Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:106–110
9:106Page 203
وَءَاخَرُونَ مُرۡجَوۡنَ لِأَمۡرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمۡ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيۡهِمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ١٠٦
And [there are] others deferred until the command of Allāh - whether He will punish them or whether He will forgive them. And Allāh is Knowing and Wise.
﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
هَذا فَرِيقٌ آخَرُ عُطِفَ خَبَرُهُ عَلى خَبَرِ الفِرَقِ الآخَرِينَ. والمُرادُ بِهَؤُلاءِ مَن بَقِيَ مِنَ المُخَلَّفِينَ لَمْ يَتُبِ اللَّهُ عَلَيْهِ، وكانَ أمْرُهم مَوْقُوفًا إلى أنْ يَقْضِيَ اللَّهُ بِما يَشاءُ. وهَؤُلاءِ نَفَرٌ ثَلاثَةٌ، هم: كَعْبُ بْنُ مالِكٍ، وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ، ومُرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وثَلاثَتُهم قَدْ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ. ولَمْ يَكُنْ تَخَلُّفُهم نِفاقًا ولا كَراهِيَةً لِلْجِهادِ ولَكِنَّهم شُغِلُوا عِنْدَ خُرُوجِ الجَيْشِ وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يَلْحَقُونَهُ وانْقَضَتِ الأيّامُ وأيِسُوا مِنَ اللِّحاقِ. وسَألَ عَنْهُمُ النَّبِيءُ ﷺ وهو في تَبُوكَ. فَلَمّا رَجَعَ النَّبِيءُ ﷺ أتَوْهُ وصَدَقُوهُ، فَلَمْ يُكَلِّمْهم، ونَهى المُسْلِمِينَ عَنْ كَلامِهِمْ ومُخالَطَتِهِمْ، وأمَرَهم بِاعْتِزالِ نِسائِهِمْ، فامْتَثَلُوا وبَقُوا كَذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، فَهم في تِلْكَ المُدَّةِ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ. وفي تِلْكَ المُدَّةِ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨] . وأُنْزِلَ فِيهِمْ قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيءِ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾ [التوبة: ١١٧] إلى قَوْلِهِ ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]
وعَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ في قِصَّتِهِ هَذِهِ حَدِيثٌ طَوِيلٌ أغَرُّ في صَحِيحِ البُخارِيِّ.
صفحة ٢٧
عَلى التَّوْبَةِ والتَّنْبِيهِ إلى فَتْحِ بابِها. وقَدْ جَوَّزَ المُفَسِّرُونَ عَوْدَ ضَمِيرِ (ألَمْ يَعْلَمُوا) إلى الفَرِيقَيْنِ اللَّذَيْنِ أشَرْنا إلَيْهِما.
وقَوْلُهُ: ﴿هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ [التوبة: ١٠٤] (هو) ضَمِيرُ فَصْلٍ مُفِيدٌ لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ. و(عَنْ عِبادِهِ) مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (يَقْبَلُ) لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى يَتَجاوَزُ، إشارَةً إلى أنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ هو التَّجاوُزُ عَنِ المَعاصِي المَتُوبِ مِنها.
فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَقْبَلُ التَّوْبَةَ ويَتَجاوَزُ عَنْ عِبادِهِ. وكانَ حَقُّ تَعْدِيَةِ فِعْلِ (يَقْبَلُ) أنْ يَكُونَ بِحَرْفِ (مِن) . ونَقَلَ الفَخْرُ عَنِ القاضِي عَبْدِ الجَبّارِ أنَّهُ قالَ: لَعَلَّ (عَنْ) أبْلَغُ لِأنَّهُ يُنْبِئُ عَنِ القَبُولِ مَعَ تَسْهِيلِ سَبِيلِهِ إلى التَّوْبَةِ الَّتِي قُبِلَتْ. ولَمْ يُبَيِّنْ وجْهَ ذَلِكَ، وأحْسَبُ أنَّهُ يُرِيدُ ما أشَرْنا إلَيْهِ مِن تَضْمِينِ مَعْنى التَّجاوُزِ.
وجِيءَ بِالخَبَرِ في صُورَةٍ كُلِّيَّةٍ لِأنَّ المَقْصُودَ تَعْمِيمُ الخِطابِ، فالمُرادُ بِعِبادِهِ جَمِيعُ النّاسِ مُؤْمِنُهم وكافِرُهم، لِأنَّ التَّوْبَةَ مِنَ الكُفْرِ هي الإيمانُ.
والآيَةُ دَلِيلٌ عَلى قَبُولِ التَّوْبَةِ قَطْعًا إذا كانَتْ تَوْبَةً صَحِيحَةً لِأنَّ اللَّهَ أخْبَرَ بِذَلِكَ في غَيْرِ ما آيَةٍ. وهَذا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ لِتَوْبَةِ الكافِرِ عَنْ كُفْرِهِ لِأنَّ الأدِلَّةَ بَلَغَتْ مَبْلَغَ التَّواتُرِ بِالقَوْلِ والعَمَلِ، ومُخْتَلَفٌ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ لِتَوْبَةِ المُؤْمِنِ مِنَ المَعاصِي لِأنَّ أدِلَّتَهُ لا تَعْدُو أنْ تَكُونَ دَلالَةَ ظَواهِرَ؛ فَقالَ المُحَقِّقُونَ مِنَ الفُقَهاءِ والمُحَدِّثِينَ والمُتَكَلِّمِينَ مَقْبُولَةٌ قَطْعًا. ونُقِلَ عَنِ الأشْعَرِيِّ وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ واخْتارَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وأبُوهُ وهو الحَقُّ. وادَّعى الإمامُ في ”المَعالِمِ“ الإجْماعَ عَلَيْهِ وهِوَ أوْلى بِالقَبُولِ. وقالَ الباقِلّانِيُّ وإمامُ الحَرَمَيْنِ والمازِرِيُّ: إنَّما يُقْطَعُ بِقَبُولِ تَوْبَةِ طائِفَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ، يَعْنُونَ لِأنَّ أدِلَّةَ قَبُولِ جِنْسِ التَّوْبَةِ عَلى الجُمْلَةِ مُتَكاثِرَةٌ مُتَواتِرَةٌ بَلَغَتْ مَبْلَغَ القَطْعِ ولا يُقْطَعُ بِقَبُولِ تَوْبَةِ تائِبٍ بِخُصُوصِهِ. وكَأنَّ خِلافَ هَؤُلاءِ يَرْجِعُ إلى عَدَمِ القَطْعِ بِأنَّ التّائِبَ المُعَيَّنَ تابَ تَوْبَةً نَصُوحًا. وفي هَذا نَظَرٌ لِأنَّ الخِلافَ في تَوْبَةٍ مُسْتَوْفِيَّةٍ أرْكانَها وشُرُوطَها. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّما التَّوْبَةُ عَلى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾ [النساء: ١٧] الآيَةَ، في سُورَةِ النِّساءِ.
والأخْذُ في قَوْلِهِ: ﴿ويَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾ [التوبة: ١٠٤] مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى القَبُولِ، لِظُهُورِ أنَّ اللَّهَ لا يَأْخُذُ الصَّدَقَةَ أخْذًا حَقِيقِيًّا، فَهو مُسْتَعارٌ لِلْقَبُولِ والجَزاءِ عَلى الصَّدَقَةِ.
صفحة ٢٨
وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٌ (مُرْجَوْنَ) بِسُكُونِ الواوِ بِدُونِ هَمْزٍ عَلى أنَّهُ اسْمُ مَفْعُولٍ مِن (أرْجاهُ) بِالألِفِ، وهو مُخَفَّفُ (أرْجَأهُ) بِالهَمْزِ إذا أخَّرَهُ، فَيُقالُ في مُضارِعِهِ المُخَفَّفِ: أرْجَيْتُهُ بِالياءِ، كَقَوْلِهِ: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] بِالياءِ، فَأصْلُ مُرْجَوْنَ مُرْجَيُونَ. وقَرَأ البَقِيَّةُ (مُرْجَئُونَ) بِهَمْزٍ بَعْدَ الجِيمِ عَلى أصْلِ الفِعْلِ كَما قُرِئَ تُرْجِئُ مَن تَشاءُ. واللّامُ في قَوْلِهِ: (لِأمْرِ اللَّهِ) لِلتَّعْلِيلِ، أيْ مُؤَخَّرُونَ لِأجْلِ أمْرِ اللَّهِ في شَأْنِهِمْ. وفِيهِ حَذْفٌ مُضافٌ، تَقْدِيرُهُ: لِأجْلِ انْتِظارِ أمْرِ اللَّهِ في شَأْنِهِمْ لِأنَّ التَّأْخِيرَ مُشْعِرٌ بِانْتِظارِ شَيْءٍ.
وجُمْلَةُ ﴿إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ (وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ) بِاعْتِبارِ مُتَعَلِّقِ خَبَرِها وهو (لِأمْرِ اللَّهِ)، أيْ أمْرِ اللَّهِ الَّذِي هو إمّا تَعْذِيبُهم وإمّا تَوْبَتُهُ عَلَيْهِمْ. ويُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ: (يَتُوبُ عَلَيْهِمْ) أنَّهم تابُوا.
والتَّعْذِيبُ مُفِيدٌ عَدَمَ قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ حِينَئِذٍ لِأنَّ التَّعْذِيبَ لا يَكُونُ إلّا عَنْ ذَنَبٍ كَبِيرٍ. وذَنْبُهم هو التَّخَلُّفُ عَنِ النَّفِيرِ العامِّ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨] الآيَةَ. وقَبُولُ التَّوْبَةِ عَمّا مَضى فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ.
و(إمّا) حَرْفٌ يَدُلُّ عَلى أحَدِ شَيْئَيْنِ أوْ أشْياءَ. ومَعْناها قَرِيبٌ مِن مَعْنى (أوِ) الَّتِي لِلتَّخْيِيرِ، إلّا أنَّ (إمّا) تَدْخُلُ عَلى كِلا الِاسْمَيْنِ المُخَيَّرِ بَيْنَ مَدْلُولَيْهِما وتَحْتاجُ إلى أنْ تُتْلى بِالواوِ، و(أوْ) لا تَدْخُلُ إلّا عَلى ثانِي الِاسْمَيْنِ. وكانَ التَّساوِي بَيْنَ الأمْرَيْنِ مَعَ (إمّا) أظْهَرَ مِنهُ مَعَ (أوْ) لِأنَّ (أوْ) تُشْعِرُ بِأنَّ الِاسْمَ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ مَقْصُودٌ ابْتِداءً. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١١٥] في سُورَةِ الأعْرافِ.
و(يُعَذِّبُهم) - و(﴿يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾) فِعْلانِ في مَعْنى المَصْدَرِ حُذِفَتْ (أنِ) المَصْدَرِيَّةُ مِنهُما فارْتَفَعا كارْتِفاعِ قَوْلِهِمْ ”تَسْمَعُ بِالمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ“ لِأنَّ مَوْقِعَ ما بَعْدَ (إمّا) لِلِاسْمِ نَحْوَ ﴿إمّا العَذابَ وإمّا السّاعَةَ﴾ [مريم: ٧٥] و﴿إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ [الكهف: ٨٦]
وجُمْلَةُ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ تَذْيِيلٌ مُناسِبٌ لِإبْهامِ أمْرِهِمْ عَلى النّاسِ، أيْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَلِيقُ بِهِمْ مِنَ الأمْرَيْنِ، مُحْكَمٌ تَقْدِيرُهُ حِينَ تَتَعَلَّقُ بِهِ إرادَتُهُ.
9:107–108Page 204
وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسۡجِدٗا ضِرَارٗا وَكُفۡرٗا وَتَفۡرِيقَۢا بَيۡنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَإِرۡصَادٗا لِّمَنۡ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبۡلُۚ وَلَيَحۡلِفُنَّ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّا ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١٠٧
And [there are] those [hypocrites] who took for themselves a mosque for causing harm and disbelief and division among the believers and as a station for whoever had warred against Allāh and His Messenger before. And they will surely swear, "We intended only the best." And Allāh testifies that indeed they are liars.
لَا تَقُمۡ فِيهِ أَبَدٗاۚ لَّمَسۡجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقۡوَىٰ مِنۡ أَوَّلِ يَوۡمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِۚ فِيهِ رِجَالٞ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُطَّهِّرِينَ ١٠٨
Do not stand [for prayer] within it - ever. A mosque founded on righteousness from the first day1 is more worthy for you to stand in. Within it are men who love to purify themselves; and Allāh loves those who purify themselves.
صفحة ٢٩
﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وكُفْرًا وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وإرْصادًا لِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ مِن قَبْلُ ولَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلّا الحُسْنى واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ أحَقُّ أنَّ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾
هَذا كَلامٌ عَلى فَرِيقٍ آخَرَ مِنَ المُؤاخَذِينَ بِأعْمالٍ عَمِلُوها غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن أجْلِها، وهم فَرِيقٌ مِنَ المُنافِقِينَ بَنَوْا مَسْجِدًا حَوْلَ قُباءَ لِغَرَضٍ سَيِّءٍ لِيَنْصَرِفَ إخْوانُهم عَنْ مَسْجِدِ المُؤْمِنِينَ ويَنْفَرِدُوا مَعَهم بِمَسْجِدٍ يَخُصُّهم. فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأها غَيْرَ مُفْتَتَحَةٍ بِواوِ العَطْفِ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ وأبِي جَعْفَرٍ. ونُكْتَةُ الِاسْتِئْنافِ هُنا التَّنْبِيهُ عَلى الِاخْتِلافِ بَيْنَ حالِ المُرادِ بِها وبَيْنَ حالِ المُرادِ بِالجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها وهُمُ المُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ. وقَرَأها البَقِيَّةُ بِواوِ العَطْفِ في أوَّلِها، فَتَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى الَّتِي قَبْلَها لِأنَّها مِثْلُها في ذِكْرِ فَرِيقٍ آخَرَ مِثْلِ مَن ذُكِرَ فِيما قَبْلَها.
وعَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ فالكَلامُ جُمْلَةٌ إثْرَ جُمْلَةٍ ولَيْسَ ما بَعْدَ الواوِ عَطْفَ مُفْرَدٍ.
وقَوْلُهُ: (الَّذِينَ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ جُمْلَةُ ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا﴾ كَما قالَهُ الكِسائِيُّ. والرّابِطُ هو الضَّمِيرُ المَجْرُورُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى المَسْجِدِ وهو مَفْعُولُ صِلَةِ المَوْصُولِ فَهو سَبَبِيٌّ لِلْمُبْتَدَأِ، إذِ التَّقْدِيرُ: لا تَقُمْ في مَسْجِدٍ اتَّخَذُوهُ ضِرارًا، أوْ في مَسْجِدِهِمْ، كَما قَدَّرَهُ الكِسائِيُّ. ومَن أعْرَبُوا ﴿أفَمَن أُسِّسَ بُنْيانَهُ﴾ [التوبة: ١٠٩] خَبَرًا فَقَدْ بَعُدُوا عَنِ المَعْنى.
والآيَةُ أشارَتْ إلى قِصَّةِ اتِّخاذِ المُنافِقِينَ مَسْجِدًا قُرْبَ مَسْجِدِ قُباءَ لِقَصْدِ الضِّرارِ، وهم طائِفَةٌ مِن بَنِي غُنْمِ بْنِ عَوْفٍ وبَنِي سالِمِ بْنِ عَوْفٍ مِن أهْلِ العَوالِي. كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا سَمّاهُمُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وكانَ سَبَبُ بِنائِهِمْ إيّاهُ أنَّ أبا عامِرٍ
صفحة ٣٠
واسْمُهُ عَبْدُ عَمْرٍو، ويُلَقَّبُ بِالرّاهِبِ مِن بَنِي غُنْمِ بْنِ عَوْفٍ كانَ قَدْ تَنَصَّرَ في الجاهِلِيَّةِ فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ كانَ مِنَ المُنافِقِينَ. ثُمَّ جاهَرَ بِالعَداوَةِ وخَرَجَ في جَماعَةٍ مِنَ المُنافِقِينَ فَحَزَّبَ الأحْزابَ الَّتِي حاصَرَتِ المَدِينَةَ في وقْعَةِ الخَنْدَقِ فَلَمّا هَزَمَهُمُ اللَّهُ أقامَ أبُو عامِرٍ بِمَكَّةَ. ولَمّا فُتِحَتْ مَكَّةُ هَرَبَ إلى الطّائِفِ، فَلَمّا فُتِحَتِ الطّائِفُ وأسْلَمَتْ ثَقِيفٌ خَرَجَ أبُو عامِرٍ إلى الشّامِ يَسْتَنْصِرُ بِقَيْصَرَ، وكَتَبَ إلى المُنافِقِينَ مِن قَوْمِهِ يَأْمُرُهم بِأنْ يَبْنُوا مَسْجِدًا لِيَخْلُصُوا فِيهِ بِأنْفُسِهِمْ، ويَعِدُهم أنَّهُ سَيَأْتِي في جَيْشٍ مِنَ الرُّومِ ويُخْرِجُ المُسْلِمِينَ مِنَ المَدِينَةِ. فانْتُدِبَ لِذَلِكَ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ بَعْضُهم مِن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وبَعْضُهم مِن أحْلافِهِمْ مِن بَنِي ضُبَيْعَةَ بْنِ زَيْدٍ وغَيْرِهِمْ، فَبَنَوْهُ بِجانِبِ مَسْجِدِ قُباءَ، وذَلِكَ قُبَيْلَ مَخْرَجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى تَبُوكَ. وأتَوُا النَّبِيءَ ﷺ وقالُوا: بَنَيْنا مَسْجِدًا لِذِي العِلَّةِ والحاجَةِ واللَّيْلَةِ المَطِيرَةِ ونَحْنُ نُحِبُّ أنْ تُصَلِّيَ لَنا فِيهِ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنِّي عَلى جَناحِ سَفَرٍ وحالِ شُغْلٍ وإذا قَدِمْنا إنْ شاءَ اللَّهُ صَلَّيْنا فِيهِ. فَلَمّا قَفَلَ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ سَألُوهُ أنْ يَأْتِيَ مَسْجِدَهم فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، وحَلَفُوا أنَّهم ما أرادُوا بِهِ إلّا خَيْرًا.
والضِّرارُ: مَصْدَرُ (ضارَّ) مُبالَغَةٌ في (ضَرَّ)، أيْ ضِرارًا لِأهْلِ الإسْلامِ. والتَّفْرِيقُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ هو ما قَصَدُوهُ مِن صَرْفِ بَنِي غُنْمٍ وبَنِي سالِمٍ عَنْ قُباءَ.
والإرْصادُ: التَّهْيِئَةُ. والمُرادُ بِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أبُو عامِرٍ الرّاهِبُ؛ لِأنَّهُ حارَبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَعَ الأحْزابِ وحارَبَهُ مَعَ ثَقِيفٍ وهَوازِنَ، فَقَوْلُهُ: مِن قَبْلُ إشارَةٌ إلى ذَلِكَ، أيْ مِن قَبْلِ بِناءِ المَسْجِدِ.
وجُمْلَةُ ﴿ولَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلّا الحُسْنى﴾ مُعْتَرِضَةٌ، أوْ في مَوْضِعِ الحالِ. والحُسْنى: الخَيْرُ.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ.
وجُمْلَةُ ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا﴾ هي الخَبَرُ عَنِ اسْمِ المَوْصُولِ كَما قَدَّمْنا. والمُرادُ بِالقِيامِ الصَّلاةُ لِأنَّ أوَّلَها قِيامٌ.
صفحة ٣١
ووَجْهُ النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ فِيهِ أنَّ صَلاةَ النَّبِيءِ ﷺ فِيهِ تُكْسِبُهُ يُمْنًا وبَرَكَةً فَلا يَرى المُسْلِمُونَ لِمَسْجِدِ قُباءَ مَزِيَّةً عَلَيْهِ فَيَقْتَصِرُ بَنُو غُنْمٍ وبَنُو سالِمٍ عَلى الصَّلاةِ فِيهِ لِقُرْبِهِ مِن مَنازِلِهِمْ، وبِذَلِكَ يَحْصُلُ غَرَضُ المُنافِقِينَ مِن وضْعِهِ لِلتَّفْرِيقِ بَيْنَ جَماعَةِ المُسْلِمِينَ. فَلَمّا كانَتْ صَلاةُ النَّبِيءِ ﷺ فِيهِ مُفْضِيَةً إلى تَرْوِيجِ مَقْصِدِهِمُ الفاسِدِ صارَ ذَلِكَ وسِيلَةً إلى مَفْسَدَةٍ فَتَوَجَّهَ النَّهْيُ إلَيْهِ. وهَذا لا يَطَّلِعُ عَلى مِثْلِهِ إلّا اللَّهُ تَعالى. وهَذا النَّهْيُ يَعُمُّ جَمِيعَ المُسْلِمِينَ لِأنَّهُ لَمّا نُهِيَ النَّبِيءُ عَنِ الصَّلاةِ فِيهِ عَلِمَ أنَّ اللَّهَ سَلَبَ عَنْهُ وصْفَ المَسْجِدِيَّةِ فَصارَتِ الصَّلاةُ فِيهِ باطِلَةً لِأنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي فَسادَ المَنهِيِّ عَنْهُ، ولِذَلِكَ «أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ ووَحْشِيًّا مَوْلى المُطْعَمِ بْنِ عَدِيٍّ ومالِكَ بْنَ الدَّخْشَمِ ومَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ فَقالَ: انْطَلِقُوا إلى هَذا المَسْجِدِ الظّالِمِ أهْلُهُ فاهْدِمُوهُ وحَرِّقُوهُ، فَفَعَلُوا» . وتَحْرِيقُهُ تَحْرِيقُ الأعْوادِ الَّتِي يُتَّخَذُ مِنها السَّقْفُ، والجُذُوعِ الَّتِي تُجْعَلُ لَهُ أعْمِدَةً.
وقَوْلُهُ: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ احْتِراسٌ مِمّا يَسْتَلْزِمُهُ النَّهْيُ عَنِ الصَّلاةِ فِيهِ مِن إضاعَةِ عِبادَةٍ في الوَقْتِ الَّذِي رَغَّبُوهُ لِلصَّلاةِ فِيهِ فَأمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يُصَلِّيَ في ذَلِكَ الوَقْتِ الَّذِي دَعَوْهُ فِيهِ لِلصَّلاةِ في مَسْجِدِ الضِّرارِ أنْ يُصَلِّيَ في مَسْجِدِهِ أوْ في مَسْجِدِ قُباءَ، لِئَلّا يَكُونَ لِامْتِناعِهِ مِنَ الصَّلاةِ مِن حُظُوظِ الشَّيْطانِ أنْ يَكُونَ صَرْفُهُ عَنْ صَلاةٍ في وقْتٍ دُعِيَ لِلصَّلاةِ فِيهِ، وهَذا أدَبٌ نَفْسانِيٌّ عَظِيمٌ.
وفِيهِ أيْضًا دَفْعُ مَكِيدَةِ المُنافِقِينَ أنْ يَطْعَنُوا في الرَّسُولِ ﷺ بِأنَّهُ دُعِيَ إلى الصَّلاةِ في مَسْجِدِهِمْ فامْتَنَعَ، فَقَوْلُهُ: أحَقُّ وإنْ كانَ اسْمَ تَفْضِيلِ فَهو مَسْلُوبُ المُفاضَلَةِ لِأنَّ النَّهْيَ عَنْ صَلاتِهِ في مَسْجِدِ الضِّرارِ أزالَ كَوْنَهُ حَقِيقًا بِصَلاتِهِ فِيهِ أصْلًا.
ولَعَلَّ نُكْتَةَ الإتْيانِ بِاسْمِ التَّفْضِيلِ أنَّهُ تَهَكُّمٌ عَلى المُنافِقِينَ بِمُجازاتِهِمْ ظاهِرًا في دَعْوَتِهِمُ النَّبِيءَ ﷺ لِلصَّلاةِ فِيهِ بِأنَّهُ وإنْ كانَ حَقِيقًا بِصَلاتِهِ بِمَسْجِدٍ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى أحَقُّ مِنهُ، فَيُعْرَفُ مِن وصْفِهِ بِأنَّهُ ﴿أُسِّسَ عَلى التَّقْوى﴾ أنَّ هَذا أُسِّسَ عَلى ضِدِّها.
صفحة ٣٢
وثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ سُئِلَ عَنِ المُرادِ مِنَ المَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى في هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: هو مَسْجِدُكم هَذا» . يَعْنِي المَسْجِدَ النَّبَوِيَّ بِالمَدِينَةِ. وثَبَتَ في الصَّحِيحِ أيْضًا «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ بَيَّنَ الرِّجالَ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا بِأنَّهم بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ أصْحابِ مَسْجِدِ قُباءَ» . وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ المَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ هو مَسْجِدُهم، لِقَوْلِهِ: ﴿فِيهِ رِجالٌ﴾
ووَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ هَذَيْنِ عِنْدِي أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ﴾ المَسْجِدَ الَّذِي هَذِهِ صِفَتُهُ لا مَسْجِدًا واحِدًا مُعَيَّنًا، فَيَكُونُ هَذا الوَصْفُ كُلِّيًّا انْحَصَرَ في فَرْدَيْنِ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ ومَسْجِدِ قُباءَ، فَأيُّهُما صَلّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الوَقْتِ الَّذِي دَعَوْهُ فِيهِ لِلصَّلاةِ في مَسْجِدِ الضِّرارِ كانَ ذَلِكَ أحَقَّ وأجْدَرَ، فَيَحْصُلُ النَّجاءُ مِن حَظِّ الشَّيْطانِ في الِامْتِناعِ مِنَ الصَّلاةِ في مَسْجِدِهِمْ، ومِن مَطاعِنِهِمْ أيْضًا، ويَحْصُلُ الجَمْعُ بَيْنَ الحَدِيثَيْنِ الصَّحِيحَيْنِ. وقَدْ كانَ قِيامُ الرَّسُولِ في المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ هو دَأْبَهُ.
ومِن جَلِيلِ المَنازِعِ مِن هَذِهِ الآيَةِ ما فِيها مِن حُجَّةٍ لِصِحَّةِ آراءِ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ جَعَلُوا العامَ الَّذِي كانَ فِيهِ يَوْمُ الهِجْرَةِ مَبْدَأ التّارِيخِ في الإسْلامِ. وذَلِكَ ما انْتَزَعَهُ السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ الأُنُفِ في فَصْلِ تَأْسِيسِ مَسْجِدِ قُباءَ إذْ قالَ: وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿مِن أوَّلِ يَوْمٍ﴾ (وقَدْ عُلِمَ أنَّهُ لَيْسَ أوَّلَ الأيّامِ كُلِّها ولا أضافَهُ إلى شَيْءٍ في اللَّفْظِ الظّاهِرِ فِيهِ) مِنَ الفِقْهِ صِحَّةُ ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ الصَّحابَةُ - رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - مَعَ عُمَرَ حِينَ شاوَرَهم في التّارِيخِ، فاتَّفَقَ رَأْيُهم أنْ يَكُونَ التّارِيخُ مِن عامِ الهِجْرَةِ؛ لِأنَّهُ الوَقْتُ الَّذِي عَزَّ فِيهِ الإسْلامُ وأمِنَ فِيهِ النَّبِيءُ ﷺ فَوافَقَ هَذا ظاهِرَ التَّنْزِيلِ.
وجُمْلَةُ ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ ثَناءٌ عَلى مُؤْمِنِي الأنْصارِ الَّذِينَ يُصَلُّونَ بِمَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبِمَسْجِدِ قُباءَ. وجاءَ الضَّمِيرُ مُفْرَدًا مُراعاةً لِلَفْظِ ”مَسْجِدٍ“ الَّذِي هو جِنْسٌ، كالإفْرادِ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران: ١١٩]
صفحة ٣٣
وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ أهْلَ مَسْجِدِ الضِّرارِ لَيْسُوا كَذَلِكَ. وقَدْ كانَ المُؤْمِنُونَ مِنَ الأنْصارِ يَجْمَعُونَ بَيْنَ الِاسْتِجْمارِ بِالأحْجارِ والغُسْلِ بِالماءِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثٌ رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ عَنْ أبِي أيُّوبَ وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ فَقالَ: «يا مَعْشَرَ الأنْصارِ إنَّ اللَّهَ قَدْ أثْنى عَلَيْكم خَيْرًا في الطَّهُورِ فَما طَهُورُكم ؟ قالُوا: إنَّ أحَدَنا إذا خَرَجَ مِنَ الغائِطِ أحَبَّ أنْ يَسْتَنْجِيَ بِالماءِ. قالَ: هو ذَلِكَ فَعَلَيْكُمُوهُ»، فَهَذا يَعُمُّ الأنْصارَ كُلَّهم. ولا يُعارِضُهُ حَدِيثُ أبِي داوُدَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَألَ أهْلَ قُباءَ عَنْ طَهارَتِهِمْ لِأنَّ أهْلَ قُباءَ هم أيْضًا مِنَ الأنْصارِ، فَسُؤالُهُ إيّاهم لِتَحَقُّقِ اطِّرادِ هَذا التَّطَهُّرِ في قَبائِلِ الأنْصارِ.
وأُطْلِقَتِ المَحَبَّةُ في قَوْلِهِ: (يُحِبُّونَ) كِنايَةً عَنْ عَمَلِ الشَّيْءِ المَحْبُوبِ لِأنَّ الَّذِي يُحِبُّ شَيْئًا مُمْكِنًا يَعْمَلُهُ لا مَحالَةَ. فَقَصَدَ التَّنْوِيهَ بِهِمْ بِأنَّهم يَتَطَهَّرُونَ تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ بِالطَّهارَةِ وإرْضاءً لِمَحَبَّةِ نُفُوسِهِمْ إيّاها، بِحَيْثُ صارَتِ الطِّهارَةُ خُلُقًا لَهم فَلَوْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ لَفَعَلُوها مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ تَذْيِيلٌ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ نُفُوسَهم وافَقَتْ خُلُقًا يُحِبُّهُ اللَّهُ تَعالى. وكَفى بِذَلِكَ تَنْوِيهًا بِزَكاءِ أنْفُسِهِمْ.
9:109Page 204
أَفَمَنۡ أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ تَقۡوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٍ خَيۡرٌ أَم مَّنۡ أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٖ فَٱنۡهَارَ بِهِۦ فِي نَارِ جَهَنَّمَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠٩
Then is one who laid the foundation of his building on righteousness [with fear] from Allāh and [seeking] His approval better or one who laid the foundation of his building on the edge of a bank about to collapse, so it collapsed with him into the fire of Hell? And Allāh does not guide the wrongdoing people.
﴿أفَمَن أُسِّسَ بُنْيانُهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ خَيْرٌ أمْ مَن أُسِّسَ بُنْيانُهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾
تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨] لِزِيادَةِ بَيانِ أحَقِّيَّةِ المَسْجِدِ المُؤَسَّسِ عَلى التَّقْوى بِالصَّلاةِ فِيهِ.
وبَيانُ أنَّ تَفْضِيلَ ذَلِكَ المَسْجِدِ في أنَّهُ حَقِيقٌ بِالصَّلاةِ فِيهِ تَفْضِيلٌ مَسْلُوبُ المُشارَكَةِ لِأنَّ مَسْجِدَ الضِّرارِ لَيْسَ حَقِيقًا بِالصَّلاةِ فِيهِ بَعْدَ النَّهْيِ؛ لِأنَّ صَلاةَ النَّبِيءِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ
صفحة ٣٤
وسَلَّمَ - لَوْ وقَعَتْ لَأكْسَبَتْ مَقْصِدَ واضِعِيهِ رَواجًا بَيْنَ الأُمَّةِ وهو غَرَضُهُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ جَماعاتِ المُسْلِمِينَ كَما تَقَدَّمَ.
والفاءُ مُؤَخَّرَةٌ عَنْ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ لِأحَقِّيَّةِ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ بِالتَّصْدِيرِ.
والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ.
والتَّأْسِيسُ: بِناءُ الأساسِ، وهو قاعِدَةُ الجِدارِ المَبْنِيِّ مِن حَجَرٍ وطِينٍ أوْ جَصٍّ.
والبُنْيانُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ بِوَزْنِ الغُفْرانِ والكُفْرانِ، اسْمٌ لِإقامَةِ البَيْتِ ووَضْعِهِ سَواءً كانَ البَيْتُ مِن أثْوابٍ أمْ مِن أدَمٍ أمْ كانَ مِن حَجَرٍ وطِينٍ فَكُلُّ ذَلِكَ بِناءٌ. ويُطْلَقُ البُنْيانُ عَلى المَبْنِيِّ مِنَ الحَجَرِ والطِّينِ خاصَّةً. وهو هَنا مُطْلَقٌ عَلى المَفْعُولِ، أيِ المَبْنِيِّ.
وماصَدَقُ (مَن) صاحِبُ البِناءِ ومُسْتَحِقُّهُ، فَإضافَةُ البُنْيانِ إلى ضَمِيرِ (مَن) إضافَةٌ عَلى مَعْنى اللّامِ.
وشُبِّهَ القَصْدُ الَّذِي جُعِلَ البِناءُ لِأجْلِهِ بِأساسِ البِناءِ، فاسْتُعِيرَ لَهُ فِعْلُ (أُسِّسَ) في المَوْضِعَيْنِ.
ولَمّا كانَ مِن شَأْنِ الأساسِ أنْ تُطْلَبَ لَهُ صَلابَةُ الأرْضِ لِدَوامِهِ جُعِلَتِ التَّقْوى في القَصْدِ الَّذِي بُنِيَ لَهُ أحَدُ المَسْجِدَيْنِ، فَشُبِّهَتِ التَّقْوى بِما يَرْتَكِزُ عَلَيْهِ الأساسُ عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَّةِ، ورُمِزَ إلى المُشَبَّهِ بِهِ المَحْذُوفِ بِشَيْءٍ مِن مُلائِماتِهِ وهو حَرْفُ الِاسْتِعْلاءِ. وفُهِمَ أنَّ هَذا المُشَبَّهَ بِهِ شَيْءٌ راسِخٌ ثابِتٌ بِطَرِيقِ المُقابَلَةِ في تَشْبِيهِ الضِّدِّ بِما أُسِّسَ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ، وذَلِكَ بِأنْ شُبِّهَ المَقْصِدُ الفاسِدُ بِالبِناءِ بِجَرْفِ جُرُفٍ مُنْهارٍ في عَدَمِ ثَباتِ ما يُقامُ عَلَيْهِ مِنَ الأساسِ بَلْهَ البِناءِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ. وحَرْفُ الِاسْتِعْلاءِ تَرْشِيحٌ.
وفُرِّعَ عَلى هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ الأخِيرَةِ تَمْثِيلُ حالَةِ هَدْمِهِ في الدُّنْيا وإفْضائِهِ بِبانِيهِ إلى جَهَنَّمَ في الآخِرَةِ بِانْهِيارِ البِناءِ المُؤَسَّسِ عَلى شَفا جُرُفٍ هارَ بِساكِنِهِ في هُوَّةٍ. وجَعَلَ الِانْهِيارَ بِهِ إلى نارِ جَهَنَّمَ إفْضاءً إلى الغايَةِ مِنَ التَّشْبِيهِ. فالهَيْئَةُ المُشَبَّهَةُ مُرَكَّبَةٌ مِن مَحْسُوسٍ ومَعْقُولٍ وكَذَلِكَ الهَيْئَةُ المُشَبَّهُ بِها. ومَقْصُودٌ أنَّ البُنْيانَ الأوَّلَ حَصَلَ مِنهُ غَرَضُ بانِيهِ
صفحة ٣٥
لِأنَّ غَرَضَ البانِي دَوامُ ما بَناهُ. فَهم لَمّا بَنَوْهُ لِقَصْدِ التَّقْوى ورِضى اللَّهِ - تَعالى - ولَمْ يَذْكُرْ ما يَقْتَضِي خَيْبَتَهم فِيهِ كَما ذُكِرَ في مُقابِلِهِ عُلِمَ أنَّهم قَدِ اتَّقَوُا اللَّهَ بِذَلِكَ وأرْضَوْهُ فَفازُوا بِالجَنَّةِ، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ المُقابَلَةُ، وأنَّ البُنْيانَ الثّانِيَ لَمْ يَحْصُلْ غَرَضُ بانِيهِ وهو الضِّرارُ والتَّفْرِيقُ فَخابُوا فِيما قَصَدُوهُ فَلَمْ يَثْبُتِ المَقْصِدُ، وكانَ عَدَمُ ثَباتِهِ مُفْضِيًا بِهِمْ إلى النّارِ كَما يُفْضِي البِناءُ المُنْهارُ بِساكِنِهِ إلى الهَلاكِ.
والشَّفا - بِفَتْحِ الشِّينِ وبِالقَصْرِ -: حَرْفُ البِئْرِ وحَرْفُ الحُفْرَةِ.
والجُرُفُ - بِضَمَّتَيْنِ -: جانِبُ الوادِي وجانِبُ الهُوَّةِ.
وهارٍ: اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِن (هارَ البِناءُ) إذا تَصَدَّعَ، فَقِيلَ: أصْلُهُ (هَوَرَ) بِفَتْحَتَيْنِ كَما قالُوا خَلَفَ في خالَفَ. ولَيْسَتِ الألِفُ الَّتِي بَعْدَ الهاءِ ألْفَ فاعِلٍ بَلْ هي عَيْنُ الكَلِمَةِ مُنْقَلِبَةٌ عَنِ الواوِ لِأنَّ الواوَ مُتَحَرِّكَةٌ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها فَقُلِبَتْ ألِفًا، وقِيلَ هو اسْمُ فاعِلٍ مِن (هارَ البِناءُ) وأصْلُ وزْنِهِ هاوَرَ، فَوَقَعَ فِيهِ قَلْبٌ بَيْنَ عَيْنِهِ ولامِهِ تَخْفِيفًا. وقَدْ وقَعَ ذَلِكَ في ألْفاظٍ كَثِيرَةٍ مِنَ اللُّغَةِ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: شاكِي السِّلاحِ، أصْلُهُ شائِكٌ. ورَجُلٌ صاتٌ عالِي الصَّوْتِ أصْلُهُ صائِتٌ. ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُمُ: انْهارَ ولَمْ يَقُولُوا انْهَرى. وهَرٍ مُبالَغَةٌ في هارٍ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحْدَهُما فِعْلَ (أُسِّسَ) في المَوْضِعَيْنِ بِصِيغَةِ البِناءِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ بُنْيانِهِ في المَوْضِعَيْنِ. وقَرَأها الباقُونَ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ بُنْيانِهِ في المَوْضِعَيْنِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”جُرُفٍ“ بِضَمِّ الرّاءِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٌ - بِسُكُونِ الرّاءِ - .
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ تَذْيِيلٌ، وهو عامٌّ يَشْمَلُ هَؤُلاءِ الظّالِمِينَ الَّذِينَ بَنَوْا مَسْجِدَ الضِّرارِ وغَيْرَهم.
9:110Page 204
لَا يَزَالُ بُنۡيَٰنُهُمُ ٱلَّذِي بَنَوۡاْ رِيبَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡ إِلَّآ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ١١٠
Their building which they built will not cease to be a [cause of] skepticism in their hearts until their hearts are cut [i.e., stopped]. And Allāh is Knowing and Wise.
﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ إلّا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
جُمْلَةُ ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً لِتَعْدادِ مَساوِي مَسْجِدِ الضِّرارِ بِذِكْرِ سُوءِ عَواقِبِهِ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ سُوءَ الباعِثِ عَلَيْهِ وبَعْدَ أنْ ذَكَرَ سُوءَ وقْعِهِ في الإسْلامِ
صفحة ٣٦
بِأنْ نَهى اللَّهُ رَسُولَهُ عَنِ الصَّلاةِ فِيهِ وأمَرَهُ بِهَدْمِهِ؛ لِأنَّهُ لَمّا نَهاهُ عَنِ الصَّلاةِ فِيهِ فَقَدْ صارَ المُسْلِمُونَ كُلُّهم مَنهِيِّينَ عَنِ الصَّلاةِ فِيهِ، فَسُلِبَ عَنْهُ حُكْمُ المَساجِدِ، ولِذَلِكَ أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهَدْمِهِ. ويُرَجَّحُ هَذا الوَجْهُ أنَّهُ لَمْ يُؤْتَ بِضَمِيرِ المَسْجِدِ أوِ البُنْيانِ بَلْ جِيءَ بِاسْمِهِ الظّاهِرِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا عَنِ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا﴾ [التوبة: ١٠٧] كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَقُمْ فِيهِ ولا يَزالُ رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ، ويَكُونُ إظْهارُ لَفْظِ ”بُنْيانُهم“ لِزِيادَةِ إيضاحِهِ. والرّابِطُ هو ضَمِيرُ (قُلُوبُهم)
والمَعْنى أنَّ ذَلِكَ المَسْجِدَ لَمّا بَنَوْهُ لِغَرَضٍ فاسِدٍ فَقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ سَبَبًا لِبَقاءِ النِّفاقِ في قُلُوبِهِمْ ما دامَتْ قُلُوبُهم في أجْسادِهِمْ.
وجَعْلُ البُنْيانِ رِيبَةً مُبالَغَةٌ كالوَصْفِ بِالمَصْدَرِ. والمَعْنى أنَّهُ سَبَبٌ لِلرِّيبَةِ في قُلُوبِهِمْ. والرِّيبَةُ: الشَّكُّ، فَإنَّ النِّفاقَ شَكٌّ في الدِّينِ؛ لِأنَّ أصْحابَهُ يَتَرَدَّدُونَ بَيْنَ مُوالاةِ المُسْلِمِينَ والإخْلاصِ لِلْكافِرِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ تَهَكُّمِيٌّ. وهو مِن قَبِيلِ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]، أيْ يَبْقى رِيبَةً أبَدًا إلّا أنْ تُقَطَّعَ قُلُوبُهم مِنهم وما هي بِمُقَطَّعَةٍ.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ مُناسِبٌ لِهَذا الجَعْلِ العَجِيبِ والإحْكامِ الرَّشِيقِ. وهو أنْ يَكُونَ ذَلِكَ البِناءُ سَبَبَ حَسْرَةٍ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ تُقَطَّعَ بِضَمِّ التّاءِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ ”تَقَطَّعَ“ بِفَتْحِ التّاءِ عَلى أنَّ أصْلَهُ (تَتَقَطَّعَ) . وقَرَأ يَعْقُوبُ ”إلى أنْ تَقَطَّعَ“ بِحَرْفِ ”إلى“ الَّتِي لِلِانْتِهاءِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences