Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Al-Hijr 15:60–75
15:60Page 265
إِلَّا ٱمۡرَأَتَهُۥ قَدَّرۡنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ ٦٠
Except his wife." We [i.e., Allāh] decreed that she is of those who remain behind.1
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ استثناء من الضمير في ﴿لَمُنَجُّوهُمْ﴾ فعادت إلى القوم المجرمين؛ لأنه استثناء بعد استثناء، فتعود إلى المستثنى منه أولاً؛ كما تقول: لفلان عليّ خمسة إلا درهمين إلا درهمًا، فيصير هذا إقرارًا بأربعة [[وقد وافق الزمخشري على أنه استثناء من الضمير، ولم يوافق على التعليل؛ بدعوى أن الاستثناء بعد الاستثناء إنما يصح عند اتحاد الحكم؛ كالمثال الذي ذكره الواحدي -رحمه الله- وكقول المطلق: أنت طالق ثلاثاً إلا اثنتين إلا واحدة، أما هنا فقد اختلف الحكمان؛ لأن (آل لوط) متعلق بأرسلنا أو بمجرمين، و (إلا امرأته) قد تعلق بمنجوهم، فكيف يكون استثناء بعد استثناء؟؟! يمكن اعتباره لو قيل: أهلكناهم إلا آل لوط إلا امرأته. انظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 316، وذهب أبو البركات بن الأنباري إلى أنه استثناء من النفي؛ أي من (آل لوط) فيكون إيجاباً؛ وذلك أن الاستثناء من الإيجاب نفي، ومن النفي إيجاب، وهنا استثنى آل لوط من المجرمين، فلم يدخلوا في الإهلاك، ثم استثنى من آل لوط امرأته؛ فدخلت في الهلاك. انظر: "البيان في غريب إعراب القرآن" 2/ 71، و"تفسير أبي حيان" 5/ 460.]].
وقوله تعالى: ﴿قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ معنى التقدير في الغة: جعل الشيء على مقدار غيره، يقال: قَدِّر هذا الشيء بهذا، أي: اجعله على مقداره [[انظر: "المفردات" ص 658، (قدر) في "اللسان" 6/ 3578، "التاج" 7/ 370.]]، وقدَّر الإلهُ الأقواتَ، أي: جعلها على مقدار الكفاية، ثم يفسر التقدير بالقضاء؛ فيقال: قضى الله عليه كذا، وقدَّره عليه؛ أي: جعله على مقدار ما يكفي في الخير والشر، وقيل في معنى قدّرنا هاهنا: كتبنا [[ورد منسوباً إلى علي بن عيسى في "تفسير الماوردي" 3/ 164، وانظر: "تفسير الطوسي" 6/ 343، "تفسير القرطبي" 10/ 37.]]، وحكى الزجاج: دبَّرنا [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 181 بلفظه.]]، وقيل: قضينا [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 149 ب بلفظه، وورد منسوباً إلى النخعي في "تفسير == الماوردي" 3/ 164، و"تفسير البغوي" 4/ 385، وابن الجوزي 4/ 406، والفخر الرازي 19/ 199 [نقل الفقرة كلها وبنصها دون عزو]، وانظر: "تفسير القرطبي" 10/ 37، والخازن 3/ 99، والشوكاني 3/ 193، وصديق خان 7/ 181.]]، وقرأ عا صم في رواية أبى بكر [[شعبة بن عياش بن سالم، أبو بكر الحناظ الأسدي الكوفي، الإمام العلم راوي عاصم، اختلف في اسمه كثيراً، عرض القرآن على عاصم ثلاث مرات، قرأ عليه أبو الحسن الكسائي وغيره، توفي سنة 193 هـ، انظر: "معرفة القراء الكبار" 1/ 134، "غاية النهاية" 1/ 325، "جمال القراء" 2/ 465.]]: ﴿قَدَّرْنَا﴾ مخففًا [[انظر: "السبعة" ص 367، "علل القراءات" 1/ 298، "إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 348، "الحجة للقراء" 5/ 48، "المبسوط في القراءات" ص 221، "المُوضَح في وجوه القراءات" 2/ 724، "النشر" 2/ 302.]]، يقال: قدَّرت الشيء وقدْرته، قال الهذلي:
ومفْوِهَةِ عَنْسٍ قَدَرْتُ لساقِها ... فخرَّتْ كما تَتَّايَعُ الرِّيحُ بالقَفْلِ [["شرح أشعار الهذليين" 1/ 92 وفيه: (لِرِجْلِها) بدل (لساقها)، وورد في "الحجة للقراء" 5/ 49، "تفسير ابن عطية" 8/ 331، "اللسان" (تبع) 1/ 460، (قفل) 11/ 561، وورد غير منسوب في: "المنصف" 3/ 70، "المُوضَح في وجوه القراءات" 2/ 725، (مفرهة) هي الناقة التي تلد الفُرْهَ، النوق الجميلات، (عَنْس) الناقة القوية، شُبهت بالصخرة لصلابتها، (تَتَّابع)؛ التتايع: التهافت والإسراع، (القَفْل) بالفتح، ما يَبِس من الشجر، ومعنى البيت، يقول: قدّرت ضربتي لساق هذه الناقة القوية -التي تلد الملاح- فخرت وتهافتت كما تفعل الريح بورق الشجر اليابس.]]
المعنى: قَدَّرْتُ ضربتي لساقها فضربتها [[ورد في "الحجة للقراء" 5/ 48 بنصه.]] فخرت، ومن هذا قراءة ابن كثير ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ [الواقعة: 60]، خفيفًا [[انظر: "السبعة" ص 367، "علل القراءات" 1/ 299، "إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 350، "الحجة للقراء" 5/ 48، "المُوضَح في وجوه القراءات" 2/ 724.]]، وقراءة الكسائي ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [[انظر: "السبعة" ص 368، "إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 349، "الحجة للقراء" 5/ 48، "تلخيص العبارات" ص 166، "المُوضَح في وجوه القراءات" 3/ 1360، "النشر" 2/ 399.]] [الأعلى: 3]، والمشددة في هذا المعنى أكثر استعمالاً، كقوله ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت: 10]، وقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: 2].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ في موضع مفعول التقرير، والمعنى: قضينا أنها تتخلف وتبقى مع من يبقى حتى تهلك كما يهلكون، ولا تكون ممن يسري مع لوط فينجو.
15:61Page 265
فَلَمَّا جَآءَ ءَالَ لُوطٍ ٱلۡمُرۡسَلُونَ ٦١
And when the messengers came to the family of Lot,
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ﴾ قال أهل المعاني: يعني جاء لوطًا؛ كما قال في سورة هود؛ في ذكر هذه القصة: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا﴾ [هود: 77] وآل الرجل يُذْكَر والمراد به الرجل، كما ذكرنا في قوله ﴿مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ [البقرة: 248]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أي: غير معروفين؛ لأنهم أتوه على صورة رجال مرد حِسان [[في (ج): (حسنًا).]] الوجوه فلم يعرفوهم، فلم يعرفهم لوط، وذكرنا معنى الإنكار عند قوله: ﴿نَكِرَهُمْ﴾ [هود: 70].
15:63Page 265
قَالُواْ بَلۡ جِئۡنَٰكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمۡتَرُونَ ٦٣
They said, "But we have come to you with that about which they were disputing,
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أي: بالعذاب الذي كانوا فيه يَشُكّون في نزوله على من كَذَّبك، أن المعذب بهذا العذاب الذي جئتنا به هم لا أنت، ومعنى (بل) هاهنا نفي؛ لإنكار لوط إيَّاهم، أي: دع ذلك فإنا رسل ربك جئناك [[في (ج): (جئنا).]] بعذابهم، فلما بَيَّنُوا له الأمر عرفهم.
15:64Page 265
وَأَتَيۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ٦٤
And we have come to you with truth, and indeed, we are truthful.
وقوله تعالى: ﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ قال الكلبي: بالعذاب [["تفسير الفخر الرازي" 19/ 201 أورد الفقرة كلها بدون عزو، وورد منسوباً لمجاهد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 31، وورد غير منسوب في "تفسير الطبري" 14/ 42، و"تفسير السمرقندي" 2/ 222، والثعلبي 2/ 149 ب بلفظه، والطوسي 6/ 345، و"تفسير البغوي" 4/ 386، وابن الجوزي 4/ 406، و"تفسير القرطبي" 10/ 38.]]، وقيل باليقين [[ورد في "تفسير الطبري" 14/ 42، "تفسير البغوي" 4/ 386، والزمخشري 2/ 316، والنسفي 3/ 99، والخازن 3/ 99، وأبي حيان 5/ 461، والشوكاني 3/ 194، وصديق خان 7/ 182.]]، والمعنى: بالأمر الثابت الذي لا شك فيه من عذاب قومك.
15:65Page 265
فَأَسۡرِ بِأَهۡلِكَ بِقِطۡعٖ مِّنَ ٱلَّيۡلِ وَٱتَّبِعۡ أَدۡبَٰرَهُمۡ وَلَا يَلۡتَفِتۡ مِنكُمۡ أَحَدٞ وَٱمۡضُواْ حَيۡثُ تُؤۡمَرُونَ ٦٥
So set out with your family during a portion of the night and follow behind them and let not anyone among you look back and continue on to where you are commanded."
قوله تعالى ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ مفسَّر في سورة هود [[آية: [81].]].
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾ قال ابن عباس: يقول للوط أَتبع آثار بناتك وأهلك لئلا يتخلف منهم أحد فينالَه العذاب [[ورد غير منسوب في "تفسير الفخر الرازي" 19/ 201.]]، وكذلك قيل: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ قال الكلبي: يعني لا يتخلف منكم أحد [[ورد في "تنوير المقباس" ص 279، وورد غير منسوب في "تفسير السمرقندي" 2/ 222، والشوكاني 3/ 194، وصديق خان 7/ 183.]]، وقال الزجاج: لئلا يرى عظيم ما ينزل بهم من النبلاء [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 182 بنصه.]]، وقال غيره: معناه الإسراع وترك الاهتمام لِمَا خَلَّفَ وراءه [[انظر: "تفسير الخازن" 3/ 99، وأبي السعود 5/ 84، قال ابن عطية: ونُهوا عن النظر مخافة الغفلة وتعلق النفس بمن خَلَّفَ، وقيل: بل لئلا تتفطَّر قلوبهم من معاينة ما جرى على القرية في رفعها وطرحها. "تفسير ابن عطية" 8/ 335.]]، كما يقول: امض لشأنك ولا تُعرِّج على شيء، وهذا مما تقدَّم في سورة هود [[آية: [81].]].
وقوله تعالى: ﴿وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ قال ابن عباس: يعني الشام [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 149ب، انظر: "تفسير البغوي" 4/ 386، وابن الجوزي 4/ 407، والفخر الرازي 19/ 201، والخازن 3/ 99، والألوسي 14/ 69.]]، وقال المفضل: حيث يقول لكم جبريل [["تفسير الفخر الرازي" 19/ 201، وورد غير منسوب في: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 407، والخازن 3/ 99.]]، قال الكلبي: أمرهم جبريل امضوا إلى صُغَر [[في جميع النسخ: (صفر)، والمثبت أقرب للصواب، والتصويب من تفسيره "الوسيط"، تحقيق: سيسي 2/ 362، "تفسير الثعلبي" 2/ 149 ب، وهكذا ضبطه ياقوت، وأشار إلى القصة، بقوله: وهي على البحيرة المقلوبة وبقية مدائن لوط، وإنها نجت لأن أهلها لم يكونوا يعملون الفاحشة، وكذلك ضبطها ابن كثير؛ قال: فذكروا أنه ذهب إلى قرية (صغر) التي يقول الناس (غور زغر)، وقد ضبطت "صعرة". في: تاريخ الطبري و"الروض المعطار في خبر الأقطار"، والحق أنه قد وقع اختلاف كبير في أسماء قرى لوط -عليه السلام- ولم يتفقوا إلا في اسم كبرى هذه القرى وهي: سدوم، وتقع بأرض الشام، لذلك قال السهيلي: وسدوم أعظمها، وقد ذُكرت الأسماء الأُخر ولكن بتخليط لا يتحصل منه حقيقة. انظر: "التعريف والإعلام" ص 162، "تاريخ الطبري" 1/ 118، 122، "معجم البلدان" 3/ 411، "تفسير القرطبي" 9/ 81، "الكامل في التاريخ" 1/ 69، "الروض المعطار" ص 308، "تفسير ابن كثير" 2/ 610، "البداية والنهاية" 1/ 181، "الدر المنثور" 3/ 185.]]؛ وهي إحدى قريات لوط [["تفسير ابن الجوزي" 4/ 407.]]، ولم يكونوا يعملون مثل عمل سدوم، وهذا قول مقاتل [[الذي في "تفسيره" 1/ 198 أ. قال: إلى الشام، وورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 149 ب بمعناه، وانظر: "تفسير القرطبي" 10/ 38.]].
15:66Page 265
وَقَضَيۡنَآ إِلَيۡهِ ذَٰلِكَ ٱلۡأَمۡرَ أَنَّ دَابِرَ هَٰٓؤُلَآءِ مَقۡطُوعٞ مُّصۡبِحِينَ ٦٦
And We conveyed to him [the decree] of that matter: that those [sinners] would be eliminated by early morning.
قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ﴾ قال المفضل: أي: أوحينا إليه وألهمناه [[لم أقف عليه منسوبًا إليه، وأخرجه الطبري منسوبًا إلى ابن زيد 14/ 43، وورد غير منسوب في: "تفسير السمرقندي" 2/ 222، والماوردي 3/ 165، وأبي حيان 5/ 461، وأبي السعود 5/ 84، والشوكاني 3/ 194.]]، وقال بعضهم: وفرغنا إلى لوط من ذلك الأمر [[ورد بنصه في: "تفسير الطبري" 14/ 42، والثعلبي 2/ 149 ب.]]، يقال. قضيت الأمر، إذا فرغت منه وأتممته، وقد ذكرنا ذلك في قوله: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ في سورة البقرة [[آية: [117]، وانظر: "البسيط" [النسخة الأزهرية] 1/ 83 أ.]]، وقال ابن قتيبة: أي أخبرناه [["الغريب" لابن قتيبة ص 238 بلفظه.]].
وقال صاحب النظم: أي فرغنا منه [[ورد غير منسوب في "تفسير الخازن" 3/ 99.]]، كقوله ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾ [يونس: 71] وقد مرّ، ويقال: إن معنى ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ﴾: من الخبر؛ كقوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ في الْكِتَابِ﴾ [الإسراء: 4] أي: أخبرناهم به.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ أي: الأمر الذي أعلمناه إبراهيم أنّا نهلكهم، في قوله: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾، فأومأ في قصة لوط إلى ما أخبر به إبراهيم من إهلاك قوم لوط، ثم ترجم قوله: ﴿ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ بقوله: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ قال الزجاج: موضع (أن) نصب، وهو بدل من قوله: ﴿ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ لأنه فَسّر الأمر بقوله: ﴿أَنَّ دَابِرَ﴾ [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 182 بتصرف يسير.]] المعنى: وقضينا إليه أن دابر هؤلاء مقطوع، ونحو هذا قال الفراء والكسائي [["معاني القرآن" للفراء 2/ 90 بمعناه، ولم أقف عليه منسوباً إلى الكسائي.]].
قال ابن عباس: يريد أن هلاكهم في الصبح [[أخرجه الطبري 14/ 43 بنحوه، من طريق الحجاج عن ابن جريج صحيحة، "تنوير
المقباس" ص 279.]]، ومضى الكلام في الدابر [[سورة الأنعام [آية: 45]، أورد أقوالاً في معنى الدابر، فقال: قال الأصمعي وغيره: (الدابر الأصل؛ يقال: قطع الله دابره أي أذهب أصله)، وقال ابن بزرج: "دابر الأمر: آخره، ودابر الرجل عقبه، وقولهم: قطع الله دابره: دعاء عليه بانقطاع العقب حتى لا يبقى أحد يخلفه).]].
15:67Page 265
وَجَآءَ أَهۡلُ ٱلۡمَدِينَةِ يَسۡتَبۡشِرُونَ ٦٧
And the people of the city came rejoicing.1
قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ﴾ يعني مدينة لوط؛ وهي سدوم، ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ قال الكلبي وغيره: بعملهم الخبيث طمعًا منهم في ركوبهم الفاحشة [[ورد في: "تنوير المقباس" ص 285 مختصرًا، تفسيره "الوسيط"، تحقيق: سيسي 2/ 362 بنصه غير منسوب، "تفسير البغوي" 5/ 387، ابن عطة 8/ 337، ابن الجوزي 4/ 407، "تفسير القرطبي" 10/ 39، الخازن 3/ 99.]].
قال ابن عباس: قالوا نزل بلوط ثلاثة مرد ما رأينا قط أصبح منهم، فقال لهم لوط لما قصدوا أضيافه:
15:68Page 265
قَالَ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ ضَيۡفِي فَلَا تَفۡضَحُونِ ٦٨
[Lot] said, "Indeed, these are my guests, so do not shame me.
﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ﴾ يقال: فضحه يفضحه فضحًا وفضيحة، إذا أبان من أمره ما يلزمه به العار، (يقال: فضحه فافْتَضَحَ [[انظر: "جمهرة اللغة" 1/ 545، "اللسان" (فضح) 6/ 3425، "عمدة الألفاظ" 3/ 279.]]، قال الفراء) [[ما بين القوسين ساقط من: (د).]]: ويقال فَضَحَك الصبح، أي: بَيّنك للناس [[ليس في معانيه.]]، قال المفسرون: أراد أن من حق الضيف إكرامُه، فلا تفضحوني بقصدكم إيّاه بالسوء [[ورد بنحوه في "تفسير الطبري" 14/ 43، والثعلبي 2/ 149 ب، و"تفسير البغوي" 4/ 387، والخازن 3/ 99، وأبي السعود 5/ 85، والألوسي 14/ 71.]]، والكريم يحافظ على ضيفه ويحامي عنه، وقال المفضل: لما دَقُّوا على لوط بابَه [[في (أ)، (د): (باب) دون الضمير، والمثبت من (ش)، (ع).]] أشرف عليهم وقال: هؤلاء ضيفي فلا تفضحوني عندهم، فيعلموا أنه ليس لي عندكم قَدْر [[ورد نحوه غير منسوب في تفسيره "الوسيط" تحقيق: سيسي 2/ 363، وأبي السعود 5/ 85، والألوسي 14/ 71.]].
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ مذكور وفي سورة هود [[آية: [78].]].
15:70Page 265
قَالُوٓاْ أَوَلَمۡ نَنۡهَكَ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧٠
They said, "Have we not forbidden you from [protecting] people?"
فقالوا له: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ قال الكلبي وأكثر المفسرين: المعنى: أولم ننهك أن تَضِيف أحدًا من العالمين [[ورد في "الغريب" لابن قتيبة ص 1/ 241، و"أخرجه الطبري" 14/ 43 بنصه منسوبًا إلى قتادة، وورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 149 ب بنصه غير منسوب، و"تفسيرالبغوي" 4/ 387، والخازن 3/ 100، وابن كثير 2/ 610، و"الدر المنثور" 4/ 192 وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة، ولم أقف عليه منسوبًا إلى الكلبي.]]، قال الزجاج: معناه: أولم ننهك عن ضيافة العالمين [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 183 بنصه.]]، قال المفضل: أولم ننهك أن تُدخل أحدًا بيتك؛ لأنّا نريد منهم الفاحشة [[ورد غير منسوب في "تفسير الخازن" 3/ 100.]]، والتفسير ذكره الكلبي، وتوجيه الكلام ذكره الزجاج، والمعنى ذكره المفضل، وقال ابن عباس في رواية عطاء: لا تتعرض لنا في شيء مما نريد؛ يعني أنهم قالوا نهيناك أن تكلمنا في أحد من الناس إذا قصدناه بالفاحشة، فيكون التقدير على هذا المعنى: أولم ننهك عن منع العالمين أو حفظهم أو حمايتهم، فقال لهم لوط:
15:71Page 266
قَالَ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِيٓ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ ٧١
[Lot] said, "These are my daughters1 - if you would be doers [of lawful marriage]."
﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ قال أبو إسحاق معناه: إن كنتم مريدين لهذا الشَّأن [[في جميع النسخ: البنتان، والتصويب من المصدر.]]؛ يعني اللذة وقضاء الوطر فعليكم بالتزويج ببناتي [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 183 بتصرف يسير.]]، قال قتادة: أراد أن يقي أضيافه ببناته [["أخرجه الطبري" 14/ 44 بنصه، وورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 149 ب بنصه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 192 وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. ويلزم من هذا القول جواز زواج الكافر من المؤمنة - في شرعه؛ كما كان جائزًا في بداية الإسلام حتى نسخ بآية الممتحنة [10]،، وقيل عرضهن عليهم شريطة الإسلام قبل عقد النكاح، وقيل قصد بنات أمته؛ لأن النبىّ كالوالد لأمته، وهو قول مجاهد؛ ذكره معظم المفسرين.]]، وذكرنا الكلام في هذا مستقصى في سورة هود [[آية [78].]].
قال الحسن وقتادة: هؤلاء بناتي تزوجوهن [[ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 347 بلفظه عنهما.]]، ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ كناية عن الجماع.
15:72Page 266
لَعَمۡرُكَ إِنَّهُمۡ لَفِي سَكۡرَتِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ٧٢
By your life, [O Muḥammad], indeed they were, in their intoxication, wandering blindly.
قوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ العَمْر والعُمْر واحد، وسمي الرجل عمر إيغالًا أن يبقى [["تهذيب اللغة" "عمر" 3/ 2565 بنحوه، وانظر: (عمر) في: "التاج" 7/ 258 وعزاه للمحكم، ولم أجده في بابه.]]، ومنه قول ابن أحمر: ذَهبَ الشَبَابُ وأَخْلَفَ العَمْرُ [[عجزه:
وتَغيَّرَ الإخوانُ والدَّهْر
"شعر عمرو بن أحمر الباهلي" ص90، وورد في: "الاشتقاق" ص 13، "مقاييس اللغة" (خلف) 2/ 212 وفيه: (وتنكَّر)، "تفسير الفخر الرازي" 19/ 203، "اللسان" (عمر) 5/ 3103، "التاج" (عمر) 7/ 258 وفيهما: (وتَبدَّل)، وورد غير منسوب في: "جمهرة اللغة" 2/ 772، وفي الديوان وجميع المصادر بروإية: (بان) بدل (ذهب)، والمعنى واحد، (بان): بمعنى انقضى ومضى عصره، (أخلف): تغيير، (العَمر): واحد العُمُوْر؛ اللحم الذي بين الأسنان.]]
وعُمّر الرجلُ يَعْمُر عَمْرًا وعُمُرًا وعُمُرًا، فإذا أقسموا قالوا: لعَمْرُك وعَمْرِك، ففتحوا العين لا غير [[انظر: "المقتضب" 4/ 177، "غرائب التفسير" 1/ 592، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 408، الفخر الرازي 19/ 203، "شرح المفصل" 9/ 96، "البسيط في شرح جمل الزجاجي" 2/ 943، (عمر) في: "تهذيب اللغة" 3/ 2565، "المحكم" 2/ 105، "اللسان" 5/ 3099، "التاج" 7/ 258.]].
قال أبو إسحاق: لأن الفتح أخف عليهم، وهم يكثرون القسم بِلَعَمْري ولعَمْرك، فلزموا الأخَفَّ عليهم [[معاني القرآن وإعرابه" 3/ 183، بنصه تقريباً.]].
قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد وعيشك يا محمد [[أورده البخاري -معلقاً- في "صحيحه" تفسير، الحجر 8/ 379 "الفتح"، و"أخرجه الطبري" 14/ 44 بنحوه، من طريق علي بن أبي طلحة، صحيحة، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 33، والماوردي 3/ 166 و"تفسير ابن الجوزي" 4/ 408، وابن كثير 2/ 611، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 192 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.]].
وقال في رواية أبي الجوزاء يقول: بحياتك، وما حلف الله تعالى بحياة أحد إلا بحياة النبيّ -ﷺ- [[أخرجه بنحوه من طريق عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء: أبو يعلى في "مسنده" 5/ 139، والطبري في "تفسيره" 14/ 44، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 150 أ، وأبو نعيم في "الدلائل" 1/ 63، والبيهقي في "الدلائل" 5/ 488، وورد بنحوه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 33، و"تفسير السمرقندى" 2/ 222، والماوردي 3/ 166، و"تهذيب اللغة" (عمر) 3/ 2564 بنصه، وانظر: "تفسير البغوي" 4/ 387، وابن الجوزي 4/ 408 وابن عطية 8/ 338، وابن كثير 2/ 611، وأورده عياض في "الشفا" 2/ 87، والهيثمي في "المجمع" 7/ 46 وعزاه لأبي يعلى وقال: إسناده جيد، وابن حجر في "المطالب" 3/ 346 وزاد نسبته للحارث ابن أبي أسامة، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 192 وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.]]، وهذا قول أكثر أهل التأويل من المفسرين وأصحاب المعاني، قال الزجاج: وفي هذا آية عظيمة في تفضيل النبيّ -ﷺ-، جاء في التفسير أنه أقسم بحياة محمد -ﷺ- [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 183 بنصه.]]. وقال بعض أهل المعاني: إذا قيل: لعَمْرك، فكأنه قيل ومدة بقائك حيًّا [[قال القاضي عياض: اتفق أهل التفسير في أنه قسم من الله جل جلاله بمدة حياة محمد -ﷺ- انظر: "الشفا" 1/ 86.]]، وقال النحويون: ارتفع (لعمرك) بالابتداء والخبر محذوف، المعنى لعمرك قَسَمي، ولَعَمْرُك ما أُقْسِمُ به، وحُذِف الخبرُ لأن في الكلام دليلًا عليه، وباب القَسَم يحذف من الفعل نحو: باللهِ لأفعلن، والمعنى: أحلف بالله؛ فيحذف (أحلف) لعلم المخاطب بأنك حالف، فكذلك يحذف خبر الابتداء [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 184 بنصه تقريباً، انظر: "المقتضب" 2/ 318، "الإيضاح العضدي" ص 276، "شرح المفصل" 9/ 99، "البسيط في شرح جمل الزجاجي" 2/ 932، 2/ 943، "المحكم" (عمر) 2/ 105، "زاد المسير" 4/ 408، الرازي 19/ 203.]].
وقال قتادة في قوله: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ كلمة من كلام العرب [[أخرجه الطبري 14/ 44 بنصه، وورد بنصه غير منسوب في "تفسير مقاتل" 1/ 198 أ.]]، (يقولون في الإكرام والتبجيل، قال أبو إسحاق: ولستُ أُحِبُ هذا التفسير؛ لأن قوله: كلمة من كلام العرب) [[ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).]] لا فائدة فيه؛ لأن القرآن كله من كلام العرب فلابد أن يقال ما معناها [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 183 بنصه.]]، وحكى أبو الهيثم أن النحويين يقولون في قوله: ﴿لَعَمْرُكَ﴾: لَدِينُك الذي تعمر، وأنشد [[البيت لعمر بن أبي ربيعة (ت 93 هـ).]]:
أيُّها المُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلًا ........... عَمْرَكَ اللهَ كيفَ يَلْتَقِيَانِ [["ديوانه" ص 438، وورد في "الشعر والشعراء" 374 وفيه (يجتمعان) بدل: يلتقيان، "الأغاني" 1/ 232، "الصحاح" (عمر) 2/ 756، "أمالي ابن الشجري" 2/ 108، "الروض الأنف" 3/ 135، "شرح المفصل" 9/ 91 (عجز)، "اللسان" (عمر) 5/ 3100 برواية: (يجتمعان)، "الخزانة" 2/ 28، وورد غير منسوب في:
"المقتضب" 2/ 329، القرطبي 10/ 41، وأبي حيان 5/ 462، والألوسي 14/ 73، (كيف يلتقيان): استفهام إنكاري تعجبي من تزويج الثري بنت علي بن عبد الحارث -وكانت مشهورة بالحسن والجمال- بسهيل بن عبد الرحمن الزهري - وكان معروفًا بقبح منظره.]]
قال عَمْرك اللهَ، أي عبادتك الله [["تهذيب اللغة" (عمر) 3/ 2564 بنصه، وانظر: (عمر) في "اللسان" 5/ 3100، و"التاج" 7/ 258.]].
وقال ابن الأعرابي: عَمَرتُ ربي، أي: عبدته، وفلان عامر لربه، أي: عابد، قال: ويقال تركت فلانا يَعْمُر ربه، أي: يعبده [["تهذيب اللغة" (عمر) 3/ 2565 بنصه، "المحكم" 2/ 108، "اللسان" 5/ 3102.]]، فعلى هذا القول: العَمْرُ كالعمارة، والعابد اللهَ عامرٌ لدينه، فسُمِّيَ العابدُ عامرًا، ومعنى قوله: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ أي لَعِبَادَتُك، والمفسرون على القول الأول [[أي أنه قسم بحياة النبي -ﷺ-وهو قول الجمهور كما قال ابن العربي وعياض وأبو حيان.]]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد: أن قومك في ضلالهم يتمادون [[ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 150 أبلفظه، دون الإشارة إلى المعني بالضمير، وانظر: "تفسير الوسيط"، 2/ 364، بنصه عن عطاء، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 409 مختصرًا عن عطاء، وإلى هذا ذهب الطبري، فقال: أي وحياتك يا محمد، إن قومك من قريش، لفي ضلالتهم وجهلهم يترددون، وإليه ذهب السمرقندي. انظر: "تفسير الطبري" 14/ 44، "تفسير السمرقندي" 2/ 222.]]، ثم رجع إلى ذكر قوم لوط في الآية الثانية، وقال الكلبي وعامة المفسرين: ﴿إِنَّهُمْ﴾ يعني: قوم لوط [[لم أقف عليه منسوبًا، وانظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 317، وابن عطية 8/ 341، وابن الجوزي 4/ 409 وقال: قاله الأكثرون، وتفسير أبي حيان 5/ 462، وابن جزي 2/ 148، وأبي السعود 5/ 86، و"تنوير المقباس" ص 280، وخلاصة القول في الضمائر في الآية ثلاثة أقوال: الخطاب للرسول -ﷺ- والضمائر تعود على كفار قريش، وهو قول الطبري والسمرقندي، وحجتهم الأثر المروي عن ابن عباس وعلى هذا القول، الآية كلها اعتراض فيما بين القصة، وانتصر لهذا القول علي القاري "شرح الشفا" 1/ 72، واستدلالهم بقول ابن عباس رضي الله عنهما ليس فيه دلالة وليس في محل النزاع، فقول ابن عباس غايته أن القسم برسولنا -ﷺ- وليس بلوط. وليس هذا مختلف مع قول الجمهور الخطاب للرسول -ﷺ- والضمائر لقوم لوط، وهو قول الجمهور، وحجتهم - كما ذكر ابن عطية: عدم مناسبة السباق والسياق؛ إذ يؤدي ذلك إلى انقطاع الضمائر، وعليه فالقسم بنبينا -ﷺ- تشريفًا له؛ لأن القصة تُقص عليه تعجيبًا له من حال قوم لوط، وإقحام القسم أثناء الكلام وقصر القصص أسلوب عربي معروف، وهذا هو القول الراجح الخطاب للوط، == والضمائر لقومه، وانفرد به ابن العربي، فقال: ولا أدري ما الذي أخرجهم عن ذِكْر لوط إلى ذِكْر محمد -ﷺ- وما الذي يمنع أن يُقْسِم الله بحياة لوط، ويبلغ به من الشريف ما شاء؛ فكل ما يعطى الله من فضل ويؤتيه من شرفٍ فلمحمدٍ -ﷺ- ضِعفاه؛ لأنه أكرم على الله منه .. فإذا أقسم الله بحياة لوط فحياة محمد أرفع، ولا يُخرجُ من كلام إلى كلام آخر غيره لم يجر له ذِكرٌ لغير ضرورة. "تفسير ابن العربي" 3/ 1130، وقوله محتمل لولا ما في الآية من خطاب المواجهة.]]، ﴿لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾: في جهلهم وعماهم يمضون ولا يرجعون منه.
وقال مجاهد: في غفلتهم يضطربون [[ليس في تفسيره، ولم أقف عليه بنصه، وأخرج عبد الرزاق 2/ 349، والطبري 14/ 44 عن مجاهد قال: (يتردّدون)، وكذلك ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 150 أ.]]، ومعنى السَّكرة هاهنا: غمور السهو والغفلة للنفس [[ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 348 بنصه، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 408 عن الأعمش، "تفسير البقاعي" 4/ 231.]]، وذكرنا أصله في اللغة عند قوله: ﴿سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ [الحجر: 15]، ومعنى العمه مذكور في سورة البقرة [[آيه: [15]، وعندها قال: (ومعنى يعمهون: يتحيرون، وقد عمه يعْمَه عَمَهًا فهو عَمِه إذا حار عن الحق).]]، وقول ابن عباس: إن قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ إخبار عن مشركي قريش، أليق بظاهر الآية [[لكن أثر ابن عباس الذي يشير إليه، ضعيف لأنه من طريق عطاء وهو منقطع.]]؛ لأن [[في (أ)، (د): (أن) والمثبت من (ش)، (ع) وهو الأصح.]] قول العامة نحتاج فيه أن نحمل الآية على حكاية حال ماضية [[وهذا القول هو الراجح - كما سبق.]]؛ كقول الشاعر [[هو رؤبة بن العجاج.]]:
جاريةٌ في رَمَضَانَ الماضي ......... تُقَطِّعُ الحَدِيثَ بالإيمَاضِ [[سبق عزوه.]]
وقد ذكرنا لهذا نظائر.
قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ يعني صيحة العذاب، قال المفسرون: صاح بهم جبريل صيحة أهلكتهم [[ورد بنحوه في "تفسير مقاتل" 1/ 198 "تفسير السمرقندي" 2/ 223، "تفسير ابن الجوزي" 4/ 409، الفخر الرازي 19/ 203، وأبي حيان 5/ 462، والشوكاني 3/ 198، والألوسي 14/ 74، وصديق خان 7/ 187.]]، وقال أهل المعاني: ويجوز أن يكون جاءهم صوت عظيم من فعل الله عَزَّ وَجَلَّ [[انظر: "تفسير الطوسي" 6/ 348 بنصه.]].
وقوله تعالى: ﴿مُشْرِقِينَ﴾ يقال: شَرَق الشَّارقُ يُشْرِق شُروقًا، لكل ما طلع من جانب الشَّرق، ومنه قولهم: ما ذَرَّ شارقٌ [[مثل عربي، وورد برواية: (لا أفعل ذلك ماذَرَّ شارق)، وبرواية: (لا آتيك ما ذرَّ شارقٌ)، ومعناه: لا أفعله أبدًا، أو لا آتيك أبداً. انظر: "الألفاظ الكتابية" ص 186، "جمهرة اللغة" 2/ 731، "جمهرة الأمثال" 2/ 282، "مجمل اللغة" 1/ 527، "الصحاح" (شرق) 4/ 1500، "المستقصى" 2/ 248، "اللسان" (شرق) 4/ 2245.]]، أي طلع طالع، فيدخل في هذا: الفجر والكواكب والشمس والقمر، وأشرق له معان: أشرقت الشمس؛ إذا أضاءت بعد طلوعها، وأشرقت الأرض بضوء الشمس، أضاءت، ومنه أَشْرِقْ ثَبِيْرُ [[ثبير: جبل بمكة، وهذا مثل يضرب في الإسراع والعجلة، ونصه: (أشرق ثَبِيْرُ كَيْمَا نُغِير)، والمعنى: ادخُلْ يا ثبير في الشروق كي نُسرع إلى الإغارة. انظر: "المحيط في اللغة" (شرق) 5/ 235، "مجمع الأمثال" 1/ 362، "المحكم"، (شرق) 6/ 102 "المستقصى" 1/ 205، "اللسان" (ثبر) 1/ 470، (شرق) 4/ 2246.]]، وأشرق القوم: دخلوا في وقت شروق الشمس [[انظر: (شرق) في "جمهرة اللغة" 2/ 731، "المحيط في اللغة" 5/ 234، "مجمل اللغة" 1/ 527، "الصحاح" 4/ 1501، "المحكم" 6/ 101، "اللسان" 4/ 2244.]]؛ مثل صَبَّحوا وأَمْسَوا، والمفسرون على هذا في قوله: ﴿مُشْرِقِينَ﴾ قالوا: داخلين في الإشراق [[انظر: "معاني القرآن" للنحاس 4/ 35، و"تفسبر السمرقندي" 2/ 223، والثعلبي 2/ 150 أ، والطوسي 6/ 348، و"تفسير البغوي" 4/ 386، والزمخشري 2/ 318، وابن عطية 8/ 341، والفخر الرازي 19/ 203، و"عمدة الحفاظ" 2/ 304.]].
وقال الزجاج: مصادفين لطلوع الشمس [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 184 بنصه.]].
فإن قيل: أليس قد قال: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ فوعدهم العذاب في وقت الصبح، وهاهنا قال: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾؟ قيل إن جماعة من أهل المعاني قالوا في معنى ﴿مُشْرِقِينَ﴾: مصبحين؛ لأنهم داخلون في شروق الفجر، وهو شارق، وأما على قول المفسرين فيقال: إن أول العذاب كان مع طلوع الفجر، ثم امتد ذلك إلى وقت شروق الشمس، فكان تمام الهلاك مع الإشراق.
15:74Page 266
فَجَعَلۡنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ حِجَارَةٗ مِّن سِجِّيلٍ ٧٤
And We made the highest part [of the city] its lowest and rained upon them stones of hard clay.
قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا﴾ آخر الآية، مفسَّر في سورة هود [آية: 82].
15:75Page 266
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡمُتَوَسِّمِينَ ٧٥
Indeed in that are signs for those who discern.
قوله تعالى: ﴿لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ يقال: توسمت في فلان خيرًا، إذا رأيت فيه أثرًا منه، وتوسمت فيه الخير أي تَفَرَّست [["تهذيب اللغة" (وسم) 4/ 3893 بنصه.]].
واختلفت عبارة المفسرين وأهل المعاني في تفسير المتوسمين، فقال ابن عباس في رواية عطاء: للمتفرسين [[ذكره في الوسيط، تحقيق: سيسي 2/ 365، "تنوير المقباس" ص 280، وورد غير منسوب في "تفسير هود" 2/ 353.]]، وهو قول مجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 342 بلفظه، وأخرجه الطبري 14/ 45 بلفظه من عدة طرق، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 35، و"تفسير السمرقندي" 2/ 223، والثعلبي 2/ 150 أ، والماوردي 3/ 167، والطوسي 6/ 349، و"تفسير البغوي" == 4/ 388، وابن عطية 8/ 342، وابن الجوزي 4/ 409، و"تفسير القرطبي" 10/ 42، وابن كثير 2/ 611، و"الدر المنثور" 4/ 193 وزاد نسبته إلى ابن المنذر.]] والفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 91 بلفظه.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 184 بلفظه.]] وابن قتيبة [["الغريب" لابن قتيبة 8/ 241 بلفظه.]].
وقال الضحاك: للناظرين [[أخرجه الطبري 14/ 46 بلفظه من طريقين، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 35، و"تفسير السمرقندي" 2/ 223، والثعلبي 2/ 150 أبلفظه، والماوردي 3/ 167، والطوسي 6/ 349، وانظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 342، وابن الجوزي 4/ 410، و"تفسير القرطبي" 10/ 43، و"تفسير أبي حيان" 5/ 463، وابن كثير 2/ 611، وورد منسوباً إلى ابن عباس في تفسير الطبري 14/ 46 بلفظه، والثعلبي 2/ 150 أ، و"تفسير البغوي" 4/ 388، الخازن 3/ 100، وابن كثير 2/ 611، و"الدر المنثور" 4/ 192 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، وقال مقاتل وابن زيد: للمتفكرين [[أخرجه الطبري 14/ 46 بلفظه عن ابن زيد، وورد في تفسير الثعلبي 2/ 150 أ، بلفظه عن مقاتل، والماوردي 3/ 167 عن ابن زيد، و"تفسير البغوي" 4/ 388 عن مقاتل، وابن الجوزي 4/ 410 عنهما، "تفسير القرطبي" 10/ 43 عنهما، والخازن 3/ 100 عن مقاتل، وأبي حيان 5/ 463 عنهما، ولم أقف عليه في "تفسير مقاتل" 1/ 198 أ، والذي في تفسيره هو قول الضحاك.]].
وقال قتادة: للمعتبرين [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 349 بلفظه، والطبري 14/ 46 بلفظه من طريقين، وأبي الشيخ في "العظمة" ص 50 بلفظه، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 223، والثعلبي 2/ 150 أ، بلفظه، والماوردي 3/ 167، والطوسي 6/ 346، "تفسير البغوي" 4/ 388، وابن عطية 8/ 342، وابن الجوزي 4/ 410، و"تفسير القرطبي" 10/ 43، الخازن 3/ 100، وأبي حيان 5/ 463، وابن كثير 2/ 611، و"الدر المنثور" 4/ 192 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، وقال أبو عبيدة: للمتبصرين [["مجاز القرآن" 1/ 354 بلفظه.]] ، وأنشد لزهير:
وفيهنّ مَلْهًى للَّطِيفِ ومنظَرٌ ... أنيقٌ لعَيْنِ النَّاظرِ المُتَوسِّمِ [["شرح ديوان زهير" ص 37، وورد في: "شرح القصائد السبع الطوال" ص 252، وورد برواية: (للصديق) بدل (للطيف) في "تفسير الماوردي" 3/ 167، و"أشعار الشعراء الستة الجاهليين" 1/ 280، و"تفسير القرطبي" 10/ 43. (ملهى) اللهو أو موضعه، (اللطيف) يعني نفسه، يتلطف في الوصول إليهن، (أنيق) المعجِب، (المتوسم) المتثبت، وقيل: الناظر الذي يتفرّس في نظره، كأنه يطلب شيئًا من سِمته، يعرفها به، والوسامة: الحُسن.]]
قال أبو إسحاق: وحقيقته في اللغة؛ المتوسمون النُظَّارُ المُتَثبِّتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة سمة الشيء، فالمتوسم: الناظر في السمة الدالة، تقول توَسَّمْتُ في فلان، أي: عرفت ذلك فيه بالنظر [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 184 بتصرف يسير.]].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences