Ibn 'AshurAl‑Anfal · 8:65–66

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Anfal 8:65–66

8:65Page 185

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَى ٱلۡقِتَالِۚ إِن يَكُن مِّنكُمۡ عِشۡرُونَ صَٰبِرُونَ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٞ يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ ٦٥

O Prophet, urge the believers to battle. If there are among you twenty [who are] steadfast, they will overcome two hundred. And if there are among you one hundred [who are steadfast], they will overcome a thousand of those who have disbelieved because they are a people who do not understand.

﴿يا أيُّها النَّبِيءُ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ تَكُنْ مِنكم مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾

أُعِيدَ نِداءُ النَّبِيءِ ﷺ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الكَلامِ الوارِدِ بَعْدَ النِّداءِ وهَذا الكَلامُ في مَعْنى المَقْصِدِ بِالنِّسْبَةِ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ؛ لِأنَّهُ لَمّا تَكَفَّلَ اللَّهُ لَهُ الكِفايَةَ وعَطَفَ المُؤْمِنِينَ في إسْنادِ الكِفايَةِ إلَيْهِمْ، احْتِيجَ إلى بَيانِ كَيْفِيَّةِ كِفايَتِهِمْ، وتِلْكَ هي الكِفايَةُ بِالذَّبِّ عَنِ الحَوْزَةِ وقِتالِ أعْداءِ اللَّهِ، فالتَّعْرِيفُ في ”القِتالِ“ لِلْعَهْدِ، وهو القِتالُ الَّذِي يَعْرِفُونَهُ، أعْنِي قِتالَ أعْداءِ الدِّينِ.

والتَّحْرِيضُ: المُبالَغَةُ في الطَّلَبِ.

ولَمّا كانَ عُمُومُ الجِنْسِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ تَعْرِيفُ القِتالِ يَقْتَضِي عُمُومَ الأحْوالِ بِاعْتِبارِ المُقاتَلِينَ بِفَتْحِ التّاءِ وكانَ في ذَلِكَ إجْمالٌ مِنَ الأحْوالِ، وقَدْ يَكُونُ العَدُوُّ كَثِيرِينَ ويَكُونُ المُؤْمِنُونَ أقَلَّ مِنهم، بَيَّنَ هَذا الإجْمالَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ الآيَةَ.

وضَمِيرُ ”مِنكم“ خِطابٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِينَ.

وفُصِلَتْ جُمْلَةُ ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ﴾ لِأنَّها لَمّا جُعِلَتْ بَيانًا لِإجْمالٍ كانَتْ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ الإجْمالَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُثِيرَ سُؤالَ سائِلٍ عَمّا يَعْمَلُ إذا كانَ عَدَدُ العَدُوِّ كَثِيرًا، فَقَدْ صارَ المَعْنى: حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ بِهَذِهِ الكَيْفِيَّةِ.

صفحة ٦٧

و”صابِرُونَ“ ثابِتُونَ في القِتالِ؛ لِأنَّ الثَّباتَ عَلى الآلامِ صَبْرٌ؛ لِأنَّ أصْلَ الصَّبْرِ تَحَمُّلُ المَشاقِّ، والثَّباتُ مِنهُ، قالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠] وفي الحَدِيثِ: «لا تَتَمَنَّوْا لِقاءَ العَدُوِّ واسْألُوا اللَّهَ العافِيَةَ فَإذا لاقَيْتُمْ فاصْبِرُوا» وقالَ النّابِغَةُ:

تَجَنَّبْ بَنِي حُنَّ فَإنَّ لِقاءَهُـمْ كَرِيهٌ وإنْ لَمْ تَلْقَ إلّا بِصابِرِ

وقالَ زُفَرُ بْنُ الحارِثِ الكِلابِيُّ:

سَقَيْناهم كَأْسًا سَقَوْنا بِمِثْـلِـهَـا ∗∗∗ ولَكِنَّهم كانُوا عَلى المَوْتِ أصْبَرا

والمَعْنى: عُرِفُوا بِالصَّبْرِ والمَقْدِرَةِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ بِاسْتِيفاءِ ما يَقْتَضِيهِ مِن أحْوالِ الجَسَدِ وأحْوالِ النَّفْسِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى تَوَخِّي انْتِقاءِ الجَيْشِ، فَيَكُونُ قَيْدًا لِلتَّحْرِيضِ، أيْ: حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ الصّابِرِينَ الَّذِينَ لا يَتَزَلْزَلُونَ، فالمَقْصُودُ أنْ لا يَكُونَ فِيهِمْ مَن هو ضَعِيفُ النَّفْسِ فَيَفْشَلُ الجَيْشُ، كَقَوْلِ طالُوتَ ﴿إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩] وذُكِرَ في جانِبِ جَيْشِ المُسْلِمِينَ في المَرَّتَيْنِ عَدَدُ العِشْرِينَ وعَدَدُ المِائَةِ، وفي جانِبِ جَيْشِ المُشْرِكِينَ عَدَدُ المِائَتَيْنِ وعَدَدُ الألْفِ، إيماءً إلى قِلَّةِ جَيْشِ المُسْلِمِينَ في ذاتِهِ، مَعَ الإيماءِ إلى أنَّ ثَباتَهم لا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ حالَةِ عَدَدِهِمْ في أنْفُسِهِمْ، فَإنَّ العادَةَ أنَّ زِيادَةَ عَدَدِ الجَيْشِ تُقَوِّي نُفُوسَ أهْلِهِ، ولَوْ مَعَ كَوْنِ نِسْبَةِ عَدَدِهِمْ مِن عَدَدِ عَدُوِّهِمْ غَيْرَ مُخْتَلِفَةٍ، فَجَعَلَ اللَّهُ الإيمانَ قُوَّةً لِنُفُوسِ المُسْلِمِينَ تَدْفَعُ عَنْهم وهْمَ اسْتِشْعارِ قِلَّةِ عَدَدِ جَيْشِهِمْ في ذاتِهِ.

أمّا اخْتِيارُ لَفْظِ العِشْرِينَ لِلتَّعْبِيرِ عَنْ مَرْتَبَةِ العَشَراتِ دُونَ لَفْظِ العَشَرَةِ: فَلَعَلَّ وجْهَهُ أنَّ لَفْظَ العِشْرِينَ أسْعَدُ بِتَقابُلِ السَّكَناتِ في أواخِرِ الكَلِمِ لِأنَّ لِلَفْظَةِ مِائَتَيْنِ مِنَ المُناسَبَةِ بِسَكَناتِ كَلِماتِ الفَواصِلِ مِنَ السُّورَةِ، ولِذَلِكَ ذَكَرَ المِائَةَ مَعَ الألْفِ لِأنَّ بَعْدَها ذِكْرَ مُمَيِّزِ العَدَدِ بِألْفاظٍ تُناسِبُ سَكَناتِ الفاصِلَةِ، وهو قَوْلُهُ: لا يَفْقَهُونَ. فَتَعَيَّنَ هَذا اللَّفْظُ قَضاءً لِحَقِّ الفَصاحَةِ.

صفحة ٦٨

فَهَذا الخَبَرُ كَفالَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِنَصْرِ العَدَدِ مِنهم عَلى عَشْرَةِ أمْثالِهِ، مِن عَدَدِهِمْ وهو يَسْتَلْزِمُ وُجُوبَ ثَباتِ العَدَدِ مِنهم، لِعَشَرَةِ أمْثالِهِ، وبِذَلِكَ يُفِيدُ إطْلاقُ الأمْرِ بِالثَّباتِ لِلْعَدُوِّ الواقِعِ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: ٤٥]، وإطْلاقُ النَّهْيِ عَنِ الفِرارِ الواقِعِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ [الأنفال: ١٥] الآيَةَ. كَما تَقَدَّمَ. وهو مِن هَذِهِ النّاحِيَةِ التَّشْرِيعِيَّةِ حُكْمٌ شَدِيدٌ شاقٌّ اقْتَضَتْهُ قِلَّةُ عَدَدِ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ وكَثْرَةُ عَدَدِ المُشْرِكِينَ، ولَمْ يَصِلْ إلَيْنا أنَّ المُسْلِمِينَ احْتاجُوا إلى العَمَلِ بِهِ في بَعْضِ غَزَواتِهِمْ، وقُصارى ما عَلِمْنا أنَّهم ثَبَتُوا لِثَلاثَةِ أمْثالِهِمْ في وقْعَةِ بَدْرٍ، فَقَدْ كانَ المُسْلِمُونَ زُهاءَ ثَلاثِمِائَةٍ وكانَ المُشْرِكُونَ زُهاءَ الألْفِ، ثُمَّ نَزَلَ التَّخْفِيفُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ بِالآيَةِ التّالِيَةِ.

والتَّعْرِيفُ بِالمَوْصُولِ في ”الَّذِينَ كَفَرُوا“ لِلْإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ الآتِي: وهو سَلْبُ الفَقاهَةِ عَنْهم.

والباءُ في قَوْلِهِ: ”بِأنَّهم“ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ بِعَدَمِ فِقْهِهِمْ.

وإجْراءُ نَفْيِ الفَقاهَةِ صِفَةً لِـ ”قَوْمٌ“ دُونَ أنْ يُجْعَلَ خَبَرًا فَيُقالُ: ذَلِكَ بِأنَّهم لا يَفْقَهُونَ، لِقَصْدِ إفادَةِ أنَّ عَدَمَ الفَقاهَةِ صِفَةٌ ثابِتَةٌ لَهم بِما هم قَوْمٌ، لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ نَفْيَ الفَقاهَةِ عَنْهم في خُصُوصِ هَذا الشَّأْنِ، وهو شَأْنُ الحَرْبِ المُتَحَدَّثُ عَنْهُ، لِلْفَرْقِ بَيْنَ قَوْلِكَ: حَدَّثْتُ فُلانًا حَدِيثًا فَوَجَدْتُهُ لا يَفْقَهُ، وبَيْنَ قَوْلِكَ: فَوَجَدْتُهُ رَجُلًا لا يَفْقَهُ.

والفِقْهُ فَهْمُ الأُمُورِ الخَفِيَّةِ، والمُرادُ نَفِيُ الفِقْهِ عَنْهم مِن جانِبِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ - تَعالى - بِقَرِينَةِ تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِهِمْ بَعْدَ إجْراءِ صِلَةِ الكُفْرِ عَلَيْهِمْ.

وإنَّما جَعَلَ اللَّهُ الكُفْرَ سَبَبًا في انْتِفاءِ الفَقاهَةِ عَنْهم: لِأنَّ الكُفْرَ مِن شَأْنِهِ إنْكارُ ما لَيْسَ بِمَحْسُوسٍ فَصاحِبُهُ يَنْشَأُ عَلى إهْمالِ النَّظَرِ، وعَلى تَعْطِيلِ حَرَكاتِ فِكْرِهِ، فَهم لا يُؤْمِنُونَ إلّا بِالأسْبابِ الظّاهِرِيَّةِ، فَيَحْسَبُونَ أنَّ كَثْرَتَهم تُوجِبُ لَهُمُ النَّصْرَ عَلى الأقَلِّينَ لِقَوْلِهِمْ إنَّما العِزَّةُ لِلْكاثِرِ، ولِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِما بَعْدَ المَوْتِ مِن نَعِيمٍ وعَذابٍ، فَهم يَخْشَوْنَ المَوْتَ فَإذا قاتَلُوا ما يُقاتِلُونَ إلّا في الحالَةِ الَّتِي يَكُونُ نَصْرُهم فِيها أرْجَحَ، والمُؤْمِنُونَ يُعَوِّلُونَ عَلى نَصْرِ اللَّهِ ويَثْبُتُونَ لِلْعَدُوِّ رَجاءَ إعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ، ولا يَهابُونَ المَوْتَ في سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِأنَّهم مُوقِنُونَ بِالحَياةِ الأبَدِيَّةِ المُسِرَّةِ بَعْدَ المَوْتِ.

صفحة ٦٩

وقَرَأ الجُمْهُورُ (إنْ تَكُنْ) بِالتّاءِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وذَلِكَ الأصْلُ، لِمُراعاةِ تَأْنِيثِ لَفْظِ مِائَةٍ. وقَرَأها الباقُونَ بِالمُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ؛ لِأنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، فَيَجُوزُ في فِعْلِهِ الِاقْتِرانُ بِتاءِ التَّأْنِيثِ وعَدَمُهُ، لاسِيَّما وقَدْ وقَعَ الفَصْلُ بَيْنَ فِعْلِهِ وبَيْنَهُ. والفَصْلُ مُسَوِّغٌ لِإجْراءِ الفِعْلِ عَلى صِيغَةِ التَّذْكِيرِ.

8:66Page 185

ٱلۡـَٰٔنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمۡ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمۡ ضَعۡفٗاۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٞ صَابِرَةٞ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمۡ أَلۡفٞ يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفَيۡنِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٦٦

Now, Allāh has lightened [the hardship] for you, and He knows that among you is weakness. So if there are from you one hundred [who are] steadfast, they will overcome two hundred. And if there are among you a thousand, they will overcome two thousand by permission of Allāh. And Allāh is with the steadfast.

﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضُعْفًا فَإنْ تَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم ألْفٌ يَغْلِبُوا ألْفَيْنِ بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾

هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها بِمُدَّةٍ. قالَ في الكَشّافِ: وذَلِكَ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ. ولَعَلَّهُ بَعْدَ نُزُولِ جَمِيعِ سُورَةِ الأنْفالِ، ولَعَلَّها وُضِعَتْ في هَذا المَوْضِعِ لِأنَّها نَزَلَتْ مُفْرَدَةً غَيْرَ مُتَّصِلَةٍ بِآياتِ سُورَةٍ أُخْرى، فَجُعِلَ لَها هَذا المَوْضِعُ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِها لِتَكُونَ مُتَّصِلَةً بِالآيَةِ الَّتِي نَسَخَتْ هي حُكْمَها، ولَمْ أرَ مَن عَيَّنَ زَمَنَ نُزُولِها. ولا شَكَّ أنَّهُ كانَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ فَهي مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا مَحْضًا لِأنَّها آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ.

و”الآنَ“ اسْمُ ظَرْفٍ لِلزَّمانِ الحاضِرِ. قِيلَ: أصْلُهُ أوانٌ بِمَعْنى زَمانٍ، ولَمّا أُرِيدَ تَعْيِينُهُ لِلزَّمانِ الحاضِرِ لازَمَتْهُ لامُ التَّعْرِيفِ بِمَعْنى العَهْدِ الحُضُورِيِّ، فَصارَ مَعَ اللّامِ كَلِمَةً واحِدَةً ولَزِمَهُ النَّصْبُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ.

ورَوى الطَّبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ عَشَرَةٌ لا يَنْبَغِي أنْ يَفِرَّ مِنهم، وكانُوا كَذَلِكَ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضُعْفًا﴾ الآيَةَ، فَعَبَّأ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ رَجُلَيْنِ مِنَ المُشْرِكِينَ فَهَذا حُكْمُ وُجُوبٍ نُسِخَ بِالتَّخْفِيفِ الآتِي.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَهَبَ بَعْضُ النّاسِ إلى أنَّ ثُبُوتَ الواحِدِ لِلْعَشَرَةِ إنَّما كانَ عَلى جِهَةِ نَدْبِ المُؤْمِنِينَ إلَيْهِ ثُمَّ حُطَّ ذَلِكَ حِينَ ثَقُلَ عَلَيْهِمْ إلى ثُبُوتِ الواحِدِ لِلِاثْنَيْنِ. ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. قُلْتُ: وكَلامُ ابْنِ عَبّاسٍ المَرْوِيُّ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ مُنافٍ لِهَذا القَوْلِ.

صفحة ٧٠

والوَقْتُ المُسْتَحْضَرُ بِقَوْلِهِ: ”الآنَ“ هو زَمَنُ نُزُولِها. وهو الوَقْتُ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ عِنْدَهُ انْتِهاءَ الحاجَةِ إلى ثَباتِ الواحِدِ مِنَ المُسْلِمِينَ لِلْعَشَرَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ، بِحَيْثُ صارَتِ المَصْلَحَةُ في ثَباتِ الواحِدِ لِاثْنَيْنِ، لا أكْثَرَ، رِفْقًا بِالمُسْلِمِينَ واسْتِبْقاءً لِعَدَدِهِمْ.

فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ أنَّ التَّخْفِيفَ المُناسِبَ لِيُسْرِ هَذا الدِّينِ رُوعِيَ في هَذا الوَقْتِ ولَمْ يُراعَ قَبْلَهُ لِمانِعٍ مَنَعَ مِن مُراعاتِهِ فَرُجِّحَ إصْلاحُ مَجْمُوعِهِمْ.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضُعْفًا﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ ثَباتَ الواحِدِ مِنَ المُسْلِمِينَ لِلْعَشَرَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ كانَ وُجُوبًا وعَزِيمَةً ولَيْسَ نَدْبًا خِلافًا لِما نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ بَعْضِ العُلَماءِ. ونُسِبَ أيْضًا إلى ابْنِ عَبّاسٍ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا؛ لِأنَّ المَندُوبَ لا يَثْقُلُ عَلى المُكَلَّفِينَ، ولِأنَّ إبْطالَ مَشْرُوعِيَّةِ المَندُوبِ لا يُسَمّى تَخْفِيفًا، ثُمَّ إذا أُبْطِلَ النَّدْبُ لَزِمَ أنْ يَصِيرَ ثَباتُ الواحِدِ لِلْعَشَرَةِ مُباحًا مَعَ أنَّهُ تَعْرِيضُ الأنْفُسِ لِلتَّهْلُكَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضُعْفًا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وقَدْ عَلِمَ مِن قَبْلُ أنَّ فِيكم ضَعْفًا، فالكَلامُ كالِاعْتِذارِ عَلى ما في الحُكْمِ السّابِقِ مِنَ المَشَقَّةِ بِأنَّها مَشَقَّةٌ اقْتَضاها اسْتِصْلاحُ حالِهِمْ، وجُمْلَةُ الحالِ المُفْتَتَحَةُ بِفِعْلِ مُضِيٍّ يَغْلِبُ اقْتِرانُها بِـ (قَدْ) .

وجَعَلَ المُفَسِّرُونَ مَوْقِعَ ﴿وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضُعْفًا﴾ مَوْقِعَ العَطْفِ فَنَشَأ إشْكالٌ أنَّهُ يُوهِمُ حُدُوثَ عِلْمِ اللَّهِ - تَعالى - بِضَعْفِهِمْ في ذَلِكَ الوَقْتِ، مَعَ أنَّ ضَعْفَهم مُتَحَقِّقٌ، وتَأوَّلُوا المَعْنى عَلى أنَّهُ طَرَأ عَلَيْهِمْ ضَعْفٌ، لَمّا كَثُرَ عَدَدُهم وعَلِمَهُ اللَّهُ فَخَفَّفَ عَنْهم، وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ الضَّعْفَ في حالَةِ القِلَّةِ أشَدُّ.

ويَحْتَمِلُ عَلى هَذا المَحْمَلِ أنْ يَكُونَ الضَّعْفُ حَدَثَ فِيهِمْ مِن تَكَرُّرِ ثَباتِ الجَمْعِ القَلِيلِ مِنهم لِلْكَثِيرِ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَإنَّ تَكَرُّرَ مُزاوَلَةِ العَمَلِ الشّاقِّ تُفْضِي إلى الضَّجَرِ.

والضَّعْفُ: عَدَمُ القُدْرَةِ عَلى الأعْمالِ الشَّدِيدَةِ والشّاقَّةِ، ويَكُونُ في عُمُومِ الجَسَدِ وفي بَعْضِهِ وتَنْكِيرُهُ لِلتَّنْوِيعِ، وهو ضَعْفُ الرَّهْبَةِ مِن لِقاءِ العَدَدِ الكَثِيرِ في قِلَّةٍ، وجَعْلُهُ مَدْخُولَ (في) الظَّرْفِيَّةِ يُومِئُ إلى تَمَكُّنِهِ في نُفُوسِهِمْ فَلِذَلِكَ أوْجَبَ التَّخْفِيفَ في التَّكْلِيفِ.

صفحة ٧١

ويَجُوزُ في ضادِ (ضَعْفٌ) الضَّمُّ والفَتْحُ، كالمُكْثِ والمَكْثِ، والفُقْرِ والفَقْرِ، وقَدْ قُرِئَ بِهِما، فَقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الضّادِ، وقَرَأهُ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وخَلَفٌ بِفَتْحِ الضّادِ.

ووَقَعَ في كِتابِ فِقْهِ اللُّغَةِ لِلثَّعالِبِيِّ أنَّ الفَتْحَ في وهَنِ الرَّأْيِ والعَقْلِ، والضَّمَّ في وهَنِ الجِسْمِ، وأحْسَبُ أنَّها تَفْرِقَةٌ طارِئَةٌ عِنْدَ المُوَلَّدِينَ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ”ضُعَفاءَ“ بِضَمِّ الضّادِ وبِمَدٍّ في آخِرِهِ جَمْعَ ضَعِيفٍ.

والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ﴾ لِتَفْرِيعِ التَّشْرِيعِ عَلى التَّخْفِيفِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ ”تَكُنْ“ بِالمُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأهُ البَقِيَّةُ بِالتَّحْتِيَّةِ لِلْوَجْهِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا.

وعُبِّرَ عَنْ وُجُوبِ ثَباتِ العَدَدِ مِنَ المُسْلِمِينَ لِمِثْلَيْهِ مِنَ المُشْرِكِينَ بِلَفْظَيْ عَدَدَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ ومِثْلَيْهِما: لِيَجِيءَ النّاسِخُ عَلى وفْقِ المَنسُوخِ، فَقُوبِلَ ثَباتُ العِشْرِينَ لِلْمِائَتَيْنِ بِنَسْخِهِ إلى ثَباتِ مِائَةٍ واحِدَةٍ لِلْمِائَتَيْنِ فَأُبْقِيَ مِقْدارُ عَدَدِ المُشْرِكِينَ كَما كانَ عَلَيْهِ في الآيَةِ المَنسُوخَةِ، إيماءً إلى أنَّ مُوجِبَ التَّخْفِيفِ كَثْرَةُ المُسْلِمِينَ، لا قِلَّةُ المُشْرِكِينَ، وقُوبِلَ ثَباتُ عَدَدِ مِائَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ لِألْفٍ مِنَ المُشْرِكِينَ بِثَباتِ ألْفٍ مِنَ المُسْلِمِينَ لِألْفَيْنِ مِنَ المُشْرِكِينَ إيماءً إلى أنَّ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ كانَ جَيْشُهم لا يَتَجاوَزُ مَرْتَبَةَ المِئاتِ صارَ جَيْشُهم يُعَدُّ بِالآلافِ.

وأُعِيدَ وصْفُ مِائَةِ المُسْلِمِينَ بِـ ”صابِرَةٌ“ لِأنَّ المَقامَ يَقْتَضِي التَّنْوِيهَ بِالِاتِّصافِ بِالثَّباتِ.

ولَمْ تُوصَفْ مِائَةُ الكُفّارِ بِالكُفْرِ وبِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ: لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَ، ولا مُقْتَضًى لِإعادَتِهِ.

وإذَنُ اللَّهِ أمْرُهُ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أمْرَهُ التَّكْلِيفِيَّ، بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَهُ الخَبَرُ مِنَ الأمْرِ، كَما تَقَدَّمَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أمْرُهُ التَّكْوِينِيُّ بِاعْتِبارِ صُورَةِ الخَبَرِ والوَعْدِ.

صفحة ٧٢

والمَجْرُورُ في مَوْقِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”يَغْلِبُوا“ الواقِعِ في هَذِهِ الآيَةِ. وإذْنُ اللَّهِ حاصِلٌ في كِلْتا الحالَتَيْنِ المَنسُوخَةِ والنّاسِخَةِ. وإنَّما صُرِّحَ بِهِ هُنا دُونَ ما سَبَقَ؛ لِأنَّ غَلَبَ الواحِدِ لِلْعَشَرَةِ أظْهَرُ في الخَرْقِ لِلْعادَةِ، فَيُعْلَمُ بَدْءًا أنَّهُ بِإذْنِ اللَّهِ، وأمّا غَلَبُ الواحِدِ الِاثْنَيْنِ فَقَدْ يُحْسَبُ ناشِئًا عَنْ قُوَّةِ أجْسادِ المُسْلِمِينَ، فَنَبَّهَ عَلى أنَّهُ بِإذْنِ اللَّهِ: لِيُعْلَمَ أنَّهُ مُطَّرِدٌ في سائِرِ الأحْوالِ، ولِذَلِكَ ذُيِّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском