Al-Iji · Tafsir · in Arabic
التوبة
At-Tawbah
The Repentance · Medinan · 129 ayahs
9:1–6Page 187
بَرَآءَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١
[This is a declaration of] disassociation, from Allāh and His Messenger, to those with whom you had made a treaty among the polytheists.1
فَسِيحُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ غَيۡرُ مُعۡجِزِي ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخۡزِي ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢
So travel freely, [O disbelievers], throughout the land [during] four months but know that you cannot cause failure to Allāh and that Allāh will disgrace the disbelievers.
وَأَذَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوۡمَ ٱلۡحَجِّ ٱلۡأَكۡبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيٓءٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ وَرَسُولُهُۥۚ فَإِن تُبۡتُمۡ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ غَيۡرُ مُعۡجِزِي ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٣
And [it is] an announcement from Allāh and His Messenger to the people on the day of the greater pilgrimage1 that Allāh is disassociated from the disbelievers, and [so is] His Messenger. So if you repent, that is best for you; but if you turn away - then know that you will not cause failure to Allāh.2 And give tidings to those who disbelieve of a painful punishment.
إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ثُمَّ لَمۡ يَنقُصُوكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَمۡ يُظَٰهِرُواْ عَلَيۡكُمۡ أَحَدٗا فَأَتِمُّوٓاْ إِلَيۡهِمۡ عَهۡدَهُمۡ إِلَىٰ مُدَّتِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ ٤
Excepted are those with whom you made a treaty among the polytheists and then they have not been deficient toward you in anything or supported anyone against you; so complete for them their treaty until their term [has ended]. Indeed, Allāh loves the righteous [who fear Him].
فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلۡأَشۡهُرُ ٱلۡحُرُمُ فَٱقۡتُلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡ وَخُذُوهُمۡ وَٱحۡصُرُوهُمۡ وَٱقۡعُدُواْ لَهُمۡ كُلَّ مَرۡصَدٖۚ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥
And when the inviolable months1 have passed, then kill the polytheists wherever you find them and capture them and besiege them and sit in wait for them at every place of ambush. But if they should repent, establish prayer, and give zakāh, let them [go] on their way. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
وَإِنۡ أَحَدٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٱسۡتَجَارَكَ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبۡلِغۡهُ مَأۡمَنَهُۥۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡلَمُونَ ٦
And if any one of the polytheists seeks your protection, then grant him protection so that he may hear the words of Allāh [i.e., the Qur’ān]. Then deliver him to his place of safety. That is because they are a people who do not know.
﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ﴾، أي: هذه براءة واصلة من الله ورسوله ﴿إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أي: الله ورسوله برءا من العهد الذي عاهدتم به المشركين، وإن كان صادرًا من رسوله - صلى الله علمِه وسلم - بإذن الله تعالى، يعني وجب نبذه ولا عهد بعد ذلك ﴿فسِيحُوا في الأرْضِ﴾: أيها المشركون، ﴿أرْبَعَةَ أشْهُر﴾، والأصح أنه من يوم النحر إلى عاشر ربيع الآخر، وعند بعضهم أنه إلى سلخ المحرم؛ لأن الآية نزلت في شوال والأكثرون على أن من كان له عهد مؤقت ولم ينقض عهده فأجله إلى مدته مهما كان، ومن له عهد غير مؤقت أو دون أربعة أشهر أو أكثر لكن نقضه فيكمل له أربعة أشهر وقد صحت بهذا الروايات عن على رضي الله عنه -، وفي رواية عن ابن عباس أن من له عهد مؤقت أو غير مؤقت فأجله أربعة أشهر ومن ليس له عهد فأجله انسلاخ الأشهر الحرم فمن يوم النحر إلى انسلاخ المحرم خمسون ليلة ثم السيف حتى يدخلوا في الإسلام، ﴿واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ﴾: لا تفوتونه وإن أمهلكم، ﴿وأنَّ اللهَ مُخْزِي الكافِرِينَ﴾: مذلهم في الدنيا والآخرة، ﴿وأذانٌ﴾ أي: إعلام، عطف على براءة ﴿مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ إلى النّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ﴾: يوم أفضل أيام المناسك وأكبرها جميعًا وهو يوم العيد أو يوم عرفة أو أيام الحج كلها، وعن الحسن البصري رحمه الله: عام، حج فيه أبو بكر - رضي الله عنه - بالاستخلاف، وعن بعضهم: الذي حج فيها النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه اجتمع فيه حج المسلمين وعيد اليهود والنصارى والمشركين ولم يجتمع قبله ولا بعده وقال بعضهم الحج الأصغر العمرة، ﴿أن الله﴾ أي: بأنه ﴿بَرِيءٌ منَ الُمشْرِكِينَ﴾ أي: من عهودهم، ﴿ورَسُولُهُ﴾ عطف على المستكن في بريء، أو مبتدأ محذوف الخبر، أي: ورسوله كذلك وعند ابن حاجب جاز في مثله أن يكون عطفًا
على محل اسم ”أن“، ﴿فَإنْ تُبْتُمْ﴾: من الكفر والغدر، ﴿فَهُوَ﴾، أي: الرجوع، ﴿خَيْرٌ لَكم وإن تَوَلَّيتمْ﴾: من التوبة، ﴿فاعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ﴾: غير فائتين أخذه وعقابه، ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ ألِيم﴾، في الآخرة، ﴿إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾، استثناء من المشركين في قوله ”بريء من المشركين“ فالمستثنى من جميع المشركين من كان أجل عهده فوق أربعة أشهر ولم ينقضوا العهد، فوجب إتمام عهدهم على الأصح، وأما على ما نقلنا عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في بعض الروايات فمعناه: أتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم، أي: مدة قدرنا وهي أربعة أشهر لكن في الاستثناء يختل الفصل بأجنبي أو تقديره: فقولوا لهم: سيحوا واعلموا أن الله بريء منهم لكن الذين عاهدتم ولم ينقضوا عهدهم أتموا عهدهم وأمهلوهم بعد أربعة أشهر إلى انقضاء أجلهم، ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا﴾: من شرط العهد، ﴿ولَمْ يُظاهِرُوا﴾: لم يعاونوا ﴿عَلَيْكمْ أحَدًا﴾: من أعدائكم، ﴿فَأتِموا إلَيْهِمْ عَهْدَهمْ إلى﴾، تمام ﴿مُدَّتِهِمْ إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾، فإتمام العهد من التقوى، ﴿فَإذا انسَلَخَ﴾، انقضى، ﴿الأشْهُرُ الحُرُمُ﴾: الأشهر التي حرمنا فيها قتالهم وأجلناهم فيها وهو أربعة أشهر لغير من كان معاهدته أكثر من أربعة أشهر ولم ينقض عهده وأكثر من أربعة أشهر لهم فإن بني ضمرة وبني كنانة بقي من مدة عهدهم تسعة أشهر وأوله يوم النحر أو يوم نزول الآية وقد نزلت في شوال كما ذكرنا، ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾: كافة ناكثًا وغير ناكث، وعلى ما نقلنا عن ابن عباس رضي الله عنهما فمعناه: إذا انقضى الأشهر الحرم وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة ومحرم فاقتلوا المشركين الذين لا عهد لهم أصلًا، فعلى هذا أول [صفر] ابتداء جواز المقاتلة مع من ليس له عهد، ﴿حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾: من حل أو حرم، ﴿وخذوهمْ﴾: ائسروهم، ﴿واحْصُروهُمْ﴾، احبسوهم وضيقوا عليهم، ﴿واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ﴾: كل ممر حتى لا يتوسعوا في البلاد، ﴿فَإنْ تابُوا﴾: عن الشرك، ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾: فدعوهم ولا تتعرضوا لهم بشيء، ﴿إنَّ اللهَ غَفورٌ رَّحِيمٌ﴾: يغفر زلاتهم وينعم عليهم.
﴿وإنْ أحَدٌ منَ المشْرِكِينَ﴾: الذين أمرتك بقتلهم ورفع ”أحَدٌ“ بشريطة التفسير، ﴿اسْتَجارَكَ﴾: طلب منك الأمان، ﴿فَأجِرْهُ﴾: أمنه، ﴿حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ﴾، تقرأه عليه وتقيم عليه حجة الله تعالى، ﴿ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾، هو مستمر الأمان إلى أن يرجع بلاده، ﴿ذَلِكَ﴾: الأمر بأمنه، ﴿بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾: جهلة فلابد من إعطائهم الأمان حتى يسمعوا كلام الله لعلهم يعقلون فيطيعون.
9:7–16Page 188
كَيۡفَ يَكُونُ لِلۡمُشۡرِكِينَ عَهۡدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِۦٓ إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّمۡ عِندَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ فَمَا ٱسۡتَقَٰمُواْ لَكُمۡ فَٱسۡتَقِيمُواْ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ ٧
How can there be for the polytheists a treaty in the sight of Allāh and with His Messenger, except for those with whom you made a treaty at al-Masjid al-Ḥarām? So as long as they are upright toward you,1 be upright toward them. Indeed, Allāh loves the righteous [who fear Him].
كَيۡفَ وَإِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ لَا يَرۡقُبُواْ فِيكُمۡ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ يُرۡضُونَكُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَتَأۡبَىٰ قُلُوبُهُمۡ وَأَكۡثَرُهُمۡ فَٰسِقُونَ ٨
How [can there be a treaty] while, if they gain dominance over you, they do not observe concerning you any pact of kinship or covenant of protection? They satisfy you with their mouths, but their hearts refuse [compliance], and most of them are defiantly disobedient.
ٱشۡتَرَوۡاْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلٗا فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِۦٓۚ إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩
They have exchanged the signs of Allāh for a small price and averted [people] from His way. Indeed, it was evil that they were doing.
لَا يَرۡقُبُونَ فِي مُؤۡمِنٍ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُعۡتَدُونَ ١٠
They do not observe toward a believer any pact of kinship or covenant of protection. And it is they who are the transgressors.
فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِۗ وَنُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ١١
But if they repent, establish prayer, and give zakāh, then they are your brothers in religion; and We detail the verses for a people who know.
وَإِن نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُم مِّنۢ بَعۡدِ عَهۡدِهِمۡ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمۡ فَقَٰتِلُوٓاْ أَئِمَّةَ ٱلۡكُفۡرِ إِنَّهُمۡ لَآ أَيۡمَٰنَ لَهُمۡ لَعَلَّهُمۡ يَنتَهُونَ ١٢
And if they break their oaths after their treaty and defame your religion, then combat the leaders of disbelief, for indeed, there are no oaths [sacred] to them; [fight them that] they might cease.
أَلَا تُقَٰتِلُونَ قَوۡمٗا نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ وَهَمُّواْ بِإِخۡرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٍۚ أَتَخۡشَوۡنَهُمۡۚ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَوۡهُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٣
Would you not fight against a people who broke their oaths and determined to expel the Messenger, and they had begun [the attack upon] you the first time? Do you fear them? But Allāh has more right that you should fear Him, if you are [truly] believers.
قَٰتِلُوهُمۡ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ بِأَيۡدِيكُمۡ وَيُخۡزِهِمۡ وَيَنصُرۡكُمۡ عَلَيۡهِمۡ وَيَشۡفِ صُدُورَ قَوۡمٖ مُّؤۡمِنِينَ ١٤
Fight them; Allāh will punish them by your hands and will disgrace them and give you victory over them and satisfy the breasts [i.e., desires] of a believing people
وَيُذۡهِبۡ غَيۡظَ قُلُوبِهِمۡۗ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ١٥
And remove the fury in their [i.e., the believers'] hearts. And Allāh turns in forgiveness to whom He wills; and Allāh is Knowing and Wise.
أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تُتۡرَكُواْ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَلَمۡ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَلِيجَةٗۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٦
Do you think that you will be left [as you are] while Allāh has not yet made evident those among you who strive [for His cause] and do not take other than Allāh, His Messenger and the believers as intimates? And Allāh is [fully] Aware of what you do.
﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ﴾، استفهام إنكار، أي: يمكن ذلك وهم على الشرك والكفر وخبر يكون ”عند الله“ و ”كيف“ حال من العهد، ﴿إلا الذِينَ عاهَدتُّمْ عِندَ الَمسْجِدِ الحَرامِ﴾، يعني يوم الحديبية ومحله الجر والنصب على الاستثناء المتصل، لأنه في معنى ليس للمشركين عهد إلا الذين، أو منقطع أي: لكن تربصوا أمرهم ولا تقاتلوهم، ﴿فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾، أي: فإن استقاموا على الوفاء بالعهد فاستقيموا أنتم أيضًا ”فما“ شرطية، ﴿إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾، والوفاء بالعهد من التقوى، هم أهل مكة نقضوا عهدهم وقاتلوا حلفاء رسول الله ﷺ فعند ذلك قاتلهم وفتح مكة، وقال بعضهم: هم قبائل من بني بكر قد دخلوا في عهد قريش يوم الحديبية ولم ينقضوا والناقض قريش وبعض قبائل بني بكر فإن بني ضمرة ممن استمر على عهده فما قاتلهم أحد حتى أسلموا بلا مقاتلة، ﴿كَيفَ﴾، تكرار للاستبعاد، أي: كيف لهم عهد عندك؟! ﴿وإن يَظْهَروا عَلَيْكمْ﴾، والحال أنّهم إن يظفروا بكم، ﴿لا يَرْقُبُوا﴾: لا يراعوا، ﴿فِيكم إلًّا﴾: قرابة، أو حلفا قال بعضهم الإل هو الله عبراني، ﴿ولا ذِمَّةً﴾: عهدا، ﴿يُرْضُونَكم بِأفْواهِهِمْ﴾، استئناف، أي: يظهرون خلاف ما يضمرون، ﴿وتَأْبى قُلُوبُهُمْ﴾ الوفاء بما قالوا ﴿وأكْثَرُهم فاسِقُونَ﴾: ناقضون للعهد، ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللهِ﴾: استبدلوا بالقرآن، ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: متاع الدنيا قيل نقضوا العهد بأكلة أطعمهم أبو سفيان، ﴿فَصَدُّوا عَن سبِيلِهِ﴾: أعرضوا عن دينه، أو منعوا الناس عن الدخول في دينه، ﴿إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، عملهم هذا، ﴿لا يَرْقُبُونَ﴾: لا يحافظون، ﴿فِي مؤْمنٍ﴾، فإنهم يحبون الكفر وأهله، ﴿إلًّا ولا ذِمَّةً﴾: قرابة وعهدًا، ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾: المتجاوزون الغاية في الشرارة، ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَإخْوانُكُمْ﴾، أي: فهم إخوانكم، ﴿فِي الدِّينِ ونُفَصِّلُ الآياتِ﴾: نكررها ونبينها، ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾، وهم المؤمنون، ﴿وإنْ نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾: نقضوا مواثيقهم، ﴿مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾: رؤساء مشركي قريش فإنهم ناقضون للعهد مستهزئون بدين الله، أي: قاتلوهم؛ لأنّهُم صاروا بذلك ذوي الرياسة في الكفر قال بعضهم: هم أهل فارس والروم وقال حذيفة بن اليمان: لم يأت أهلها بعد، ﴿إنَّهم لا أيْمانَ لَهُمْ﴾: لا عهود لهم فإن عهدهم على الحقيقة ليس بعهد ومن قرأ لا إيمان بكسر الهمزة فمعناه لا إسلام أوْ لا أمان لهم، ﴿لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾، أي: قاتلوهم لعلهم يرجعون عما هم عليه من الكفر والعناد، ﴿ألاَ تُقاتِلُونَ﴾، تحريض على القتال، ﴿قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهُمْ﴾: كفار مكة نقضوا عهد الحديبية، ﴿وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ﴾: من مكة كما مر في قوله: ”وإذ يمكر بك الذين كفروا“ ﴿وهم بَدَءُوكُمْ﴾: بالقتال، ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾، يعني يوم بدر فإنهم خرجوا لنصر عيرهم فلما نجت استمروا على وجههم طلبًا للقتال بغيًا وتكبرًا، أو المراد أنّهم بدءوا بالقتال مع حلفائكم خزاعة، ﴿أتَخْشَوْنَهُمْ﴾: أتتركون قتالهم خشية منهم ﴿فاللهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ﴾: فلا تتركون لدينه ضعفًا وتسعون في إعلاء كلمته ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، فإن الإيمان الكامل ينفى الخشية عن غير الله، ﴿قاتِلُوهُمْ﴾، أمر بالقتال بعد التوبيخ على تركه، ﴿يعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأيْدِيكم ويخْزِهِمْ﴾: يذلهم، ﴿ويَنصُرْكم عَلَيْهِمْ﴾، وعد من الله بنصر المؤمنين وقتل الكافرين وإذلالهم، ﴿ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: بني خزاعة أعانت قريش بني بكر عليهم، ﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾: كربها بمعونة قريش بني بكر، ﴿ويَتُوبُ اللهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾: من المشركين كأبي سفيان وعكرمة بن أبى جهل وغيرهما، ﴿واللهُ عَلِيمٌ﴾: بما كان وما لم يكن ﴿حَكِيمٌ﴾: لا يأمر إلا بما هو المصلحة ﴿أمْ حَسِبْتُمْ﴾: أيها المؤمنون، وأم منقطعة بمعنى الهمزة فيها توبيخ على الحسبان وقيل خطاب للمنافقين، ﴿أنْ تُتْرَكُوا ولَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾، أي: نترككم مهملين ولا نختبركم بأمور يظهر الخلص من غيرهم، نفى العلم، وأراد نفي المعلوم للمبالغة نفيًا للملزوم بنفى اللازم، ﴿ولَمْ يَتَّخِدوا﴾، عطف على جاهدوا، ﴿مِن دُونِ اللهِ ولاَ رَسُولِهِ ولاَ المُؤْمِنِينَ ولِيجَةً﴾: بطانة وأولياء يفشون إليهم أسرارهم، ﴿واللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾: يعلم أغراضكم من أفعالكم.
9:17–24Page 189
مَا كَانَ لِلۡمُشۡرِكِينَ أَن يَعۡمُرُواْ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ شَٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلۡكُفۡرِۚ أُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ وَفِي ٱلنَّارِ هُمۡ خَٰلِدُونَ ١٧
It is not for the polytheists to maintain the mosques of Allāh [while] witnessing against themselves with disbelief. [For] those, their deeds have become worthless, and in the Fire they will abide eternally.
إِنَّمَا يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمۡ يَخۡشَ إِلَّا ٱللَّهَۖ فَعَسَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ ١٨
The mosques of Allāh are only to be maintained by those who believe in Allāh and the Last Day and establish prayer and give zakāh and do not fear except Allāh, for it is expected that those will be of the [rightly] guided.
۞ أَجَعَلۡتُمۡ سِقَايَةَ ٱلۡحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ كَمَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَجَٰهَدَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ لَا يَسۡتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٩
Have you made the providing of water for the pilgrim and the maintenance of al-Masjid al-Ḥarām equal to [the deeds of] one who believes in Allāh and the Last Day and strives in the cause of Allāh? They are not equal in the sight of Allāh. And Allāh does not guide the wrongdoing people.
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ أَعۡظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٢٠
The ones who have believed, emigrated and striven in the cause of Allāh with their wealth and their lives are greater in rank in the sight of Allāh. And it is those who are the attainers [of success].
يُبَشِّرُهُمۡ رَبُّهُم بِرَحۡمَةٖ مِّنۡهُ وَرِضۡوَٰنٖ وَجَنَّٰتٖ لَّهُمۡ فِيهَا نَعِيمٞ مُّقِيمٌ ٢١
Their Lord gives them good tidings of mercy from Him and approval and of gardens for them wherein is enduring pleasure.
خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ٢٢
[They will be] abiding therein forever. Indeed, Allāh has with Him a great reward.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَابَآءَكُمۡ وَإِخۡوَٰنَكُمۡ أَوۡلِيَآءَ إِنِ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡكُفۡرَ عَلَى ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢٣
O you who have believed, do not take your fathers or your brothers as allies if they have preferred disbelief over belief. And whoever does so among you - then it is those who are the wrongdoers.
قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٤
Say, [O Muḥammad], "If your fathers, your sons, your brothers, your wives, your relatives, wealth which you have obtained, commerce wherein you fear decline, and dwellings with which you are pleased are more beloved to you than Allāh and His Messenger and jihād [i.e., striving] in His cause, then wait until Allāh executes His command. And Allāh does not guide the defiantly disobedient people."
﴿ما كانَ﴾: ما صح، ﴿لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ﴾، أيُّ مسجد كان، أو المراد مسجد الحرام، وجمعه لأنه قبلة المساجد، ويدل عليه قراءة من قرأ مسجد الله وعمارته مرمته عند الخراب، أو الصلاة والقعود فيه أو أعم، قيل: نزلت في العباس حين أسر في بدرٍ فأغلظ علي - رضى الله عنه - له القول في التعيير فأجاب: تعدون مساوئنا ولا تذكرون محاسننا إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحاج، ﴿شاهِدِينَ عَلى أنفُسِهِم بِالكُفْر﴾، حال من فاعل يعمروا، أي: ما استقام الجمع بين عمارة بيت الله وعبادة غيره، ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾، لأن الكفر يذهب ثوابها، ﴿وفِي النّارِ هم خالِدُونَ (١٧) إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ ولَمْ يَخْشَ إلّا اللهَ﴾، في باب الدين وأمره يعني من كان بهذه الصفات فهو اللائق بعمارة المساجد قال ﷺ ”إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان“، قال الله تعالى: ”إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ“، وقد ورد ”عمار المساجد هم أهل الله“ ﴿فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾، قيل الإتيان بلفظ عسى إشارة إلى ردع الكفار وتوبيخهم بالقطع في زعمهم أنهم مهتدون فإن هؤلاء مع هذه الكمالات اهتداؤهم دائر بين عسى ولعل فما ظنك بمن هو أضل من البهائم! وإشارة أيضًا إلى منع المؤمنين من الاغترار والاتكال على الأعمال، ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾، أي: أهل السقاية والعمارة، وقيل المصدر بمعنى اسم الفاعل، أي: الساقي والعامر، ﴿كَمَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِ اللهِ﴾، وفي مسلم قال رجل من: الصحابة ما أبالي أن لا أعمل لله عملًا بعد الإسلام إلا أن أسقى الحاج، وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام، وقال الآخر: الجهاد خير مما قلتم فقال عمر: استفتيت من رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى: ”أجعلتم سقاية الحاج“ الآية، وعن كثير من السلف: أنها نزلت في مفاخرة العباس وطلحة وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم، قال طلحة: أنا صاحب البيت معي مفتاحه، ولو أشاء أبيت فيه، وقال العباس بعد إسلامه: أنا صاحب السقاية والقائم عليها، وقال علي: ما أدري ما تقولان لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد، وأنزلت حين قال المشركون: عمارة البيت والقيام على السقاية خير من الإيمان والجهاد، ﴿لاَ يَسْتَوُون عِندَ اللهِ﴾، بل المجاهد أفضل لكن للمرجوح درجة ثم بين بقوله، ﴿واللهُ لاَ يَهْدَي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾، أن من ليس له فضل، ولا هداية ولا درجة هم الذين ظلموا أنفسهم بعبادة الأوثان مكان عبادة الله، وإن كان سبب النزول مفاخرة المشركين فقوله: ”والله لا يهدي القوم الظالمين“ لبيان عدم التساوي ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ﴾: ممن لم يستجمع هذه الصفات، ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾: بالنجاة الكلية عن النار والظفر المطلق بالأمنية، ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾: دائم، ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا إنَّ اللهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾: يستحقر دونه نعيم الدنيا بأسرها، ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكم وإخْوانَكم أوْلِياءَ﴾: أصدقاء، ﴿إنِ اسْتَحَبُّوا﴾: اختاروا، ﴿الكُفْرَ عَلى الإيمانِ﴾، نزلت حين أمروا بالهجرة من مكة فإن بعض المؤمنين قالوا: إن هاجرنا قطعنا آباءنا وأبناءنا وعشائرنا وذهبت تجارتنا وخربت دورنا، أو نزلت نهيًا عن موالاة التسعة الذين ارتدوا ولحقوا بمكة، ﴿ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾: بوضع الموالاة مكان المعاداة، ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكم وعَشِيرَتُكُمْ﴾: أقرباؤكم، ﴿وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها﴾: اكتسبتموها، ﴿وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها﴾: تستطيبونها، ﴿أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ في سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾، جواب الشرط، أي: انتظروا، ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأمْرِهِ﴾: عقوبته العاجلة والآجلة، ﴿واللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾: لا يرشد الخارجين عن الطاعة وفي الحديث أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: والله لأنت يا رسول الله أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال رسول الله ﷺ: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه فقال عمر: فأنت الآن والله أحب إليَّ من نفسي، فقال رسول الله ﷺ: الآن يا عمر، قيل المراد الحب الاختيارى دون الطبيعي الذي لا يدخل تحت التكليف.
9:25–29Page 190
لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٖ وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ ٢٥
Allāh has already given you victory in many regions and [even] on the day of Ḥunayn, when your great number pleased you, but it did not avail you at all, and the earth was confining for you with [i.e., in spite of] its vastness; then you turned back, fleeing.
ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَا وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٦
Then Allāh sent down His tranquility upon His Messenger and upon the believers and sent down soldiers [i.e., angels] whom you did not see and punished those who disbelieved. And that is the recompense of the disbelievers.
ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢٧
Then Allāh will accept repentance after that for whom He wills; and Allāh is Forgiving and Merciful.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسٞ فَلَا يَقۡرَبُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ بَعۡدَ عَامِهِمۡ هَٰذَاۚ وَإِنۡ خِفۡتُمۡ عَيۡلَةٗ فَسَوۡفَ يُغۡنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦٓ إِن شَآءَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٢٨
O you who have believed, indeed the polytheists are unclean, so let them not approach al-Masjid al-Ḥarām after this, their [final] year. And if you fear privation, Allāh will enrich you from His bounty if He wills. Indeed, Allāh is Knowing and Wise.
قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلۡحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَدٖ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ ٢٩
Fight against those who do not believe in Allāh or in the Last Day and who do not consider unlawful what Allāh and His Messenger have made unlawful and who do not adopt the religion of truth [i.e., Islām] from those who were given the Scripture - [fight] until they give the jizyah1 willingly while they are humbled.
﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ في مَواطِنَ﴾: أماكن، ﴿كَثِيرَةٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ﴾، أي: وموطن يوم حنين واد بين مكة وطائف وقع فيه المقاتلة بعد فتح مكة، ﴿إذ أعْجَبَتْكُمْ﴾، بدل من يوم حنين، ﴿كَثْرتُكُمْ﴾، المؤمنون اثنا عشر ألفا والكفار أربعة آلاف، ﴿فَلَمْ تُغْنِ﴾، أي: لم تدفع الكثرة، ﴿عَنكم شَيْئًا﴾: من أمر العدو، ﴿وضاقَتْ عَلَيْكُم الأرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾، أي: برحبها وسعتها فلم تجدوا موضعًا للفرار تطمئن به نفوسكم، ﴿ثُمَّ ولَّيتم﴾: فررتم، ﴿مُّدْبِرِينَ﴾: منهزمين حتى بلغ فُلُّكُم مكة وبقي رسول الله ﷺ في مركزه معه العباس وأبو سفيان، ﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ﴾: ما سكن واطمئن به الفؤاد من رحمه، ﴿عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾: فنادى العباس بأمر رسول الله ﷺ وكان صيتًا: يا عباد الله يا أصحاب الشجرة يا أصحاب سورة البقرة. فكرُّوا عنقًا واحدًا قائلين لبيك لبيك، ﴿وأنْزَلَ جُنُودًا﴾: من الملائكة، ﴿لَمْ تَرَوْها﴾، لكن قالوا: سمعنا صلصلة بين السماء الأرض كإمرار الحديد على الطست الجديد، ﴿وعَذب الذِينَ كَفَرُوا﴾: بالقتل والسبي ستة آلاف أسير من صبي وامرأة، ﴿وذلِكَ﴾، إشارة إلى ما فعل بهم، ﴿جَزاءُ الكافِرِينَ﴾: في الدنيا، ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلى مَن يَشاءُ﴾، فإن كثيرًا ممن بقي من هؤلاء المقاتلين بعد الوقعة بقريب من عشرين يومًا قدموا على رسول الله ﷺ مسلمين فرد عليهم سبيهم كلها برضى المؤمنين وقسم أموالهم بين الغانمين، ﴿والله غَفُورٌ رحِيمٌ﴾: لمن آمن يتجاوز عنه ويتفضل عليه، ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾: باطنهم ودينهم قال قتادة لأنّهُم لا يتطهرون من جنابة ولا من حدث، ﴿فَلاَ يَقْربوا المَسْجِدَ الحَرامَ﴾، منعوا من دخول الحرم، وقيل: منعوا عن الحج والعمرة لا عن الدخول مطلقًا، ﴿بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾، وكان سنة تسع أرسل عليًا ونادى أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان، ﴿وإذ خِفتمْ عَيْلَةً﴾: فقرًا بسبب منع الكفار من الحرم لانقطاع المتاجر، ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾: من عطائه بوجه آخر، ﴿إن شاءَ﴾، قيده بالمشيئة لينقطع الآمال إلى الله عوضهم الجزية وأموال البلدان، ﴿إن الَلَّهَ عَلِيمٌ﴾: بأحوالكم، ﴿حَكِيمٌ﴾: في المنع والإعطاء، ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾، أمر بقتال أهل الكتاب، فهم لا يؤمنون إيمانًا كما ينبغي فإيمانهم كلا إيمان، ﴿ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ ورَسُولُهُ﴾: كالخمر والربا، ﴿ولاَ يَدِينونَ دِينَ الحَقِّ﴾: لا يعتقدون دين الثابت الناسخ لسائر، الأديان، ﴿مِنَ الذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾، بيان للذين لا يؤمنون، ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزيةَ﴾: ما تقرر عليهم أن يعطوه، ﴿عَن يَدٍ﴾: عن قهر وذل يقال لكل شيء أعطي كرها: أعطاه عن يد أي: عاجزين فهو حال أو يعطونها بأيديهم ولا يرسلون على يد غيرهم، أي: المسلمين بأيديهم وقيل: عن غنى ولذلك قيل لا يؤخذ من الفقير، ﴿وهم صاغِرُونَ﴾، ذليلون، عن ابن عباس رضي الله عنهما يؤخذ منه وتوجأ عنقه.
9:30–37Page 191
وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ عُزَيۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِۖ ذَٰلِكَ قَوۡلُهُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٣٠
The Jews say, "Ezra is the son of Allāh"; and the Christians say, "The Messiah is the son of Allāh." That is their statement from their mouths; they imitate the saying of those who disbelieved before [them]. May Allāh destroy them; how are they deluded?
ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٣١
They have taken their scholars and monks as lords besides Allāh,1 and [also] the Messiah, the son of Mary.2 And they were not commanded except to worship one God; there is no deity except Him. Exalted is He above whatever they associate with Him.
يُرِيدُونَ أَن يُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَيَأۡبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٣٢
They want to extinguish the light of Allāh with their mouths, but Allāh refuses except to perfect His light, although the disbelievers dislike it.
هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ ٣٣
It is He who has sent His Messenger with guidance and the religion of truth to manifest it over all religion, although they who associate others with Allāh dislike it.
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡأَحۡبَارِ وَٱلرُّهۡبَانِ لَيَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۗ وَٱلَّذِينَ يَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٖ ٣٤
O you who have believed, indeed many of the scholars and the monks devour the wealth of people unjustly1 and avert [them] from the way of Allāh. And those who hoard gold and silver and spend it not in the way of Allāh - give them tidings of a painful punishment.
يَوۡمَ يُحۡمَىٰ عَلَيۡهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكۡوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمۡ وَجُنُوبُهُمۡ وَظُهُورُهُمۡۖ هَٰذَا مَا كَنَزۡتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَكۡنِزُونَ ٣٥
The Day when it1 will be heated in the fire of Hell and seared therewith will be their foreheads, their flanks, and their backs, [it will be said], "This is what you hoarded for yourselves, so taste what you used to hoard."
إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثۡنَا عَشَرَ شَهۡرٗا فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوۡمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ مِنۡهَآ أَرۡبَعَةٌ حُرُمٞۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُۚ فَلَا تَظۡلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمۡۚ وَقَٰتِلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ كَآفَّةٗ كَمَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ كَآفَّةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٣٦
Indeed, the number of months with Allāh is twelve [lunar] months in the register of Allāh [from] the day He created the heavens and the earth; of these, four are sacred.1 That is the correct religion [i.e., way], so do not wrong yourselves during them.2 And fight against the disbelievers collectively as they fight against you collectively. And know that Allāh is with the righteous [who fear Him].
إِنَّمَا ٱلنَّسِيٓءُ زِيَادَةٞ فِي ٱلۡكُفۡرِۖ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُۥ عَامٗا وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامٗا لِّيُوَاطِـُٔواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُۚ زُيِّنَ لَهُمۡ سُوٓءُ أَعۡمَٰلِهِمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٧
Indeed, the postponing [of restriction within sacred months] is an increase in disbelief by which those who have disbelieved are led [further] astray. They make it1 lawful one year and unlawful another year to correspond to the number made unlawful by Allāh2 and [thus] make lawful what Allāh has made unlawful. Made pleasing to them is the evil of their deeds; and Allāh does not guide the disbelieving people.
﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ﴾، وذلك لأن العزير كتب التوراة بعدما فات منهم وضاع، ثم لما وجدوا نسخة من نسخ التوراة قابلوها بها فوجدوها صحيحًا فقال بعض جهلتهم، إنما جاء بها لأنه ابن الله، ﴿وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللهِ﴾، وسبب ضلالهم في المسيح ظاهر، ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأفْواهِهِمْ﴾: لا مستند لهم كالمهمل يتفوهون به ليس له مفهوم عيني، ﴿يُضاهِئُونَ﴾، أي: يضاهي قولهم فحذف القول وأقيم المضاف إليه مقامه، ﴿قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ﴾، من قبلهم، أي: قدمائهم فالكفر فيه قدم، أو المشركين الذين يقولون الملائكة بنات الله، ﴿قاتَلَهُمُ اللهُ﴾، قال ابن عباس: أي لعنهم الله، ﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾، كيف يضلون عن الحق ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهُمْ﴾، علماؤهم، ﴿ورُهْبانَهُمْ﴾، زهادهم والأحبار من اليهود والرهبان من النصارى، ﴿أرْبابًا مِن دُونِ اللهِ﴾، حرموا عليهم الحلال وحللوا لهم الحرام فأطاعوهم وتركوا كتاب الله تعالى، ﴿والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾، بأن جعلوه ابنًا له، ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا﴾، هو الله، ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾، صفة ثانية أو استئناف، ﴿سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾، هو المنزه عن شريك وولد، ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ﴾ الذي أرسل به رسوله من الهدي ودين الحق، ﴿بِأفْواهِهِمْ﴾، بتكذيبهم، ﴿ويَأْبى اللهُ﴾، لا يرضى، ﴿إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾، بإعلاء كلمته، والاستثناء مفرغ لأن الفعل الموجب في معنى النفي وهذا تمثيل لحالهم في طلب إبطال الدين بالتكذيب بحال من يطلب إطفاء نور منبث في الآفاق بنفخة، ﴿ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾، إتمامه، ويدل على جواب لو ما قبله، ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى﴾، القرآن والمعجزة، ﴿ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾، ليعليه على سائر الأديان فينسخها فالضمير إما لدين الحق، أو للرسول، أو على أهل الكتاب فيخذلهم، ﴿ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾، غلبته وهذه الجملة كالبيان للجملة الأولى.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾، يأخذ علماء أهل الكتاب الرشى ويبطلون دين الله وحكمه والمقصود التحذير من علماء السوء وعباد الضلال، ﴿ويَصُدونَ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾، يصرفون الناس عن اتباع الحق، ﴿والذِينَ يَكْنِزُونَ الذْهَبَ والفِضَّةَ ولاَ يُنفِقُونَها﴾، الضمير للدنانير والدراهم الكثيرة الدالة عليها يَكْنِزُونَ الذهب والفضة، أو للكنوز أو للفضة، لأنها أقرب وتدل على أن حكم الذهب بطريق الأولى، ﴿في سَبِيلِ اللهِ فبَشِّرْهُم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾، عن كثير من السلف كعمر وابنه وابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم أن الكنز مال لم يؤد منه الزكاة وما أدي زكاته فليس بكنز وقد صح عن عليٍّ رضي الله عنه قال: أربعة آلاف فما دونها نفقة فما أكثر من ذلك فهو كنز ومثل هذا مذهب كثير من السلف، والأخبار في مدح التقلل وذم التكثر أكثر من أن يخفى، ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ﴾، أصل معناه يوم تحمى النار، أي: توقد ذات حمي وحر شديد على الكنوز ثم طوى ذكر النار وحول الإسناد إلى الجار والمجرور للمبالغة في شدة حر الكنوز، ﴿فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهُمْ﴾، لا يوضع دينار على دينار لكن يوسع جلده حتى يوضع كل درهم في موضع على حدة قال بعضهم صاحب الكنز إذا رأى الفقير قبض جبهته وولى ظهره وأعرض عنه كشحه ولهذا خص الجباه والجنوب والظهور، ﴿هَذا ما كَنَزْتُمْ﴾، أي: يقال لهم ذلك، ﴿لِأنْفُسِكُمْ﴾، فصار النفع ضرًّا، ﴿فَذُوقُوا﴾: وبال، ﴿ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾، ما مصدرية أو موصولة وأكثر السلف على أن الآية عامة في المسلمين وأهل الكتاب وبه بالغ وحلف أبو ذر.
﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾، مبلغ عددها، ﴿عِندَ اللهِ﴾، متعلق بعدة فإنها مصدر، ﴿اثْنا عَشَرَ شَهْرًا﴾، لا أزيد من ذلك كما يفعله المشركون وسنذكره في قوله: ”إنما النسىِء زيادة“ الآية [التوبة: ٣٧]، ﴿فِي كَتابِ اللهِ﴾: في اللوح المحفوظ أو في حكمه، ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾، أي: ثابت في كتاب الله يوم خلق الأجسام فيكون ”في كتاب الله“ صفة لاثني عشر و ”يوم خلق“ متعلق بمتعلقه، ﴿مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾، رجب وذو القعدة وذو الحجة ومحرم، ﴿ذلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾، أي: تحريم الأشهر الأربعة هو الدين القويم دين الأنبياء، ﴿فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنفُسَكُمْ﴾، بهتك حرمتها فإن الظلم فيها أعظم وزرًا فيما سواه، والطاعة فيها أعظم أجرًا قال بعضهم: ضمير فيهن راجع إلى اثني عشر، أي: لا تظلموا في الشهور كلها قال الأكثرون: حرمة المقاتلة في أشهر الحرم منسوخة فأولوا نهي الظلم بترك المعاصي، وقال بعضهم: محكمة وجازت المقاتلة إذا كانت البدأة منهم وأجابوا عن محاربة رسول الله ﷺ أهل الطائف بأن ابتداءه في الشهر الحلال، ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾: جميعًا، ﴿كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً﴾: هو تهييج وتحضيض للمسلمين بالاتفاق في محاربة أهل الشرك والنفاق، ﴿واعْلَمُوا أنْ اللهَ مَعَ الُمتَّقِينَ﴾: بشرهم بالنصرة بعدما أمرهم بالمقاتلة، ﴿إنَّما النَّسِيءُ﴾: هو تأخير تحريم شهر إلى شهر آخر وذلك لأنه إذا جاء شهر حرام وهم محاربون أحلوه وحرموا بدله شهرًا من أشهر الحل حتى رفضوا خصوص الأشهر الحرم واعتبروا مجرد العدد، ﴿زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾: فإن تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرمه كفر ضموه إلى كفرهم، ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: ضلالًا زائدًا، ﴿يُحِلُّونَهُ﴾: أي: النسيء من الأشهر الحرم، ﴿عامًا ويُحَرِّمُونَهُ عامًا﴾: إذا قاتلوا فيه أحلوه وإذا لم يقاتلوا فيه حرموه، ﴿لِيُواطِئُوا﴾: متعلق بما دل عليه الكلام، أي: حرموا مكانه شهرًا آخر ليوافقوا، ﴿عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ﴾: لا يزيد ولا ينقص الأشهر الحرم من الأربعة، ﴿فيُحِلوا ما حَرَّمَ اللهُ﴾، [فإنهم] لم يحرموا الشهر الحرام بل وافقوا في العدد وحده، قيل: وربما زادوا في عدد الشهور فيجعلونها ثلاثة عشر أو أربعة عشر ليتسع لهم الوقت فلذلك قال تعالى: ”إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر“ الآية، ﴿زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ﴾: فإن الشيطان يغويهم، ﴿واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِي﴾، أي: لا يهدي من هو في علم الله كافر مؤبد الكفر أو معناه، لا يهديهم في حال كفرهم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences