Ibn 'AshurAt‑Tawbah · 9:50–58

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:50–58

9:50Page 195

إِن تُصِبۡكَ حَسَنَةٞ تَسُؤۡهُمۡۖ وَإِن تُصِبۡكَ مُصِيبَةٞ يَقُولُواْ قَدۡ أَخَذۡنَآ أَمۡرَنَا مِن قَبۡلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمۡ فَرِحُونَ ٥٠

If good befalls you, it distresses them; but if disaster strikes you, they say, "We took our matter [in hand] before,"1 and turn away while they are rejoicing.

صفحة ٢٢٢

﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ ويَتَوَلَّوْا وهم فَرِحُونَ﴾

تَتَنَزَّلُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَنزِلَةَ البَيانِ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٥]، وما بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ اسْتِدْلالٌ عَلى كَذِبِهِمْ في ما اعْتَذَرُوا بِهِ وأظْهَرُوا الِاسْتِئْذانَ لِأجْلِهِ، وبَيَّنَ هُنا أنَّ تَرَدُّدَهم هو أنَّهم يَخْشَوْنَ ظُهُورَ أمْرِ المُسْلِمِينَ، فَلِذَلِكَ لا يُصارِحُونَهم بِالإعْراضِ ويَوَدُّونَ خَيْبَةَ المُؤْمِنِينَ، فَلِذَلِكَ لا يُحِبُّونَ الخُرُوجَ مَعَهم.

والحَسَنَةُ: الحادِثَةُ الَّتِي تُحْسِنُ لِمَن حَلَّتْ بِهِ واعْتَرَتْهُ. والمُرادُ بِها هُنا النَّصْرُ والغَنِيمَةُ.

والمُصِيبَةُ مُشْتَقَّةٌ مِن أصابَ بِمَعْنى حَلَّ ونالَ وصادَفَ، وخُصَّتِ المُصِيبَةُ في اللُّغَةِ بِالحادِثَةِ الَّتِي تَعْتَرِي الإنْسانَ فَتَسُوءُهُ وتُحْزِنُهُ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْها بِالسَّيِّئَةِ في قَوْلِهِ تَعالى، في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ: ﴿إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها﴾ [آل عمران: ١٢٠] . والمُرادُ بِها الهَزِيمَةُ في المَوْضِعَيْنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ﴾ [الأعراف: ٩٥] في سُورَةِ الأعْرافِ.

وقَوْلُهم ﴿قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ﴾ ابْتِهاجٌ مِنهم بِمُصادَفَةِ أعْمالِهِمْ ما فِيهِ سَلامَتُهم فَيَزْعُمُونَ أنَّ يَقَظَتَهم وحَزْمَهم قَدْ صادَفا المَحَزَّ، إذِ احْتاطُوا لَهُ قَبْلَ الوُقُوعِ في الضُّرِّ.

والأخْذُ حَقِيقَتُهُ التَّناوُلُ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلِاسْتِعْدادِ والتَّلافِي.

والأمْرُ الحالُ المُهِمُّ صاحِبَهُ، أيْ: قَدِ اسْتَعْدَدْنا لِما يُهِمُّنا فَلَمْ نَقَعْ في المُصِيبَةِ.

والتَّوَلِّي حَقِيقَتُهُ الرُّجُوعُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ﴾ [البقرة: ٢٠٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وهو هُنا تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ في تَخَلُّصِهِمْ مِنَ المُصِيبَةِ، الَّتِي قَدْ كانَتْ تَحِلُّ بِهِمْ لَوْ خَرَجُوا مَعَ المُسْلِمِينَ، بِحالِ مَن أشْرَفُوا عَلى خَطَرٍ ثُمَّ سَلِمُوا مِنهُ ورَجَعُوا فارِحِينَ مَسْرُورِينَ بِسَلامَتِهِمْ وبِإصابَةِ أعْدائِهِمْ.

9:51Page 195

قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوۡلَىٰنَاۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٥١

Say, "Never will we be struck except by what Allāh has decreed for us; He is our protector." And upon Allāh let the believers rely.

صفحة ٢٢٣

﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هو مَوْلانا وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾

تَلْقِينُ جَوابٍ لِقَوْلِهِمْ ﴿قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ﴾ [التوبة: ٥٠] المُنْبِئِ عَنْ فَرَحِهِمْ بِما يَنالُ المُسْلِمِينَ مِن مُصِيبَةٍ بِإثْباتِ عَدَمِ اكْتِراثِ المُسْلِمِينَ بِالمُصِيبَةِ وانْتِفاءِ حُزْنِهِمْ عَلَيْها لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ ما أصابَهم ما كانَ إلّا بِتَقْدِيرِ اللَّهِ لِمَصْلَحَةِ المُسْلِمِينَ في ذَلِكَ، فَهو نَفْعٌ مَحْضٌ كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ تَعْدِيَةُ فِعْلِ (كَتَبَ) بِاللّامِ المُؤْذِنَةِ بِأنَّهُ كَتَبَ ذَلِكَ لِنَفْعِهِمْ ومَوْقِعُ هَذا الجَوابِ هو أنَّ العَدُوَّ يَفْرَحُ بِمُصابِ عَدُوِّهِ لِأنَّهُ يُنَكِّدُ عَدُوَّهُ ويُحْزِنُهُ، فَإذا عَلِمُوا أنَّ النَّبِيءَ لا يَحْزَنُ لِما أصابَهُ زالَ فَرَحُهم.

وفِيهِ تَعْلِيمٌ لِلْمُسْلِمِينَ التَّخَلُّقَ بِهَذا الخُلُقِ: وهو أنْ لا يَحْزَنُوا لِما يُصِيبُهم لِئَلّا يَهِنُوا وتَذْهَبَ قُوَّتُهم، كَما قالَ - تَعالى: ﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران: ١٣٩] . وأنْ يَرْضَوْا بِما قَدَّرَ اللَّهُ لَهم ويَرْجُوا رِضى رَبِّهِمْ لِأنَّهم واثِقُونَ بِأنَّ اللَّهَ يُرِيدُ نَصْرَ دِينِهِ.

وجُمْلَةُ هو مَوْلانا في مَوْضِعِ الحالِ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ، أوْ مُعْتَرِضَةٌ أيْ لا يُصِيبُنا إلّا ما قَدَّرَهُ اللَّهُ لَنا، ولَنا الرَّجاءُ بِأنَّهُ لا يَكْتُبُ لَنا إلّا ما فِيهِ خَيْرُنا العاجِلُ أوِ الآجِلُ؛ لِأنَّ المَوْلى لا يَرْضى لِمَوْلاهُ الخِزْيَ.

وجُمْلَةُ ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ قُلْ فَهي مِن كَلامِ اللَّهِ - تَعالى - خَبَرًا في مَعْنى الأمْرِ، أيْ قُلْ ذَلِكَ ولا تَتَوَكَّلُوا إلّا عَلى اللَّهِ دُونَ نُصْرَةِ هَؤُلاءِ، أيِ اعْتَمِدُوا عَلى فَضْلِهِ عَلَيْكم.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ لَنْ يُصِيبَنا أيْ قُلْ ذَلِكَ لَهم، وقُلْ لَهم إنَّ المُؤْمِنِينَ لا يَتَوَكَّلُونَ إلّا عَلى اللَّهِ، أيْ يُؤْمِنُونَ بِأنَّهُ مُؤَيِّدُهم، ولَيْسَ تَأْيِيدُهم بِإعانَتِكم، وتَفْصِيلُ هَذا الإجْمالِ في الجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَها. والفاءُ الدّاخِلَةُ عَلى ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ فاءٌ تَدُلُّ عَلى مَحْذُوفٍ مُفَرَّعٍ عَلَيْهِ اقْتَضاهُ تَقْدِيمُ المَعْمُولِ، أيْ عَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ.

9:52Page 195

قُلۡ هَلۡ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحۡدَى ٱلۡحُسۡنَيَيۡنِۖ وَنَحۡنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمۡ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٖ مِّنۡ عِندِهِۦٓ أَوۡ بِأَيۡدِينَاۖ فَتَرَبَّصُوٓاْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ ٥٢

Say, "Do you await for us except one of the two best things [i.e., martyrdom or victory] while we await for you that Allāh will afflict you with punishment from Himself or at our hands? So wait; indeed we, along with you, are waiting."

صفحة ٢٢٤

﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكم أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ أوْ بِأيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾

تَتَنَزَّلُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَنزِلَةَ البَيانِ لِما تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا﴾ [التوبة: ٥١] الآيَةَ، ولِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ عَلَيْها، والمُبَيَّنُ هو إجْمالُ ﴿ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هو مَوْلانا﴾ [التوبة: ٥١] كَما تَقَدَّمَ.

والمَعْنى لا تَنْتَظِرُونَ مِن حالِنا إلّا حَسَنَةً عاجِلَةً أوْ حَسَنَةً آجِلَةً فَأمّا نَحْنُ فَنَنْتَظِرُ مِن حالِكم أنْ يُعَذِّبَكُمُ اللَّهُ في الآخِرَةِ بِعَذابِ النّارِ، أوْ في الدُّنْيا بِعَذابٍ عَلى غَيْرِ أيْدِينا مِن عَذابِ اللَّهِ في الدُّنْيا: كالجُوعِ والخَوْفِ، أوْ بِعَذابٍ بِأيْدِينا وهو عَذابُ القَتْلِ، إذا أذِنَ اللَّهُ بِحَرْبِكم، كَما في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦٠] الآيَةَ.

والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في النَّفْيِ بِقَرِينَةِ الِاسْتِثْناءِ. ومَعْنى الكَلامِ تَوْبِيخٌ لَهم وتَخْطِئَةٌ لِتَرَبُّصِهِمْ لِأنَّهم يَتَرَبَّصُونَ بِالمُسْلِمِينَ أنْ يُقْتَلُوا، ويَغْفُلُونَ عَنِ احْتِمالِ أنْ يَنْصُرُوا فَكانَ المَعْنى: لا تَتَرَبَّصُونَ بِنا إلّا أنْ نُقْتَلَ أوْ نَغْلِبَ وذَلِكَ إحْدى الحُسْنَيَيْنِ.

والتَّرَبُّصُ انْتِظارُ حُصُولِ شَيْءٍ مَرْغُوبٍ حُصُولُهُ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ. أنْ يَكُونَ انْتِظارُ حُصُولِ شَيْءٍ لِغَيْرِ المُنْتَظِرِ بِكَسْرِ الظّاءِ ولِذَلِكَ كَثُرَتْ تَعْدِيَةُ فِعْلِ التَّرَبُّصِ بِالباءِ لِأنَّ المُتَرَبِّصَ يَنْتَظِرُ شَيْئًا مُصاحِبًا لِآخَرَ هو الَّذِي لِأجْلِهِ الِانْتِظارُ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فَقَدْ نَزَلَتْ ”أنْفُسِهِنَّ“ مَنزِلَةَ المُغايِرِ لِلْمُبالَغَةِ في وُجُوبِ التَّرَبُّصِ، ولِذَلِكَ قالَ في الكَشّافِ " في ذِكْرِ الأنْفُسِ تَهْيِيجٌ لَهُنَّ عَلى التَّرَبُّصِ وزِيادَةُ بَعْثٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ هُنالِكَ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦] فَهو عَلى أصْلِ الِاسْتِعْمالِ لِأنَّهُ تَرَبُّصٌ بِأزْواجِهِمْ.

وجُمْلَةُ ﴿ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ عَطْفَ الخَبَرِ عَلى الإنْشاءِ: بَلْ عَلى خَبَرٍ في صُورَةِ الإنْشاءِ، فَهي مِن مَقُولِ القَوْلِ ولَيْسَ فِيها مَعْنى

صفحة ٢٢٥

الِاسْتِفْهامِ. والمَعْنى: وُجُودُ البَوْنِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ في عاقِبَةِ الحَرْبِ في حالَيِ الغَلَبَةِ والهَزِيمَةِ.

وجُعِلَتْ جُمْلَةُ ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ اسْمِيَّةً فَلَمْ يَقُلْ ونَتَرَبَّصُ بِكم بِخِلافِ الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها: لِإفادَةِ تَقْوِيَةِ التَّرَبُّصِ، وكِنايَةً عَنْ تَقْوِيَةِ حُصُولِ المُتَرَبِّصِ لِأنَّ تَقْوِيَةَ التَّرَبُّصِ تُفِيدُ قُوَّةَ الرَّجاءِ في حُصُولِ المُتَرَبِّصِ فَتُفِيدُ قُوَّةَ حُصُولِهِ وهو المُكْنى عَنْهُ.

وتَفَرَّعَ عَلى جُمْلَةِ ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا﴾ جُمْلَةُ ﴿فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ لِأنَّهُ إذا كانَ تَرَبُّصُ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ مُسْفِرًا عَنْ إحْدى الحالَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ كانَ فَرِيقُ المُؤْمِنِينَ أرْضى الفَرِيقَيْنِ بِالمُتَرَبِّصِينَ لِأنَّ فِيهِما نَفْعَهُ وضَرَّ عَدُوِّهِ.

والأمْرُ في قَوْلِهِ: تَرَبَّصُوا لِلتَّحْضِيضِ المَجازِيِّ المُفِيدِ قِلَّةَ الِاكْتِراثِ بِتَرَبُّصِهِمْ كَقَوْلِ طَرِيفِ بْنِ تَمِيمٍ العَنْبَرِيِّ:

فَتَوَسَّمُونِي إنَّنِي أنا ذالِكم شاكِي سِلاحِي في الحَوادِثِ مُعْلَمِ

وجُمْلَةُ ﴿إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ تَهْدِيدٌ لِلْمُخاطَبِينَ والمَعِيَّةُ هُنا: مَعِيَّةٌ في التَّرَبُّصِ، أوْ في زَمانِهِ، وفُصِلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَنِ الَّتِي قَبْلَها لِأنَّها كالعِلَّةِ لِلْحَضِّ.

9:53Page 195

قُلۡ أَنفِقُواْ طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهٗا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمۡ إِنَّكُمۡ كُنتُمۡ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ٥٣

Say, "Spend willingly or unwillingly; never will it be accepted from you. Indeed, you have been a defiantly disobedient people."

﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾

ابْتِداءُ كَلامٍ هو جَوابٌ عَنْ قَوْلِ بَعْضِ المُسْتَأْذِنِينَ مِنهم في التَّخَلُّفِ ”وأنا أُعِينُكَ بِمالِي“ . رُوِيَ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ هو الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، أحَدُ بَنِي سَلَمَةَ، الَّذِي نَزَلَ فِيهِ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة: ٤٩] كَما تَقَدَّمَ، وكانَ مُنافِقًا. وكَأنَّهم قالُوا ذَلِكَ مَعَ شِدَّةِ شُحِّهِمْ لِأنَّهم ظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ يُرْضِي النَّبِيءَ ﷺ عَنْ قُعُودِهِمْ عَنِ الجِهادِ.

وقَوْلُهُ: (﴿طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾) أيْ بِمالٍ تَبْذُلُونَهُ عِوَضًا عَنِ الغَزْوِ، أوْ بِمالٍ تُنْفِقُونَهُ طَوْعًا مَعَ خُرُوجِكم إلى الغَزْوِ، فَقَوْلُهُ: طَوْعًا إدْماجٌ لِتَعْمِيمِ أحْوالِ الإنْفاقِ في عَدَمِ

صفحة ٢٢٦

القَبُولِ فَإنَّهم لا يُنْفِقُونَ إلّا كَرْهًا لِقَوْلِهِ - تَعالى - بَعْدَ هَذا ﴿ولا يُنْفِقُونَ إلّا وهم كارِهُونَ﴾ [التوبة: ٥٤]

والأمْرُ في أنْفِقُوا لِلتَّسْوِيَةِ أيْ: أنْفِقُوا أوْ لا تُنْفِقُوا، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ أوْ في قَوْلِهِ: طَوْعًا أوْ كَرْهًا وهو في مَعْنى الخَبَرِ الشَّرْطِيِّ لِأنَّهُ في قُوَّةِ أنْ يُقالَ: لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكم إنْ أنْفَقْتُمْ طَوْعًا أوْ أنْفَقْتُمْ كَرْهًا، ألا تَرى أنَّهُ قَدْ يَجِيءُ بَعْدَ أمْثالِهِ الشَّرْطُ في مَعْناهُ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهم إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] .

والكَرْهُ أشَدُّ الإلْزامِ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ الطَّوْعِ مَراتِبُ تُعْلَمُ إرادَتُها بِالأوْلى، وانْتَصَبَ طَوْعًا أوْ كَرْهًا عَلى النِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ بِتَقْدِيرِ: إنْفاقَ طَوْعٍ أوْ إنْفاقَ كَرْهٍ. ونائِبُ فاعِلِ ”يُتَقَبَّلَ“: هو ”مِنكم“ أيْ لا يُتَقَبَّلُ مِنكم شَيْءٌ ولَيْسَ المُقَدَّرُ الإنْفاقَ المَأْخُوذَ مِن أنْفِقُوا بَلِ المَقْصُودُ العُمُومُ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِنَفْيِ التَّقَبُّلِ، ولِذَلِكَ وقَعَتْ فِيها إنَّ المُفِيدَةُ لِمَعْنى فاءِ التَّعْلِيلِ؛ لِأنَّ الكافِرَ لا يُتَقَبَّلُ مِنهُ عَمَلُ البِرِّ. والمُرادُ بِالفاسِقِينَ: الكافِرُونَ، ولِذَلِكَ أعْقَبَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهم إلّا أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٥٤] . وإنَّما اخْتِيرَ وصْفُ الفاسِقِينَ دُونَ الكافِرِينَ لِأنَّهم يُظْهِرُونَ الإسْلامَ ويُبْطِنُونَ الكُفْرَ، فَكانُوا كالمائِلِينَ عَنِ الإسْلامِ إلى الكُفْرِ. والمَقْصُودُ مِن هَذا تَأْيِيسُهم مِنَ الِانْتِفاعِ بِما بَذَلُوهُ مِن أمْوالِهِمْ، فَلَعَلَّهم كانُوا يَحْسَبُونَ أنَّ الإنْفاقَ في الغَزْوِ يَنْفَعُهم عَلى تَقْدِيرِ صِدْقِ دَعْوَةِ الرَّسُولِ ﷺ، وهَذا مِن شَكِّهِمْ في أمْرِ الدِّينِ، فَتَوَهَّمُوا أنَّهم يَعْمَلُونَ أعْمالًا تَنْفَعُ المُسْلِمِينَ يَجِدُونَها عِنْدَ الحَشْرِ عَلى فَرْضِ ظُهُورِ صِدْقِ الرَّسُولِ. ويَبْقَوْنَ عَلى دِينِهِمْ فَلا يَتَعَرَّضُونَ لِلْمَهالِكِ في الغَزْوِ ولا لِلْمَشاقِّ، وهَذا مِن سُوءِ نَظَرِ أهْلِ الضَّلالَةِ كَما حَكى اللَّهُ - تَعالى - عَنْ بَعْضِهِمْ ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] إذْ حَسِبَ أنَّهُ يُحْشَرُ يَوْمَ البَعْثِ بِحالَتِهِ الَّتِي كانَ فِيها في الحَياةِ إذا صَدَقَ إخْبارُ الرَّسُولِ بِالبَعْثِ.

9:54Page 195

وَمَا مَنَعَهُمۡ أَن تُقۡبَلَ مِنۡهُمۡ نَفَقَٰتُهُمۡ إِلَّآ أَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِۦ وَلَا يَأۡتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلَّا وَهُمۡ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمۡ كَٰرِهُونَ ٥٤

And what prevents their expenditures from being accepted from them but that they have disbelieved in Allāh and in His Messenger and that they come not to prayer except while they are lazy and that they do not spend except while they are unwilling.

صفحة ٢٢٧

﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهم إلّا أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ ولا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إلّا وهم كُسالى ولا يُنْفِقُونَ إلّا وهم كارِهُونَ﴾ .

عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٥٣] لِأنَّ هَذا بَيانٌ لِلتَّعْلِيلِ لِعَدَمِ قَبُولِ نَفَقاتِهِمْ بِزِيادَةِ ذِكْرِ سَبَبَيْنِ آخَرَيْنِ مانِعَيْنِ مِن قَبُولِ أعْمالِهِمْ هُما مِن آثارِ الكُفْرِ والفُسُوقِ. وهُما: أنَّهم لا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إلّا وهم كُسالى، وأنَّهم لا يُنْفِقُونَ إلّا وهم كارِهُونَ. والكُفْرُ وإنْ كانَ وحْدَهُ كافِيًا في عَدَمِ القَبُولِ، إلّا أنَّ ذِكْرَ هَذَيْنِ السَّبَبَيْنِ إشارَةٌ إلى تَمَكُّنِ الكُفْرِ مِن قُلُوبِهِمْ وإلى مَذَمَّتِهِمْ بِالنِّفاقِ الدّالِّ عَلى الجُبْنِ والتَّرَدُّدِ. فَذِكْرُ الكُفْرِ بَيانٌ لِذِكْرِ الفُسُوقِ، وذِكْرُ التَّكاسُلِ عَنِ الصَّلاةِ لِإظْهارِ أنَّهم مُتَهاوِنُونَ بِأعْظَمِ عِبادَةٍ فَكَيْفَ يَكُونُ إنْفاقُهم عَنْ إخْلاصٍ ورَغْبَةٍ. وذِكْرُ الكَراهِيَةِ في الإنْفاقِ لِإظْهارِ عَدَمِ الإخْلاصِ في هَذِهِ الخَصْلَةِ المُتَحَدَّثِ عَنْها.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (أنْ يُقْبَلَ مِنهم) بِالمُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ لِأنَّ جَمْعَ غَيْرِ المُؤَنَّثِ الحَقِيقِيِّ يَجُوزُ فِيهِ التَّذْكِيرُ وضِدُّهُ.

9:55Page 196

فَلَا تُعۡجِبۡكَ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُمۡۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَتَزۡهَقَ أَنفُسُهُمۡ وَهُمۡ كَٰفِرُونَ ٥٥

So let not their wealth or their children impress you. Allāh only intends to punish them through them in worldly life and that their souls should depart [at death] while they are disbelievers.

﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوَلُهم ولا أوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُّنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾

تَفْرِيعٌ عَلى مَذَمَّةِ حالِهِمْ في أمْوالِهِمْ، وأنَّ وفْرَةَ أمْوالِهِمْ لا تُوجِبُ لَهم طُمَأْنِينَةَ بالٍ، بِإعْلامِ المُسْلِمِينَ أنَّ ما يَرَوْنَ بَعْضَ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ فِيهِ مِن مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَحَلَّ إعْجابِ المُؤْمِنِينَ، وأنْ يَحْسَبُوا المُنافِقِينَ قَدْ نالُوا شَيْئًا مِنَ الحَظِّ العاجِلِ بِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ في عَذابِهِمْ في الدُّنْيا.

فالخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ، والمُرادُ تَعْلِيمُ الأُمَّةِ.

صفحة ٢٢٨

ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ كَشَفَ سِرًّا مِن أسْرارِ نُفُوسِ المُنافِقِينَ بِأنَّهُ خَلَقَ في نُفُوسِهِمْ شُحًّا وحِرْصًا عَلى المالِ وفِتْنَةً بِتَوْفِيرِهِ والإشْفاقِ مِن ضَياعِهِ، فَجَعَلَهم بِسَبَبِ ذَلِكَ في عَناءٍ وعَذابٍ مِن جَرّاءِ أمْوالِهِمْ، فَهم في كَبَدٍ مِن جَمْعِها. وفي خَوْفٍ عَلَيْها مِنَ النُّقْصانِ، وفي ألَمٍ مِن إنْفاقِ ما يُلْجِئُهُمُ الحالُ إلى إنْفاقِهِ مِنها، فَقَدْ أرادَ اللَّهُ تَعْذِيبَهم في الدُّنْيا بِما الشَّأْنُ أنْ يَكُونَ سَبَبَ نَعِيمٍ وراحَةٍ، وتَمَّ مُرادُهُ. وهَذا مِن أشَدِّ العُقُوباتِ الدُّنْيَوِيَّةِ وهَذا شَأْنُ البُخَلاءِ وأهْلِ الشُّحِّ مُطْلَقًا، إلّا أنَّ المُؤْمِنِينَ مِنهم لَهم مَسْلاةٌ عَنِ الرَّزايا بِما يَرْجُونَ مِنَ الثَّوابِ عَلى الإنْفاقِ أوْ عَلى الصَّبْرِ. ثُمَّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الخُلُقُ قَدْ جَبَلَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن وقْتِ وُجُودِهِمْ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ بَواعِثِ كُفْرِهِمْ ونِفاقِهِمْ، إذِ الخُلُقُ السَّيِّئُ يَدْعُو بَعْضُهُ بَعْضًا، فَإنَّ الكُفْرَ خُلُقٌ سَيِّئٌ فَلا عَجَبَ أنْ تَنْساقَ إلَيْهِ نَفْسُ البَخِيلِ الشَّحِيحِ، والنِّفاقُ يَبْعَثُ عَلَيْهِ الخُلُقُ السَّيِّئُ مِنَ الجُبْنِ والبُخْلِ، لِيَتَّقِي صاحِبُهُ المَخاطِرَ، وكَذَلِكَ الشَّأْنُ في أوْلادِهِمْ إذْ كانُوا في فِتْنَةٍ مِنَ الخَوْفِ عَلى إيمانِ بَعْضِ أوْلادِهِمْ، وعَلى خِلافٍ بَيْنَهم وبَيْنَ بَعْضِ أوْلادِهِمُ المُوَفَّقِينَ إلى الإسْلامِ: مِثْلِ حَنْظَلَةَ بْنِ أبِي عامِرٍ المُلَقَّبِ غِسِّيلَ المَلائِكَةِ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فَكانَ ذَلِكَ مِن تَعْذِيبِ أبَوَيْهِما.

ولِكَوْنِ ذِكْرِ الأوْلادِ كالتَّكْمِلَةِ هُنا لِزِيادَةِ بَيانِ عَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِكُلِّ ما هو مَظِنَّةُ أنْ يَنْتَفِعَ بِهِ النّاسُ، عُطِفَ الأوْلادُ بِإعادَةِ حَرْفِ النَّفْيِ بَعْدَ العاطِفِ، إيماءً إلى أنَّ ذِكْرَهم كالتَّكْمِلَةِ والِاسْتِطْرادِ.

واللّامُ في (لِيُعَذِّبَهم) لِلتَّعْلِيلِ: تَعَلَّقَتْ بِفِعْلِ الإرادَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُرادَ حِكْمَةٌ وعِلَّةٌ فَتُغْنِي عَنْ مَفْعُولِ الإرادَةِ، وأصْلُ فِعْلِ الإرادَةِ أنْ يُعَدّى بِنَفْسِهِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ويُعَدّى غالِبًا بِاللّامِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ. وقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] في سُورَةِ النِّساءِ وقَوْلِ كُثَيِّرٍ:

أُرِيدُ لِأنْسى حُبَّها فَكَأنَّما تَمَثَّلُ لِي لَيْلى بِكُلِّ مَكانِ

ورُبَّما عَدُّوهُ بِاللّامِ وكَيْ مُبالَغَةً في التَّعْلِيلِ كَقَوْلِ قَيْسِ بْنِ عُبادَةَ:

أرَدْتُ لِكَيْما يَعْلَمَ النّاسُ أنَّهاسَراوِيلُ قَيْسٍ والوُفُودُ شُهُودُ

صفحة ٢٢٩

وهَذِهِ اللّامُ كَثِيرٌ وُقُوعُها بَعْدَ مادَّةِ الإرادَةِ ومادَّةِ الأمْرِ. وبَعْضُ القُرّاءِ سَمّاها (لامَ أنْ) - بِفَتْحِ الهَمْزَةِ - وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم في سُورَةِ النِّساءِ.

فَقَوْلُهُ: (﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾) مُتَعَلِّقٌ بِـ (﴿يُعَذِّبْهُمُ﴾ [التوبة: ١٤]) ومُحاوَلَةُ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ تَعَسُّفٌ وعُطِفَ (وتَزْهَقَ) عَلى (﴿لِيُعَذِّبَهُمْ﴾) بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ أرادَهُ اللَّهُ لَهم عِنْدَما رَزَقَهُمُ الأمْوالَ والأوْلادَ فَيُعْلَمُ مِنهُ: أنَّهُ أرادَ مَوْتَهم عَلى الكُفْرِ، فَيَسْتَغْرِقُ التَّعْذِيبُ بِأمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ حَياتَهم كُلَّها؛ لِأنَّهم لَوْ آمَنُوا في جُزْءٍ مِن آخَرِ حَياتِهِمْ لَحَصَلَ لَهم في ذَلِكَ الزَّمَنِ انْتِفاعٌ ما بِأمْوالِهِمْ ولَوْ مَعَ الشُّحِّ.

وجُمْلَةُ وهم كافِرُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُضافِ إلَيْهِ لِأنَّهُ إذا زُهِقَتِ النَّفْسُ في حالِ الكُفْرِ فَقَدْ ماتَ كافِرًا.

والإعْجابُ اسْتِحْسانٌ مَشُوبٌ بِاسْتِغْرابٍ وسُرُورٍ مِنَ المَرْئِيِّ قالَ - تَعالى: ﴿ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠] أيِ اسْتَحْسَنْتَ مَرْأى وفْرَةِ عَدَدِهِ.

والزُّهُوقُ الخُرُوجُ بِشِدَّةٍ وضِيقٍ، وقَدْ شاعَ ذِكْرُهُ في خُرُوجِ الرُّوحِ مِنَ الجَسَدِ، وسَيَأْتِي مِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ.

9:56Page 196

وَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمۡ لَمِنكُمۡ وَمَا هُم مِّنكُمۡ وَلَٰكِنَّهُمۡ قَوۡمٞ يَفۡرَقُونَ ٥٦

And they swear by Allāh that they are from among you while they are not from among you; but they are a people who are afraid.

﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكم ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾

هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها مِن أخْبارِ أهْلِ النِّفاقِ. وضَمائِرُ الجَمْعِ عائِدَةٌ إلَيْهِمْ، قُصِدَ مِنها إبْطالُ ما يُمَوِّهُونَ بِهِ عَلى المُسْلِمِينَ مِن تَأْكِيدِ كَوْنِهِمْ مُؤْمِنِينَ بِالقَسَمِ عَلى أنَّهم مِنَ المُؤْمِنِينَ.

فَمَعْنى ”إنَّهم لَمِنكم“ أيْ بَعْضٌ مِنَ المُخاطَبِينَ ولَمّا كانَ المُخاطَبُونَ مُؤْمِنِينَ، كانَ التَّبْعِيضُ عَلى اعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِالإيمانِ، بِقَرِينَةِ القَسَمِ لِأنَّهم تَوَجَّسُوا شَكَّ المُؤْمِنِينَ في أنَّهم مِثْلُهم.

صفحة ٢٣٠

والفَرَقُ: الخَوْفُ الشَّدِيدُ.

واخْتِيارُ صِيغَةِ المُضارِعِ في قَوْلِهِ: (ويَحْلِفُونَ) وقَوْلِهِ: (يَفْرَقُونَ) لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ وأنَّ ذَلِكَ دَأْبُهم.

ومُقْتَضى الِاسْتِدْراكِ: أنْ يَكُونَ المُسْتَدْرَكُ أنَّهم لَيْسُوا مِنكم، أيْ كافِرُونَ، فَحُذِفَ المُسْتَدْرَكُ اسْتِغْناءً بِأداةِ الِاسْتِدْراكِ، وذُكِرَ ما هو كالجَوابِ عَنْ ظاهِرِ حالِهِمْ مِنَ الإيمانِ بِأنَّهُ تَظاهُرٌ باطِلٌ وبِأنَّ الَّذِي دَعاهم إلى التَّظاهُرِ بِالإيمانِ في حالِ كُفْرِهِمْ: هو أنَّهم يَفْرَقُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَحَصَلَ إيجازٌ بَدِيعٌ في الكَلامِ إذِ اسْتُغْنِيَ بِالمَذْكُورِ عَنْ جُمْلَتَيْنِ مَحْذُوفَتَيْنِ.

وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ يَفْرَقُونَ لِظُهُورِهِ، أيْ يَخافُونَ مِن عَداوَةِ المُسْلِمِينَ لَهم وقِتالِهِمْ إيّاهم أوْ إخْراجِهِمْ، كَما قالَ - تَعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠] ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦١] .

وقَوْلُهُ: ﴿وما هم مِنكم ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ كَلامٌ مُوَجَّهٌ لِصَلاحِيَّتِهِ لِأنْ يَكُونَ مَعْناهُ أيْضًا وما هم مِنكم ولَكِنَّهم قَوْمٌ مُتَّصِفُونَ بِصِفَةِ الجُبْنِ، والمُؤْمِنُونَ مِن صِفَتِهِمُ الشَّجاعَةُ والعِزَّةُ، فالَّذِينَ يَفْرَقُونَ لا يَكُونُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وفي مَعْنى هَذا قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿قالَ يا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] وقَوْلُ مُساوِرِ بْنِ هِنْدٍ في ذَمِّ بَنِي أسَدٍ:

زَعَمْتُمْ أنَّ إخْوَتَكم قُرَيْشٌ لَهم إلْفٌ ولَيْسَ لَكم إلافُ ∗∗∗ أُولَئِكَ أُومِنُوا جُوعًا وخَوْفًاوَقَدْ جاعَتْ بَنُو أسَدٍ وخافُوا

فَيَكُونُ تَوْجِيهًا بِالثَّناءِ عَلى المُؤْمِنِينَ، ورُبَّما كانَتِ الآيَةُ المَذْكُورَةُ عَقِبَها أوْفَقَ بِهَذا المَعْنى. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ اخْتِلافَ الخُلُقِ مانِعٌ مِنَ المُواصَلَةِ والمُوافَقَةِ.

9:57Page 196

لَوۡ يَجِدُونَ مَلۡجَـًٔا أَوۡ مَغَٰرَٰتٍ أَوۡ مُدَّخَلٗا لَّوَلَّوۡاْ إِلَيۡهِ وَهُمۡ يَجۡمَحُونَ ٥٧

If they could find a refuge or some caves or any place to enter [and hide], they would turn to it while they run heedlessly.

صفحة ٢٣١

﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أوْ مَغاراتٍ أوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إلَيْهِ وهم يَجْمَحُونَ﴾

بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [التوبة: ٥٦]

والمَلْجَأُ مَكانُ اللَّجَإ، وهو الإيواءُ والِاعْتِصامُ.

والمَغاراتُ جَمْعُ مَغارَةٍ، وهي الغارُ المُتِّسِعُ الَّذِي يَسْتَطِيعُ الإنْسانُ الوُلُوجَ فِيهِ، ولِذَلِكَ اشْتُقَّ لَها المَفْعَلُ: الدّالُّ عَلى مَكانِ الفِعْلِ، مِن غارَ الشَّيْءُ إذا دَخَلَ في الأرْضِ. والمُدَّخَلُ مُفْتَعَلٌ اسْمُ مَكانٍ لِلِادِّخالِ الَّذِي هو افْتِعالٌ مِنَ الدُّخُولِ. قُلِبَتْ تاءُ الِافْتِعالِ دالًا لِوُقُوعِها بَعْدَ الدّالِ، كَما أُبْدِلَتْ في ادّانَ، وبِذَلِكَ قَرَأهُ الجُمْهُورُ. وقَرَأ يَعْقُوبُ وحْدَهُ أوْ مَدْخَلًا - بِفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ الدّالِ - اسْمُ مَكانٍ مِن دَخَلَ.

ومَعْنى لَوَلَّوْا إلَيْهِ لانْصَرَفُوا إلى أحَدِ المَذْكُوراتِ وأصْلُ ولّى أعْرَضَ ولَمّا كانَ الإعْراضُ يَقْتَضِي جِهَتَيْنِ: جِهَةً يَنْصَرِفُ عَنْها، وجِهَةً يَنْصَرِفُ إلَيْها، كانَتْ تَعْدِيَتُهُ بِأحَدِ الحَرْفَيْنِ تُعَيِّنُ المُرادَ.

(والجُمُوحُ) حَقِيقَتُهُ النُّفُورُ، واسْتُعْمِلَ هُنا تَمْثِيلًا لِلسُّرْعَةِ مَعَ الخَوْفِ.

والمَعْنى: أنَّهم لِخَوْفِهِمْ مِنَ الخُرُوجِ إلى الغَزْوِ لَوْ وجَدُوا مَكانًا مِمّا يَخْتَفِي فِيهِ المُخْتَفِي فَلا يَشْعُرُ بِهِ النّاسُ لَقَصَدُوهُ مُسْرِعِينَ خَشْيَةَ أنْ يَعْزِمَ عَلَيْهِمُ الخُرُوجُ إلى الغَزْوِ.

9:58Page 196

وَمِنۡهُم مَّن يَلۡمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ فَإِنۡ أُعۡطُواْ مِنۡهَا رَضُواْ وَإِن لَّمۡ يُعۡطَوۡاْ مِنۡهَآ إِذَا هُمۡ يَسۡخَطُونَ ٥٨

And among them are some who criticize you concerning the [distribution of] charities. If they are given from them, they approve; but if they are not given from them, at once they become angry.

﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ فَإنْ أُعْطُوا مِنها رَضُوا وإنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنها إذا هم يَسْخَطُونَ﴾

عُرِفَ المُنافِقُونَ بِالشُّحِّ كَما قالَ اللَّهُ - تَعالى: أشِحَّةً عَلَيْكم وقالَ ﴿أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ﴾ [الأحزاب: ١٩] ومِن شُحِّهِمْ أنَّهم يَوَدُّونَ أنَّ الصَّدَقاتِ تُوَزَّعُ عَلَيْهِمْ فَإذا رَأوْها تُوَزَّعُ

صفحة ٢٣٢

عَلى غَيْرِهِمْ طَعَنُوا في إعْطائِها بِمَطاعِنَ يُلْقُونَها في أحادِيثِهِمْ، ويُظْهِرُونَ أنَّهم يَغارُونَ عَلى مُسْتَحِقِّيها، ويَشْمَئِزُّونَ مِن صَرْفِها في غَيْرِ أهْلِها، وإنَّما يَرُومُونَ بِذَلِكَ أنْ تُقْصَرَ عَلَيْهِمْ.

رُوِيَ «أنَّ أبا الجَوّاظِ، مِنَ المُنافِقِينَ، طَعَنَ في أنْ أعْطى النَّبِيءُ ﷺ مِن أمْوالِ الصَّدَقاتِ بَعْضَ ضُعَفاءِ الأعْرابِ رِعاءِ الغَنَمِ، إعانَةً لَهم، وتَأْلِيفًا لِقُلُوبِهِمْ، فَقالَ: ما هَذا بِالعَدْلِ أنْ يَضَعَ صَدَقاتِكم في رِعاءِ الغَنَمِ، وقَدْ أُمِرَ أنْ يُقَسِّمَها في الفُقَراءِ والمَساكِينِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ شافَهَ بِذَلِكَ النَّبِيءَ» ﷺ .

وعَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: أنَّها نَزَلَتْ في ذِي الخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيِّ الَّذِي قالَ لِلنَّبِيءِ ﷺ: اعْدِلْ، وكانَ ذَلِكَ في قِسْمَةِ ذَهَبٍ جاءَ مِنَ اليَمَنِ سَنَةَ تِسْعٍ، فَلَعَلَّ السَّبَبَ تَكَرَّرَ، وقَدْ كانَ ذُو الخُوَيْصِرَةِ مِنَ المُنافِقِينَ مِنَ الأعْرابِ.

واللَّمْزُ القَدْحُ والتَّعْيِيبُ مُضارِعُهُ مِن بابِ يَضْرِبُ، وبِهِ قَرَأ الجُمْهُورُ، ومِن بابِ يَنْصُرُ، وبِهِ قَرَأ يَعْقُوبُ وحْدَهُ.

وأُدْخِلَتْ (في) عَلى الصَّدَقاتِ، وإنَّما اللَّمْزُ في تَوْزِيعِها لا في ذَواتِها: لِأنَّ الِاسْتِعْمالَ يَدُلُّ عَلى المُرادِ، فَهَذا شائِعٌ مِن إسْنادِ الحُكْمِ إلى الأعْيانِ والمُرادُ أحْوالُها.

ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ أُعْطُوا مِنها رَضُوا﴾ يَحْتَمِلُ: أنَّ المُرادَ ظاهِرُ الضَّمِيرِ أنْ يَعُودَ عَلى المَذْكُورِ، أيْ إنْ أُعْطِيَ اللّامِزُونَ، أيْ أنَّ الطّاعِنِينَ يَطْمَعُونَ أنْ يَأْخُذُوا مِن أمْوالِ الصَّدَقاتِ بِوَجْهِ هَدِيَّةٍ وإعانَةٍ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن بُلُوغِهِمُ الغايَةَ في الحِرْصِ والطَّمَعِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى ما رَجَعَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (مِنهم) أيْ: فَإنْ أُعْطِيَ المُنافِقُونَ رَضِيَ اللّامِزُونَ، وإنْ أُعْطِيَ غَيْرُهم سَخِطُوا، فالمَعْنى أنَّهم يَرُومُونَ أنْ لا تُقَسَّمَ الصَّدَقاتُ إلّا عَلى فُقَرائِهِمْ ولِذَلِكَ كَرِهَ أبُو الجَوّاظِ أنْ يُعْطى الأعْرابُ مِنَ الصَّدَقاتِ.

ولَمْ يُذْكَرْ مُتَعَلِّقُ رَضُوا؛ لِأنَّ المُرادَ صارُوا راضِينَ، أيْ عَنْكَ.

ودَلَّتْ (إذا) الفُجائِيَّةُ عَلى أنَّ سَخَطَهم أمْرٌ يُفاجِئُ العاقِلَ حِينَ يَشْهَدُهُ لِأنَّهُ يَكُونُ في غَيْرِ مَظِنَّةِ سَخَطٍ، وشَأْنُ الأُمُورِ المُفاجِئَةِ أنْ تَكُونَ غَرِيبَةً في بابِها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском