Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:111–115
9:111Page 204
۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقۡتُلُونَ وَيُقۡتَلُونَۖ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ وَٱلۡقُرۡءَانِۚ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِۚ فَٱسۡتَبۡشِرُواْ بِبَيۡعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعۡتُم بِهِۦۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١١١
Indeed, Allāh has purchased from the believers their lives and their properties [in exchange] for that they will have Paradise. They fight in the cause of Allāh, so they kill and are killed. [It is] a true promise [binding] upon Him in the Torah and the Gospel and the Qur’ān. And who is truer to his covenant than Allāh? So rejoice in your transaction which you have contracted. And it is that which is the great attainment.
صفحة ٣٧
﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْءانِ ومَن أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلتَّنْوِيهِ بِأهْلِ غَزْوَةِ تَبُوكَ وهم جَيْشُ العُسْرَةِ، لِيَكُونَ تَوْطِئَةً وتَمْهِيدًا لِذِكْرِ التَّوْبَةِ عَلى الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوَةِ وكانُوا صادِقِينَ في أيْمانِهِمْ، وإنْباءِ الَّذِينَ أضْمَرُوا الكُفْرَ نِفاقًا بِأنَّهم لا يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولا يَسْتَغْفِرُ لَهم رَسُولُهُ ﷺ . والمُناسَبَةُ ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ أحْوالِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَسَلْسَلَ الكَلامُ عَلَيْهِمُ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨] الآياتِ، وما تَوَلَّدَ عَلى ذَلِكَ مِن ذِكْرِ مُخْتَلِفِ أحْوالِ المُخَلَّفِينَ عَنِ الجِهادِ واعْتِلالِهِمْ وما عَقَبَ ذَلِكَ مِن بِناءِ مَسْجِدِ الضِّرارِ.
وافْتُتِحَتِ الجُمْلَةُ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، المُتَضَمِّنَةُ عَلى أنَّهُ لَمّا كانَ فاتِحَةُ التَّحْرِيضِ عَلى الجِهادِ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ وتَمْثِيلِهِمْ بِحالِ مَن يُسْتَنْهَضُ لِعَمَلٍ فَيَتَثاقَلُ إلى الأرْضِ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨] ناسَبَ أنْ يُنْزَلَ المُؤْمِنُونَ مَنزِلَةَ المُتَرَدِّدِ الطّالِبِ في كَوْنِ جَزاءِ الجِهادِ اسْتِحْقاقَ الجَنَّةِ.
وجِيءَ بِالمُسْنَدِ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً لِإفادَتِها مَعْنى المُضِيِّ إشارَةً إلى أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ قَدِ اسْتَقَرَّ مِن قَبْلُ، كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ: ﴿وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ﴾، وأنَّهم كالَّذِينَ نَسُوهُ أوْ تَناسَوْهُ حِينَ لَمْ يَخِفُّوا إلى النَّفِيرِ الَّذِي اسْتُنْفِرُوهُ إشارَةً إلى أنَّ الوَعْدَ بِذَلِكَ قَدِيمٌ مُتَكَرِّرٌ مَعْرُوفٌ في الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ.
والِاشْتِراءُ: مُسْتَعارٌ لِلْوَعْدِ بِالجَزاءِ عَنِ الجِهادِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ بِمُشابَهَةِ الوَعْدِ الِاشْتِراءَ في أنَّهُ إعْطاءُ شَيْءٍ مُقابِلَ بَذْلٍ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ.
صفحة ٣٨
ولَمّا كانَ شَأْنُ الباءِ أنْ تَدْخُلَ عَلى الثَّمَنِ في صِيَغِ الِاشْتِراءِ أُدْخِلَتْ هُنا في ﴿بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ لِمُشابَهَةِ هَذا الوَعْدِ الثَّمَنَ. ولَيْسَ في هَذا التَّرْكِيبِ تَمْثِيلٌ إذْ لَيْسَ ثَمَّةَ هَيْئَةٌ مُشَبَّهَةٌ وأُخْرى مُشَبَّهٌ بِها.
والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ في الأظْهَرِ أنْ يَكُونَ مُؤْمِنِي هَذِهِ الأُمَّةِ. وهو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ بَعْدُ ﴿فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ﴾
ويَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ ما جاءَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِن وصْفِ أصْحابِ الرَّسُولِ الَّذِي يَخْتِمُ الرِّسالَةَ. وهو ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿والَّذِينَ مَعَهُ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] إلى قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ مَثَلُهم في التَّوْراةِ ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ﴾ [الفتح: ٢٩] إلى قَوْلِهِ ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ﴾ [الفتح: ٢٩]
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ بِالرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وهو أنْسَبُ لِقَوْلِهِ: ﴿فِي التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾، وحِينَئِذٍ فالمُرادُ الَّذِينَ أُمِرُوا مِنهم بِالجِهادِ ومَن أُمِرُوا بِالصَّبْرِ عَلى اتِّباعِ الدِّينِ مِن أتْباعِ دِينِ المَسِيحِيَّةِ عَلى وجْهِها الحَقِّ فَإنَّهم صَبَرُوا عَلى القَتْلِ والتَّعْذِيبِ. فَإطْلاقُ المُقاتَلَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ عَلى صَبْرِهِمْ عَلى القَتْلِ ونَحْوِهِ مَجازٌ، وبِذَلِكَ يَكُونُ فِعْلُ يُقاتِلُونَ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ.
واللّامُ في ﴿لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ لِلْمِلْكِ والِاسْتِحْقاقِ. والمَجْرُورُ مَصْدَرٌ، والتَّقْدِيرُ: بِتَحْقِيقِ تَمَلُّكِهِمُ الجَنَّةَ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ بِالجَنَّةِ لِأنَّ الثَّمَنَ لَمّا كانَ آجِلًا كانَ هَذا البَيْعُ مِن جِنْسِ السَّلَمِ.
وجُمْلَةُ ﴿يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ اشْتِراءَ الأنْفُسِ والأمْوالِ لِغَرابَتِهِ في الظّاهِرِ يُثِيرُ سُؤالَ مَن يَقُولُ: كَيْفَ يَبْذُلُونَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم ؟ فَكانَ جَوابُهُ ﴿يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلَخْ.
قالَ الطِّيبِيُّ: فَقَوْلُهُ: يُقاتِلُونَ بَيانٌ؛ لِأنَّ مَكانَ التَّسْلِيمِ هو المَعْرَكَةُ؛ لِأنَّ هَذا البَيْعَ سَلَمٌ، ومِن ثَمَّ قِيلَ ﴿بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ ولَمْ يَقُلْ بِالجَنَّةِ. وأُتِيَ بِالأمْرِ في صُورَةِ الخَبَرِ ثُمَّ ألْزَمَ اللَّهُ البَيْعَ مِن جانِبِهِ وضَمِنَ إيصالَ الثَّمَنِ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾، أيْ لا إقالَةَ
صفحة ٣٩
ولا اسْتِقالَةَ مِن حَضْرَةِ العِزَّةِ. ثُمَّ ما اكْتَفى بِذَلِكَ بَلْ عَيَّنَ الصُّكُوكَ المُثْبَتَ فِيها هَذِهِ المُبايَعَةُ وهي التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والقُرْآنُ اهـ. وهو يَرْمِي بِهَذا إلى أنْ تَكُونَ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ تَمْثِيلًا عَكْسَ ما فَسَّرْنا بِهِ آنِفًا.
وقَوْلُهُ: ﴿فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى يُقاتِلُونَ؛ لِأنَّ حالَ المُقاتِلِ لا تَخْلُو مِن أحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ فَيَقْتُلُونَ بِصِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ وما بَعْدَهُ بِصِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالعَكْسِ. وفي قِراءَةِ الجُمْهُورِ اهْتِمامٌ بِجِهادِهِمْ بِقَتْلِ العَدُوِّ، وفي القِراءَةِ الأُخْرى اهْتِمامٌ بِسَبَبِ الشَّهادَةِ الَّتِي هي أدْخَلُ في اسْتِحْقاقِ الجَنَّةِ.
و(وعْدًا) مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ مِنِ اشْتَرى؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى وعَدَ إذِ العِوَضُ مُؤَجَّلٌ.
و(حَقًّا) صِفَةُ (وعْدًا)
و(عَلَيْهِ) ظَرْفُ لَغْوٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ حَقًّا، قُدِّمَ عَلى عامِلِهِ لِلِاهْتِمامِ بِما دَلَّ عَلَيْهِ حَرْفُ (عَلى) مِن مَعْنى الوُجُوبِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فِي التَّوْراةِ﴾ حالٌ مِن (وعْدًا) . والظَّرْفِيَّةُ ظَرْفِيَّةُ الكِتابِ لِلْمَكْتُوبِ، أيْ مَكْتُوبًا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ.
وجُمْلَةُ ﴿ومَن أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ: ﴿وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾، أيْ وعْدًا حَقًّا عَلَيْهِ ولا أحَدَ أوْفى بِعَهْدِهِ مِنهُ، فالِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ بِتَنْزِيلِ السّامِعِ مَنزِلَةَ مَن يَجْعَلُ هَذا الوَعْدَ مُحْتَمِلًا لِلْوَفاءِ وعَدَمِهِ كَغالِبِ الوُعُودِ فَيُقالُ: ومَن أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ إنْكارًا عَلَيْهِ.
و(أوْفى) اسْمُ تَفْضِيلٍ مِن وفّى بِالعَهْدِ إذا فَعَلَ ما عاهَدَ عَلى فِعْلِهِ.
صفحة ٤٠
و(مِن) تَفْضِيلِيَّةٌ، وهي لِلِابْتِداءِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، أيْ لِلِابْتِداءِ المَجازِيِّ. وذُكِرَ اسْمُ الجَلالَةِ عِوَضًا عَنْ ضَمِيرِهِ لِإحْضارِ المَعْنى الجامِعِ لِصِفاتِ الكَمالِ. والعَهْدُ: الوَعْدُ بِحَلْفٍ والوَعْدُ المُوَكَّدِ، والبَيْعَةُ عَهْدٌ، والوَصِيَّةُ عَهْدٌ.
وتَفَرَّعَ عَلى كَوْنِ الوَعْدِ حَقًّا عَلى اللَّهِ، وعَلى أنَّ اللَّهَ أوْفى بِعَهْدِهِ مِن كُلِّ واعِدٍ، أنْ يَسْتَبْشِرَ المُؤْمِنُونَ بِبَيْعِهِمْ هَذا، فالخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ.
وأُضِيفَ البَيْعُ إلى ضَمِيرِهِمْ إظْهارًا لِاغْتِباطِهِمْ بِهِ.
ووَصْفُهُ بِالمَوْصُولِ وصِلَتِهِ ﴿الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ﴾ تَأْكِيدًا لِمَعْنى (بَيْعِكم)، فَهو تَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ بِلَفْظٍ مُرادِفٍ.
وجُمْلَةُ ﴿وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ تَذْيِيلٌ جامِعٌ، فَإنَّ اسْمَ الإشارَةِ الواقِعَ في أوَّلِهِ جامِعٌ لِصِفاتِ ذَلِكَ البَيْعِ بِعِوَضَيْهِ. وأُكِّدَ بِضَمِيرِ الفَصْلِ وبِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ وبِالوَصْفِ بِـ (العَظِيمُ) المُفِيدِ لِلْأهَمِّيَّةِ.
9:112Page 205
ٱلتَّٰٓئِبُونَ ٱلۡعَٰبِدُونَ ٱلۡحَٰمِدُونَ ٱلسَّٰٓئِحُونَ ٱلرَّٰكِعُونَ ٱلسَّٰجِدُونَ ٱلۡأٓمِرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡحَٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١١٢
[Such believers are] the repentant, the worshippers, the praisers [of Allāh], the travelers [for His cause], those who bow and prostrate [in prayer], those who enjoin what is right and forbid what is wrong, and those who observe the limits [set by] Allāh. And give good tidings to the believers.
﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ الحامِدُونَ السّائِحُونَ الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾
أسْماءُ الفاعِلِينَ هُنا أوْصافٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١١] فَكانَ أصْلُها الجَرَّ، ولَكِنَّها قُطِعَتْ عَنِ الوَصْفِيَّةِ وجُعِلَتْ أخْبارًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو ضَمِيرُ الجَمْعِ اهْتِمامًا بِهَذِهِ النُّعُوتِ اهْتِمامًا أخْرَجَها عَنِ الوَصْفِيَّةِ إلى الخَبَرِيَّةِ، ويُسَمّى هَذا الِاسْتِعْمالُ نَعْتًا مَقْطُوعًا، وما هو بِنَعْتٍ اصْطِلاحِيٍّ ولَكِنَّهُ نَعْتٌ في المَعْنى.
فَـ التّائِبُونَ مُرادٌ مِنهُ أنَّهم مُفارِقُونَ لِلذُّنُوبِ سَواءً كانَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ اقْتِرافِ ذَنْبٍ يَقْتَضِي التَّوْبَةَ كَما قالَ - تَعالى: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيءِ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ [التوبة: ١١٧] الآيَةَ أمْ كانَ بَعْدَ اقْتِرافِهِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَإنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٤] بَعْدَ قَوْلِهِ:
صفحة ٤١
﴿ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٤] الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ آنِفًا. وأوَّلُ التَّوْبَةِ الإيمانُ لِأنَّهُ إقْلاعٌ عَنِ الشِّرْكِ، ثُمَّ يَدْخُلُ مِنهم مَن كانَ لَهُ ذَنْبٌ مَعَ الإيمانِ وتابَ مِنهُ. وبِذَلِكَ فارَقَ النَّعْتُ المَنعُوتَ وهو المُؤْمِنِينَ
والعابِدُونَ: المُؤَدُّونَ لِما أوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
والحامِدُونَ: المُعْتَرِفُونَ لِلَّهِ - تَعالى - بِنِعَمِهِ عَلَيْهِمُ الشّاكِرُونَ لَهُ.
والسّائِحُونَ: مُشْتَقٌّ مِنَ السِّياحَةِ. وهي السَّيْرُ في الأرْضِ. والمُرادُ بِهِ سَيْرٌ خاصٌّ مَحْمُودٌ شَرْعًا. وهو السَّفَرُ الَّذِي فِيهِ قُرْبَةٌ لِلَّهِ وامْتِثالٌ لِأمْرِهِ، مِثْلُ سَفَرِ الهِجْرَةِ مِن دارِ الكُفْرِ أوِ السَّفَرِ لِلْحَجِّ أوِ السَّفَرِ لِلْجِهادِ. وحَمْلُهُ هُنا عَلى السَّفَرِ لِلْجِهادِ أنْسَبُ بِالمَقامِ وأشْمَلُ لِلْمُؤْمِنِينَ المَأْمُورِينَ بِالجِهادِ بِخِلافِ الهِجْرَةِ والحَجِّ.
و﴿الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ﴾: هُمُ الجامِعُونَ بَيْنَهُما، أيِ المُصَلُّونَ، إذِ الصَّلاةُ المَفْرُوضَةُ لا تَخْلُو مِنَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ.
و﴿الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ﴾: الَّذِينَ يَدْعُونَ النّاسَ إلى الهُدى والرَّشادِ ويَنْهَوْنَهم عَمّا يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ ويَأْباهُ. وإنَّما ذُكِرَ النّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ بِحَرْفِ العَطْفِ دُونَ بَقِيَّةِ الصِّفاتِ، وإنْ كانَ العَطْفُ وتَرْكُهُ في الأخْبارِ ونَحْوِها جائِزَيْنِ، إلّا أنَّ المُناسَبَةَ في عَطْفِ هَذَيْنِ دُونَ غَيْرِهِما مِنَ الأوْصافِ أنَّ الصِّفاتِ المَذْكُورَةَ قَبْلَها في قَوْلِهِ: ﴿الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ﴾ ظاهِرَةٌ في اسْتِقْلالِ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ. ثُمَّ لَمّا ذُكِرَ ﴿الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ﴾ عُلِمَ أنَّ المُرادَ الجامِعُونَ بَيْنَهُما، أيِ المُصَلُّونَ بِالنِّسْبَةِ إلى المُسْلِمِينَ. ولِأنَّ المَوْصُوفِينَ بِالرُّكُوعِ والسُّجُودِ مِمَّنْ وعَدَهُمُ اللَّهُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ كانَتْ صَلاةُ بَعْضِهِمْ رُكُوعًا فَقَطْ، قالَ - تَعالى - في شَأْنِ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ [ص: ٢٤]، وبَعْضُ الصَّلَواتِ سُجُودًا فَقَطْ كَبَعْضِ صَلاةِ النَّصارى، قالَ - تَعالى: ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣] . ولَمّا جاءَ بَعْدَهُ ﴿الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ وكانا صِفَتَيْنِ مُسْتَقِلَّتَيْنِ عُطِفَتا بِالواوِ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ اعْتِبارُ الجَمْعِ بَيْنَهُما كالوَصْفَيْنِ اللَّذَيْنِ قَبْلَهُما وهُما ﴿الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ﴾ فالواوُ هُنا كالَّتِي في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ [التحريم: ٥]
صفحة ٤٢
﴿والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾: صِفَةٌ جامِعَةٌ لِلْعَمَلِ بِالتَّكالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ عِنْدَ تَوَجُّهِها. وحَقِيقَةُ الحِفْظِ تَوَخِّي بَقاءِ الشَّيْءِ في المَكانِ الَّذِي يُرادُ كَوْنُهُ فِيهِ رَغْبَةُ صاحِبِهِ في بَقائِهِ ورِعايَتِهِ عَنْ أنْ يَضِيعَ. ويُطْلَقُ مَجازًا شائِعًا عَلى مُلازَمَةِ العَمَلِ بِما يُؤْمَرُ بِهِ عَلى نَحْوِ ما أُمِرَ بِهِ وهو المُرادُ هُنا، أيْ والحافِظُونَ لِما عَيَّنَ اللَّهُ لَهم، أيْ غَيْرِ المُضَيِّعِينَ لِشَيْءٍ مِن حُدُودِ اللَّهِ.
وأُطْلِقَتِ الحُدُودُ مَجازًا عَلى الوَصايا والأوامِرِ. فالحُدُودُ تَشْمَلُ العِباداتِ والمُعامَلاتِ لِما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها﴾ [البقرة: ٢٢٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ. ولِذَلِكَ خُتِمَتْ بِها هَذِهِ الأوْصافُ. وعُطِفَتْ بِالواوِ لِئَلّا يُوهِمَ تَرْكُ العَطْفِ أنَّها مَعَ الَّتِي قَبْلَها صِفَتانِ مُتَلازِمَتانِ مَعْدُودَتانِ بَعْدَ صِفَةِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ.
وقالَ جَمْعٌ مِنَ العُلَماءِ: إنَّ الواوَ في قَوْلِهِ: ﴿والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ واوٌ يَكْثُرُ وُقُوعُها في كَلامِ العَرَبِ عِنْدَ ذِكْرِ مَعْدُودٍ ثامِنٍ، وسَمَّوْها واوَ الثَّمانِيَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَكَرَها ابْنُ خالَوَيْهِ في مُناظَرَتِهِ لِأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ في مَعْنى قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزمر: ٧٣] . وأنْكَرَها أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ. وقالَ ابْنُ هِشامٍ في مُغْنِي اللَّبِيبِ: ”وذَكَرَها جَماعَةٌ مِنَ الأُدَباءِ كالحَرِيرِيِّ، ومِنَ المُفَسِّرِينَ كالثَّعْلَبِيِّ، وزَعَمُوا أنَّ العَرَبَ إذا عَدُّوا قالُوا: سِتَّةٌ سَبْعَةٌ وثَمانِيَةٌ، إيذانًا بِأنَّ السَّبْعَةَ عَدَدٌ تامٌّ وأنَّ ما بَعْدَها عَدَدٌ مُسْتَأْنَفٌ، واسْتَدَلُّوا بِآياتٍ إحْداها ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢] إلى قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ - ﴿سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢] . ثُمَّ قالَ: الثّانِيَةُ آيَةُ الزُّمَرِ إذْ قِيلَ فُتِحَتْ في آيَةِ النّارِ لِأنَّ أبْوابَ جَهَنَّمَ سَبْعَةٌ وفُتِحَتْ في آيَةِ الجَنَّةِ إذْ أبْوابُها ثَمانِيَةٌ. ثُمَّ قالَ: الثّالِثَةُ ﴿والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ فَإنَّهُ الوَصْفُ الثّامِنُ. ثُمَّ قالَ: والرّابِعَةُ: وأبْكارًا في آيَةِ التَّحْرِيمِ ذَكَرَها القاضِي الفاضِلُ وتَبَجَّحَ بِاسْتِخْراجِها وقَدْ سَبَقَهُ إلى ذِكْرِها الثَّعْلَبِيُّ. . . وأمّا قَوْلُ الثَّعْلَبِيِّ: أنَّ مِنها الواوَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧] فَسَهْوٌ بَيِّنٌ وإنَّما هَذِهِ واوُ العَطْفِ“ اهـ. وأطالَ في خِلالِ كَلامِهِ بِرُدُودٍ ونُقُوضٍ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وحَدَّثَنِي أبِي عَنِ الأُسْتاذِ النَّحْوِيِّ أبِي عَبْدِ اللَّهِ الكَفِيفِ المالِقِيِّ وأنَّهُ قالَ: هي لُغَةٌ فَصِيحَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ مِن شَأْنِهِمْ أنْ يَقُولُوا إذا عَدُّوا: واحِدٌ، اثْنانِ،
صفحة ٤٣
ثَلاثَةٌ، أرْبَعَةٌ، خَمْسَةٌ، سِتَّةٌ، سَبْعَةٌ، وثَمانِيَةٌ، تِسْعَةٌ، عَشَرَةٌ، فَهَكَذا هي لُغَتُهم. ومَتى جاءَ في كَلامِهِمْ أمْرُ ثَمانِيَةٍ أدْخَلُوا الواوَ اهـ.
وقالَ القُرْطُبِيُّ: هي لُغَةُ قُرَيْشٍ.
وأقُولُ: كَثُرَ الخَوْضُ في هَذا المَعْنى لِلْواوِ إثْباتًا ونَفْيًا، وتَوْجِيهًا ونَقْضًا. والوَجْهُ عِنْدِي أنَّهُ اسْتِعْمالٌ ثابِتٌ، فَأمّا في المَعْدُودِ الثّامِنِ فَقَدِ اطَّرَدَ في الآياتِ القُرْآنِيَّةِ المُسْتَدَلِّ بِها. ولا يَرِيبُكَ أنَّ بَعْضَ المُقْتَرِنِ بِالواوِ فِيها لَيْسَ بِثامِنٍ في العَدَّةِ لِأنَّ العِبْرَةَ بِكَوْنِهِ ثامِنًا في الذِّكْرِ لا في الرُّتْبَةِ.
وأمّا اقْتِرانُ الواوِ بِالأمْرِ الَّذِي فِيهِ مَعْنى الثّامِنِ كَما قالُوا في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزمر: ٧٣] . فَإنَّ مَجِيءَ الواوِ لِكَوْنِ أبْوابِ الجَنَّةِ ثَمانِيَةً، فَلا أحْسَبُهُ إلّا نُكْتَةً لَطِيفَةً جاءَتِ اتِّفاقِيَّةً. وسَيَجِيءُ هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - في سُورَةِ الزُّمَرِ ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزمر: ٧٣]
وجُمْلَةُ ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١١] عَطْفَ إنْشاءٍ عَلى خَبَرٍ. ومِمّا حَسَّنَهُ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الخَبَرِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ العَمَلُ بِهِ فَأشْبَهَ الأمْرَ. والمَقْصُودُ مِنَ الأمْرِ بِتَبْشِيرِهِمْ إبْلاغُهم فَكانَ كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ مُرادًا مِنها مَعْنَيانِ خَبَرِيٌّ وإنْشائِيٌّ. فالمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ هُمُ المُؤْمِنُونَ المَعْهُودُونَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١]
والبِشارَةُ تَقَدَّمَتْ مِرارًا.
9:113Page 205
مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن يَسۡتَغۡفِرُواْ لِلۡمُشۡرِكِينَ وَلَوۡ كَانُوٓاْ أُوْلِي قُرۡبَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ١١٣
It is not for the Prophet and those who have believed to ask forgiveness for the polytheists, even if they were relatives, after it has become clear to them that they are companions of Hellfire.
﴿ما كانَ لِلنَّبِيءِ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ﴾
اسْتِئْنافٌ نُسِخَ بِهِ التَّخْيِيرُ الواقِعُ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] فَإنَّ في ذَلِكَ تَسْوِيَةً بَيْنَ أنْ يَسْتَغْفِرَ النَّبِيءُ ﷺ لَهم وبَيْنَ أنْ لا يَسْتَغْفِرَ في
صفحة ٤٤
انْتِفاءِ أهَمِّ الغَرَضَيْنِ مِنَ الِاسْتِغْفارِ، وهو حُصُولُ الغُفْرانِ، فَبَقِيَ لِلتَّخْيِيرِ غَرَضٌ آخَرُ وهو حُسْنُ القَوْلِ لِمَن يَرى النَّبِيءَ ﷺ أنَّهُ أهْلٌ لِلْمُلاطَفَةِ لِذاتِهِ أوْ لِبَعْضِ أهْلِهِ، مِثْلُ قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَأرادَ اللَّهُ نَسْخَ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ دَرَجَ في تَلَقِّيهِ عَلى عادَةِ التَّشْرِيعِ في غالِبِ الأحْوالِ. ولَعَلَّ الغَرَضَ الَّذِي لِأجْلِهِ أُبْقِيَ التَّخْيِيرُ في الِاسْتِغْفارِ لَهم قَدْ ضَعُفَ ما فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ ورُجِّحَ ما فِيهِ مِنَ المَفْسَدَةِ بِانْقِراضِ مَن هم أهْلٌ لِحُسْنِ القَوْلِ وغَلَبَةِ الدَّهْماءِ مِنَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ يَحْسَبُونَ أنَّ اسْتِغْفارَ النَّبِيءِ ﷺ لَهم يَغْفِرُ لَهم ذُنُوبَهم فَيُصْبِحُوا فَرِحِينَ بِأنَّهم رَبِحُوا الصَّفْقَتَيْنِ وأرْضَوُا الفَرِيقَيْنِ، فَنَهى اللَّهُ النَّبِيءَ ﷺ . ولَعَلَّ المُسْلِمِينَ لَمّا سَمِعُوا تَخْيِيرَ النَّبِيءِ في الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ ذَهَبُوا يَسْتَغْفِرُونَ لِأهْلِيهِمْ وأصْحابِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ طَمَعًا في إيصالِ النَّفْعِ إلَيْهِمْ في الآخِرَةِ فَأصْبَحَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلى اعْتِقادِ مُساواةِ المُشْرِكِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ في المَغْفِرَةِ فَيَنْتَفِي التَّفاضُلُ الباعِثُ عَلى الرَّغْبَةِ في الإيمانِ، فَنَهى اللَّهُ النَّبِيءِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ مَعًا عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ بَعْدَ أنْ رَخَّصَهُ لِلنَّبِيءِ ﷺ خاصَّةً في قَوْلِهِ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]
ورَوى التِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ «عَنْ عَلِيٍّ قالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَسْتَغْفِرُ لِأبَوَيْهِ المُشْرِكَيْنِ قالَ: فَقُلْتُ لَهُ: أتَسْتَغْفِرُ لِأبَوَيْكَ وهُما مُشْرِكانِ ؟ فَقالَ: ألَيْسَ قَدِ اسْتَغْفَرَ إبْراهِيمُ لِأبَوَيْهِ وهُما مُشْرِكانِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، إلى قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَأوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة»: ١١٤] . قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في العارِضَةِ: هو أضْعَفُ ما رُوِيَ في هَذا البابِ. وأمّا ما رُوِيَ في أسْبابِ النُّزُولِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في اسْتِغْفارِ النَّبِيءِ ﷺ لِأبِي طالِبٍ، أوْ أنَّها نَزَلَتْ في سُؤالِهِ رَبَّهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِأُمِّهِ آمِنَةَ حِينَ زارَ قَبْرَها بِالأبْواءِ. فَهُما خَبَرانِ واهِيانِ لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ.
وجاءَتْ صِيغَةُ النَّهْيِ بِطَرِيقِ نَفْيِ الكَوْنِ مَعَ لامِ الجُحُودِ مُبالَغَةً في التَّنَزُّهِ عَنْ هَذا الِاسْتِغْفارِ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِيَ أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦] في آخِرِ سُورَةِ العُقُودِ.
صفحة ٤٥
ويَدْخُلُ في المُشْرِكِينَ المُنافِقُونَ الَّذِينَ عَلِمَ النَّبِيءُ ﷺ نِفاقَهم والَّذِينَ عَلِمَ المُسْلِمُونَ نِفاقَهم بِتَحَقُّقِ الصِّفاتِ الَّتِي أُعْلِنَتْ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ وغَيْرِها.
وزِيادَةُ ﴿ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى﴾ لِلْمُبالَغَةِ في اسْتِقْصاءِ أقْرَبِ الأحْوالِ إلى المَعْذِرَةِ، كَما هو مُفادُ (لَوِ) الوَصْلِيَّةِ، أيْ فَأوْلى إنْ لَمْ يَكُونُوا أُولِي قُرْبى. وهَذِهِ المُبالَغَةُ لِقَطْعِ المَعْذِرَةِ عَنِ المُخالِفِ، وتَمْهِيدٍ لِتَعْلِيمِ مَنِ اغْتَرَّ بِما حَكاهُ القُرْآنُ مِنِ اسْتِغْفارِ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ في نَحْوِ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٨٦] . ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] إلَخْ.
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (لَوْ) الِاتِّصالِيَّةِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
9:114Page 205
وَمَا كَانَ ٱسۡتِغۡفَارُ إِبۡرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوۡعِدَةٖ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥٓ أَنَّهُۥ عَدُوّٞ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنۡهُۚ إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ لَأَوَّٰهٌ حَلِيمٞ ١١٤
And the request of forgiveness of Abraham for his father was only because of a promise he had made to him. But when it became apparent to him [i.e., Abraham] that he [i.e., the father] was an enemy to Allāh, he disassociated himself from him. Indeed was Abraham compassionate and patient.
﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ إنَّ إبْراهِيمَ لَأوّاهٌ حَلِيمٌ﴾
مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ما كانَ لِلنَّبِيءِ﴾ [التوبة: ١١٣] إلَخْ. وهي مِن تَمامِ الآيَةِ بِاعْتِبارِ ما فِيها مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى﴾ [التوبة: ١١٣] إذْ كانَ شَأْنُ ما لا يَنْبَغِي لِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنْ لا يَنْبَغِيَ لِغَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِأنَّ مُعْظَمَ أحْكامِهِمْ مُتَّحِدَةٌ إلّا ما خُصَّ بِهِ نَبِيُّنا مِن زِيادَةِ الفَضْلِ. وهَذِهِ مِن مَسْألَةِ (أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا) فَلا جَرَمَ كانَ ما ورَدَ مِنِ اسْتِغْفارِ إبْراهِيمَ قَدْ يُثِيرُ تَعارُضًا بَيْنَ الآيَتَيْنِ، فَلِذَلِكَ تَصَدّى القُرْآنُ لِلْجَوابِ عَنْهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا ما رُوِيَ أنَّ هَذِهِ سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ.
والمَوْعِدَةُ: اسْمٌ لِلْوَعْدِ. والوَعْدُ صَدَرَ مِن أبِي إبْراهِيمَ لا مَحالَةَ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الِاعْتِذارُ لِإبْراهِيمَ لِأنَّهُ لَوْ كانَ إبْراهِيمُ هو الَّذِي وعَدَ أباهُ بِالِاسْتِغْفارِ وكانَ اسْتِغْفارُهُ لَهُ لِلْوَفاءِ بِوَعْدِهِ لَكانَ يَتَّجِهُ مِنَ السُّؤالِ عَلى الوَعْدِ بِذَلِكَ وعَلى الوَفاءِ بِهِ ما اتَّجَهَ عَلى وُقُوعِ الِاسْتِغْفارِ لَهُ. فالتَّفْسِيرُ الصَّحِيحُ أنَّ أبا إبْراهِيمَ وعَدَ إبْراهِيمَ بِالإيمانِ، فَكانَ بِمَنزِلَةِ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم بِالِاسْتِغْفارِ لَهُ لِأنَّهُ ظَنَّهُ مُتَرَدِّدًا في عِبادَةِ الأصْنامِ لَمّا قالَ لَهُ ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] فَسَألَ اللَّهَ لَهُ المَغْفِرَةَ لَعَلَّهُ يَرْفُضُ عِبادَةَ الأصْنامِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾
صفحة ٤٦
وطَرِيقُ تَبَيُّنِ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ إمّا الوَحْيُ بِأنْ نَهاهُ اللَّهُ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لَهُ، وإمّا بَعْدَ أنْ ماتَ عَلى الشِّرْكِ.
والتَّبَرُّؤُ: تَفَعُّلٌ مِن بَرِئَ مِن كَذا إذا تَنَزَّهَ عَنْهُ، فالتَّبَرُّؤُ مُبالَغَةٌ في البَراءَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَأوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ اسْتِئْنافُ ثَناءٍ عَلى إبْراهِيمَ. و(أوّاهٌ) فُسِّرَ بِمُعانٍ تَرْجِعُ إلى الشَّفَقَةِ إمّا عَلى النَّفْسِ فَتُفِيدُ الضَّراعَةَ إلى اللَّهِ والِاسْتِغْفارَ، وإمّا عَلى النّاسِ فَتُفِيدُ الرَّحْمَةَ بِهِمْ والدُّعاءَ لَهم.
ولَفْظُ (أوّاهٌ) مِثالُ مُبالَغَةٍ: الَّذِي يُكْثِرُ قَوْلَ (أوَّهْ) بِلُغاتِهِ الثَلاثَ عَشْرَةَ الَّتِي عَدَّها في القامُوسِ، وأشْهَرُها (أوَّهْ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وواوٍ مَفْتُوحَةٍ مُشَدَّدَةٍ وهاءٍ ساكِنَةٍ. قالَ المُرادِيُّ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ: وهَذِهِ أشْهَرُ لُغاتِها. وهي اسْمُ فِعْلٍ مُضارِعٍ بِمَعْنى أتَوَجَّعُ لِإنْشاءِ التَّوَجُّعِ، لَكِنَّ الوَصْفَ بِـ (أوّاهٌ) كِنايَةٌ عَنِ الرَّأْفَةِ ورِقَّةِ القَلْبِ والتَّضَرُّعِ حِينَ يُوصَفُ بِهِ مَن لَيْسَ بِهِ وجَعٌ. والفِعْلُ المُشْتَقُّ مِنهُ (أوّاهٌ) حَقُّهُ أنْ يَكُونَ ثُلاثِيًّا لِأنَّ أمْثِلَةَ المُبالَغَةِ تُصاغُ مِنَ الثُّلاثِيِّ. وقَدِ اخْتُلِفَ في اسْتِعْمالِ فِعْلٍ ثُلاثِيٍّ لَهُ، فَأثْبَتَهُ قُطْرُبٌ وأنْكَرَهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنَ النُّحاةِ.
وإتْباعُ (لَأوّاهٌ) بِوَصْفِ (حَلِيمٌ) هُنا وفي آياتٍ كَثِيرَةٍ قَرِينَةٌ عَلى الكِنايَةِ وإيذانٌ بِمُثارِ التَّأوُّهِ عِنْدَهُ.
والحَلِيمُ: صاحِبُ الحِلْمِ. والحِلْمُ بِكَسْرِ الحاءِ: صِفَةٌ في النَّفْسِ وهي رَجاحَةُ العَقْلِ وثَباتَةٌ ورَصانَةٌ وتَباعُدٌ عَنِ العُدْوانِ. فَهو صِفَةٌ تَقْتَضِي هَذِهِ الأُمُورَ، ويَجْمَعُها عَدَمُ القَسْوَةِ. ولا تُنافِي الِانْتِصارَ لِلْحَقِّ لَكِنْ بِدُونَ تَجاوُزٍ لِلْقَدْرِ المَشْرُوعِ في الشَّرائِعِ أوْ عِنْدَ ذَوِي العُقُولِ.
قالَ:
حَلِيمٌ إذا ما الحِلْمُ زَيَّنَ أهْـلَـهُ مَعَ الحِلْمِ في عَيْنِ العَدُوِّ مَهِيبُ
9:115Page 205
وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوۡمَۢا بَعۡدَ إِذۡ هَدَىٰهُمۡ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ ١١٥
And Allāh would not let a people stray after He has guided them until He makes clear to them what they should avoid. Indeed, Allāh is Knowing of all things.
صفحة ٤٧
﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ﴾ [التوبة: ١١٤] لِاعْتِذارٍ عَنِ النَّبِيءِ وإبْراهِيمَ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - في اسْتِغْفارِهِما لِمَنِ اسْتَغْفَرا لَهُما مِن أُولِي القُرْبى كَأبِي طالِبٍ وآزَرَ ومِنَ الأُمَّةِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ بِأنَّ فِعْلَهُما ذَلِكَ ما كانَ إلّا رَجاءً مِنهُما هُدًى مِنِ اسْتِغْفارِهِما لَهُ، وإعانَةً لَهُ إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُهُ، فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُما الثّابِتُ عَلى كُفْرِهِ إمّا بِمَوْتِهِ عَلَيْهِ أوْ بِاليَأْسِ مِن إيمانِهِ تَرْكا الِاسْتِغْفارَ لَهُ، وذَلِكَ كُلُّهُ بَعْدَ أنْ أبْلَغا الرِّسالَةَ ونَصَحا لِمَنِ اسْتَغْفَرا لَهُ. ولِأجْلِ هَذا المَعْنى مَهَّدَ اللَّهُ لَهُما الِاعْتِذارَ مِن قَبْلُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] وقَوْلِهِ ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] . وفي ذَلِكَ مَعْذِرَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ المُسْتَغْفِرِينَ لِلْمُشْرِكِينَ مِن أُولِي قَرابَتِهِمْ قَبْلَ هَذا النَّهْيِ. فَهَذا مِن بابِ ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] .
وفِيهِ تَسْجِيلٌ أيْضًا لِكَوْنِ أُولَئِكَ المُشْرِكِينَ أحْرِياءَ بِقَطْعِ الِاسْتِغْفارِ لَهم لِأنَّ أنْبِياءَ اللَّهِ ما قَطَعُوهُ عَنْهم إلّا بَعْدَ أنْ أمْهَلُوهم ووَعَدُوهم وبَيَّنُوا لَهم وأعانُوهم بِالدُّعاءِ لَهم فَما زادَهم ذَلِكَ إلّا طُغْيانًا.
ومَعْنى ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾ أنْ لَيْسَ مِن شَأْنِهِ وعادَةِ جَلالِهِ أنْ يَكْتُبَ الضَّلالَ لِقَوْمٍ بَعْدَ إذْ هَداهم بِإرْسالِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ وإرْشادِهِمْ إلى الحَقِّ حَتّى يُبَيِّنَ لَهُمُ الأشْياءَ الَّتِي يُرِيدُ مِنهم أنْ يَتَّقُوها، أيْ يَتَجَنَّبُوها. فَهُنالِكَ يُبَلِّغُ رُسُلَهُ أنَّ أُولَئِكَ مِن أهْلِ الضَّلالِ حَتّى يَتْرُكُوا طَلَبَ المَغْفِرَةِ لَهم كَما قالَ لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٦] ولا كانَ مِن شَأْنِهِ - تَعالى - أنْ يَكْتُبَ الضَّلالَ لِقَوْمٍ بَعْدَ إذْ هَداهم لِلْإيمانِ واهْتَدَوْا إلَيْهِ لِعَمَلٍ عَمِلُوهُ حَتّى يُبَيِّنَ لَهم أنَّهُ لا يَرْضى بِذَلِكَ العَمَلِ.
ثُمَّ إنَّ لَفْظَ الآيَةِ صالِحٌ لِإفادَةِ مَعْنى أنَّ اللَّهَ لا يُؤاخِذُ النَّبِيءَ ﷺ ولا إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولا المُسْلِمِينَ بِاسْتِغْفارِهِمْ لِمَنِ اسْتَغْفَرُوا لَهُ مِن قَبْلِ وُرُودِ النَّهْيِ وظُهُورِ
صفحة ٤٨
دَلِيلِ اليَأْسِ مِنَ المَغْفِرَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ لا يُؤاخِذُ قَوْمًا هَداهم إلى الحَقِّ فَيَكْتَبَهم ضُلّالًا بِالمَعاصِي حَتّى يُبَيِّنَ لَهم أنَّ ما عَمِلُوهُ مَعْصِيَةٌ، فَمَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ جَمِيعِ الكَلامِ المُتَقَدِّمِ صَيَّرَها كَلامًا جامِعًا تَذْيِيلًا.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ مُناسِبٌ لِلْجُمْلَةِ السّابِقَةِ، ووُقُوعُ إنَّ في أوَّلِها يُفِيدُ مَعْنى التَّفْرِيعِ. والتَّعْلِيلُ مَضْمُونٌ لِلْجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وهو أنَّ اللَّهَ لا يُضِلُّ قَوْمًا بَعْدَ أنْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهُمُ الحَقَّ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences