Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:93–99
9:93Page 201
۞ إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسۡتَـٔۡذِنُونَكَ وَهُمۡ أَغۡنِيَآءُۚ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلۡخَوَالِفِ وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٩٣
The cause [for blame] is only upon those who ask permission of you while they are rich. They are satisfied to be with those who stay behind, and Allāh has sealed over their hearts, so they do not know.
صفحة ٥
﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وهم أغْنِياءُ رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ وطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَعْلَمُونَ﴾
لَمّا نَفَتِ الآيَتانِ السّابِقَتانِ أنْ يَكُونَ سَبِيلٌ عَلى المُؤْمِنِينَ الضُّعَفاءِ والمَرْضى والَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ والَّذِينَ لَمْ يَجِدُوا حَمُولَةً، حَصَرَتْ هَذِهِ الآيَةُ السَّبِيلَ في كَوْنِهِ عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَ في التَّخَلُّفِ وهم أغْنِياءُ، وهو انْتِقالٌ بِالتَّخَلُّصِ إلى العَوْدَةِ إلى أحْوالِ المُنافِقِينَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ ﴿يَعْتَذِرُونَ إلَيْكم إذا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٩٤]، فالقَصْرُ إضافِيٌّ بِالنِّسْبَةِ لِلْأصْنافِ الَّذِينَ نُفِيَ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ.
وفِي هَذا الحَصْرِ تَأْكِيدٌ لِلنَّفْيِ السّابِقِ، أيْ لا سَبِيلَ عِقابٍ إلّا عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وهم أغْنِياءُ. والمُرادُ بِهِمُ المُنافِقُونَ بِالمَدِينَةِ الَّذِينَ يَكْرَهُونَ الجِهادَ إذْ لا يُؤْمِنُونَ بِما وعَدَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الخَيْراتِ وهم أُولُو الطَّوْلِ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أنْ آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٨٦] الآيَةَ.
والسَّبِيلُ: حَقِيقَتُهُ الطَّرِيقُ. ومَرَّ في قَوْلِهِ: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١]، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وهم أغْنِياءُ﴾ مُسْتَعارٌ لِمَعْنى السُّلْطانِ والمُؤاخَذَةِ بِالتَّبِعَةِ، شُبِّهَ السُّلْطانُ والمُؤاخَذَةُ بِالطَّرِيقِ لِأنَّ السُّلْطَةَ يَتَوَصَّلُ بِها مَن هي لَهُ إلى تَنْفِيذِ المُؤاخَذَةِ في الغَيْرِ. ولِذَلِكَ عُدِّيَ بِحَرْفِ (عَلى) المُفِيدِ لِمَعْنى الِاسْتِعْلاءِ، وهو اسْتِعْلاءٌ مَجازِيٌّ بِمَعْنى التَّمَكُّنِ مِنَ التَّصَرُّفِ في مَدْخُولِ (عَلى) . فَكانَ هَذا التَّرْكِيبُ اسْتِعارَةً مَكْنِيَّةً رُمِزَ إلَيْها بِما هو مِن مُلائِماتِ المُشَبَّهِ بِهِ وهو حَرْفُ (عَلى) . وفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَبْعِيَّةٌ.
والتَّعْرِيفُ بِاللّامِ في قَوْلِهِ: (إنَّما السَّبِيلُ) تَعْرِيفُ العَهْدِ، والمَعْهُودُ هو السَّبِيلُ المَنفِيُّ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] عَلى قاعِدَةِ النَّكِرَةِ
صفحة ٦
إذا أُعِيدَتْ مَعْرِفَةً، أيْ إنَّما السَّبِيلُ المَنفِيُّ عَنِ المُحْسِنِينَ مُثْبَتٌ لِلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُوكَ وهم أغْنِياءُ. ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الشورى: ٤٢] في سُورَةِ الشُّورى. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالسَّبِيلِ العَذابُ.
والمَعْنى لَيْسَتِ التَّبِعَةُ والمُؤاخَذَةُ إلّا عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وهم أغْنِياءُ، الَّذِينَ أرادُوا أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ ولا عُذْرَ لَهم يُخَوِّلُهُمُ التَّخَلُّفُ. وقَدْ سَبَقَتْ آيَةُ ﴿فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٠] مِن سُورَةِ النِّساءِ، وأُحِيلَ هُنالِكَ تَفْسِيرُها عَلى ما ذَكَرْناهُ في هَذِهِ الآيَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِجَوابِ سُؤالٍ يَنْشَأُ عَنْ عِلَّةِ اسْتِيذانِهِمْ في التَّخَلُّفِ وهم أغْنِياءُ، أيْ بَعَثَهم عَلى ذَلِكَ رِضاهم بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ مِنَ النِّساءِ. وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ آنِفًا.
وأُسْنِدَ الطَّبْعُ عَلى قُلُوبِهِمْ إلى اللَّهِ في هَذِهِ الآيَةِ بِخِلافِ ما في الآيَةِ السّابِقَةِ ﴿وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ٨٧] لَعَلَّهُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ طَبْعٌ غَيْرُ الطَّبْعِ الَّذِي جُبِلُوا عَلَيْهِ بَلْ هو طَبْعٌ عَلى طَبْعٍ أنْشَأهُ اللَّهُ في قُلُوبِهِمْ لِغَضَبِهِ عَلَيْهِمْ فَحَرَمَهُمُ النَّجاةَ مِنَ الطَّبْعِ الأصْلِيِّ وزادَهم عَمايَةً، ولِأجْلِ هَذا المَعْنى فُرِعَ عَلَيْهِ فَهم لا يَعْلَمُونَ لِنَفْيِ أصْلِ العِلْمِ عَنْهم، أيْ يَكادُونَ أنْ يُساوُوا العَجْماواتِ.
9:94Page 202
يَعۡتَذِرُونَ إِلَيۡكُمۡ إِذَا رَجَعۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡۚ قُل لَّا تَعۡتَذِرُواْ لَن نُّؤۡمِنَ لَكُمۡ قَدۡ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنۡ أَخۡبَارِكُمۡۚ وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٩٤
They will make excuses to you when you have returned to them. Say, "Make no excuse - never will we believe you. Allāh has already informed us of your news [i.e., affair]. And Allāh will observe your deeds, and [so will] His Messenger; then you will be taken back to the Knower of the unseen and the witnessed,1 and He will inform you of what you used to do."
﴿يَعْتَذِرُونَ إلَيْكم إذا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكم قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ مِن أخْبارِكم وسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ ثُمَّ تَرُدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِأنَّ هَذا الِاعْتِذارَ لَيْسَ قاصِرًا عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُوكَ في التَّخَلُّفِ فَإنَّ الإذْنَ لَهم يُغْنِيهِمْ عَنِ التَّبَرُّؤِ بِالحَلِفِ الكاذِبِ، فَضَمِيرُ (يَعْتَذِرُونَ) عائِدٌ إلى أقْرَبِ
صفحة ٧
مُعادٍ وهو قَوْلُهُ: ﴿وقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [التوبة: ٩٠] فَإنَّهم فَرِيقٌ مِنَ المُنافِقِينَ فَهُمُ الَّذِينَ اعْتَذَرُوا بَعْدَ رُجُوعِ النّاسِ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ.
وجُعِلَ المُسْنَدُ فِعْلًا مُضارِعًا لِإفادَةِ التَّجَدُّدِ والتَّكْرِيرِ.
و”إذا“ هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ لِلزَّمانِ الماضِي لِأنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ القُفُولِ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ.
وجُعِلَ الرُّجُوعُ إلى المُنافِقِينَ لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ مِنَ الخَبَرِ الواقِعِ عِنْدَ الرُّجُوعِ.
والخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ لِأنَّ المُنافِقِينَ يَقْصِدُونَ بِأعْذارِهِمْ إلى النَّبِيءِ ﷺ ويُعِيدُونَها مَعَ جَماعاتِ المُسْلِمِينَ.
والنَّهْيُ في قَوْلِهِ: (لا تَعْتَذِرُوا) مُسْتَعْمَلٌ في التَّأْيِيسِ.
وجُمْلَةُ (لَنْ نُؤْمِنَ) في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ عَنِ الِاعْتِذارِ لِعَدَمِ جَدْوى الِاعْتِذارِ، يُقالُ: آمَنَ لَهُ إذا صَدَّقَهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ قَوْلُهُ - تَعالى: ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ
وجُمْلَةُ ﴿قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ مِن أخْبارِكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِنَفْيِ تَصْدِيقِهِمْ، أيْ قَدْ نَبَّأْنا اللَّهُ مِن أخْبارِكم بِما يَقْتَضِي تَكْذِيبَكم، فالإبْهامُ في المَفْعُولِ الثّانِي لِـ (نَبَّأنا) السّادِّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْنِ تَعْوِيلٌ عَلى أنَّ المَقامَ يُبَيِّنُهُ.
و(مِن) اسْمٌ بِمَعْنى بَعْضٍ، أوْ هي صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: قَدْ نَبَّأْنا اللَّهُ اليَقِينَ مِن أخْبارِكم.
وجُمْلَةُ ﴿وسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (لا تَعْتَذِرُوا)، أيْ لا فائِدَةَ في اعْتِذارِكم فَإنْ خَشِيتُمُ المُؤاخَذَةَ فاعْمَلُوا الخَيْرَ لِلْمُسْتَقْبَلِ فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ إنْ أحْسَنْتُمْ؛ فالمَقْصُودُ فَتْحُ بابِ التَّوْبَةِ لَهم، والتَّنْبِيهُ إلى المِكْنَةِ مِنِ اسْتِدْراكِ أمْرِهِمْ. وفي ذَلِكَ تَهْدِيدٌ بِالوَعِيدِ إنْ لَمْ يَتُوبُوا.
فالإخْبارُ بِرُؤْيَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ عَمَلَهم في المُسْتَقْبَلِ مُسْتَعْمَلٌ في الكِنايَةِ عَنِ التَّرْغِيبِ في العَمَلِ الصّالِحِ، والتَّرْهِيبِ مِنَ الدَّوامِ عَلى حالِهِمْ. والمُرادُ: تُمَكُّنُهم مِن إصْلاحِ ظاهِرِ
صفحة ٨
أعْمالِهِمْ، ولِذَلِكَ أرْدَفَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾، أيْ تَصِيرُونَ بَعْدَ المَوْتِ إلى اللَّهِ. فالرَّدُّ بِمَعْنى الإرْجاعِ، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦٢] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والرَّدُّ: الإرْجاعُ. والمُرادُ بِهِ هُنا مَصِيرُ النُّفُوسِ إلى عالَمِ الخُلْدِ الَّذِي لا تُصْرَفُ فِيهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ولَوْ في ظاهِرِ الأمْرِ. ولَمّا كانَتِ النُّفُوسُ مِن خَلْقِ اللَّهِ وقَدْ أنْزَلَها إلى عالَمِ الفَناءِ الدُّنْيَوِيِّ فاسْتَقَلَّتْ بِأعْمالِها مُدَّةَ العُمْرِ كانَ مَصِيرُها بَعْدَ المَوْتِ أوْ عِنْدَ البَعْثِ إلى تَصَرُّفِ اللَّهِ فِيها شَبِيهًا بِرَدِّ شَيْءٍ إلى مَقَرِّهِ أوْ إرْجاعِهِ إلى مالِكِهِ.
والغَيْبُ: ما غابَ عَنْ عِلْمِ النّاسِ. والشَّهادَةُ: المُشاهَدَةُ. واللّامُ في ”الغَيْبِ والشَّهادَةِ“ لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ كُلِّ غَيْبٍ وكُلِّ شَهادَةٍ.
والعُدُولُ عَنْ أنْ يُقالَ: لِمَ تُرَدُّونَ إلَيْهِ، أيْ إلى اللَّهِ، لِما في الإظْهارِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ مِن أعْمالِهِمْ، زِيادَةً في التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ لِيَعْلَمُوا أنَّهُ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ شَيْءٌ.
والإنْباءُ: الإخْبارُ. وما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ: عِلْمُ كُلِّ عَمَلٍ عَمِلُوهُ.
واسْتَعْمَلَ ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في لازِمِ مَعْناهُ، وهو المُجازاةُ عَلى كُلِّ ما عَمِلُوهُ، أيْ فَتَجِدُونَهُ عالِمًا بِكُلِّ ما عَمِلْتُمُوهُ. وهو كِنايَةٌ؛ لِأنَّ ذِكْرَ المُجازاةِ في مَقامِ الإجْرامِ والجِنايَةِ لازِمٌ لِعُمُومِ عِلْمِ مَلِكِ يَوْمَ الدِّينِ بِكُلِّ ما عَمِلُوهُ.
9:95Page 202
سَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمۡ إِذَا ٱنقَلَبۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡ لِتُعۡرِضُواْ عَنۡهُمۡۖ فَأَعۡرِضُواْ عَنۡهُمۡۖ إِنَّهُمۡ رِجۡسٞۖ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٩٥
They will swear by Allāh to you when you return to them that you would leave them alone. So leave them alone; indeed they are evil; and their refuge is Hell as recompense for what they had been earning.
﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهم فَأعْرِضُوا عَنْهم إنَّهم رِجْسٌ ومَأْواهم جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾
الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ تَعْدادٌ لِأحْوالِهِمْ. ومَعْناها ناشِئٌ عَنْ مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ [التوبة: ٩٤] تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم لا يَرْعَوُونَ عَنِ الكَذِبِ ومُخادِعَةِ المُسْلِمِينَ، فَإذا قِيلَ لَهم ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ [التوبة: ٩٤] حَلَفُوا عَلى أنَّهم صادِقُونَ تَرْوِيجًا لِخِداعِهِمْ.
صفحة ٩
وهَذا إخْبارٌ بِما سَيُلاقِي بِهِ المُنافِقُونَ المُسْلِمِينَ قَبْلَ وُقُوعِهِ وبَعْدَ رُجُوعِ المُسْلِمِينَ مِنَ الغَزْوِ.
و(إذا) هُنا ظَرْفٌ لِلزَّمَنِ الماضِي.
وحَذْفُ المَحْلُوفِ عَلَيْهِ لِظُهُورِهِ، ولِتَقَدُّمِ نَظِيرِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ﴾ [التوبة: ٤٢] إلّا أنَّ ما تَقَدَّمَ في حَلِفِهِمْ قَبْلَ الخُرُوجِ.
والِانْقِلابُ: الرُّجُوعُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] في آلِ عِمْرانَ.
وصَرَّحَ بِعِلَّةِ الحَلِفِ هُنا أنَّهُ لِقَصْدِ إعْراضِ المُسْلِمِينَ عَنْهم، أيْ عَنْ عِتابِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ، لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم لا يَقْصِدُونَ تَطْيِيبَ خَواطِرِ المُسْلِمِينَ ولَكِنْ أرادُوا التَّمَلُّصَ مِن مَسَبَّةِ العِتابِ ولَذْعِهِ. ولِذَلِكَ قالَ في الآيَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكُمْ﴾ [التوبة: ٦٢] - ﴿يَحْلِفُونَ لَكم لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ [التوبة: ٩٦] لِأنَّ ذَلِكَ كانَ قَبْلَ الخُرُوجِ إلى الغَزْوِ فَلَمّا فاتَ الأمْرُ وعَلِمُوا أنَّ حَلِفَهم لَمْ يُصَدِّقْهُ المُسْلِمُونَ صارُوا يَحْلِفُونَ لِقَصْدِ أنْ يُعْرِضَ المُسْلِمُونَ عَنْهم.
وأُدْخِلَ حَرْفُ (عَنْ) عَلى ضَمِيرِ المُنافِقِينَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ لِظُهُورِ أنَّهم يُرِيدُونَ الإعْراضَ عَنْ لَوْمِهِمْ. فَفي حَذْفِ المُضافِ تَهْيِئَةٌ لِتَفْرِيعِ التَّقْرِيعِ الواقِعِ بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾، أيْ فَإذا كانُوا يَرُومُونَ الإعْراضَ عَنْهم فَأعْرِضُوا عَنْهم تَمامًا.
وهَذا ضَرْبٌ مِنَ التَّقْرِيعِ فِيهِ إطْماعٌ لِلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِ الطّالِبِ بِأنَّهُ أُجِيبَتْ طِلْبَتُهُ حَتّى إذا تَأمَّلَ وجَدَ ما طَمِعَ فِيهِ قَدِ انْقَلَبَ عَكْسَ المَطْلُوبِ فَصارَ يَأْسًا لِأنَّهم أرادُوا الإعْراضَ عَنِ المُعاتَبَةِ بِالإمْساكِ عَنْها واسْتِدامَةِ مُعامَلَتِهِمْ مُعامَلَةَ المُسْلِمِينَ، فَإذا بِهِمْ يُواجَهُونَ بِالإعْراضِ عَنْ مُكالَمَتِهِمْ ومُخالَطَتِهِمْ وذَلِكَ أشَدُّ مِمّا حَلَفُوا لِلتَّفادِي عَنْهُ. فَهو مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ أوْ مِنَ القَوْلِ بِالمُوجَبِ.
وجُمْلَةُ (إنَّهم رِجْسٌ) تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالإعْراضِ. ووُقُوعُ (إنَّ) في أوَّلِها مُؤْذِنٌ بِمَعْنى التَّعْلِيلِ.
صفحة ١٠
والرِّجْسُ: الخُبْثُ. والمُرادُ تَشْبِيهُهم بِالرِّجْسِ في الدَّناءَةِ ودَنَسِ النُّفُوسِ. فَهو رِجْسٌ مَعْنَوِيٌّ. كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ [المائدة: ٩٠]
والمَأْوى: المَصِيرُ والمَرْجِعُ.
و(جَزاءً) حالٌ مِن جَهَنَّمَ، أيْ مُجازاةً لَهم عَلى ما كانُوا يَعْمَلُونَ.
9:96Page 202
يَحۡلِفُونَ لَكُمۡ لِتَرۡضَوۡاْ عَنۡهُمۡۖ فَإِن تَرۡضَوۡاْ عَنۡهُمۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَرۡضَىٰ عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٩٦
They swear to you so that you might be satisfied with them. But if you should be satisfied with them - indeed, Allāh is not satisfied with a defiantly disobedient people.
﴿يَحْلِفُونَ لَكم لِتَرْضَوْا عَنْهم فَإنْ تَرْضَوْا عَنْهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾
هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٩٥] لِأنَّهم إذا حَلَفُوا لِأجْلِ أنْ يُعْرِضَ عَنْهُمُ المُسْلِمُونَ فَلا يَلُومُونَهم، فَإنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ طَلَبَهم رِضى المُسْلِمِينَ.
وقَدْ فَرَّعَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ إنْ رَضِيَ المُسْلِمُونَ عَنْهم وأعْرَضُوا عَنْ لَوْمِهِمْ فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ المُنافِقِينَ. وهَذا تَحْذِيرٌ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الرِّضى عَنِ المُنافِقِينَ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ إذْ قَدْ عَلِمَ المُسْلِمُونَ أنَّ ما لا يُرْضِي اللَّهَ لا يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ أنْ يَرْضَوْا بِهِ.
والقَوْمُ الفاسِقُونَ هم هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ. والعُدُولُ عَنِ الإتْيانِ بِضَمِيرِ (هم) إلى التَّعْبِيرِ بِصِفَتِهِمْ لِلدَّلالَةِ عَلى ذَمِّهِمْ وتَعْلِيلِ عَدَمِ الرِّضى عَنْهم، فالكَلامُ مُشْتَمِلٌ عَلى خَبَرٍ وعَلى دَلِيلِهِ فَأفادَ مُفادَ كَلامَيْنِ لِأنَّهُ يَنْحَلُّ إلى: فَإنْ تَرْضَوْا عَنْهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنْهم لِأنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ.
9:97Page 202
ٱلۡأَعۡرَابُ أَشَدُّ كُفۡرٗا وَنِفَاقٗا وَأَجۡدَرُ أَلَّا يَعۡلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٩٧
The bedouins are stronger in disbelief and hypocrisy and more likely not to know the limits of what [laws] Allāh has revealed to His Messenger. And Allāh is Knowing and Wise.
﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا وأجْدَرُ ألّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ رَجَعَ بِهِ الكَلامُ إلى أحْوالِ المُعَذِّرِينَ مِنَ الأعْرابِ والَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ مِنهم، وما بَيْنَ ذَلِكَ اسْتِطْرادٌ دَعا إلَيْهِ قَرْنُ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ في
صفحة ١١
الذِّكْرِ مَعَ الأعْرابِ. فَلَمّا تَقَضّى الكَلامُ عَلى أُولَئِكَ تَخَلَّصَ إلى بَقِيَّةِ أحْوالِ الأعْرابِ. ولِلتَّنْبِيهِ عَلى اتِّصالِ الغَرَضَيْنِ وقَعَ تَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ، وهو لَفْظُ الأعْرابِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ مِن هَذِهِ الجِهَةِ، ومِن وراءِ ذَلِكَ تَنْبِيهُ المُسْلِمِينَ لِأحْوالِ الأعْرابِ لِأنَّهم لِبُعْدِهِمْ عَنِ الِاحْتِكاكِ بِهِمْ والمُخالَطَةِ مَعَهم قَدْ تَخْفى عَلَيْهِمْ أحْوالُهم ويَظُنُّونَ بِجَمِيعِهِمْ خَيْرًا.
و(أشَدُّ) و(أجْدَرُ) اسْما تَفْضِيلٍ ولَمْ يُذْكَرْ مَعَهُما ما يَدُلُّ عَلى مُفَضَّلٍ عَلَيْهِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونا عَلى ظاهِرِهِما فَيَكُونُ المُفَضَّلُ عَلَيْهِ أهْلَ الحَضَرِ، أيْ كُفّارَ ومُنافِقِي المَدِينَةِ. وهَذا هو الَّذِي تَواطَأ عَلَيْهِ جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ.
وازْدِيادُهم في الكُفْرِ والنِّفاقِ هو بِالنِّسْبَةِ لِكُفّارِ ومُنافِقِي المَدِينَةِ، ومُنافِقُوهم أشَدُّ نِفاقًا مِن مُنافِقِي المَدِينَةِ.
وهَذا الِازْدِيادُ راجِعٌ إلى تَمَكُّنِ الوَصْفَيْنِ مِن نُفُوسِهِمْ، أيْ كُفْرُهم أمْكَنُ في النُّفُوسِ مِن كُفْرِ كُفّارِ المَدِينَةِ، ونِفاقُهم أمْكَنُ مِن نُفُوسِهِمْ كَذَلِكَ، أيْ أمْكَنُ في جانِبِ الكُفْرِ مِنهُ والبُعْدِ عَنِ الإقْلاعِ عَنْهُ وظُهُورِ بَوادِرِ الشَّرِّ مِنهم، وذَلِكَ أنَّ غِلَظَ القُلُوبِ وجَلافَةَ الطَّبْعِ تَزِيدُ النُّفُوسَ السَّيِّئَةَ وحْشَةً ونُفُورًا. ألا تَعْلَمُ أنَّ ذا الخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيَّ، وكانَ يَدَّعِي الإسْلامَ، لَمّا رَأى النَّبِيءَ ﷺ أعْطى الأقْرَعَ بْنَ حابِسٍ ومَن مَعَهُ مِن صَنادِيدِ العَرَبِ مِن ذَهَبٍ قَسَمَهُ قالَ ذُو الخُوَيْصِرَةِ مُواجِهًا النَّبِيءَ ﷺ «اعْدِلْ فَقالَ لَهُ النَّبِيءُ ﷺ ويْحَكَ ومَن يَعْدِلُ إنْ لَمْ أعْدِلْ»
فَإنَّ الأعْرابَ لِنَشْأتِهِمْ في البادِيَةِ كانُوا بُعَداءَ عَنْ مُخالَطَةِ أهْلِ العُقُولِ المُسْتَقِيمَةِ، وكانَتْ أذْهانُهم أبْعَدَ عَنْ مَعْرِفَةِ الحَقائِقِ وأمْلَأ بِالأوْهامِ، وهم لِبُعْدِهِمْ عَنْ مُشاهَدَةِ أنْوارِ النَّبِيءِ ﷺ وأخْلاقِهِ وآدابِهِ وعَنْ تَلَقِّي الهُدى صَباحَ مَساءَ أجْهَلُ بِأُمُورِ الدِّيانَةِ وما بِهِ تَهْذِيبُ النُّفُوسِ، وهم لِتَوارُثِهِمْ أخْلاقَ أسْلافِهِمْ وبُعْدِهِمْ عَنِ التَّطَوُّراتِ المَدَنِيَّةِ الَّتِي تُؤَثِّرُ سُمُوًّا في النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ، وإتْقانًا في وضْعِ الأشْياءِ في مَواضِعِها، وحِكْمَةً تَقْلِيدِيَّةً تَتَدَرَّجُ بِالأزْمانِ، يَكُونُونَ أقْرَبَ سِيرَةً
صفحة ١٢
بِالتَّوَحُّشِ وأكْثَرَ غِلْظَةً في المُعامَلَةِ وأضِيعَ لِلتُّراثِ العِلْمِيِّ والخُلُقِيِّ؛ ولِذَلِكَ قالَ عُثْمانُ لِأبِي ذَرٍّ لَمّا عَزَمَ عَلى سُكْنى الرَّبَذَةِ: تَعَهَّدِ المَدِينَةَ كَيْلا تَرْتَدَّ أعْرابِيًّا.
فَأمّا في الأخْلاقِ الَّتِي تُحْمَدُ فِيها الخُشُونَةُ والغِلْظَةُ والِاسْتِخْفافُ بِالعَظائِمِ مِثْلُ الشَّجاعَةِ؛ والصَّراحَةِ وإباءِ الضَّيْمِ والكَرَمِ فَإنَّها تَكُونُ أقْوى في الأعْرابِ بِالجِبِلَّةِ، ولِذَلِكَ يَكُونُونَ أقْرَبَ إلى الخَيْرِ إذا اعْتَقَدُوهُ وآمَنُوا بِهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (أشَدُّ) و(أجْدَرُ) مَسْلُوبَيِ المُفاضَلَةِ مُسْتَعْمَلَيْنِ لِقُوَّةِ الوَصْفَيْنِ في المَوْصُوفِينَ بِهِما عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣] . فالمَعْنى أنَّ كُفْرَهم شَدِيدُ التَّمَكُّنِ مِن نُفُوسِهِمْ ونِفاقَهم كَذَلِكَ، مِن غَيْرِ إرادَةِ أنَّهم أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا مِن كُفّارِ أهْلِ المَدِينَةِ ومُنافِقِيها.
وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فَإنَّ (كُفْرًا) و(نِفاقًا) مَنصُوبانِ عَلى التَّمْيِيزِ لِبَيانِ الإبْهامِ الَّذِي في وصْفِ (أشَدُّ) . سَلَكَ مَسْلَكَ الإجْمالِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ لِيَتَمَكَّنَ المَعْنى أكْمَلَ تَمَكُّنٍ.
والأجْدَرُ: الأحَقُّ. والجَدارَةُ: الأوْلَوِيَّةُ. وإنَّما كانُوا أجْدَرَ بِعَدَمِ العِلْمِ بِالشَّرِيعَةِ لِأنَّهم يَبْعُدُونَ عَنْ مَجالِسِ التَّذْكِيرِ ومَنازِلِ الوَحْيِ، ولِقِلَّةِ مُخالَطَتِهِمْ أهْلَ العِلْمِ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وحُذِفَتِ الباءُ الَّتِي يَتَعَدّى بِها فِعْلُ الجَدارَةِ عَلى طَرِيقَةِ حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ مَعَ (أنْ) المَصْدَرِيَّةِ.
والحُدُودُ: المَقادِيرُ والفَواصِلُ بَيْنَ الأشْياءِ. والمَعْنى أنَّهم لا يَعْلَمُونَ فَواصِلَ الأحْكامِ وضَوابِطَ تَمْيِيزِ مُتَشابِهِها.
وفِي هَذا الوَصْفِ يَظْهَرُ تَفاوُتُ أهْلِ العِلْمِ والمَعْرِفَةِ. وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ في اصْطِلاحِ العُلَماءِ بِالتَّحْقِيقِ أوْ بِالحِكْمَةِ المُفَسَّرَةِ بِمَعْرِفَةِ حَقائِقِ الأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ، فَزِيادَةُ قَيْدِ (عَلى ما هي عَلَيْهِ) لِلدَّلالَةِ عَلى التَّمْيِيزِ بَيْنَ المُخْتَلِطاتِ والمُتَشابِهاتِ والخَفِيّاتِ.
صفحة ١٣
وجُمْلَةُ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ تَذْيِيلٌ لِهَذا الإفْصاحِ عَنْ دَخِيلَةِ الأعْرابِ وخُلُقِهِمْ، أيْ عَلِيمٌ بِهِمْ وبِغَيْرِهِمْ، وحَكِيمٌ في تَمْيِيزِ مَراتِبِهِمْ.
9:98Page 202
وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغۡرَمٗا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَآئِرَۚ عَلَيۡهِمۡ دَآئِرَةُ ٱلسَّوۡءِۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٩٨
And among the bedouins are some who consider what they spend as a loss1 and await for you turns of misfortune. Upon them will be a misfortune of evil. And Allāh is Hearing and Knowing.
﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
هَذا فَرِيقٌ مِنَ الأعْرابِ يُظْهِرُ الإيمانَ ويُنْفِقُ في سَبِيلِ اللَّهِ. وإنَّما يَفْعَلُونَ ذَلِكَ تَقِيَّةً وخَوْفًا مِنَ الغَزْوِ أوْ حُبًّا لِلْمَحْمَدَةِ وسُلُوكًا في مَسْلَكِ الجَماعَةِ، وهم يُبْطِنُونَ الكُفْرَ ويَنْتَظِرُونَ الفُرْصَةَ الَّتِي تُمَكِّنُهم مِنَ الِانْقِلابِ عَلى أعْقابِهِمْ. وهَؤُلاءِ وإنْ كانُوا مِن جُمْلَةِ مُنافِقِي الأعْرابِ فَتَخْصِيصُهم بِالتَّقْسِيمِ هَنا مَنظُورٌ فِيهِ إلى ما اخْتُصُّوا بِهِ مِن أحْوالِ النِّفاقِ؛ لِأنَّ التَّقاسِيمَ في المَقاماتِ الخِطابِيَّةِ والمُجادِلاتِ تَعْتَمِدُ اخْتِلافًا ما في أحْوالِ المُقَسِّمِ، ولا يُعْبَأُ فِيها بِدُخُولِ القَسْمِ في قَسِيمِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ هو في التَّقْسِيمِ كَقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٩٩]
ومَعْنى (يَتَّخِذُ) يَعُدُّ ويَجْعَلُ؛ لِأنَّ اتَّخَذَ مِن أخَواتِ (جَعَلَ) . والجَعْلُ يُطْلَقُ بِمَعْنى التَّغْيِيرِ مِن حالَةٍ إلى حالَةٍ نَحْوَ جَعَلْتُ الشَّقَّةَ بَرْدًا. ويُطْلَقُ بِمَعْنى العَدِّ والحُسْبانِ نَحْوَ ﴿وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١] فَكَذَلِكَ (يَتَّخِذُ) هُنا.
والمَغْرَمُ: ما يُدْفَعُ مِنَ المالِ قَهْرًا وظُلْمًا، فَهَؤُلاءِ الأعْرابُ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ ويُنْفِقُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ويَعُدُّونَ ذَلِكَ كالإتاواتِ المالِيَّةِ والرَّزايا يَدْفَعُونَها تَقِيَّةً. ومِن هَؤُلاءِ مَنِ امْتَنَعُوا مِن إعْطاءِ الزَّكاةِ بَعْدَ وفاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقالَ قائِلُهم مِن طَيِّءٍ في زَمَنِ أبِي بَكْرٍ لَمّا جاءَهُمُ السّاعِي لِإحْصاءِ زَكاةِ الأنْعامِ:
فَقُولا لِهَذا المَرْءِ ذُو جاءَ ساعِيًا هَلُمَّ فَإنَّ المَشْرَفِيَّ الفَـرائِضُ
أيْ: فَرائِضُ الزَّكاةِ هي السَّيْفُ، أيْ: يُعْطُونَ السّاعِيَ ضَرْبَ السَّيْفِ بَدَلًا عَنِ الزَّكاةِ.
والتَّرَبُّصُ: الِانْتِظارُ. والدَّوائِرُ: جَمْعُ دائِرَةٍ وهي تَغَيُّرُ الحالَةِ مِنِ اسْتِقامَةٍ إلى اخْتِلالٍ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يَقُولُونَ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾ [المائدة: ٥٢] في سُورَةِ العُقُودِ.
صفحة ١٤
والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] وجُعِلَ المَجْرُورُ بِالباءِ ضَمِيرَ المُخاطَبِينَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ. والتَّقْدِيرُ: ويَتَرَبَّصُ بِسَبَبِ حالَتِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْكم لِظُهُورِ أنَّ الدَّوائِرَ لا تَكُونُ سَبَبًا لِانْتِظارِ الِانْقِلابِ بَلْ حالُهم هي سَبَبُ تَرَبُّصِهِمْ أنْ تَنْقَلِبَ عَلَيْهِمُ الحالُ لِأنَّ حالَتَهُمُ الحاضِرَةَ شَدِيدَةٌ عَلَيْهِمْ.
فالمَعْنى أنَّهم يَنْتَظِرُونَ ضَعْفَكم وهَزِيمَتَكم أوْ يَنْتَظِرُونَ وفاةَ نَبِيِّكم فَيُظْهِرُونَ ما هو كامِنٌ فِيهِمْ مِنَ الكُفْرِ. وقَدْ أنْبَأ اللَّهُ بِحالِهِمُ الَّتِي ظَهَرَتْ عَقِبَ وفاةِ النَّبِيءِ ﷺ وهم أهْلُ الرِّدَّةِ مِنَ العَرَبِ.
وجُمْلَةُ ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ وتَحْقِيرٌ، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ. والدُّعاءُ مِنَ اللَّهِ عَلى خَلْقِهِ: تَكْوِينٌ وتَقْدِيرٌ مَشُوبٌ بِإهانَةٍ لِأنَّهُ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ فَلا يَحْتاجُ إلى تَمَنِّي ما يُرِيدُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَدْ كانَتْ عَلى الأعْرابِ دائِرَةُ السَّوْءِ إذْ قاتَلَهُمُ المُسْلِمُونَ في خِلافَةِ أبِي بَكْرٍ عامَ الرِّدَّةِ وهَزَمُوهم فَرَجَعُوا خائِبِينَ.
وإضافَةُ ”دائِرَةُ“ إلى ”السَّوْءِ“ مِنَ الإضافَةِ إلى الوَصْفِ اللّازِمِ كَقَوْلِهِمْ: عَشاءُ الآخِرَةِ. إذِ الدّائِرَةُ لا تَكُونُ إلّا في السَّوْءِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: لَوْ لَمْ تُضَفِ الدّائِرَةُ إلى السَّوْءِ عُرِفَ مِنها مَعْنى السَّوْءِ لِأنَّ دائِرَةَ الدَّهْرِ لا تُسْتَعْمَلُ إلّا في المَكْرُوهِ. ونَظِيرُهُ إضافَةُ السَّوْءِ إلى ذِئْبٍ في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ:
فَكُنْتُ كَذِئْبِ السَّوْءِ حِينَ رَأى دَمًا ∗∗∗ بِصاحِبِهِ يَوْمًا أحالَ عَلى الـدَّمِ
إذِ الذِّئْبُ مُتَمَحِّضٌ لِلسَّوْءِ إذْ لا خَيْرَ فِيهِ لِلنّاسِ.
والسَّوْءُ - بِفَتْحِ السِّينِ - المَصْدَرُ، وبِضَمِّها الِاسْمُ. وقَدْ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ السِّينِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحْدَهُما بِضَمِّ السِّينِ. والمَعْنى واحِدٌ.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ، أيْ سَمِيعٌ ما يَتَناجَوْنَ بِهِ وما يُدَبِّرُونَهُ مِنَ التَّرَصُّدِ، عَلِيمٌ بِما يُبَطِّنُونَهُ ويَقْصِدُونَ إخْفاءَهُ.
9:99Page 202
وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِۚ أَلَآ إِنَّهَا قُرۡبَةٞ لَّهُمۡۚ سَيُدۡخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحۡمَتِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٩٩
But among the bedouins are some who believe in Allāh and the Last Day and consider what they spend as means of nearness to Allāh and of [obtaining] invocations of the Messenger. Unquestionably, it is a means of nearness for them. Allāh will admit them to His mercy. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
صفحة ١٥
﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وصَلَواتِ الرَّسُولِ ألا إنَّها قُرْبَةٌ لَهم سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
هَؤُلاءِ هُمُ المُؤْمِنُونَ مِنَ الأعْرابِ وفّاهُمُ اللَّهُ حَقَّهم مِنَ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ، وهم أضْدادُ الفَرِيقَيْنِ الآخَرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا﴾ [التوبة: ٩٧] وقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ [التوبة: ٩٨] . قِيلَ: هم بَنُو مُقَرِّنٍ مِن مُزَيْنَةَ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمْ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ [التوبة: ٩٢] الآيَةَ كَما تَقَدَّمَ. ومِن هَؤُلاءِ عَبْدُ اللَّهِ ذُو البِجادَيْنِ المُزَنِيُّ - هو ابْنُ مُغَفَّلٍ - .
والإنْفاقُ هُنا هو الإنْفاقُ هُناكَ.
وتَقَدَّمَ قَرِيبًا مَعْنى يُتَّخَذُ
و(قُرُباتٍ) - بِضَمِّ القافِ وضَمِّ الرّاءِ -: جَمْعُ قُرْبَةٍ بِسُكُونِ الرّاءِ. وهي تُطْلَقُ بِمَعْنى المَصْدَرِ، أيِ القُرْبِ وهو المُرادُ هُنا، أيْ يَتَّخِذُونَ ما يُنْفِقُونَ تَقَرُّبًا عِنْدَ اللَّهِ. وجَمْعُ ”قُرُباتٍ“ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ الإنْفاقِ، فَكُلُّ إنْفاقٍ هو قُرْبَةٌ عِنْدَ اللَّهِ لِأنَّهُ يُوجِبُ زِيادَةَ القُرْبِ. قالَ - تَعالى: ﴿يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧] . فَـ (قُرُباتٍ) هُنا مَجازٌ مُسْتَعْمَلٌ في رِضى اللَّهِ ورَفْعِ الدَّرَجاتِ في الجَنَّةِ، فَلِذَلِكَ وُصِفَتْ بِـ (عِنْدَ) الدّالَّةِ عَلى مَكانِ الدُّنُوِّ. و(عِنْدَ) مَجازٌ في التَّشْرِيفِ والعِنايَةِ، فَإنَّ الجَنَّةَ تُشَبَّهُ بِدارِ الكَرامَةِ عِنْدَ اللَّهِ. قالَ - تَعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤]
وصَلَواتِ الرَّسُولِ دَعَواتِهِ. وأصْلُ الصَّلاةِ الدُّعاءُ. وجُمِعَتْ هُنا لِأنَّ كُلَّ إنْفاقٍ يُقَدِّمُونَهُ إلى الرَّسُولِ ﷺ يَدْعُو لَهم بِسَبَبِهِ دَعْوَةً، فَبِتَكَرُّرِ الإنْفاقِ تَتَكَرَّرُ الصَّلاةُ. وكانَ النَّبِيءُ ﷺ يُصَلِّي عَلى كُلِّ مَن يَأْتِيهِ بِصَدَقَتِهِ وإنْفاقِهِ امْتِثالًا لِما أمَرَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها وصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] .
صفحة ١٦
وجاءَ في حَدِيثِ ابْنِ أبِي أوْفى أنَّهُ لَمّا جاءَ بِصَدَقَتِهِ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ أبِي أوْفى» .
ويَجُوزُ عَطْفُ صَلَواتِ الرَّسُولِ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ مَعْمُولًا لِـ (عِنْدَ)، أيْ يَتَّخِذُونَ الإنْفاقَ قُرْبَةً عِنْدَ صَلَواتِ الرَّسُولِ، أيْ يَجْعَلُونَهُ تَقَرُّبًا كائِنًا في مَكانِ الدُّنُوِّ مِن صَلَواتِ الرَّسُولِ تَشْبِيهًا لِلتَّسَبُّبِ في الشَّيْءِ بِالِاقْتِرابِ مِنهُ، أيْ يَجْعَلُونَ الإنْفاقَ سَبَبًا لِدُعاءِ الرَّسُولِ لَهم. فَظَرْفُ (عِنْدَ) مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنَيَيْنِ مَجازِيَّيْنِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿وصَلَواتِ الرَّسُولِ﴾ عَطْفًا عَلى ﴿قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ﴾، أيْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ دَعَواتِ الرَّسُولِ. أخْبَرَ عَنِ الإنْفاقِ بِاتِّخاذِهِ دَعَواتِ الرَّسُولِ لِأنَّهُ يَتَوَسَّلُ بِالإنْفاقِ إلى دَعَواتِ الرَّسُولِ إذْ أُمِرَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]
وجُمْلَةُ ﴿ألا إنَّها قُرُبَةٌ لَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ مَساقَ البِشارَةِ لَهم بِقَبُولِ ما رَجَوْهُ.
وافْتُتِحَتِ الجُمْلَةُ بِحَرْفِ الِاسْتِفْتاحِ لِلِاهْتِمامِ بِها لِيَعِيَها السّامِعُ، وبِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِتَحْقِيقِ مَضْمُونِها، والضَّمِيرُ الواقِعُ اسْمَ (إنَّ) عائِدٌ إلى ما يُنْفِقُ بِاعْتِبارِ النَّفَقاتِ. واللّامُ لِلِاخْتِصاصِ، أيْ هي قُرْبَةٌ لَهم، أيْ عِنْدِ اللَّهِ وعِنْدَ صَلَواتِ الرَّسُولِ. وحُذِفَ ذَلِكَ لِدَلالَةِ سابِقِ الكَلامِ عَلَيْهِ.
وتَنْكِيرُ (قُرْبَةٌ) لِعَدَمِ الدّاعِي إلى التَّعْرِيفِ، ولِأنَّ التَّنْكِيرَ قَدْ يُفِيدُ التَّعْظِيمَ.
وجُمْلَةُ ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ البَيانِ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّها قُرُبَةٌ لَهُمْ﴾؛ لِأنَّ القُرْبَةَ عِنْدَ اللَّهِ هي الدَّرَجاتُ العُلى ورِضْوانُهُ، وذَلِكَ مِنَ الرَّحْمَةِ. والقُرْبَةُ عِنْدَ صَلَواتِ الرَّسُولِ ﷺ إجابَةُ صَلاتِهِ. والصَّلاةُ الَّتِي يَدْعُو لَهم طَلَبُ الرَّحْمَةِ، فَمَآلُ الأمْرَيْنِ هو إدْخالُ اللَّهِ إيّاهم في رَحْمَتِهِ.
وأُوثِرَ فِعْلُ الإدْخالِ هُنا لِأنَّهُ المُناسِبُ لِلْكَوْنِ في الجَنَّةِ، إذْ كَثِيرًا ما يُقالُ: دَخَلَ الجَنَّةَ. قالَ - تَعالى: ﴿وادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٣٠]
وجُمْلَةُ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ تَذْيِيلٌ مُناسِبٌ لِما رَجَوْهُ وما اسْتُجِيبَ لَهم. وأُثْبِتَ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ، أيْ غَفُورٌ لِما مَضى مِن كُفْرِهِمْ، رَحِيمٌ بِهِمْ يُفِيضُ النِّعَمَ عَلَيْهِمْ.
صفحة ١٧
وقَرَأ الجُمْهُورُ (قُرْبَةٌ) بِسُكُونِ الرّاءِ، وقَرَأهُ ورْشٌ وحْدَهُ بِضَمِّ الرّاءِ لِاتِّباعِ القافِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences