Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:32–35
9:32Page 192
يُرِيدُونَ أَن يُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَيَأۡبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٣٢
They want to extinguish the light of Allāh with their mouths, but Allāh refuses except to perfect His light, although the disbelievers dislike it.
﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ ويَأْبى اللَّهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِزِيادَةِ إثارَةِ غَيْظِ المُسْلِمِينَ عَلى أهْلِ الكِتابِ، بِكَشْفِ ما يُضْمِرُونَهُ لِلْإسْلامِ مِنَ المُمالاةِ، والتَّألُّبِ عَلى مُناواةِ الدِّينِ، حِينَ تَحَقَّقُوا أنَّهُ في انْتِشارٍ وظُهُورٍ فَثارَ حَسَدُهم وخَشَوْا ظُهُورَ فَضْلِهِ عَلى دِينِهِمْ، فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: يُرِيدُونَ عائِدٌ إلى ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [التوبة: ٢٩] والإطْفاءُ إبْطالُ الإسْراجِ وإزالَةُ النُّورِ بِنَفْخٍ عَلَيْهِ، أوْ هُبُوبِ رِياحٍ، أوْ إراقَةِ مِياهٍ عَلى الشَّيْءِ المُسْتَنِيرِ مِن سِراجٍ أوْ جَمْرٍ.
والنُّورُ الضَّوْءُ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿نُورًا وهُدًى لِلنّاسِ﴾ [الأنعام: ٩١] في سُورَةِ الأنْعامِ. والكَلامُ تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ في مُحاوَلَةِ تَكْذِيبِ النَّبِيءِ ﷺ، وصَدِّ النّاسِ عَنِ اتِّباعِ الإسْلامِ، وإعانَةِ المُناوِئِينَ لِلْإسْلامِ بِالقَوْلِ والإرْجافِ، والتَّحْرِيضِ عَلى المُقاوَمَةِ. والِانْضِمامِ إلى صُفُوفِ الأعْداءِ في الحُرُوبِ، ومُحاوَلَةِ نَصارى الشّامِ الهُجُومَ عَلى المَدِينَةِ بِحالِ مَن يُحاوِلُ إطْفاءَ نُورٍ بِنَفْخِ فَمِهِ عَلَيْهِ، فَهَذا الكَلامُ مُرَكَّبٌ مُسْتَعْمَلٌ في غَيْرِ ما وُضِعَ لَهُ عَلى طَرِيقَةِ تَشْبِيهِ الهَيْئَةِ بِالهَيْئَةِ، ومِن كَمالِ بَلاغَتِهِ أنَّهُ صالِحٌ لِتَفْكِيكِ التَّشْبِيهِ بِأنْ يُشَبَّهَ الإسْلامُ وحْدَهُ بِالنُّورِ، ويُشَبَّهَ مُحاوِلُو إبْطالِهِ بِمُرِيدِي إطْفاءِ النُّورِ ويُشَبَّهَ الإرْجافُ والتَّكْذِيبُ بِالنَّفْخِ، ومِنَ الرَّشاقَةِ أنَّ آلَةَ النَّفْخِ وآلَةَ التَّكْذِيبِ واحِدَةٌ وهي الأفْواهُ. والمِثالُ المَشْهُورُ لِلتَّمْثِيلِ الصّالِحِ لِاعْتِبارَيِ التَّرْكِيبِ والتَّفْرِيقِ قَوْلُ بَشّارٍ:
كَأنَّ مُثارَ النَّقْعِ فَوْقَ رُءُوسِنا وأسْيافَنا لَيْلٌ تَهاوى كَواكِبُهُ
ولَكِنَّ التَّفْرِيقَ في تَمْثِيلِيَّةِ الآيَةِ أشَدُّ اسْتِقْلالًا، بِخِلافِ بَيْتِ بَشّارٍ، كَما يَظْهَرُ بِالتَّأمُّلِ.
صفحة ١٧٢
وإضافَةُ النُّورِ إلى اسْمِ الجَلالَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ مُحاوَلَةَ إطْفائِهِ عَبَثٌ وأنَّ أصْحابَ تِلْكَ المُحاوَلَةِ لا يَبْلُغُونَ مُرادَهم.
والإباءُ والإبايَةُ: الِامْتِناعُ مِنَ الفِعْلِ، وهو هُنا تَمْثِيلٌ لِإرادَةِ اللَّهِ - تَعالى - إتْمامَ ظُهُورِ الإسْلامِ بِحالِ مَن يُحاوِلُهُ مُحاوِلٌ عَلى فِعْلٍ وهو يَمْتَنِعُ مِنهُ؛ لِأنَّهم لَمّا حاوَلُوا طَمْسَ الإسْلامِ كانُوا في نَفْسِ الأمْرِ مُحاوِلِينَ إبْطالَ مُرادِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ حالُهم، في نَفْسِ الأمْرِ، كَحالِ مَن يُحاوِلُ مِن غَيْرِهِ فِعْلًا وهو يَأْبى أنْ يَفْعَلَهُ.
والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ وإنْ لَمْ يَسْبِقْهُ نَفْيٌ لِأنَّهُ أُجْرِيَ فِعْلُ يَأْبى مَجْرى نَفْيِ الإرادَةِ، كَأنَّهُ قالَ: ولا يُرِيدُ اللَّهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ، ذَلِكَ أنَّ فِعْلَ أبى ونَحْوَهُ فِيهِ جانِبُ نَفْيٍ لِأنَّ إبايَةَ شَيْءٍ جَحْدٌ لَهُ، فَقَوِيَ جانِبُ النَّفْيِ هُنا لِوُقُوعِهِ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ . فَكانَ إباءُ ما يُرِيدُونَهُ في مَعْنى نَفْيِ إرادَةِ اللَّهِ ما أرادُوهُ. وبِذَلِكَ يَظْهَرُ الفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ أنْ يَقُولَ قائِلٌ ”كَرِهْتُ إلّا أخاكَ“ .
وجِيءَ بِهَذا التَّرْكِيبِ هُنا لِشِدَّةِ مُماحَكَةِ أهْلِ الكِتابِ وتَصَلُّبِهِمْ في دِينِهِمْ، ولَمْ يُجَأْ بِهِ في سُورَةِ الصَّفِّ إذْ قالَ ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ [الصف: ٨] لِأنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَكِيدُونَ لِلْمُسْلِمِينَ خُفْيَةً وفي لِينٍ وتَمَلُّقٍ.
وذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: فَشَرِبُوا مِنهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهم في قِراءَةِ الأعْمَشِ وأُبَيٍّ بِرَفْعِ (قَلِيلٌ) في سُورَةِ البَقَرَةِ: أنَّ ارْتِفاعَ المُسْتَثْنى عَلى البَدَلِيَّةِ مِن ضَمِيرِ فَشَرِبُوا عَلى اعْتِبارِ تَضْمِينِ (شَرِبُوا) مَعْنى، فَلَمْ يَطْعَمُوهُ إلّا قَلِيلٌ، مَيْلًا مَعَ مَعْنى الكَلامِ.
والإتْمامُ مُؤْذِنٌ بِالرِّيادَةِ والِانْتِشارِ ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: ويَأْبى اللَّهُ إلّا أنْ يُبْقِيَ نُورَهُ.
و(لَوْ) في (﴿ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾) اتِّصالِيَّةٌ، وهي تُفِيدُ المُبالَغَةَ بِأنَّ ما بَعْدَها أجْدَرُ بِانْتِفاءِ ما قَبْلَها لَوْ كانَ مُنْتَفِيًا. والمُبالَغَةُ بِكَراهِيَةِ الكافِرِينَ تَرْجِعُ إلى المُبالَغَةِ بِآثارِ تِلْكَ الكَراهِيَةِ، وهي التَّألُّبُ والتَّظاهُرُ عَلى مُقاوَمَةِ الدِّينِ وإبْطالِهِ. وأمّا مُجَرَّدُ كَراهِيَتِهِمْ فَلا قِيمَةَ لَها عِنْدَ اللَّهِ - تَعالى - حَتّى يُبالَغَ بِها، والكافِرُونَ هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى.
9:33Page 192
هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ ٣٣
It is He who has sent His Messenger with guidance and the religion of truth to manifest it over all religion, although they who associate others with Allāh dislike it.
صفحة ١٧٣
﴿هو الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾
بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿ويَأْبى اللَّهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢] بِأنَّهُ أرْسَلَ رَسُولَهُ بِهَذا الدِّينِ، فَلا يُرِيدُ إزالَتَهُ، ولا يَجْعَلُ تَقْدِيرَهُ باطِلًا وعَبَثًا. وفي هَذا البَيانِ تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ الرَّسُولِ بَعْدَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الدِّينِ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ صِيغَةُ قَصْرٍ، أيْ هو لا غَيْرُهُ أرْسَلَ رَسُولَهُ بِهَذا النُّورِ، فَكَيْفَ يَتْرُكُ مُعانِدِيهِ يُطْفِئُونَهُ.
واجْتِلابُ اسْمُ المَوْصُولِ: لِلْإيماءِ إلى أنَّ مَضْمُونَ الصِّلَةِ عِلَّةٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي بُنِيَتْ عَلَيْها هَذِهِ الجُمْلَةُ وهي جُمْلَةٌ ﴿ويَأْبى اللَّهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢]
وعَبَّرَ عَنِ الإسْلامِ ﴿بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ﴾ تَنْوِيهًا بِفَضْلِهِ، وتَعْرِيضًا بِأنَّ ما هم عَلَيْهِ لَيْسَ بِهُدًى ولا حَقٍّ.
وفِعْلُ الإظْهارِ إذا عُدِّيَ بِـ عَلى كانَ مُضَمَّنًا مَعْنى النَّصْرِ، أوِ التَّفْضِيلِ، أيْ لِيَنْصُرَهُ عَلى الأدْيانِ كُلِّها، أيْ لِيَكُونَ أشْرَفَ الأدْيانِ وأغْلَبَها، ومِنهُ المُظاهَرَةُ أيِ المُناصَرَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا﴾ [التوبة: ٤]
فالإسْلامُ كانَ أشْرَفَ الأدْيانِ: لِأنَّ مُعْجِزَةَ صِدْقِهِ القُرْآنُ، وهو مُعْجِزَةٌ تُدْرَكُ بِالعَقْلِ، ويَسْتَوِي في إدْراكِ إعْجازِها جَمِيعُ العُصُورِ، ولِخُلُوِّ هَذا الدِّينِ عَنْ جَمِيعِ العُيُوبِ في الِاعْتِقادِ والفِعْلِ، فَهو خَلِيٌّ عَنْ إثْباتِ ما لا يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعالى، وخَلِيٌّ عَنْ وضْعِ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ، وخَلِيٌّ عَنِ الدَّعْوَةِ إلى الإعْراضِ عَنِ اسْتِقامَةِ نِظامِ العالَمِ، وقَدْ فَصَّلْتُ ذَلِكَ في الكِتابِ الَّذِي سَمَّيْتُهُ أُصُولَ النِّظامِ الِاجْتِماعِيِّ في الإسْلامِ.
وظُهُورُ الإسْلامِ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ حَصَلَ في العالَمِ بِاتِّباعِ أهْلِ المِلَلِ إيّاهُ في سائِرِ الأقْطارِ، بِالرَّغْمِ عَلى كَراهِيَةِ أقْوامِهِمْ وعُظَماءِ مِلَلِهِمْ ذَلِكَ، ومُقاوَمَتِهِمْ إيّاهُ بِكُلِّ حِيلَةٍ ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ ظَهَرَ وعَلا وبانَ فَضْلُهُ عَلى الأدْيانِ الَّتِي جاوَرَها وسَلامَتُهُ مِنَ الخُرافاتِ
صفحة ١٧٤
والأوْهامِ الَّتِي تَعَلَّقُوا بِها، وما صَلُحَتْ بَعْضُ أُمُورِهِمْ إلّا فِيما حاكَوْهُ مِن أحْوالِ المُسْلِمِينَ وأسْبابِ نُهُوضِهِمْ، ولا يَلْزَمُ مِن إظْهارِهِ عَلى الأدْيانِ أنْ تَنْقَرِضَ تِلْكَ الأدْيانُ.
ولَوْ في ﴿ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ وصَلْيَةٌ مِثْلَ الَّتِي في نَظِيرَتِها. وذُكِرَ المُشْرِكُونَ هُنا لِأنَّ ظُهُورَ دِينِ الإسْلامِ أشَدُّ حَسْرَةٍ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ أُمَّةٍ؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ ابْتَدَءُوا بِمُعارَضَتِهِ وعَداوَتِهِ ودَعَوُا الأُمَمَ لِلتَّألُّبِ عَلَيْهِ واسْتَنْصَرُوا بِهِمْ فَلَمْ يُغْنُوا عَنْهم شَيْئًا، ولِأنَّ أتَمَّ مَظاهِرِ انْتِصارِ الإسْلامِ كانَ في جَزِيرَةِ العَرَبِ وهي دِيارُ المُشْرِكِينَ لِأنَّ الإسْلامَ غَلَبَ عَلَيْها، وزالَتْ مِنها جَمِيعُ الأدْيانِ الأُخْرى، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لا يَبْقى دِينانِ في جَزِيرَةِ العَرَبِ» فَلِذَلِكَ كانَتْ كَراهِيَةُ المُشْرِكِينَ ظُهُورَهُ مَحِلَّ المُبالِغَةِ في أحْوالِ إظْهارِهِ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ كَما يَظْهَرُ بِالتَّأمُّلِ.
9:34Page 192
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡأَحۡبَارِ وَٱلرُّهۡبَانِ لَيَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۗ وَٱلَّذِينَ يَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٖ ٣٤
O you who have believed, indeed many of the scholars and the monks devour the wealth of people unjustly1 and avert [them] from the way of Allāh. And those who hoard gold and silver and spend it not in the way of Allāh - give them tidings of a painful punishment.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ .
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِتَنْبِيهِ المُسْلِمِينَ عَلى نَقائِصِ أهْلِ الكِتابِ، تَحْقِيرًا لَهم في نُفُوسِهِمْ، لِيَكُونُوا أشِدّاءَ عَلَيْهِمْ في مُعامَلَتِهِمْ، فَبَعْدَ أنْ ذَكَرَ تَأْلِيهَ عامَّتِهِمْ لِأفاضِلَ مِن أحْبارِهِمْ ورُهْبانِهِمُ المُتَقَدِّمِينَ: مِثْلَ عُزَيْرَ، بَيَّنَ لِلْمُسْلِمِينَ أنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ المُتَأخِّرِينَ لَيْسُوا عَلى حالِ كَمالٍ، ولا يَسْتَحِقُّونَ المَقامَ الدِّينِيَّ الَّذِي يَنْتَحِلُونَهُ، والمَقْصُودُ مِن هَذا التَّنْبِيهِ أنْ يَعْلَمَ المُسْلِمُونَ تَمالُؤَ الخاصَّةِ والعامَّةِ مِن أهْلِ الكِتابِ، عَلى الضَّلالِ وعَلى مُناواةِ الإسْلامِ، وأنَّ غَرَضَهم مِن ذَلِكَ حُبُّ الخاصَّةِ الِاسْتِيثارُ بِالسِّيادَةِ، وحُبُّ العامَّةِ الِاسْتِيثارُ بِالمَزِيَّةِ بَيْنَ العَرَبِ.
وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِالنِّداءِ واقْتِرانُها بِحَرْفَيِ التَّأْكِيدِ، لِلِاهْتِمامِ بِمَضْمُونِها ورَفْعِ احْتِمالِ المُبالَغَةِ فِيهِ لِغَرابَتِهِ.
وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الأحْبارِ والرُّهْبانِ آنِفًا.
صفحة ١٧٥
وأُسْنِدَ الحُكْمُ إلى كَثِيرٍ مِنهم دُونَ جَمِيعِهِمْ لِأنَّهم لَمْ يَخْلُوا مِن وُجُودِ الصّالِحِينَ فِيهِمْ مِثْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ ومُخَيْرِيقٍ.
والباطِلُ ضِدُّ الحَقِّ، أيْ يَأْكُلُونَ أمْوالَ النّاسِ أكْلًا مُلابِسًا لِلْباطِلِ، أيْ أكْلًا لا مُبَرِّرَ لَهُ، وإطْلاقُ الأكْلِ عَلى أخْذِ مالِ الغَيْرِ إطْلاقٌ شائِعٌ قالَ تَعالى، ﴿وتَأْكُلُونَ التُّراثَ أكْلًا لَمًّا﴾ [الفجر: ١٩] وقالَ ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ وتُدْلُوا بِها إلى الحُكّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِن أمْوالِ النّاسِ بِالإثْمِ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ، وكَذَلِكَ الباطِلُ تَقَدَّمَ هُنالِكَ.
والباطِلُ يَشْمَلُ وُجُوهًا كَثِيرَةً، مِنها تَغْيِيرُ الأحْكامِ الدِّينِيَّةِ لِمُوافَقَةِ أهْواءِ النّاسِ، ومِنها القَضاءُ بَيْنَ النّاسِ بِغَيْرِ إعْطاءِ صاحِبِ الحَقِّ حَقَّهُ المُعَيَّنَ لَهُ في الشَّرِيعَةِ، ومِنها جَحْدُ الأماناتِ عَنْ أرْبابِها أوْ عَنْ ورَثَتِهِمْ، ومِنها أكْلُ أمْوالِ اليَتامى، وأمْوالِ الأوْقافِ والصَّدَقاتِ.
وسَبِيلُ اللَّهِ طَرِيقُهُ اسْتُعِيرَ لِدِينِهِ المُوَصِّلِ إلَيْهِ، أيْ إلى رِضاهُ. والصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الإعْراضُ عَنْ مُتابَعَةِ الدِّينِ الحَقِّ في خاصَّةِ النَّفْسِ، وإغْراءِ النّاسِ بِالإعْراضِ عَنْ ذَلِكَ. فَيَكُونُ هَذا بِالنِّسْبَةِ لِأحْكامِ دِينِهِمْ إذْ يُغَيِّرُونَ العَمَلَ بِها، ويُضَلِّلُونَ العامَّةَ في حَقِيقَتِها حَتّى يَعْلَمُوا بِخِلافِها، وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم مُتَّبِعُونَ لِدِينِهِمْ، ويَكُونُ ذَلِكَ أيْضًا بِالنِّسْبَةِ إلى دِينِ الإسْلامِ إذْ يُنْكِرُونَ نُبُوءَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ويُعْلِمُونَ أتْباعَ مِلَّتِهِمْ أنَّ الإسْلامَ لَيْسَ بِدِينِ الحَقِّ.
ولِأجَلِ ما في الصَّدِّ مِن مَعْنى صَدِّ الفاعِلِ نَفْسَهُ أتَتْ صِيغَةُ مُضارِعِهِ بِضَمِّ العَيْنِ: اعْتِبارًا بِأنَّهُ مُضاعَفٌ مُتَعَدٍّ، ولِذَلِكَ لَمْ يَجِئْ في القُرْآنِ إلّا مَضْمُومَ الصّادِ ولَوْ في المَواضِعِ الَّتِي لا يُرادُ فِيها أنَّهُ يَصُدُّ غَيْرَهُ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ شَيْءٍ مِن هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا﴾ [الأعراف: ٤٥] في سُورَةِ الأعْرافِ.
* * *
صفحة ١٧٦
﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾
جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيرًا﴾ والمُناسَبَةُ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ: أنَّ كِلْتَيْهِما تَنْبِيهٌ عَلى مَساوِي أقْوامٍ يَضَعُهُمُ النّاسُ في مَقاماتِ الرِّفْعَةِ والسُّؤْدُدِ ولَيْسُوا أهْلًا لِذَلِكَ، فَمَضْمُونُ الجُمْلَةِ الأُولى بَيانُ مَساوِي أقْوامٍ رَفَعَ النّاسُ أقْدارَهم لِعِلْمِهِمْ ودِينِهِمْ، وكانُوا مُنْطَوِينَ عَلى خَبائِثَ خَفِيَّةٍ، ومَضْمُونُ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ بَيانُ مَساوِي أقْوامٍ رَفَعَهُمُ النّاسُ لِأجْلِ أمْوالِهِمْ، فَبَيَّنَ اللَّهُ أنَّ تِلْكَ الأمْوالَ إذا لَمْ تُنْفَقْ في سَبِيلِ اللَّهِ لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا مِنَ العَذابِ.
وأمّا وجْهُ مُناسَبَةِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ: فَذَلِكَ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ إثْرَ غَزْوَةِ تَبُوكٍ، وكانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكٍ في وقْتِ عُسْرَةٍ، وكانَتِ الحاجَةُ إلى العُدَّةِ والظَّهْرِ كَثِيرَةً، كَما أشارَتْ إلَيْهِ آيَةُ ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وأعْيُنُهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا ألّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩٢] وقَدْ ورَدَ في السِّيرَةِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَضَّ أهْلَ الغِنى عَلى النَّفَقَةِ والحُمْلانِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وقَدْ أنْفَقَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ ألْفَ دِينارٍ ذَهَبًا عَلى جَيْشِ غَزْوَةِ تَبُوكٍ وحَمَلَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الغِنى فالَّذِينَ انْكَمَشُوا عَنِ النَّفَقَةِ هُمُ الَّذِينَ عَنَتْهُمُ الآيَةُ بِـ ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ولا شَكَّ أنَّهم مِنَ المُنافِقِينَ.
والكَنْزُ بِفَتْحِ الكافِ مَصْدَرُ كَنَزَ إذا ادَّخَرَ مالًا، ويُطْلَقُ عَلى المالِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ الَّذِي يُخَزَّنُ، مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ كالخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ.
وسَبِيلُ اللَّهِ هو الجِهادُ الإسْلامِيُّ وهو المُرادُ هُنا.
فالمَوْصُولُ مُرادٌ بِهِ قَوْمٌ مَعْهُودُونَ يَعْرِفُونَ أنَّهُمُ المُرادُ مِنَ الوَعِيدِ، ويَعْرِفُهُمُ المُسْلِمُونَ فَلِذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ أنَّبَ قَوْمًا بِأعْيانِهِمْ.
صفحة ١٧٧
ومَعْنى ﴿ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ انْتِفاءُ الإنْفاقِ الواجِبِ، وهو الصَّدَقاتُ الواجِبَةُ والنَّفَقاتُ الواجِبَةُ: إمّا وُجُوبًا مُسْتَمِرًّا كالزَّكاةِ، وإمّا وُجُوبًا عارِضًا كالنَّفَقَةِ في الحَجِّ الواجِبِ، والنَّفَقَةِ في نَوائِبِ المُسْلِمِينَ مِمّا يَدْعُو النّاسَ إلَيْهِ وُلاةُ العَدْلِ.
والضَّمِيرُ المُؤَنَّثُ في قَوْلِهِ: ”يُنْفِقُونَها“ عائِدٌ إلى الذَّهَبِ والفِضَّةِ.
والوَعِيدُ مَنُوطٌ بِالكَنْزِ وعَدَمِ الإنْفاقِ، فَلَيْسَ الكَنْزُ وحْدَهُ بِمُتَوَعَّدٍ عَلَيْهِ، ولَيْسَتِ الآيَةُ في مَعْرِضِ أحْكامِ ادِّخارِ المالِ، وفي مَعْرِضِ إيجابِ الإنْفاقِ، ولا هي في تَعْيِينِ سُبُلِ البِرِّ والمَعْرُوفِ الَّتِي يَجِبُ الإخْراجُ لِأجْلِها مِنَ المالِ، ولا داعِيَ إلى تَأْوِيلِ الكَنْزِ بِالمالِ الَّذِي لَمْ تُؤَدَّ زَكاتُهُ حِينَ وُجُوبِها، ولا إلى تَأْوِيلِ الإنْفاقِ بِأداءِ الزَّكاةِ الواجِبَةِ، ولا إلى تَأْوِيلِ سَبِيلِ اللَّهِ بِالصَّدَقاتِ الواجِبَةِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِاسْمِ المَوْصُولِ العُمُومَ بَلْ أُرِيدَ بِهِ العَهْدُ، فَلا حاجَةَ إلى ادِّعاءِ أنَّها نَسَخَتْها آيَةُ وُجُوبِ الزَّكاةِ، فَإنَّ وُجُوبَ الزَّكاةِ سابِقٌ عَلى وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ.
ووَقَعَ في المُوَطَّأِ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ سُئِلَ عَنِ الكَنْزِ، أيِ المَذْمُومِ المُتَوَعَّدِ عَلَيْهِ في آيَةِ ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ الآيَةَ ما هو فَقالَ: هو المالُ الَّذِي لا تُؤَدّى مِنهُ الزَّكاةُ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ «مَن كانَ عِنْدَهُ مالٌ لَمْ يُؤَدِّ زَكاتَهُ مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ شُجاعًا أقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتانِ يُطَوِّقُهُ ثُمَّ يَأْخُذُ بِلَهْزَمَتَيْهِ يَعْنِي شِدْقَيْهِ ثُمَّ يَقُولُ: أنا مالُكَ أنا كَنْزُكَ» فَتَأْوِيلُهُ أنَّ ذَلِكَ بَعْضُ مالِهِ وبَعْضُ كَنْزِهِ، أيْ فَهو بَعْضُ الكَنْزِ المَذْمُومِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ ولَيْسَ كُلُّ كَنْزٍ مَذْمُومًا.
وشَذَّ أبُو ذَرٍّ فَحَمَلَ الآيَةَ عَلى عُمُومِ الكانِزِينَ في جَمِيعِ أحْوالِ الكَنْزِ، وعَلى عُمُومِ الإنْفاقِ، وحَمَلَ سَبِيلَ اللَّهِ عَلى وُجُوهِ البِرِّ، فَقالَ بِتَحْرِيمِ كَنْزِ المالِ، وكَأنَّهُ تَأوَّلَ ولا يُنْفِقُونَها عَلى مَعْنى ما يُسَمّى عَطْفُ التَّفْسِيرِ، أيْ عَلى مَعْنى العَطْفِ لِمُجَرَّدِ القَرْنِ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، فَكانَ أبُو ذَرٍّ بِالشّامِ يَنْهى النّاسَ عَلى الكَنْزِ ويَقُولُ: بَشِّرِ الكانِزِينَ بِمَكاوٍ مِن نارٍ تُكْوى بِها جِباهُهم وجَنُوبُهم وظُهُورُهم، فَقالَ لَهُ مُعاوِيَةُ، وهو أمِيرُ الشّامِ، في خِلافَةِ عُثْمانَ: إنَّما نَزَلَتِ الآيَةُ في أهْلِ الكِتابِ، فَقالَ أبُو ذَرٍّ: نَزَلَتْ فِيهِمْ وفِينا، واشْتَدَّ قَوْلُ أبِي ذَرٍّ عَلى النّاسِ ورَأوْهُ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ
صفحة ١٧٨
عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وصاحِبَيْهِ فَشَكاهُ مُعاوِيَةُ إلى عُثْمانَ، فاسْتَجْلَبَهُ مِنَ الشّامِ وخَشِيَ أبُو ذَرٍّ الفِتْنَةَ في المَدِينَةِ فاعْتَزَلَها وسَكَنَ الرَّبْذَةَ وثَبَتَ عَلى رَأْيِهِ وقَوْلِهِ.
والفاءُ في قَوْلِهِ: ”فَبَشِّرْهم“ داخِلَةٌ عَلى خَبَرِ المَوْصُولِ، لِتَنْزِيلِ المَوْصُولِ مَنزِلَةَ الشَّرْطِ، لِما فِيهِ مِنَ الإيماءِ إلى تَعْلِيلِ الصِّلَةِ في الخَبَرِ، فَضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدٌ إلى الَّذِينَ ويَجُوزُ كَوْنُ الضَّمِيرِ عائِدًا إلى الأحْبارِ والرُّهْبانِ والَّذِينَ يَكْنِزُونَ. والفاءُ لِلْفَصِيحَةِ بِأنْ يَكُونَ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ آكِلِي الأمْوالِ الصّادِّينَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وذَكَرَ الكانِزِينَ، أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يُنْذِرَ جَمِيعَهم بِالعَذابِ، فَدَلَّتِ الفاءُ عَلى شَرْطٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: إذا عَلِمْتَ أحْوالَهم هَذِهِ فَبِشِّرْهم والتَّبْشِيرُ مُسْتَعارٌ لِلْوَعِيدِ عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ.
9:35Page 192
يَوۡمَ يُحۡمَىٰ عَلَيۡهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكۡوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمۡ وَجُنُوبُهُمۡ وَظُهُورُهُمۡۖ هَٰذَا مَا كَنَزۡتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَكۡنِزُونَ ٣٥
The Day when it1 will be heated in the fire of Hell and seared therewith will be their foreheads, their flanks, and their backs, [it will be said], "This is what you hoarded for yourselves, so taste what you used to hoard."
﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجَنُوبُهم وظُهُورُهم هَذا ما كَنَزْتُمْ لِأنْفُسِكم فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾
انْتَصَبَ ﴿يَوْمَ يُحْمى﴾ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِـ عَذابٍ، لِما في لَفْظِ ”عَذابٍ“ مِن مَعْنى يُعَذَّبُونَ. وضَمِيرُ عَلَيْها عائِدٌ إلى الذَّهَبِ والفِضَّةِ بِتَأْوِيلِهِما بِالدَّنانِيرِ والدَّراهِمِ، أوْ عائِدٌ إلى ”أمْوالِ النّاسِ“ و﴿الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤]، إنْ كانَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ [التوبة: ٣٤] عائِدًا إلى الأحْبارِ والرُّهْبانِ والَّذِينَ يَكْنِزُونَ.
والحَمْيُ شِدَّةُ الحَرارَةِ. يُقالُ: حَمِيَ الشَّيْءُ إذا اشْتَدَّ حَرُّهُ.
والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِعَلى عائِدٌ إلى ﴿الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] بِاعْتِبارِ أنَّها دَنانِيرُ أوْ دَراهِمُ، وهي مُتَعَدِّدَةٌ وبُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَجْهُولِ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِالفاعِلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ يَحْمِي الحامُونَ عَلَيْها، وأُسْنِدَ الفِعْلُ المَبْنِيُّ لِلْمَجْهُولِ إلى المَجْرُورِ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِذِكْرِ المَفْعُولِ المَحْمِيِّ لِظُهُورِهِ: إذْ هو النّارُ الَّتِي تُحْمى، ولِذَلِكَ لَمْ يُقْرَنْ بِعَلامَةِ التَّأْنِيثِ، عُدِّيَ بِعَلى الدّالَّةِ عَلى الِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ لِإفادَةِ أنَّ الحَمْيَ تَمَكَّنَ مِنَ الأمْوالِ بِحَيْثُ تَكْتَسِبُ حَرارَةَ المَحْمِيِّ كُلَّها، ثُمَّ أُكِدَّ مَعْنى التَّمَكُّنِ بِمَعْنى الظَّرْفِيَّةِ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿فِي نارِ جَهَنَّمَ﴾ فَصارَتِ الأمْوالُ مَحْمِيَّةً عَلَيْها النّارُ ومَوْضُوعَةً في النّارِ.
صفحة ١٧٩
وبِإضافَةِ النّارِ إلى جَهَنَّمَ عُلِمَ أنَّ المَحْمِيَّ هو نارُ جَهَنَّمَ الَّتِي هي أشَدُّ نارٍ في الحَرارَةِ فَجاءَ تَرْكِيبًا بَدِيعًا مِنَ البَلاغَةِ والمُبالَغَةِ في إيجازٍ.
والكَيُّ أنْ يُوضَعَ عَلى الجِلْدِ جَمْرٌ أوْ شَيْءٌ مُشْتَعِلٌ.
والجِباهُ جَمْعُ جَبْهَةٍ وهي أعْلى الوَجْهِ مِمّا يَلِي الرَّأْسَ.
والجُنُوبُ جَمْعُ جَنْبٍ وهو جانِبُ الجَسَدِ مِنَ اليَمِينِ واليَسارِ.
والظُّهُورُ جَمْعُ ظَهَرٍ وهو ما بَيْنَ العَنْفَقَةِ إلى مُنْتَهى فَقارِ العَظْمِ.
والمَعْنى: تَعْمِيمُ جِهاتِ الأجْسادِ بِالكَيِّ فَإنَّ تِلْكَ الجِهاتِ مُتَفاوِتَةٌ ومُخْتَلِفَةٌ في الإحْساسِ بِألَمِ الكَيِّ، فَيَحْصُلُ مَعَ تَعْمِيمِ الكَيِّ إذاقَةٌ لِأصْنافٍ مِنَ الآلامِ.
وسُلِكَ في التَّعْبِيرِ عَنِ التَّعْمِيمِ مَسْلَكُ الإطْنابِ بِالتَّعْدادِ لِاسْتِحْضارِ حالَةِ ذَلِكَ العِقابِ الألِيمِ، تَهْوِيلًا لِشَأْنِهِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: فَتُكْوى بِها أجْسادُهم.
وكَيْفِيَّةُ إحْضارِ تِلْكَ الدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ لِتُحْمى مِن شُئُونِ الآخِرَةِ الخارِقَةِ لِلْعاداتِ المَأْلُوفَةِ فَبِقُدْرَةِ اللَّهِ تُحْضَرُ تِلْكَ الدَّنانِيرُ والدَّراهِمُ أوْ أمْثالُها كَما ورَدَ في حَدِيثِ مانِعِ الزَّكاةَ في المُوَطَّأِ والصَّحِيحَيْنِ أنَّهُ «يُمَثَّلُ لَهُ مالُهُ شُجاعًا أقْرَعَ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ يَقُولُ: ”أنا مالُكَ أنا كَنْزُكَ“» وبِقُدْرَةِ اللَّهِ يُكْوى المُمْتَنِعُونَ مِن إنْفاقِها في سَبِيلِ اللَّهِ، وإنْ كانَتْ قَدْ تَداوَلَ أعْيانَها خَلْقٌ كَثِيرٌ في الدُّنْيا بِانْتِقالِها مِن يَدٍ إلى يَدٍ، ومِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، ومِن عَصْرٍ إلى عَصْرٍ.
وجُمْلَةُ ﴿هَذا ما كَنَزْتُمْ لِأنْفُسِكُمْ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، وحَذْفُ القَوْلِ في مِثْلِهِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ، والإشارَةُ إلى المَحْمِيِّ، وزِيادَةُ قَوْلِهِ: ﴿لِأنْفُسِكُمْ﴾ لِلتَّنْدِيمِ والتَّغْلِيظِ. ولامُ التَّعْلِيلِ مُؤْذِنَةٌ بِقَصْدِ الِانْتِفاعِ لِأنَّ الفِعْلَ الَّذِي عُلِّلَ بِها هو مِن فِعْلِ المُخاطَبِ، وهو لا يَفْعَلُ شَيْئًا لِأجْلِ نَفْسِهِ إلّا لِأنَّهُ يُرِيدُ بِهِ راحَتِها ونَفْعِها، فَلَمّا آلَ بِهِمُ الكَنْزُ إلى العَذابِ الألِيمِ كانُوا قَدْ خابُوا وخَسِرُوا فِيما انْتَفَعُوا بِهِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، بِما كانَ أضْعافًا مُضاعَفَةً مِن ألَمِ العَذابِ وجُمْلَةُ ﴿فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ تَوْبِيخٌ وتَنْدِيمٌ.
والفاءُ في فَذُوقُوا لِتَفْرِيعِ مَضْمُونِ جُمْلَةِ التَّوْبِيخِ عَلى جُمْلَةِ التَّنْدِيمِ الأُولى.
صفحة ١٨٠
والذَّوْقُ مَجازٌ في الحِسِّ بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥] في سُورَةِ العُقُودِ.
و﴿ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ مَفْعُولٌ لِفِعْلِ الذَّوْقِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ يُعْلَمُ مِنَ المَقامِ: أيْ ذُوقُوا عَذابَ ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ.
وعَبَّرَ بِالمَوْصُولِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى غَلَطِهِمْ فِيما كَنَزُوا لِقَصْدِ التَّنْدِيمِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences