Al-Wahidi (al-Basit)Yunus · 10:81–88

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Yunus 10:81–88

10:81Page 218

فَلَمَّآ أَلۡقَوۡاْ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئۡتُم بِهِ ٱلسِّحۡرُۖ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبۡطِلُهُۥٓ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصۡلِحُ عَمَلَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٨١

And when they had thrown, Moses said, "What you have brought is [only] magic. Indeed, Allāh will expose its worthlessness. Indeed, Allāh does not amend the work of corrupters.

قوله تعالى: ﴿قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾، (ما) هاهنا موصولة بمعنى (الذي) وهي مرتفعة بالابتداء وخبرها (السحر)، قال الفراء: وإنما قال: ﴿السِّحْرُ﴾ بالألف واللام؛ لأنه جواب لكلام [[من (م) وفي بقية النسخ: (الكلام)، والصواب ما أثبته وهو موافق للمصدر.]] قد سبق، ألا ترى أنهم قالوا لما جاءهم به موسى ﴿هَذَا سِحْرٌ﴾ [[ورد قولهم هذا في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [النمل: 13].]] فقال موسى: بل ما جئتم به السحر [[اهـ. كلام الفراء، انظر: "معاني القرآن" 1/ 475.]].

قال أبو بكر: فوجب دخول الألف واللام؛ لأن النكرة إذا عادت عادت معرفة، يقول الرجل لمخاطبه: لقيت رجلاً، فيقول له: من الرجل؟ فيعيده بالألف واللام، ولو قال له من رجل؟ لم يقع في وهمه أنه يسأله عن الرجل الذي ذكره له [[ذكره الرازي في "تفسيره" 17/ 142، لكنه لم ينسبه لابن الأنباري، بل أدخله ضمن قول الفراء.]].

وقرأ أبو عمرو (آلسحر) بالاستفهام [[انظر: كتاب "السبعة" ص 328، "إرشاد المبتدي" ص 365، "النشر" 1/ 378، "إتحاف فضلاء البشر" ص 253.]] و (ما) على هذه القراءة استفهام يرتفع بالابتداء، و ﴿جِئْتُمْ بِهِ﴾ في موضع الخبر كأن قيل: أي شيء جئتم به؟ ثم قال على وجه التقرير والتوبيخ (آلسحر)؟ كقوله تعالى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: 116] ونحوه كثير، و (آلسحر) بدل من المبتدأ، ولزم أن يلحقه الاستفهام ليساوي المبدل منه في أنه استفهام، كما تقول: كم مالك؟ أعشرون أم ثلاثون؟ فجعلت (أعشرون) بدل من كم، ولا يلزم أن يضمر للسحر خبر؛ لأنك [[في (ح) و (ز): (خبرًا أنك) وهو خطأ.]] إذا أبدلته من المبتدأ صار في موضعه، وصار ما كان خبرًا لما أبدلت [[في (ح) و (ز): (أنزلت) وهو خطأ.]] منه في موضع خبر البدل [[انظر هذا التوجيه للقراءة في: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 290.]].

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ سيهلكه ويظهر فضيحة صاحبه، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي: لا يجعله ينفعهم؛ لأن معنى إصلاح العمل تقويمه على ما ينفع بدلا بما يضر.

10:82Page 218

وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٨٢

And Allāh will establish the truth by His words, even if the criminals dislike it."

قوله تعالى: ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ﴾ معنى إحقاق الحق: إظهاره وتمكينه بالدلائل الواضحة والآيات البينة حتى يرجع الطاعن عليه حسيرًا، والمناصب [[المناصب: المعادي، يفال: نصبت فلان نصبًا: إذا عاديته. انظر: "الصحاح" (نصب) 1/ 225.]] له مغلوبًا، وهذا معنى [[ساقط من (ى).]] قول ابن عباس في هذه الآية: يريد: حيث ألقى موسى عصاه فتلقفت كل كذب وسحر جاء به فرعون فأحق الله الحق [[لم أعثر عليه.]].

وذكرنا هذا المعنى في قوله: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ﴾ [الأنفال: 8] الآية، وقوله تعالى: ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾، قال الحسن: بوعده موسى [[ذكره هود بن محكم 2/ 204، والرازي 17/ 143 - 144 بلا نسبة.]]، وقيل: بما سبق من حكمه في اللوح المحفوظ بأن ذلك يكون [[ذكر نحوه الرازي 17/ 143 - 144، ولم يعين القائل، وللزمخشري في "الكشاف" 2/ 248 معنى هذا القول ولفظه: بأمره ومشيئته.]].

10:83Page 218

فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىٰٓ إِلَّا ذُرِّيَّةٞ مِّن قَوۡمِهِۦ عَلَىٰ خَوۡفٖ مِّن فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِمۡ أَن يَفۡتِنَهُمۡۚ وَإِنَّ فِرۡعَوۡنَ لَعَالٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ٨٣

But no one believed Moses, except [some] offspring [i.e., youths] among his people, for fear of Pharaoh and his establishment that they would persecute them. And indeed, Pharaoh was haughty within the land, and indeed, he was of the transgressors.

قوله تعالى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ الآية، قال الفراء: فسر المفسرون الذرية: القليل [["معاني القرآن" 1/ 476.]]، قال ابن الأنباري: من المفسرين من يذهب إلى أن الذرية معناها هاهنا تقليل عدد المؤمنين؛ لأن الأكابر وأولي الأنساب [[من (ى) وفي بقية النسخ: (الأسنان)، وما أثبته أولى بالسياق.]] العالية ممن لم يؤمنوا كانوا أكثر عددًا من الذرية، وهذا قول ابن عباس في رواية قتادة قال: الذرية: القليل [[رواه ابن جرير 11/ 149، وابن أبي حاتم 6/ 1975، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في"الدر المنثور" 3/ 565، وقد بين ابن عطية مراد ابن عباس فقال: هيئة قوله (فما آمن) يعطي تقليل المؤمنين به؛ لأنه نفى الإيمان ثم أوجبه للبعض، ولو كان الأكثر مؤمنًا لأوجب الإيمان أولاً ثم نفاه عن الأقل، وعلى هذا الوجه يترجح قول ابن عباس في الذرية: إنه القليك، لا أنه أراد أن لفظة (الذرية) هي بمعنى القليل كما ظنه مكي وغيره. "المحرر الوجيز" 7/ 197 - 198.

وقد ذهب الزمخشري في "كشافه" 248/ 2، إلى أن هذا في أول أمر موسي، == وفي بداية دعوته، وهذا الرأي هو الظاهر من السياق، إذ إن الفاء في قوله تعالى: ﴿فَمَا آمَنَ﴾ للتعقيب، أي: إن الله أيد موسى بالمعجزة الكبرى وأبطل كيد السحرة وأظهر الحق فما آمن من بني إسرائيل في تلك اللحظة إلا القليل من الشباب خوفًا من بطش فرعون، ولا يعني هذا أن غيرهم لم يؤمن بعد، كما توهمه ابن عطية في "المحرر" 7/ 198.

وبهذا يتبين الجواب عن القول بأن السحرة وبعض آل فرعون آمنوا، وكذلك القول بأن جميع بني إسرائيل تابعوا موسى وخرجوا معه من مصر، فكيف يقال بأنه لم يؤمن إلا القليل من ذرلة بني إسرائيل؟ فالآية تتحدث عمن آمن من قوم موسى في أول أمره والله أعلم.]].

واختلفوا في هؤلاء الذرية من هم؛ فقال ابن عباس: كانوا ستمائة ألف من بني إسرائيل [[رواه ابن جرير 11/ 491 - 150، وابن أبي حاتم 6/ 1975، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 565، لكنهم لم يذكروا العدد، ورواه الثعلبي 7/ 23 أ، فذكر العدد ولم يذكر لفظ (من بني إسرائيل).]]، وعلى هذا سموا ذرية؛ لأن يعقوب عليه السلام دخل مصر في اثنين وسبعين إنسانًا، فتوالدوا بمصر حتى بلغوا ستمائة ألف، كانوا ذرية ذلك القوم الذين دخلوا مصر مع يعقوب من أولاده [[انظر: "تفسير الثعلبي" 7/ 23 أ، والسمرقندي 2/ 107.

وهذا الخبر من القسم الثالث من أقسام الإسرائيليات وهو ما لم يرد في شرعنا ما يؤيده أو ينفيه فلا يصدق ولا يكذب.]]، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء [[رواه الثعلبي في "تفسيره" 7/ 23 أ.]].

وقال مجاهد: أراد بهم أولاد الذين أرسل إليهم موسى من بني إسرائيل، لطول الزمان هلك الآباء [[في (ى) هلك الآباء فلم يؤمنوا وبقي ... إلخ، وهذه الزيادة غير موجودة في مصادر تخريج الأثر.]]، وبقي الأبناء [[رواه الثعلبي 7/ 23/ أ، وبنحوه ابن جرير 11/ 149 - 150، وابن أبي شيبة وابن == المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 565، ومعناه: إن من أُرسل إليهم موسي من قومه لم يؤمنوا به، وطال الزمن حتى كان لهم ذرية آمنت به ثم هلك الآباء الذين لم يؤمنوا، وبقي الأبناء المؤمنون. وهذا القول غير صحيح لعدة أوجه:

أ- قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [الأعراف: 127]، يدل على أن قوم موسى صغارًا وكبارًا آمنوا به وتركوا ما كان يعبد فرعون.

ب- أن مواقف بني إسرائيل المخزية مع نبيهمِ موسى عليه السلام كأقوالهم فيما أخبر الله عنهم ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾، و ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾، و ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾، و ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾، وغير ذلك كثير، يدل دلالة واضحة أن جلّ بني إسرائيل آمنوا على كبر، وليس المؤمنون منهم ذريةً صغيرة نشأت على يد موسى وغذاها بغذاء الإيمان.

ج- أن المفسرين ذكروا أن الحكمة من ضرب التيه على بني إسرائيل هلاك الآباء ونشوء ذرية تتربى على عين موسى.

انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 197، "في ظلال القرآن" 2/ 871، وقول مجاهد يقتضي أن هلاك الآباء كان في أرض مصر.

د- أن تاريخ بني إسرائيل لا يؤيد قول مجاهد هذا، إذ إن من تتبع قصة بني إسرائيل في القرآن الكريم وفي ما ورد من أخبارهم يعلم يقينًا أنهم أمة قد نالها من ذل فرعون وطغيانه ما جعلهم يأملون الخلاص من ظلمه على يد نبي منهم، فالعقل والعادة يقتضيان إطباقهم على الإيمان بموسى قناعة بما جاء به، أو رغبة في إصلاح دنياهم وتغيير أوضاعهم ودرء الظلم عنهم، ومجاهد يقول إن الآباء لم يؤمنوا.]]، وهذا القول اختيار إسحاق؛ لأنه قال: إنه [[ساقط من (ح) و (ز).]] مكث يدعو الآباء فلم يؤمنوا وآمنت طائفة من أولادهم [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 30، وليس في كلامه ما يدل على أنه اختار هذا القول، بل صدّره بقوله: قيل: إنه مكث ... إلخ. وهو أسلوب يقتضي عادة عدم القناعة التامة.]]، وعلى هذين القولين [[في (ي): (الوجهين).]] (الهاء) في (قومه) كناية عن موسى.

وقال ابن عباس في رواية عطية: هم ناس يسير من قوم فرعون آمنوا، منهم امرأة فرعون [[هي آسية بنت مزاحم المؤمنة الصابرة زوج الطاغية فرعون، وقد جاء في شأنها عدة روايات تبين فضلها، منها:

أ- روى أحمد في "المسند" 1/ 316، والحاكم في "المستدرك" 2/ 594، وصححه ووافقه الذهبي عن رسول الله ﷺ قال: "أفضل نساء الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ﷺ، ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون".

ب- وعن أبي هريرة أن فرعون وتد لامرأته أربعة أوتاد في يديها ورجليها، فكانوا إذا تفرقوا عنها أظلتها الملائكة.

قال السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 377 - 378: أخرجه أبو يعلى والبيهقي بسند صحيح اهـ، وقد رواه أيضًا الحاكم بنحوه في "المستدرك" 2/ 499، عن سلمان وصححه ووافقه الذهبي.

ج- روى الطبراني كما في "الدر المنثور" 6/ 378، عن سعد بن جنادة قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله زوجني في الجنة مريم بنت عمران وامرأة فرعون وأخت موسى" لكن سنده ضعيف كما في "ضعيف الجامع الصغير" 2/ 90.]] وماشطة ابنته [[روى الإمام أحمد في "المسند" 1/ 309، عن رسول الله ﷺ قال: "لما كانت الليلة التي أسري بي فيها أتت عليّ رائحة طيبة، فقلت يا جبريل: ما هذه الرائحة الطيبة؟ فقال: هذه ماشطة ابنة فرعون وأولادها، قال: قلت وما شأنها؟ قال: بينا هي تمشي ابنة فرعون ذات يوم إذ سقطت المدرى من يديها فقالت: بسم الله، فقالت لها ابنة فرعون: أبي؟ قالت: لا، ولكن ربي ورب أبيك الله، قالت: أخبره بذلك؟ قالت: نعم، فأخبرته فدعاها فقال: يا فلانة وإن لك ربًا غيري؟ قالت: نعم، ربي وربك، فأمر ببقرة من نحاس فأحميت ثم أمر بها أن تلقى هي وأولادها فيها، قالت: إن لي إليك حاجة، قال: وما حاجتك؟ قالت: أحب أن تجمع عظامي وعظام ولدي في ثوب واحد وتدفننا، قال: ذلك لك علينا من الحق".]]، ومؤمن آل فرعون [[قيل كان أسمه سمعان، وقيل كان اسمه حبيبًا. انظر: "معاني القرآن وإعرابه" == 4/ 371، "الدر المنثور" 7/ 285، وانظر قصته ومناظرته فرعون وقومه في سورة غافر، الآيات (28 - 45).]] ونفر يسير [[رواه ابن جرير 11/ 150 بلفظ: من قوم فرعون يسير، منهم امرأة فرعون ومؤمن آل فرعون وخازن فرعون وامرأة خازنه، ورواه الثعلبي 7/ 24 أ، والبغوي 4/ 145 بنحو رواية ابن جرير وزادا: (وماشطته) هكذا والأثر من رواية عطية العوفي المسلسلة بـ"الضعفاء".]]، وروي عنه أيضًا: أنهم قوم كان [[في (خ) و (ز): (كانوا).]] آباؤهم من القبط وأمهاتهم من بني إسرائيل [[رواه الثعلبي 7/ 23 أ، وبنحوه البغوي 4/ 145.]].

قال الفراء: وهؤلاء إنما سموا ذرية؛ لأن أمهاتهم كن من غير جنس آبائهم، كما سمي أولاد الفرس الذين سقطوا إلى اليمن فتزوجوا نساء اليمن الأبناء [["معاني القرآن" 1/ 476، والفراء يعني أن هذا اصطلاح لبني إسرائيل كاصطلاح أهل اليمن على إطلاق الأبناء على أولاد الفرس من أمهات عرب، لا أن اللغة تقتضي ذلك.]]، وعلى هذا الهاء في ﴿قَوْمَهِ﴾ تعود على فرعون [[رجح هذا القول ابن عطية في "المحرر الوجيز" 7/ 198 - 199، بينما رده ابن جرير في "تفسيره" 11/ 150، ورجح عود الضمير إلى موسى عليه السلام؛ لأنه أقرب مذكور يعود إليه الضمير ولظهور اسم فرعون في قوله تعالى: ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ﴾ ولو كان الضمير الأول يعود إليه لقال: على خوف منه.]].

وقوله تعالى: ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ﴾، قال الفراء: إنما قال: ﴿وَمَلَئِهِمْ﴾ وفرعون واحد؛ لأن الملك يُخبَر عنه بخبر الجمع؛ لأن الوهم يذهب إليه وإلى من معه من تُبّاعه [[في "لسان العرب" (تبع) 1/ 416: التابع: التالي، والجمع: تُبّع وتُنّاع وتبعة.]] كما يقال: قدم الخليفة فغلت الأسعار وكثر الناس واتسعت الأموال يراد بمن معه [["معاني القرآن" 1/ 476 بمعناه.]]، وهذا معنى قول الزجاج: لأن فرعون [[في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 30: جاز أن يقال: (وملئهم) لأن فرعون .. إلخ.]] ذو أصحاب يأتمرون له، قال الفراء وابن الأنباري: وقد يكون هذا من باب حذف المضاف؛ كأنه أريد بفرعون آل فرعون [[انظر قول الفراء في "معاني القرآن" 1/ 477، وانظر القول غير منسوب في "تفسير الرازي" 17/ 144 - 145، "التبيان" للعكبري ص 443، قال العكبري: وهذا عندنا غلط؛ لأن المحذوف لا يعود إليه ضمير؛ إذ لو جاز ذلك لجاز أن تقول: زيد قاموا، وأنت تريد غلمان زيد قاموا، وانظر رد هذا القول أيضًا: "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 71 - 72، "المحرر الوجيز" 7/ 199.]]، وعلى القول الذي يقول الكناية [في ﴿قَوْمِهِ﴾] [[ساقط من (ى).]] تعود إلى فرعون جاز أن تعود الكناية في ﴿وَمَلَئِهِمْ﴾ إلى القوم.

وقوله [[بياض في (م).]] تعالى: ﴿أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ أي: يصرفهم عن دينهم بمحنة وبلية يوقعهم فيها، وهو إخبار عن فرعون؛ لأن الملأ كانوا على مثل ما كان عليه، ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ﴾، قال ابن عباس: يريد: متطاول في أرض مصر [["الوسيط" 2/ 556، "زاد المسير" 4/ 53.]].

﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ الإسراف: الإبعاد في مجاوزة الحد، قال المفسرون: وإسرافه أنه كان عبدًا فادعى الربوبية [[انظر: "تفسير الثعلبي" 7/ 23 ب، والبغوي 4/ 147، وابن الجوزي 4/ 53، ومعناه في "تفسير ابن جرير" 11/ 151.]].

10:84Page 218

وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰقَوۡمِ إِن كُنتُمۡ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ فَعَلَيۡهِ تَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّسۡلِمِينَ ٨٤

And Moses said, "O my people, if you have believed in Allāh, then rely upon Him, if you should be Muslims [i.e., submitting to Him]."

قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ﴾ الآية، قال أهل المعاني: أعيد ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ بعد ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾ [[نص الآية: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾.]] لتبين المعنى بالصنفين من الإيمان والإِسلام، وبالتقييد والإطلاق [[لم أقف عليه عند أهل المعاني، وذكر نحوه ابن عطية في "المحرر الوجيز" 7/ 202.]].

ودلت الآية على أن التوكل والتفويض إلى الله من كمال الإيمان، وأن من كان يؤمن بالله فليتوكل على الله ويسلم أمره إليه عند نزول الشدائد على الثقة بحسن تدبيره له [[ساقط من (ى).]].

10:85Page 218

فَقَالُواْ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَا رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا فِتۡنَةٗ لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٨٥

So they said, "Upon Allāh do we rely. Our Lord, make us not [objects of] trial for the wrongdoing people

قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، قال أبو مجلز، وأبو الضحى: يعني: لا تظهرهم علينا فيروا أنهم خير منا فيزدادوا طغيانًا [[ذكره عنهما الثعلبي 7/ 23 ب، ورواه ابن جرير 11/ 152، وابن أبي حاتم 11/ 1976، عن أبي مجلز، وروياه أيضًا عن أبي الضحى لكن بلفظ: قال: لا تسلطهم عليا فيزدادوا فتنة.]].

وقال مجاهد: لا تهلكنا بعذاب على [[ساقط من (ح) و (ز).]] أيدي قوم فرعون، ولا بعذاب من عندك، فيقول قوم فرعون: لو كانوا على حق ما عذبوا ولا سلطنا عليهم فيفتتنوا [[رواه ابن جرير 11/ 152، وابن أبي حاتم 6/ 1976، الثعلبي 7/ 23 ب، والبغوي 4/ 146.]].

قال ابن الأنباري: معنى دعائهم والذي التمسوه: ألا [[في (خ) و (ز): (لا).]] يغلبهم الكفار فيفتتنوا بذلك ويظنوا أنهم لم يغلبوا إلاَّ وهم [[في (ى): (أولادهم)، وهو خطأ.]] أولياء حق وأصحابه [[لم أقف عليه.]]، قال: والفتنة في اللغة تكون إحراقًا وإهلاكًا، فكأن [[في جميع النسخ لم توضع الهمزة على الألف، وقد وضعتها؛ لأن ابن الأنباري لم يجزم بأن هذا المعنى هو المراد في الآية بدلالة قوله السابق.]] معنى الآية لا تجعلنا سبب هلاكهم وإحراقهم وإيقاع عذابك الأليم بهم [[لم أقف عليه.]]. هذا طريق في معنى الآية عليه أكثر أهل التأويل [[ذكره الرازي في "تفسيره" 17/ 146 - 147، وابن عطية في "المحرر" 7/ 202 - 203، وضعفه وكذلك أبو حيان في "البحر" 5/ 185، ولم أجده عند غيرهم من أهل التفسير بالأثر أو الرأي أو أهل المعاني أو الغرائب فيما اطلعت عليه، بل إن المؤلف اعتمد غيره في "الوسيط" 2/ 556، وفي "الوجيز" 1/ 506.]]، وعلى هذا سألوا ألا تقع الفتنه بقوم فرعون بسبب تسلطهم وتمكنهم منهم.

وفي الآية قول آخر، وهو قول عطية، قال: معناها: لا تسلطهم علينا فيفتنوننا [[في (م): (يفتنونا)، وما أثبته موافق لمصدر التخريج.]] [[رواه الثعلبي في "تفسيره" 7/ 23 ب، وذهب إليه مجاهد أيضاً في إحدى الروايتين عنه، انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 152.]]، أي لا تمكنهم من ظلمنا بما يحملنا على الانصراف عن ديننا، وعلى هذا القول سألوا ألا تقع بهم الفتنة بسبب قوم فرعون، والفتنة أريد به المفعول؛ أي مفتونين بهم.

10:86Page 218

وَنَجِّنَا بِرَحۡمَتِكَ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٨٦

And save us by Your mercy from the disbelieving people."

قوله تعالى: ﴿وَنَجِّنَا﴾ الآية، وذلك أنهم كانوا يستعبدونهم ويأخذونهم بالأعمال الشاقة والمهن الخسيسة.

10:87Page 218

وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوۡمِكُمَا بِمِصۡرَ بُيُوتٗا وَٱجۡعَلُواْ بُيُوتَكُمۡ قِبۡلَةٗ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٨٧

And We inspired to Moses and his brother, "Settle your people in Egypt in houses and make your houses [facing the] qiblah1 and establish prayer and give good tidings to the believers."

قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا﴾، قال أبو علي: التبوء: فعل يتعدى إلى مفعولين، واللام في قوله: ﴿لِقَوْمِكُمَا﴾ في قوله: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: 72] ألا ترى أن المطاوع من الأفعال على ضربين، أحدهما: ألا يتعدى نحو: انشوى وانتأى [[كذا في جميع النسخ وهو بمعنى: بعد، انظر: "اللسان" (نأى)، وفي "الحجة": انثأى، وهو من الثأي بمعنى الإفساد أو القتل أو خرم الخرز. انظر: "لسان العرب" (ثأي).]]، في مطاوع [شويته ونأيته، والآخر: أن يتعدى كما تعدى ما هو مطاوع] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و (ز).]] له؛ وذلك نحو تعلقته وتقطعته فـ (تعلقته) يتعدى كما تعدى (علقته) وليس فيه أن ينتقص مفعول المطاوع عما [[من (ى) وفي بقية النسخ: كما، وما أثبته موافق لما في "الحجة" وهو الصواب.]] كان يتعدى إليه ما هو مطاوع له [[ساقط من (ح) و (ز).]]، فإذا كان كذلك كان اللام على الحد الذي ذكرنا [["الحجة للقراء السبعة" 4/ 309 بتصرف.]]. فعلى ما ذكر أبو علي يجوز أن تقول: تبوأت زيدا مكانًا، أي اتخذت له، ولم أر هذا لغيره؛ لأنه يقال: تبوأ المكان دارًا، فيُعدونه إلى مفعولين كما ذكر، ويقال: تبوأ لزيد منزلاً، أي اتخذه له، فلا يُعدون إلى زيد إلا باللام.

وقوله تعالى: ﴿بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾، قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد مساجد [[رواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 218 من رواية الكلبي، ورواه تفسيرًا للجملة التالية ابن جرير 11/ 153 - 156، وابن أبي حاتم 6/ 1977، والفريابي == وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه كما في "الدر المنثور" 5/ 566، وهو من رواية عكرمة.]]، فالبيوت هاهنا هي المساجد، لا المنازل المسكونة، كقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: 36].

﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾، قال [[يعني ابن عباس، وقد رواه ابن جرير 11/ 154.]] يريد: إلى الكعبة [[في هذا القول نظر لما يأتي:

أ- أن تشريع القبلة تجاه بيت المقدس في أول الإسلام يدل على أنها قبلة الأنبياء السابقين، وليست مما غيره أهل الكتاب من دينهم.

ب- أن هذا الأثر عند ابن جرير من رواية محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن المنهال بن عمرو الأسدي؛ والأول سيء الحفظ جدًا، فاخش الخطأ، كثير المناكير كما في "تهذيب التهذيب" 3/ 627، والثاني صدوق ربما وهم كما في "التقريب" (6918).]]، وعلى هذا، التقدير: واجعلوا بيوتكم؛ أي مساجدكم قِبَل القبلة، أي [[في (م): (أو)، وهو خطأ.]] إلى القبلة، وهذا قول مجاهد [[رواه ابن جرير 11/ 154 - 155 من طريقين أحدهما من رواية ابن جريج وهي ضعيفة لعنعنة ابن جريج وهو مدلس كما في "التقريب" ص 363 (4194)، والثانية من رواية ابن أبي نجيح وهي ضعيفة أيضًا؛ لأن في سندها أبا حذيفة؛ وهو صدوق سيء الحفظ وكان يصحف، ولم يخرج له البخاري إلا في المتابعات، كما في المصدر السابق 2/ 288.]]، والحسن [[ذكره هود بن محكم في "تفسيره" 2/ 205، لكن بلفظ: مستقبلة القبلة، ومعلوم أن القبلة أعم من الكعبة كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ [البقرة: 145].]]، وابن جريج عن ابن عباس قال: كانت الكعبة قبلة موسى ومن معه [[رواه الثعلبي 7/ 24 أ، والبغوي 4/ 146، وفي سنده ابن جريج وقد عنعنه وهو مدلس كما في "تقريب التهذيب" ص 363 (4193)، وانظر التعليق على قول ابن عباس السابق.]].

وعلى هذا القول أمر موسى وأخوه باتخاذ المساجد لقومهما بمصر على رغم أعدائهما وأعداء قومهما؛ لأن الله عز وجل يمنعهم من أعدائهم حتى لا [[ساقط من (ح) و (ز).]] يَصِلُوا إيقاع مكروه بهم.

وقال أكثر المفسرين: لما أُرسل [[في (ى): (أرسل الله).]] موسى أمر فرعون بمساجد بني إسرائيل فخربت كلها، ومُنعوا من الصلاة، فأُمروا أن يتخذوا مساجد في بيوتهم ويصلوا فيها خوفًا من فرعون [[انظر: "تفسير الثعلبي" 7/ 23 ب، والسمرقندي 2/ 108، والبغوي 4/ 146، وابن الجوزي 4/ 54.]]، وهذا قول ابن عباس في رواية عكرمة [[انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 154، والثعلبي 7/ 23 ب، والبغوي 4/ 146.]]، وإبراهيم [[يعني النخعي، وانظر قوله في: المصادر السابقة "تفسير ابن أبي حاتم" 6/ 1977.]]، وابن زيد [[انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 154، والثعلبي 7/ 23 ب.]]، والربيع [[انظر: المصدرين السابقين، نفس الموضع.]]، وأبي مالك [[رواه ابن جرير 11/ 154، وابن أبي حاتم 6/ 1977، والثعلبي 7/ 23 ب.]]، والسدي [[رواه ابن جرير، الموضع السابق.]]، والضحاك [[المصدر السابق، نفس الموضع.]]، واختيار الفراء [["معاني القرآن" 1/ 447.]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 30.]].

قال الزجاج: وقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ أي: صلوا في بيوتكم لتأمنوا من الخوف [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 30.]]، وقال الفراء: أمروا أن يتخذوا المساجد في جوف الدور لتخفى من القبط، ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ أي إلى الكعبة [["معاني القرآن" 1/ 477، ولفظه: لتخفى من فرعون.]].

وقال ابن الأنباري: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ أي قبلا، يعني مساجد فاكتفى بالواحد من الجمع، كقول العباس بن مرداس:

فقلنا أسلموا إنا أخوكم ... فقد برئت من الإحن الصدور [[انظر: "ديوان العباس بن مرداس" ص 52، "لسان العرب" (أخا) 1/ 41، "المقتضب" 2/ 174، وقبل هذا البيت:

كأن بني معاوية بن بكر ... إلى الإسلام ضائنة تخور]]

[أراد إنا إخوتكم [["زاد المسير" 4/ 55، وذكره مختصرًا الرازي في "تفسيره" 17/ 147.]].

وقال عكرمة عن ابن عباس: واجعلوا بيوتكم مساجد [[رواه ابن جرير 11/ 153، 154، وابن أبي حاتم 6/ 1977، والفريابي وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه كما في "الدر المنثور" 3/ 566.]]] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]].

10:88Page 218

وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَاتَيۡتَ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَأَهُۥ زِينَةٗ وَأَمۡوَٰلٗا فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَۖ رَبَّنَا ٱطۡمِسۡ عَلَىٰٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ وَٱشۡدُدۡ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ ٨٨

And Moses said, "Our Lord, indeed You have given Pharaoh and his establishment splendor and wealth in the worldly life, our Lord, that they may lead [men] astray from Your way. Our Lord, obliterate their wealth and harden their hearts so that they will not believe until they see the painful punishment."

قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، قال ابن عباس: كان لهم من لدن فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن ذهب وفضة وزبرجد وياقوت [["الوسيط" 2/ 557، "زاد المسير" 4/ 55.]].

﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾، اختلفوا في هذه اللام؛ فقال الفراء: (إنها [[ساقط من (ى).]] لام كي) [[اهـ. كلام الفراء، انظر: "معاني القرآن" 1/ 477.]] وعلى هذا، المعنى: إنك جعلت هذه الأموال سببًا لضلالهم؛ لأنهم بطروا فيها فاستكبروا عن الإيمان، وطغوا في الأرض.

وققال الأخفش: اللام في ﴿لِيُضِلُّوا﴾ إنما هو لما يؤول إليه الأمر، والمعنى: إنك آتيت فرعون وملأه زينة فضلوا، كما أن معنى ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: 8] أي: فكان كذلك [[كتاب "معاني القرآن" للأخفش 1/ 377 بمعناه.]]، وهذا قول الزجاج، وأكثر أهل المعاني [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 30، "معاني القرآن الكريم" للنحاس 3/ 310، "إعراب القرآن" له 2/ 72 - 73، "الحجة للقراء السبعة" 3/ 291، 395.]].

قال الزجاج: المعنى: أصارهم ذلك إلى الضلال، كما قال: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: 8] أي: فالتقطوه [[في (ى): (فالتقطه)، والمثبت موافق للمصدر وهو الصواب.]] فآل أمرهم إلى أن صار عدوًّا وحزنًا، لا أنهم قصدوا ذلك [[اهـ. كلام الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 30.]]، فعلى هذا هي لام العاقبة والصيرورة، وفتح الياء في (ليَضلوا) [[قرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف بضم الياء من الفعل (أضل)، وقرأ الباقون بفتحها من الفعل (ضل). انظر: "الغاية" ص 149، " إرشاد المبتدي" ص 3174، "النشر" 2/ 262، "إتحاف فضلاء البشر" ص 253.]] حسن لهذا المعنى؛ لأنهم ضلوا وطغوا لما أوتوه من الزينة والأموال، ومن قرأ: ﴿لِيُضِلُّوا﴾ من الإضلال فقد ذكرنا وجه ذلك في قوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ﴾ سورة الأنعام [119].

وقال ابن الأنباري: هذه لام الدعاء، وهي مكسورة تجزم المستقبل ويفتتح به [[هكذا في جميع النسخ، والأولى بالسياق أن يقول: بها.]] الكلام، فيقال: ليغفر الله للمؤمن [[في (ح) و (ز): (للمؤمنين).]]، وليعذب الله الكافر، وتأويلها [[في (م): (تاويله).]]: ربنا ابتلهم بالضلال عن سبيلك [[في (ح) و (ز): (سبيله).]] [[انظر قول ابن الأنباري في: "زاد المسير" 4/ 56.]].

وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾، ذكرنا معنى الطمس عند قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ [[وهذه الآية مع تسع آيات مفقودة في النسخ التي بين يدي.]] [النساء: 47]، ومعناه هاهنا المسخ.

قال الأزهري فيما روى عن شمر: ويكون الطموس بمنزلة المسخ للشيء، قال الله: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ قالوا: صارت حجارة [[اهـ. كلام شمر، انظر: "تهذيب اللغة" (طمس) 3/ 2218.]].

وهذا قول ابن عباس [[رواه الثعلبي 7/ 24 أ، والبغوي 4/ 147.]]، [وقتادة [[رواه الصنعاني في "تفسيره" 1/ 2/ 296، وابن جرير 11/ 158، وابن أبي حاتم 6/ 1979، والثعلبي 7/ 24 أ، والبغوي 4/ 147.]]، والقرظي [[رواه ابن جرير 11/ 158، وابن أبي حاتم 6/ 1979، والثعلبي 7/ 24 أ، والبغوي 4/ 147.]]، والسدي [[المصادر السابقة، عدا ابن جرير.]]، وابن زيد [[رواه ابن جرير 11/ 158، والثعلبي 7/ 24 ب، ولفظه: طمس على أموالهم فصارت حجارة ذهبهم ودراهمهم وعدسهم وكل شيء، وانظر التعليق الآتي على قول السدى.]]، والربيع [[رواه ابن جرير 11/ 157.]] والضحاك [[رواه ابن جرير في الموضع السابق، وابن أي حاتم 6/ 1979.]]: قال ابن عباس] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]]: بلغنا أن الدراهم والدنانير صارت حجارة منقوشة كهيئتها صحاحًا وأثلاثًا وأنصافًا [[انظر تخريج هذا الأثر والآثار التالية في التعليقات السابقة.]]

وقال القرظي: جعل سكرهم [[بضم السنن وتشديد الكاف، وهو معروف، أو بفتح السين والكاف من غير شديد، وهو نقيع التمر الذي لم تمسه النار، أو الخمر، أو النبيذ، وكان إبراهيم والشعبي وأبو رزين يقولون: السَّكَر: خمر. وقال أبو عبيدة: الطعام. واحتج بقول الآخر:

جعلت أعراض الكرام سكرا

انظر: "تهذيب اللغة" (سكر) 2/ 1719، "التكملة والذيل والصلة" (سكر) 3/ 33، "لسان العرب" (سكر) 4/ 2047.]] حجارة.

وقال قتادة: بلغنا أن حروثًا لهم صارت حجارة.

وقال السدي: مسخ الله أموالهم حجارة؛ النخل والثمار والدقيق والأطعمة [[الظاهر أن هذا القول وما في معناه مما تلقاه المفسرون عن أهل الكتاب، ولو صح ما ذكره السدي وابن زيد لهلكوا، ومعلوم أن هلاكهم كان غرقًا في اليم، ثم إن قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: 57 - 59]، وقوله تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: 25 - 28] يدل على بطلان القول بعموم مسخ أموالهم وطعامهم وزروعهم، ولم يرد دليل صحيح على مسخ البعض، وعلى ضوء ذلك فالراجح ما رواه ابن جرير 11/ 158، عن ابن عباس ومجاهد بأن معنى الآية: دمر عليهم وأهلك أموالهم، وهذا موافق لقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ [الأعراف:133 - 135]، وكشف الرجز عنهم يبين وجه الجمع بين الآيات الدالة على هلاك أموالهم والآيات الدالة على بقائها بعد غرقهم.]].

وقال عطاء عن ابن عباس: لم يبق لهم معدن إلا [طمس الله عليه فلم ينتفع به أحد بعد [[ذكره القرطبي 8/ 374، وأبو حيان 5/ 187، وانظر التعليق السابق.]].

قال الزجاج: تأويل طمس الشيء: إذهابه عن] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و (ز).]] صورته والانتفاع به على الحال الأولى التي كانت عليها [[في (ى): (عليه).]] [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 31، والطمس في اللغة: الدروس والانمحاء، وطمس الكواكب: ذهاب نورها. انظر: "اللسان" (طمس).]].

وقوله تعالى: ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، قال ابن عباس: يريد: امنعهم عن الإيمان [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 557، والقرطبي 8/ 374، وأبو حيان 5/ 187، ورواه بمعناه ابن جرير 11/ 581، وابن أبي حاتم 6/ 1979.]]، وتأويله: أقسها واطبع عليها حتى لا تلين ولا تنشرح للإيمان، وهذا دليل على أن الله يفعل ذلك بمن يشاء [[لكن وفق حكمته وعدله كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: 26]، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: 5].]]، ولولا ذلك لما حسن من موسى هذا السؤال.

وقوله تعالى: ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا﴾، قال المبرد: هو عطف على قوله: ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ أي: ربنا إنك آتيتهم ليضلوا فلا يؤمنوا [[ذكر قول المبرد هذا: الزجاج في "معاني القرآن" 3/ 31، وانظر: "زاد المسير" 4/ 57.]].

وهذا اختيار أبي علي، قال: هو عطف على النصب الحادث من اللام في ﴿لِيُضِلُّوا﴾، وما بين ذلك من قوله: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ اعتراض [[ساقط من (ى).]] بين ﴿آتَيْتَ﴾ وما يتصل به، وهذا الضرب من الاعتراض كثير [["الحجة للقراء السبعة" 3/ 395.]].

وقال الفراء [["معاني القرآن" 1/ 477 واللفظ له.]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه"، ولفظه: فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم، دعاء أيضًا عليهم.]]: ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا﴾ دعاء عليهم كأنه قال: اللهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم.

[قال ابن الأنباري: والتأويل فلا آمنوا [[من (م) وفي بقية النسخ: فلا يؤمنوا، وما أثبته موافق للمصدر التالي.]] حتى يروا العذاب [["زاد المسير" 4/ 57.]]] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]] وموضع ﴿يُؤْمِنُوا﴾ على هذا التأويل جزم بـ (لا) قال الأعشى:

فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى ... ولا تلقني إلا وأنفك راغم [[البيت للأعشى الكبير من قصيده يهجو بها يزيد بن مسهر الشيباني، انظر: "ديوانه" ص 178، "زاد المسير" 4/ 57، "لسان العرب" (زوى) 3/ 1894.]]

قال أبو بكر: ويجوز أن يكون ﴿يُؤْمِنُوا﴾ في موضع جزم بالنسق على (يضلوا)، و (يضلوا) منجزم بلام الدعاء [[ساقط من (ى).]].

وقال الفراء: وإن شئت جعلت ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا﴾ جوابًا لمسألة موسى عليه السلام لأن المسألة خرجت على لفظ الأمر، فـ (لا يؤمنوا) [[عبارة الفراء: فتجعل (فلا يؤمنوا) في موضع نصب.]] في موضع نصب على الجواب، فيكون كقول الشاعر [[هو: أبو النجم العجلي يمدح سليمان بن عبد الملك، انظر: "الدرر اللوامع" 3/ 52، "كتاب سيبويه" 3/ 35، "لسان العرب" (نفخ) 8/ 4495، و (عنق) 5/ 3134، والعنق: ضرب من السير. انظر: "لسان العرب" (عنق).]]:

يا ناق سيري عنقًا فسيحًا ... إلى سليمان فنستريحا [[اهـ. كلام الفراء، انظر: "معاني القرآن" 1/ 478.]]

قال ابن الأنباري: وذهب بعض الناس إلى أن معنى قوله: ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا﴾ فلن يؤمنوا، فأبدلت الألف من النون الخفيفة [وهذا خطأ لأن النون الخفيفة] [[ما بين المعقومن ساقط من عدا (م).]] لا تبدل ألفًا في وصل الكلام، ويلزم هذا القائل أن يجيز: لا يقومَ عبد الله، بنصب الميم، وذلك محال من كل وجه، وهذا القول الذي حكاه عن بعض الناس هو قول صاحب النظم.

وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ يريد الغرق [[انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 158، والثعلبي 7/ 24 ب.]]، قال ابن جريج عن ابن عباس: فلا يؤمنوا حتى يروا الغرق [[رواه ابن جرير 11/ 160، ورواه أيضاً ابن أبي حاتم 6/ 1980، من رواية عطية العوفي.]]، قال: وما آمن فرعون حتى أدركه الغرق [[رواه ابن جرير 11/ 160، وبنحوه ابن أبي حاتم 6/ 1980، من رواية علي بن أبي طلحة الوالبي.]].

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском