Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:24–28
9:24Page 190
قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٤
Say, [O Muḥammad], "If your fathers, your sons, your brothers, your wives, your relatives, wealth which you have obtained, commerce wherein you fear decline, and dwellings with which you are pleased are more beloved to you than Allāh and His Messenger and jihād [i.e., striving] in His cause, then wait until Allāh executes His command. And Allāh does not guide the defiantly disobedient people."
﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكم وعَشِيرَتُكم وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ في سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾
ارْتِقاءٌ في التَّحْذِيرِ مِنَ العَلائِقِ الَّتِي قَدْ تُفْضِي إلى التَّقْصِيرِ في القِيامِ بِواجِباتِ الإسْلامِ، فَلِذَلِكَ جاءَتْ زِيادَةُ تَفْصِيلِ الأصْنافِ مِن ذَوِي القَرابَةِ وأسْبابُ المُخالَطَةِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وبَيْنَ الكافِرِينَ، ومِنَ الأسْبابِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِها نُفُوسُ النّاسِ فَيَحُولُ تَعَلُّقُهم بِها بَيْنَهم وبَيْنَ الوَفاءِ بِبَعْضِ حُقُوقِ الإسْلامِ، فَلِذَلِكَ ذُكِرَ الأبْناءُ هُنا لِأنَّ التَّعَلُّقَ بِهِمْ أقْوى مِنَ التَّعَلُّقِ بِالإخْوانِ، وذُكِرَ غَيْرُهم مِن قَرِيبِ القَرابَةِ أيْضًا.
وابْتِداءُ الخِطابِ بِـ ”قُلْ“ يُشِيرُ إلى غِلَظِهِ والتَّوْبِيخِ بِهِ.
والمُخاطَبُ بِضَمائِرِ جَماعَةِ المُخاطَبِينَ: المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ قَصَّرُوا في بَعْضِ الواجِبِ أوِ المُتَوَقَّعِ مِنهم ذَلِكَ، كَما يَشْعُرُ بِهِ اقْتِرانُ الشَّرْطِ بِحَرْفِ الشَّكِّ وهو ”إنْ“ ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّ المُسْتَرْسِلِينَ في ذَلِكَ المُلابِسِينَ لَهُ هم أهْلُ النِّفاقِ، فَهُمُ المُعَرَّضُ لَهم بِالتَّهْدِيدِ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾
وقَدْ جَمَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ أصْنافًا مِنَ العَلاقاتِ وذَوِيها، مِن شَأْنِها أنْ تَأْلَفَها النُّفُوسُ وتَرْغَبَ في القُرْبِ مِنها وعَدَمِ مُفارَقَتِها، فَإذا كانَ الثَّباتُ عَلى الإيمانِ يَجُرُّ إلى هِجْرانِ بَعْضِها كالآباءِ والإخْوانِ الكافِرِينَ الَّذِينَ يَهْجُرُ بَعْضُهم بَعْضًا إذا اخْتَلَفُوا في الدِّينِ،
صفحة ١٥٣
وكالأبْناءِ والأزْواجِ والعَشِيرَةِ الَّذِينَ يَأْلَفُ المَرْءُ البَقاءَ بَيْنَهم، فَلَعَلَّ ذَلِكَ يُقْعِدُهُ عَنِ الغَزْوِ، وكالأمْوالِ والتِّجارَةِ الَّتِي تَصُدُّ عَنِ الغَزْوِ وعَنِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ. وكَذَلِكَ المَساكِنُ الَّتِي يَأْلَفُ المَرْءُ الإقامَةَ فِيها فَيَصُدُّهُ إلْفُها عَنِ الغَزْوِ. فَإذا حَصَلَ التَّعارُضُ والتَّدافُعُ بَيْنَ ما أرادَهُ اللَّهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ وبَيْنَ ما تَجُرُّ إلَيْهِ تِلْكَ العَلائِقُ وجَبَ عَلى المُؤْمِنِ دَحْضُها وإرْضاءُ رَبِّهِ.
وقَدْ أفادَ هَذا المَعْنى التَّعْبِيرُ بِـ (أحَبَّ) لِأنَّ التَّفْضِيلَ في المَحَبَّةِ يَقْتَضِي إرْضاءَ الأقْوى مِنَ المَحْبُوبِينَ، فَفي هَذا التَّعْبِيرِ تَحْذِيرٌ مِنَ التَّهاوُنِ بِواجِباتِ الدِّينِ مَعَ الكِنايَةِ عَنْ جَعْلِ ذَلِكَ التَّهاوُنِ مُسَبِّبًا عَلى تَقْدِيمِ مَحَبَّةِ تِلْكَ العَلائِقِ عَلى مَحَبَّةِ اللَّهِ، فَفِيهِ إيقاظٌ إلى ما يَئُولُ إلَيْهِ ذَلِكَ مِن مَهْواةٍ في الدِّينِ وهَذا مِن أبْلَغِ التَّعْبِيرِ.
وخُصَّ الجِهادُ بِالذِّكْرِ مِن عُمُومِ ما يُحِبُّهُ اللَّهُ مِنهم: تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِ، ولِأنَّ ما فِيهِ مِنَ الخَطَرِ عَلى النُّفُوسِ ومِن إنْفاقِ الأمْوالِ ومُفارَقَةِ الإلْفِ، جَعَلَهُ أقْوى مَظِنَّةً لِلتَّقاعُسِ عَنْهُ، لا سِيَّما والسُّورَةُ نَزَلَتْ عَقِبَ غَزْوَةِ تَبُوكَ الَّتِي تَخَلَّفَ عَنْها كَثِيرٌ مِنَ المُنافِقِينَ وبَعْضُ المُسْلِمِينَ.
والعَشِيرَةُ الأقارِبُ الأدْنَوْنَ، وكَأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ العِشْرَةِ وهي الخُلْطَةُ والصُّحْبَةُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (وعَشِيرَتُكم) بِصِيغَةِ المُفْرَدِ وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”وعَشِيراتُكم“ جَمْعُ عَشِيرَةٍ ووَجْهُهُ: أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ المُخاطَبِينَ عَشِيرَةً، وعَنْ أبِي الحَسَنِ الأخْفَشِ: إنَّما تَجْمَعُ العَرَبُ عَشِيرَةً عَلى عَشائِرَ ولا تَكادُ تَقُولُ عَشِيراتٌ، وهَذِهِ دَعْوى مِنهُ، والقِراءَةُ رِوايَةٌ فَهي تَدْفَعُ دَعْواهُ.
والِاقْتِرافُ: الِاكْتِسابُ، وهو مُشْتَقٌّ مِن قارَفَ إذا قارَبَ الشَّيْءَ.
والكَسادُ، قِلَّةُ التَّبايُعِ وهو ضِدُّ الرَّواجِ والنَّفاقِ، وذَلِكَ بِمُقاطَعَةِ طَوائِفَ مِنَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانُوا يَتَبايَعُونَ مَعَهم، وبِالِانْقِطاعِ عَنِ الِاتِّجارِ أيّامَ الجِهادِ.
وجُعِلَ التَّفْضِيلُ في المَحَبَّةِ بَيْنَ هَذِهِ الأصْنافِ وبَيْنَ مَحَبَّةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ والجِهادِ: لِأنَّ تَفْضِيلَ مَحَبَّةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ والجِهادِ يُوجِبُ الِانْقِطاعَ عَنْ هَذِهِ الأصْنافِ، فَإيثارُ هَذِهِ الأشْياءِ عَلى مَحَبَّةِ اللَّهِ يُفْضِي مُوالاةً إلى الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الكُفْرَ، وإلى القُعُودِ عَنِ الجِهادِ.
صفحة ١٥٤
والتَّرَبُّصُ: الِانْتِظارُ، وهَذا أمْرُ تَهْدِيدٍ لِأنَّ المُرادَ انْتِظارُ الشَّرِّ. وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ أيِ الأمْرِ الَّذِي يَظْهَرُ بِهِ سُوءُ عاقِبَةِ إيثارِكم مَحَبَّةَ الأقارِبِ والأمْوالِ والمَساكِنِ، عَلى مَحَبَّةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ والجِهادِ.
والأمْرُ: اسْمٌ مُبْهَمٌ بِمَعْنى الشَّيْءِ والشَّأْنِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الإبْهامِ التَّهْوِيلُ لِتَذْهَبَ نُفُوسُ المُهَدَّدِينَ كُلَّ مَذْهَبٍ مُحْتَمَلٍ، فَأمْرُ اللَّهِ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ العَذابَ أوِ القَتْلَ أوْ نَحْوَهُما، ومَن فَسَّرَ أمْرَ اللَّهِ بِفَتْحِ مَكَّةَ فَقَدْ ذُهِلَ لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ الفَتْحِ.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ تَذْيِيلٌ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ وهَذا تَهْدِيدٌ بِأنَّهم فَضَّلُوا قَرابَتَهم وأمْوالَهم عَلى مَحَبَّةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ وعَلى الجِهادِ فَقَدْ تَحَقَّقَ أنَّهم فاسِقُونَ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ فَحَصَلَ بِمَوْقِعِ التَّذْيِيلِ تَعْرِيضٌ بِهِمْ بِأنَّهم مِنَ الفاسِقِينَ.
9:25Page 190
لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٖ وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ ٢٥
Allāh has already given you victory in many regions and [even] on the day of Ḥunayn, when your great number pleased you, but it did not avail you at all, and the earth was confining for you with [i.e., in spite of] its vastness; then you turned back, fleeing.
﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم فَلَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ .
لَمّا تَضَمَّنَتِ الآياتُ السّابِقَةُ الحَثَّ عَلى قِتالِ المُشْرِكِينَ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وكانَ التَّمْهِيدُ لِلْإقْدامِ عَلى ذَلِكَ مُدَرَّجًا بِإبْطالِ حُرْمَةِ عَهْدِهِمْ، لِشِرْكِهِمْ، وبِإظْهارِ أنَّهم مُضْمِرُونَ العَزْمَ عَلى الِابْتِداءِ بِنَقْضِ العُهُودِ الَّتِي بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ لَوْ قُدِّرَ لَهُمُ النَّصْرُ عَلى المُسْلِمِينَ وآيَةُ ذَلِكَ: اعْتِداؤُهم عَلى خُزاعَةَ أحْلافِ المُسْلِمِينَ، وهَمُّهم بِإخْراجِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن مَكَّةَ بَعْدَ الفَتْحِ، حَتّى إذا انْتَهى ذَلِكَ التَّمْهِيدُ المُدَرَّجُ إلى الحَثِّ عَلى قِتالِهِمْ وضَمانِ نَصْرِ اللَّهِ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، وما اتَّصَلَ بِذَلِكَ مِمّا يُثِيرُ حَماسَةَ المُسْلِمِينَ جاءَ في هَذِهِ الآيَةِ بِشَواهِدِ ما سَبَقَ مِن نَصْرِ اللَّهِ المُسْلِمِينَ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ، وتَذْكِيرٍ بِمُقارَنَةِ التَّأْيِيدِ الإلَهِيِّ لِحالَةِ الِامْتِثالِ لِأوامِرِهِ، وأنَّ في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ شَواهِدَ تَشْهَدُ لِلْحالَيْنِ. فالكَلامُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِمُناسَبَةِ الغَرَضِ السّابِقِ.
صفحة ١٥٥
وأُسْنِدَ النَّصْرُ إلى اللَّهِ بِالصَّراحَةِ لِإظْهارِ أنَّ إيثارَ مَحَبَّةِ اللَّهِ وإنْ كانَ يُفِيتُ بَعْضَ حُظُوظِ الدُّنْيا، فَفِيهِ حَظُّ الآخِرَةِ وفِيهِ حُظُوظٌ أُخْرى مِنَ الدُّنْيا وهي حُظُوظُ النَّصْرِ بِما فِيهِ: مِن تَأْيِيدِ الجامِعَةِ، ومِنَ المَغانِمِ، وحِمايَةِ الأُمَّةِ مِنِ اعْتِداءِ أعْدائِها، وذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ إذْ آثَرُوا مَحَبَّتَهُ عَلى مَحَبَّةِ عَلائِقِهِمِ الدُّنْيَوِيَّةِ.
وأكَّدَ الكَلامَ بِـ قَدْ لِتَحْقِيقِ هَذا النَّصْرِ لِأنَّ القَوْمَ كَأنَّهم نَسُوهُ أوْ شَكُّوا فِيهِ فَنَزَلُوا مَنزِلَةَ مَن يَحْتاجُ إلى تَأْكِيدِ الخَبَرِ.
ومَواطِنَ: جَمْعُ مَوْطِنٍ، والمَوْطِنُ أصْلُهُ مَكانُ التَّوَطُّنِ، أيِ الإقامَةِ. ويُطْلَقُ عَلى مَقامِ الحَرْبِ ومَوْقِفِها، أيْ نَصْرِكم في مَواقِعِ حُرُوبٍ كَثِيرَةٍ.
و”يَوْمَ“ مَعْطُوفٌ عَلى الجارِّ والمَجْرُورِ مِن قَوْلِهِ: في مَواطِنَ فَهو مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ وهو نَصْرُكم والتَّقْدِيرُ: ونَصَرَكم يَوْمَ حُنَيْنٍ وهو مِن جُمْلَةِ المَواطِنِ؛ لِأنَّ مَواطِنَ الحَرْبِ تَقْتَضِي أيّامًا تَقَعُ فِيها الحَرْبُ، فَتَدُلُّ المَواطِنُ عَلى الأيّامِ كَما تَدُلُّ الأيّامُ عَلى المَواطِنِ، فَلَمّا أُضِيفَ اليَوْمُ إلى اسْمِ مَكانٍ عُلِمَ أنَّهُ مَوْطِنٌ مِن مَواطِنِ النَّصْرِ ولِذَلِكَ عُطِفَ بِالواوِ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يُعْطَفْ لَتُوُهِّمَ أنَّ المَواطِنَ كُلَّها في يَوْمِ حُنَيْنٍ، ولَيْسَ هَذا المُرادَ. ولِهَذا فالتَّقْدِيرُ: في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وأيّامَ كَثِيرَةٍ مِنها مَوْطِنُ حُنَيْنٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ.
وتَخْصِيصُ يَوْمِ حُنَيْنٍ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ أيّامِ الحُرُوبِ: لِأنَّ المُسْلِمِينَ انْهَزَمُوا في أثْناءِ النَّصْرِ ثُمَّ عادَ إلَيْهِمُ النَّصْرُ، فَتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ لِما فِيهِ مِنَ العِبْرَةِ بِحُصُولِ النَّصْرِ عِنْدَ امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ ورَسُولِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وحُصُولِ الهَزِيمَةِ عِنْدَ إيثارِ الحُظُوظِ العاجِلَةِ عَلى الِامْتِثالِ، فَفِيهِ مَثَلٌ وشاهِدٌ لِحالَتَيِ الإيثارَيْنِ المَذْكُورَيْنِ آنِفًا في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ في سَبِيلِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] لِيَتَنَبَّهُوا إلى أنَّ هَذا الإيثارَ قَدْ يَعْرِضُ في أثْناءِ إيثارٍ آخَرَ، فَهم لَمّا خَرَجُوا إلى غَزْوَةِ حُنَيْنٍ كانُوا قَدْ آثَرُوا مَحَبَّةَ الجِهادِ عَلى مَحَبَّةِ أسْبابِهِمْ وعَلاقاتِهِمْ، ثُمَّ هم في أثْناءِ الجِهادِ قَدْ عاوَدَهم إيثارُ الحُظُوظِ العاجِلَةِ عَلى امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ الَّذِي هو مِن آثارِ إيثارِ مَحَبَّتِها، وهي عِبْرَةٌ دَقِيقَةٌ حَصَلَ فِيها الضِّدّانِ ولِذَلِكَ كانَ مَوْقِعُ قَوْلِهِ: ﴿إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ﴾
صفحة ١٥٦
بَدِيعًا لِأنَّهُ تَنْبِيهٌ عَلى خَطَئِهِمْ في الأدَبِ مَعَ اللَّهِ المُناسِبِ لِمَقامِهِمْ أيْ: ما كانَ يَنْبَغِي لَكم أنْ تَعْتَمِدُوا عَلى كَثْرَتِكم.
وحُنَيْنُ اسْمُ وادٍ بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ قُرْبَ ذِي المَجازِ، كانَتْ فِيهِ وقْعَةٌ عَظِيمَةٌ عَقِبَ فَتْحِ مَكَّةَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، وبَيْنَ هَوازِنَ وثَقِيفَ وألْفافِهِما، إذْ نَهَضُوا لِقِتالِ النَّبِيءِ ﷺ حَمِيَّةً وغَضَبًا لِهَزِيمَةِ قُرَيْشٍ ولِفَتْحِ مَكَّةَ، وكانَ عَلى هَوازِنَ مالِكُ بْنُ عَوْفٍ، أخُو بَنِي نَصْرٍ، وعَلى ثَقِيفَ عَبْدُ يا لَيْلَ بْنُ عَمْرٍو الثَّقَفِيُّ، وكانُوا في عَدَدٍ كَثِيرٍ وسارُوا إلى مَكَّةَ فَخَرَجَ إلَيْهِمُ النَّبِيءُ ﷺ حَتّى اجْتَمَعُوا بِحُنَيْنٍ فَقالَ المُسْلِمُونَ: لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ مِن قِلَّةٍ، ووَثِقُوا بِالنَّصْرِ لِقُوَّتِهِمْ، فَحَصَلَتْ لَهم هَزِيمَةٌ عِنْدَ أوَّلِ اللِّقاءِ كانَتْ عِتابًا إلَهِيًّا عَلى نِسْيانِهِمُ التَّوَكُّلَ عَلى اللَّهِ في النَّصْرِ، واعْتِمادِهِمْ عَلى كَثْرَتِهِمْ، وذَلِكَ رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا سَمِعَ قَوْلَ بَعْضِ المُسْلِمِينَ ”لَنْ نُغْلَبَ مِن قِلَّةٍ“ ساءَهُ ذَلِكَ، فَإنَّهم لَمّا هَبَطُوا وادِي حُنَيْنٍ كانَ الأعْداءُ قَدْ كَمَنُوا لَهم في شِعابِهِ وأحْنائِهِ، فَما راعَ المُسْلِمِينَ وهم مُنْحَدِرُونَ في الوادِي إلّا كَتائِبُ العَدُوِّ وقَدْ شَدَّتْ عَلَيْهِمْ وقِيلَ: إنَّ المُسْلِمِينَ حَمَلُوا عَلى العَدُوِّ فانْهَزَمَ العَدُوُّ فَلَحِقُوهم يَغْنَمُونَ مِنهم، وكانَتْ هَوازِنُ قَوْمًا رُماةً فَأكْثَبُوا المُسْلِمِينَ بِالسِّهامِ فَأدْبَرَ المُسْلِمُونَ راجِعِينَ لا يَلْوِي أحَدٌ عَلى أحَدٍ، وتَفَرَّقُوا في الوادِي، وتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ المُشْرِكُونَ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثابِتٌ في الجِهَةِ اليُمْنى مِنَ الوادِي ومَعَهُ عَشَرَةٌ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ العَبّاسَ عَمَّهُ أنْ يَصْرُخَ في النّاسِ: يا أصْحابَ الشَّجَرَةِ - أوِ السَّمُرَةِ - يَعْنِي أهْلَ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ - يا مَعْشَرَ المُهاجِرِينَ - يا أصْحابَ سُورَةِ البَقَرَةِ - يَعْنِي الأنْصارَ - هَلُمُّوا إلَيَّ، فاجْتَمَعَ إلَيْهِ مِائَةٌ، وقاتَلُوا هَوازِنَ مَعَ مَن بَقِيَ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ واجْتَلَدَ النّاسُ، وتَراجَعَ بَقِيَّةُ المُنْهَزِمِينَ واشْتَدَّ القِتالُ وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ”«الآنَ حَمِيَ الوَطِيسُ» “ فَكانَتِ الدّائِرَةُ عَلى المُشْرِكِينَ وهُزِمُوا شَرَّ هَزِيمَةٍ وغُنِمَتْ أمْوالُهم وسُبِيَتْ نِساؤُهم.
فَذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ وهَذا التَّرْكِيبُ تَمْثِيلٌ لِحالِ المُسْلِمِينَ لَمّا اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ البَأْسُ واضْطَرَبُوا ولَمْ يَهْتَدُوا لِدَفْعِ العَدُوِّ عَنْهم، بِحالِ مَن يَرى الأرْضَ الواسِعَةَ ضَيِّقَةً.
صفحة ١٥٧
فالضِّيقُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (بِما رَحُبَتْ) اسْتُعِيرَ ﴿وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ تَمْثِيلًا لِحالِ مَن لا يَسْتَطِيعُ الخَلاصَ مِن شِدَّةٍ بِسَبَبِ اخْتِلالِ قُوَّةِ تَفْكِيرِهِ، بِحالِ مَن هو في مَكانٍ ضَيِّقٍ مِنَ الأرْضِ يُرِيدُ أنْ يَخْرُجَ مِنهُ فَلا يَسْتَطِيعُ تَجاوُزَهُ ولا الِانْتِقالَ مِنهُ.
فالباءُ لِلْمُلابَسَةِ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ: ضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ حالَةَ كَوْنِها مُلابِسَةً لِرُحْبِها أيْ سِعَتِها: أيْ في حالَةِ كَوْنِها لا ضِيقَ فِيها وهَذا المَعْنى كَقَوْلِ الطِّرِمّاحِ بْنِ حَكِيمٍ:
مَلَأْتُ عَلَيْهِ الأرْضَ حَتّى كَأنَّها مِنَ الضِّيقِ في عَيْنَيْهِ كِفَّةُ حابِلِ
قالَ الأعْلَمُ: ”أيْ مِنَ الذُّعْرِ“ هو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِ الآخَرِ:
كَأنَّ فِجاجَ الأرْضِ وهي عَرِيضَةٌ ∗∗∗ عَلى الخائِفِ المَطْلُوبِ كِفَّةُ حابِلِ
وهَذا أحْسَنُ مِن قَوْلِ المُفَسِّرِينَ أنَّ مَعْنى ﴿وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ لَمْ تَهْتَدُوا إلى مَوْضِعٍ مِنَ الأرْضِ تَفِرُّونَ إلَيْهِ فَكَأنَّ الأرْضَ ضاقَتْ عَلَيْكم، ومِنهم مَن أجْمَلَ فَقالَ: أيْ لِشِدَّةِ الحالِ وصُعُوبَتِها.
ومَوْقِعُ ثُمَّ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ مَوْقِعُ التَّراخِي الرُّتْبِيِّ، أيْ: وأعْظَمُ مِمّا نالَكم مِنَ الشَّرِّ أنْ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ.
والتَّوَلِّي: الرُّجُوعُ، ومُدْبِرِينَ حالٌ: إمّا مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنى ولَّيْتُمْ أوْ أُرِيدَ بِها إدْبارٌ أخَصُّ مِنَ التَّوَلِّي؛ لِأنَّ التَّوَلِّيَ مُطْلَقٌ يَكُونُ لِلْهُرُوبِ، ويَكُونُ لِلْفَرِّ في حِيَلِ الحُرُوبِ، والإدْبارُ شائِعٌ في الفِرارِ الَّذِي لَمْ يُقْصَدُ بِهِ حِيلَةً فَيَكُونُ الفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّوَلِّي اصْطِلاحًا حَرْبِيًّا.
9:26Page 190
ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَا وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٦
Then Allāh sent down His tranquility upon His Messenger and upon the believers and sent down soldiers [i.e., angels] whom you did not see and punished those who disbelieved. And that is the recompense of the disbelievers.
﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ وأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾
عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة: ٢٥]
و(ثُمَّ) دالَّةٌ عَلى التَّراخِي الرُّتْبِيِّ فَإنَّ نُزُولَ السَّكِينَةِ ونُزُولَ المَلائِكَةِ أعْظَمُ مِنَ النَّصْرِ
صفحة ١٥٨
الأوَّلِ يَوْمَ حُنَيْنٍ، عَلى أنَّ التَّراخِيَ الزَّمَنِيَّ مُرادٌ؛ تَنْزِيلًا لِعِظَمِ الشِّدَّةِ وهَوْلِ المُصِيبَةِ مَنزِلَةَ طُولِ مُدَّتِها، فَإنَّ أزْمانَ الشِّدَّةِ تُخَيَّلُ طَوِيلَةً وإنْ قَصُرَتْ.
والسَّكِينَةُ: الثَّباتُ واطْمِئْنانُ النَّفْسِ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُها عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وتَعْلِيقُها بِإنْزالِ اللَّهِ، وإضافَتُها إلى ضَمِيرِهِ: تَنْوِيهٌ بِشَأْنِها وبَرَكَتِها، وإشارَةٌ إلى أنَّها سَكِينَةٌ خارِقَةٌ لِلْعادَةِ لَيْسَتْ لَها أسْبابٌ ومُقَدِّماتٌ ظاهِرَةٌ، وإنَّما حَصَلَتْ بِمَحْضِ تَقْدِيرِ اللَّهِ وتَكْوِينِهِ أُنُفًا كَرامَةً لِنَبِيِّهِ ﷺ وإجابَةً لِنِدائِهِ النّاسَ، ولِذَلِكَ قُدِّمَ ذِكْرُ الرَّسُولِ قَبْلَ ذِكْرِ المُؤْمِنِينَ.
وإعادَةُ حَرْفِ (عَلى) بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ: تَنْبِيهٌ عَلى تَجْدِيدِ تَعْلِيقِ الفِعْلِ بِالمَجْرُورِ الثّانِي لِلْإيماءِ إلى التَّفاوُتِ بَيْنَ السَّكِينَتَيْنِ: فَسَكِينَةُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - سَكِينَةُ اطْمِئْنانٍ عَلى المُسْلِمِينَ الَّذِينَ مَعَهُ وثِقَةٍ بِالنَّصْرِ، وسَكِينَةُ المُؤْمِنِينَ سَكِينَةُ ثَباتٍ وشَجاعَةٍ بَعْدَ الجَزَعِ والخَوْفِ.
والجُنُودُ جَمْعُ جُنْدٍ. والجُنْدُ اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وهو الجَماعَةُ المُهَيَّئَةُ لِلْحَرْبِ، وواحِدُهُ بِياءِ النَّسَبِ: جُنْدِيٌّ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ﴾ [البقرة: ٢٤٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَدْ يُطْلَقُ الجُنْدُ عَلى الأُمَّةِ العَظِيمَةِ ذاتِ القُوَّةِ، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ [البروج: ١٧] ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ [البروج: ١٨] في سُورَةِ البُرُوجِ والمُرادُ بِالجُنُودِ هُنا جَماعاتٌ مِنَ المَلائِكَةِ مُوَكَّلُونَ بِهَزِيمَةِ المُشْرِكِينَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ أنْزَلَ، أيْ أرْسَلَها اللَّهُ لِنُصْرَةِ المُؤْمِنِينَ وإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ، ولِذَلِكَ قالَ لَمْ تَرَوْها ولِكَوْنِ المَلائِكَةِ مَلائِكَةَ النَّصْرِ أطْلَقَ عَلَيْها اسْمَ الجُنُودِ.
وتَعْذِيبُهُ الَّذِينَ كَفَرُوا: هو تَعْذِيبُ القَتْلِ والأسْرِ والسَّبْيِ.
والإشارَةُ بِـ ﴿وذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ إلى العَذابِ المَأْخُوذِ مِن عَذَّبَ
9:27Page 191
ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢٧
Then Allāh will accept repentance after that for whom He wills; and Allāh is Forgiving and Merciful.
﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
ثُمَّ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ، عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٢٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿وذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٦] . وهَذا إشارَةٌ إلى إسْلامِ هَوازِنَ بَعْدَ تِلْكَ الهَزِيمَةِ فَإنَّهم
صفحة ١٥٩
جاءُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُسْلِمِينَ تائِبِينَ، وسَألُوهُ أنْ يَرُدَّ إلَيْهِمْ سَبْيَهم وغَنائِمَهم، فَذَلِكَ أكْبَرُ مِنَّةٍ في نَصْرِ المُسْلِمِينَ إذْ أصْبَحَ الجُنْدُ العَدُوُّ لَهم مُسْلِمِينَ مَعَهم، لا يَخافُونَهم بَعْدَ ذَلِكَ اليَوْمِ.
والمَعْنى: ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، أيْ عَلى الَّذِينَ أسْلَمُوا مِنهم فَقَوْلُهُ: ﴿يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ دَلِيلُ المَعْطُوفِ بِـ (ثُمَّ) ولِذَلِكَ أُتِيَ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ: " يَتُوبُ اللَّهُ دُونَ الفِعْلِ الماضِي: لِأنَّ المَقْصُودَ ما يَشْمَلُ تَوْبَةَ هَوازِنَ وتَوْبَةَ غَيْرِهِمْ، لِلْإشارَةِ إلى إفادَةِ تَجَدُّدِ التَّوْبَةِ عَلى كُلِّ مَن تابَ إلى اللَّهِ لا يَخْتَصُّ بِها هَوازِنَ فَتَوْبَتُهُ عَلى هَوازِنَ قَدْ عَرَفَها المُسْلِمُونَ، فَأعْلِمُوا بِأنَّ اللَّهَ يُعامِلُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كُلَّ مَن نَدِمَ وتابَ، فالمَعْنى: ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ لِإفادَةِ أنَّ المَغْفِرَةَ مِن شَأْنِهِ تَعالى، وأنَّهُ رَحِيمٌ بِعِبادِهِ إنْ أنابُوا إلَيْهِ وتَرَكُوا الإشْراكَ بِهِ.
9:28Page 191
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسٞ فَلَا يَقۡرَبُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ بَعۡدَ عَامِهِمۡ هَٰذَاۚ وَإِنۡ خِفۡتُمۡ عَيۡلَةٗ فَسَوۡفَ يُغۡنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦٓ إِن شَآءَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٢٨
O you who have believed, indeed the polytheists are unclean, so let them not approach al-Masjid al-Ḥarām after this, their [final] year. And if you fear privation, Allāh will enrich you from His bounty if He wills. Indeed, Allāh is Knowing and Wise.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلرُّجُوعِ إلى غَرَضِ إقْصاءِ المُشْرِكِينَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ المُفادِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٧] الآيَةَ، جِيءَ بِهِ لِتَأْكِيدِ الأمْرِ بِإبْعادِهِمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ مَعَ تَعْلِيلِهِ بِعِلَّةٍ أُخْرى تَقْتَضِي إبْعادَهم عَنْهُ: وهي أنَّهم نَجَسٌ، فَقَدْ عَلَّلَ فِيما مَضى بِأنَّهم شاهِدُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ، فَلَيْسُوا أهْلًا لِتَعْمِيرِ المَسْجِدِ المَبْنِيِّ لِلتَّوْحِيدِ، وعَلَّلَ هُنا بِأنَّهم نَجَسٌ فَلا يَعْمُرُوا المَسْجِدَ لِطَهارَتِهِ.
ونَجَسٌ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ، اسْمٌ لِلشَّيْءِ الَّذِي النَّجاسَةُ صِفَةٌ مُلازِمَةٌ لَهُ، وقَدْ أُنِيطَ وصْفُ النَّجاسَةِ بِهِمْ بِصِفَةِ الإشْراكِ، فَعَلِمْنا أنَّها نَجاسَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ نَفْسانِيَّةٌ ولَيْسَتْ نَجاسَةً ذاتِيَّةً.
صفحة ١٦٠
والنَّجاسَةُ المَعْنَوِيَّةُ: هي اعْتِبارُ صاحِبِ وصْفٍ مِنَ الأوْصافِ مُحَقَّرًا مُتَجَنَّبًا مِنَ النّاسِ فَلا يَكُونُ أهْلًا لِفَضْلٍ ما دامَ مُتَلَبِّسًا بِالصِّفَةِ الَّتِي جَعَلَتْهُ كَذَلِكَ، فالمُشْرِكُ نَجَسٌ لِأجْلِ عَقِيدَةِ إشْراكِهِ، وقَدْ يَكُونُ جَسَدُهُ نَظِيفًا مُطَيَّبًا لا يَسْتَقْذِرُ، وقَدْ يَكُونُ مَعَ ذَلِكَ مُسْتَقْذَرُ الجَسَدِ مُلَطَّخًا بِالنَّجاساتِ لِأنَّ دِينَهُ لا يُطْلَبُ مِنهُ التَّطَهُّرُ، ولَكِنْ تَنَظُّفُهم يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ عَوائِدِهِمْ وبِيئَتِهِمْ. والمَقْصُودُ مِن هَذا الوَصْفِ لَهم في الإسْلامِ تَحْقِيرُهم وتَبْعِيدُهم عَنْ مَجامِعِ الخَيْرِ، ولا شَكَّ أنَّ خَباثَةَ الِاعْتِقادِ أدْنى بِصاحِبِها إلى التَّحْقِيرِ مِن قَذارَةِ الذّاتِ، ولِذَلِكَ أوْجَبَ الغُسْلَ عَلى المُشْرِكِ إذا أسْلَمَ انْخِلاعًا عَنْ تِلْكَ القَذارَةِ المَعْنَوِيَّةِ بِالطِّهارَةِ الحِسِّيَّةِ لِإزالَةِ خَباثَةِ نَفْسِهِ، وإنَّ طِهارَةَ الحَدَثِ لَقَرِيبٌ مِن هَذا.
وقَدْ فَرَّعَ عَلى نَجاسَتِهِمْ بِالشِّرْكِ المَنعَ مِن أنْ يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ، أيِ المَنعَ مِن حُضُورِ مَوْسِمِ الحَجِّ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا.
والإشارَةُ إلى العامِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ الآيَةُ وهو عامُ تِسْعَةٍ مِنَ الهِجْرَةِ، فَقَدْ حَضَرَ المُشْرِكُونَ مَوْسِمَ الحَجِّ فِيهِ وأُعْلِنَ لَهم فِيهِ أنَّهم لا يَعُودُونَ إلى الحَجِّ بَعْدَ ذَلِكَ العامِ، وإنَّما أُمْهِلُوا إلى بَقِيَّةِ العامِ لِأنَّهم قَدْ حَصَلُوا في المَوْسِمِ، والرُّجُوعُ إلى ءافاقِهِمْ مُتَفاوِتٌ فَأُرِيدَ مِنَ العامِ مَوْسِمَ الحَجِّ، وإلّا فَإنَّ نِهايَةَ العامِ بِانْسِلاخِ ذِي الحِجَّةِ وهم قَدْ أُمْهِلُوا إلى نِهايَةِ المُحَرَّمِ بِقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢]
وإضافَةُ (العامِ) إلى ضَمِيرِ (هم) لِمَزِيدِ اخْتِصاصِهِمْ بِحُكْمٍ هائِلٍ في ذَلِكَ العامِ كَقَوْلِ أبِي الطَّيِّبِ:
فَإنْ كانَ أعْجَبَكم عامُكم فَعُودُوا إلى مِصْرَ في القابِلِ
وصِيغَةُ الحَصْرِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ لِإفادَةِ نَفْيِ التَّرَدُّدِ في اعْتِبارِهِمْ نَجَسًا، فَهو لِلْمُبالَغَةِ في اتِّصافِهِمْ بِالنَّجاسَةِ حَتّى كَأنَّهم لا وصْفَ لَهم إلّا النِّجَسِيَّةَ.
ووَصْفُ (العامِ) باسِمِ الإشارَةِ لِزِيادَةِ تَمْيِيزِهِ وبَيانِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ﴾ ظاهِرُهُ نَهْيٌ لِلْمُشْرِكِينَ عَنِ القُرْبِ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ. ومُواجَهَةُ المُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ تَقْتَضِي نَهْيَ المُسْلِمِينَ عَنْ أنْ يَقْرُبَ المُشْرِكُونَ المَسْجِدَ الحَرامَ. جَعَلَ النَّهْيَ في صُورَةِ نَهْيِ المُشْرِكِينَ عَنْ ذَلِكَ مُبالَغَةً في نَهْيِ المُؤْمِنِينَ حِينَ جُعِلُوا
صفحة ١٦١
مُكَلَّفِينَ بِانْكِفافِ المُشْرِكِينَ عَنِ الِاقْتِرابِ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ مِن بابِ قَوْلِ العَرَبِ ”لا أرَيَنَّكَ هاهُنا“ فَلَيْسَ النَّهْيُ لِلْمُشْرِكِينَ عَلى ظاهِرِهِ.
والمَقْصُودُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ اقْتِرابِهِمْ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ النَّهْيُ عَنْ حُضُورِهِمُ الحَجَّ لِأنَّ مَناسِكَ الحَجِّ كُلَّها تَتَقَدَّمُها زِيارَةُ المَسْجِدِ الحَرامِ وتَعْقُبُها كَذَلِكَ، ولِذَلِكَ لَمّا نَزَلَتْ (بَراءَةٌ) أرْسَلَ النَّبِيءُ ﷺ بِأنْ يُنادى في المَوْسِمِ أنْ لا يَحُجَّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ وقَرِينَةُ ذَلِكَ تَوْقِيتُ ابْتِداءِ النَّهْيِ بِما بَعْدَ عامِهِمُ الحاضِرِ. فَدَلَّ عَلى أنَّ النَّهْيَ مَنظُورٌ فِيهِ إلى عَمَلٍ يَكْمُلُ مَعَ اقْتِرابِ اكْتِمالِ العامِ وذَلِكَ هو الحَجُّ. ولَوْلا إرادَةُ ذَلِكَ لَما كانَ في تَوْقِيتِ النَّهْيِ عَنِ اقْتِرابِ المَسْجِدِ بِانْتِهاءِ العامِ حِكْمَةٌ ولَكانَ النَّهْيُ عَلى الفَوْرِ.
* * *
﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ النَّهْيِ. والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ: وعْدُ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ عَنِ المَنافِعِ الَّتِي تَأْتِيهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ حِينَ كانُوا يَفِدُونَ إلى الحَجِّ فَيُنْفِقُونَ ويُهْدُونَ الهَدايا فَتَعُودُ مِنهم مَنافِعُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ وما حَوْلَها، وقَدْ أصْبَحَ أهْلُها مُسْلِمِينَ فَلا جَرَمَ أنَّ ما يَرِدُ إلَيْها مِن رِزْقٍ يَعُودُ عَلى المُؤْمِنِينَ.
والعَيْلَةُ: الِاحْتِياجُ والفَقْرُ أيْ إنَّ خَطَرَ في نُفُوسِكم خَوْفُ الفَقْرِ مِنِ انْقِطاعِ الإمْدادِ عَنْكم بِمَنعِ قَبائِلَ كَثِيرَةٍ مِنَ الحَجِّ فَإنَّ اللَّهَ سَيُغْنِيكم عَنْ ذَلِكَ. وقَدْ أغْناهُمُ اللَّهُ بِأنْ هَدى لِلْإسْلامِ أهْلَ تَبالَةَ وجُرَشَ مِن بِلادِ اليَمَنِ، فَأسْلَمُوا عَقِبَ ذَلِكَ، وكانَتْ بِلادُهم بِلادَ خَصْبٍ وزَرْعٍ فَحَمَلُوا إلى مَكَّةَ الطَّعامَ والمِيرَةَ، وأسْلَمَ أيْضًا أهْلُ جُدَّةَ وبَلَدِهِمْ مَرْفَأٌ تَرِدُ إلَيْهِ الأقْواتُ مِن مِصْرَ وغَيْرِها، فَحَمَلُوا الطَّعامَ إلى مَكَّةَ، وأسْلَمَ أهْلُ صَنْعاءَ مِنَ اليَمَنِ، وبَلَدِهِمْ تَأْتِيهِ السُّفُنُ مِن أقالِيمَ كَثِيرَةٍ مِنَ الهِنْدِ وغَيْرِها.
وقَوْلُهُ: (إنْ شاءَ) يَفْتَحُ لَهم بابَ الرَّجاءِ مَعَ التَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ في تَحْقِيقِ وعْدِهِ لِأنَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ.
صفحة ١٦٢
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ أيْ أنَّ اللَّهَ يُغْنِيكم لِأنَّهُ يَعْلَمُ ما لَكم مِنَ المَنافِعِ مِن وِفادَةِ القَبائِلِ، فَلَمّا مَنَعَكم مِن تَمْكِينِهِمْ مِنَ الحَجِّ لَمْ يَكُنْ تارِكًا مَنفَعَتَكم فَقَدَّرَ غِناكم عَنْهم بِوَسائِلَ أُخْرى عَلِمَها وأحْكَمَ تَدْبِيرَها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences