايَتِهِ بِرَسُولِهِ والمُؤْمِنِينَ، وإظْهارِ أنَّ النَّجاحَ والخَيْرَ في طاعَتِهِ وطاعَةِ اللَّهِ، مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا، فَمَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ الَّتِي قَبْلَها كامِلُ الِاتِّساقِ والِانْتِظامِ، فَإنَّهُ لَمّا أخْبَرَهُ بِأنَّهُ حَسْبُهُ وكافِيهِ، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِأنَّهُ أيَّدَهُ بِنَصْرِهِ فِيما مَضى وبِالمُؤْمِنِينَ، فَقَدْ صارَ لِلْمُؤْمِنِينَ حَظٌّ في كِفايَةِ اللَّهِ - تَعالى - رَسُولَهُ ﷺ فَلا جَرَمَ أنْتَجَ ذَلِكَ أنَّ حَسْبَهُ اللَّهُ والمُؤْمِنُونَ، فَكانَتْ جُمْلَةُ ﴿يا أيُّها النَّبِيءُ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ كالفَذْلَكَةِ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها.
وتَخْصِيصُ النَّبِيءِ بِهَذِهِ الكِفايَةِ لِتَشْرِيفِ مَقامِهِ بِأنَّ اللَّهَ يَكْفِي الأُمَّةَ لِأجْلِهِ.
والقَوْلُ في وُقُوعِ (حَسْبُ) مُسْنَدًا إلَيْهِ هُنا كالقَوْلِ في قَوْلِهِ آنِفًا فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ
وفِي عَطْفِ ”المُؤْمِنِينَ“ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ هَنا: تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ كِفايَةِ اللَّهِ النَّبِيءَ ﷺ بِهِمْ، إلّا أنَّ الكِفايَةَ مُخْتَلِفَةٌ وهَذا مِن عُمُومِ المُشْتَرَكِ لا مِن إطْلاقِ المُشْتَرَكِ عَلى مَعْنَيَيْنِ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيءِ﴾ [الأحزاب: ٥٦]
وقِيلَ: يُجْعَلُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مَفْعُولًا مَعَهُ لِقَوْلِهِ: حَسْبُكَ بِناءً عَلى قَوْلِ البَصْرِيِّينَ أنَّهُ لا يُعْطَفُ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ اسْمٌ ظاهِرٌ، أوْ يُجْعَلُ مَعْطُوفًا عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ المُجَوِّزِينَ لِمِثْلِ هَذا العَطْفِ. وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ التَّنْوِيهُ بِالمُؤْمِنِينَ في جَعْلِهِمْ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ في هَذا التَّشْرِيفِ، والتَّفْسِيرُ الأوَّلُ أوْلى وأرْشَقُ.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يا أيُّها النَّبِيءُ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ نَزَلَتْ يَوْمَ أسْلَمَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ. فَتَكُونُ مَكِّيَّةً، وبَقِيَتْ مَقْرُوءَةً غَيْرَ مُنْدَرِجَةٍ في سُورَةٍ، ثُمَّ وُضِعَتْ في هَذا المَوْضِعِ بِإذْنٍ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ لِكَوْنِهِ أنْسَبَ لَها.
صفحة ٦٦
وعَنِ النَّقّاشِ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِالبَيْداءِ في بَدْرٍ، قَبْلَ ابْتِداءِ القِتالِ، فَيَكُونُ نُزُولُها مُتَقَدِّمًا عَلى أوَّلِ السُّورَةِ ثُمَّ جُعِلَتْ في هَذا المَوْضِعِ مِنَ السُّورَةِ.
والتَّناسُبُ بَيْنَها وبَيْنَ الآيَةِ الَّتِي بَعْدَها ظاهِرٌ مَعَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّ الآيَةَ الَّتِي بَعْدَها نَزَلَتْ مَعَ تَمامِ السُّورَةِ فَهي تَمْهِيدٌ لِأمْرِ المُؤْمِنِينَ بِالقِتالِ لِيُحَقِّقُوا كِفايَتَهُمُ الرَّسُولَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences