Al-Wahidi (al-Basit)Al‑Kahf · 18:26–30

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:26–30

18:26Page 296

قُلِ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثُواْۖ لَهُۥ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ أَبۡصِرۡ بِهِۦ وَأَسۡمِعۡۚ مَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِيّٖ وَلَا يُشۡرِكُ فِي حُكۡمِهِۦٓ أَحَدٗا ٢٦

Say, "Allāh is most knowing of how long they remained. He has [knowledge of] the unseen [aspects] of the heavens and the earth. How Seeing is He and how Hearing! They have not besides Him any protector, and He shares not His legislation with anyone."

قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ ذكرنا تفسيره في الآية المتقدمة.

وقوله تعالى: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ذكرنا تفسيره في آخر سورة هود [[عند قوله سبحانه في سورة هود الآية رقم (123): ﴿ولله غيب السموات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون﴾.]].

﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ قال الأخفش: (أي ما أبصره وأسمعه! كما تقول: أكرم به! أي ما أكرمه! قال: ويدلك على ذلك أن العرب تقول: يا أمة الله أكرم يزيد! فهذا معناه ما أكرمه! ولو كان يأمرها أن تفعل شيئًا لقال: أكرمي زيدًا) [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 618.]].

وقال الفراء: (﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ يريد الله، كقولك: أكرم بعبد الله! ومعناه: ما أكرم عبد الله! وكذلك قوله: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: 38] ما أسمعهم وما أبصرهم!) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 139.]].

وقال أبو إسحاق: قوله: (﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ أجمع العلماء أن معناه: ما أسمعه وأبصره! أي: هو عالم بقصة أصحاب الكهف وغيرهم) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 280.]].

وقال أبو علي: (العرب تتسع فتقيم المثال الذي يختص بالأمر مقام الخبر، والمثل المختص بالخبر موقع الدعاء والأمر مما أقيم من أمثلة الأمر موقع الخبر قولهم: أكرم يزيد! وقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: 38]، ومعنى هذا ما أكرم زيدًا، واسمعوا وأبصروا، أي: صار زيد ذا كرم، وصار هؤلاء ذوي أسماع وأبصار. قال: وموضع الباء مع ما بعده من المنجر رفع، كما أن الباء في: ﴿كَفَى بِاللَّهِ﴾ [العنكبوت: 52] كذلك فوقع مثال الأمر هاهنا موقع الخبر، كما وقع مثال الخبر موقع الأمر في الدعاء في مثل: غفر الله لزيد، وقطع الله يد فلان، وجاء في التنزيل: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: 75] فهذا لفظه كلفظ أمثلة الأمر، ومعناه الخبر، ألا ترى أنه لا وجه للأمر هاهنا وأن المعنى مده الرحمن مدا، ويدلك على أن المراد بقوله: أكرم يزيد! أن معناه أنه قد كرم، وأن الكرم وما أشبهه من الأحداث لا يخاطب ولا يؤمر ولا ينهى، وأنه ليس للأمر هاهنا معنى ولا متوجه، وأيضًا فإنك إذا قلت: يا زيد أكرم بعمرو، فليس يخلو هذا الفعل من أن يكون له فاعل، وفاعله لا يخلو من أن يكون المخاطب أو المتعجب منه، فلو كان المخاطب لوجب أن يجمع الضمير في الفعل ويلحق علامة التأنيث، فلما لم يفعل من ذلك شيء، بل أجروا هذا الفعل بعد المذكر والمؤنث والجمع والتثنية مجرى واحد أعلم أن فاعله المتعجب منه دون المخاطب، وثبت أن الجار مع المجرور في موضع رفع) [[ذكر نحوه في "الحجة للقراء السبعة" 2/ 205.]].

هذا الذي ذكره أبو علي أصل هذا الكلام، وشرح وضعه، ثم صار من ألفاظ التعجب حتى لا فصل بين قولك: ما أحسن زيدًا! وقولك: أحسن بزيد، وإذا كان كذلك فقدله تعالى: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ قال المفسرون: (ما أبصر الله بكل موجود، وأسمعه بكل مسموع) [["جامع البيان" 15/ 232، و"معالم التنزيل" 5/ 165، و"النكت والعيون" 3/ 300.]].

وقال ابن زيد: (معناه أنه يرى أعمال أهل السموات والأرض، ويسمع منهم) [["جامع البيان" 15/ 232، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 89.]]. هذا الذي ذكرنا إجماع من أهل العلم أن قوله: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ معناه ما أبصره وأسمعه!.

وروى عطاء عن ابن عباس أنه قال: (معناه أبصر أوليائي بعجائب القرآن، وأسمع به أوليائي) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "زاد المسير" 5/ 131، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 388، و"روح المعاني" 15/ 155.]]. وعلى هذا ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ المراد به الأمر، والمفعول محذوف على تقدير: أبصرهم وأسمعهم، وقوله: ﴿بِهِ﴾ أي: بالقرآن، كأنه قيل: اجعلهم يبصرون بالقرآن غيري، وولايتي ويسمعون ذلك [["النكت والعيون" 3/ 300، و"زاد المسير" 5/ 131، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 388. والحق أن يقال في تفسير هذه الآية: ما أبصره وما أسمعه -ﷺ- وذكر في كتاب الله -عز وجل- آيات كثيرة تدل على اتصافه سبحانه بالسمع والبصر الذي يليق بجلاله. وقال ابن سعدي في "تفسيره" 5/ 27: تعجب من كمال سمعه وبصره، وإحاطتهما بالمسموعات والمبصرات، بعد ما أخبر بإحاطة علمه بالمعلومات.]]. والقول الذي عليه الناس هو الأول.

وقوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ قال المفسرون: (أي ليس لأهل السموات والأرض من دون الله) [["جامع البيان" 15/ 232، و"معالم التنزيل" 53/ 165، و"الكشاف" 2/ 387، و"زاد المسير" 5/ 131.]]. والكناية تعود إلى أهل السموات والأرض، وقد سبق ذكرهم في قوله: ﴿غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وهم من غيبها، أي: مما غابوا فيها. وقال عطاء عن ابن عباس: (﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ يريد قد عرفوا عظمتي وربوبيتي فلم يتخذوا من دوني وليًّا) [[ذكره الطبري في "جامع البيان" 15/ 232 بدون نسبة.]]. وعلى هذا الكناية في قوله تعود إلى المؤمنين خاصة من أهل السموات والأرض [["البحر المحيط" 6/ 117، و"روح المعاني" 15/ 256.]].

وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ قال أبو إسحاق: (هذا على معنيين أحدهما: أنه جرى ذكر علمه وقدرته، فأعلم أنه لا يشرك في حكمه بما يخبر به من الغيب أحدًا كما قال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 26]. ويكون على معنى: أنه لا يجوز أن يحكم حاكم إلا بما حكم الله، وبما دل عليه حكم الله، وليس لأحد أن يحكم من ذات نفسه فيكون شريكًا في حكمه يأمر بحكم كما أمر الله) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 280.]]. وقرأ ابن عامر: ولا تشرك [[قرأ ابن عامر الشامي: (ولا تشرك) بالتاء جزمًا. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن كثير، وحمزة، وعاصم، والكسائي: (ولا يشرك) بالياء والرفع. انظر: "السبعة" (390)، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 141، و"الغاية في القراءات العشر" (306)، و"العنوان في القراءات السبع" ص 122، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 310.]]، على معنى: ولا تشرك أنت أيها الإنسان في حكمه أحدًا، على النهي عن الإشراك في حكمه، أي: لا يكن كمن قيل فيه: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ)﴾ [الأعراف: 191]. وعلى هذه القراءة في الآية رجوع من الغيبة إلى الخطاب، والقراءة الأولى التي عليها العامة أشبه لتقدم اسم الغيبة، وهو قوله: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾، والهاء للغيبة فكذلك قوله: ﴿وَلَا يُشْرِكُ﴾ أي: ولا يشرك الله في حكمه أحدًا [["جامع البيان" 15/ 233، و"النكت والعيون" 3/ 300، و"زاد المسير" 5/ 131.]].

18:27Page 296

وَٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلۡتَحَدٗا ٢٧

And recite, [O Muḥammad], what has been revealed to you of the Book of your Lord. There is no changer of His words, and never will you find in other than Him a refuge.

قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾ قال المفسرون: (معناه: أَتبع القرآن) [["جامع البيان" 15/ 233، و"معالم التنزيل" 5/ 165، و"المحرر الوجيز" 10/ 392، و"زاد المسير" 5/ 93.]].

وقوله تعالى: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ قال ابن عباس: (يريد لمواعيده) [["معالم التنزيل" 5/ 165، و"روح المعاني" 15/ 257.]].

وإلي هذا أشار الزجاج فقال: (أي ما أخبر الله به، وما أخبر به فلا مبدل له) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 280. ويشهد لهذا قوله سبحانه في سورة الأنعام: == 115: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾]]. وعلى هذا المعنى: لا مبدل لحكم كلماته مما وعد به وأمر، وقال الكلبي: (لا مغير للقرآن) [["الكشف والبيان" 3/ 389/ ب، و"معالم التنزيل" 3/ 158.]].

وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ قال مجاهد: (ملجأ) [["جامع البيان" 15/ 233، و"معالم التنزيل" 5/ 166، و"النكت والعيون" 3/ 301، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 90.]] وقال الفراء: (الملتحد: الملجأ) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 398.]]. وقال أبو عبيدة: (معدلا) [["مجاز القرآن" 1/ 398.]].

وقال الزجاج: (أي لن تجد معدلا عن أمره ونهيه) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 280.]]. وأصل هذا الحرف: من الميل، ومن قال: ملجأ، فهو يؤول إلى هذا المعنى أيضًا؛ لأنك إذا لجأت إلى شيء فليس يكون إلا بالميل منك إليه، وذكرنا هذا الحرف عند قوله: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ [النحل: 103].

وقال ابن زيد في هذه الآية: (لا تجدون من دونه ملجأ ولا أحدا يمنعكم) [["جامع البيان" 15/ 154.]].

18:28Page 297

وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا ٢٨

And keep yourself patient [by being] with those who call upon their Lord in the morning and the evening, seeking His face [i.e., acceptance]. And let not your eyes pass beyond them, desiring adornments of the worldly life, and do not obey one whose heart We have made heedless of Our remembrance and who follows his desire and whose affair is ever [in] neglect.1

قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ مفسرا بما فيه من النزول، واختلاف القراءة في سورة الأنعام [[عند قوله سبحانه في سورة الأنعام: 52: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.]].

وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ قال علي عن ابن عباس: (يقول لا تتعداهم إلى غيرهم) [["جامع البيان" 15/ 234.]]. وقال عطاء عنه: (يريد يصدهم بالنظر والمحبة لهم) [[ذكرت نحوه كتب التفسير بلا نسبة انظر: "جامع البيان" 15/ 234، و"بحر العلوم" 2/ 297، و"النكت والعيون" 3/ 302، و"المحرر الوجيز" 9/ 293، و"زاد المسير" 5/ 132.]].

وقال الفراء: (لا تصرف عيناك عنهم) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 140.]].

وقال الزجاج: (لا تصرف بصرك إلى غيرهم من ذوي الهيئات والزينة) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 281.]]. والنهي في الظاهر واقع على العينين، والمراد منه صاحب العينين، وهو النبي -ﷺ-.

قوله تعالى: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال المفسرون: (يعني مجالسة أهل الشرف والغنى) [["جامع البيان" 15/ 235، و"معالم التنزيل" 5/ 166، و"النكت والعيون" 3/ 302، و"زاد المسير" 5/ 133.]].

وقال أهل المعاني: (قوله: ﴿تُرِيدُ﴾ هاهنا في موضع الحال) [["الكشاف" 2/ 388، و"البحر المحيط" 6/ 119، و"الدر المصون" 7/ 474.]]، أي: مريدًا، نهي أن يرفع بصره عن ضعفاء المؤمنين مريدًا مجالسة الأشراف. وكان -ﷺ- حريصًا على إيمان الرؤساء طمعًا في إيمان أتباعهم، ولم ينسب إلى إرادة زينة الحياة الدنيا؛ لأنه لم يمل إلى الدنيا قط ولا إلى أهلها، وإنما كان يلين في بعض الأحيان للرؤساء طمعًا في إيمانهم، فعوتب بهذه الآية، وأمر بأن يجعل إقباله على المؤمنين، وأن لا يلتفت إلى غيرهم، ونهي أن يكون له حال يميل فيها إلى الأشراف دون الضعفاء، ومثل هذه الآية قوله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ [عبس: 5، 6].

وقوله تعالى: ﴿لَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ قال ابن عباس: (يريد عيينة وأباهه) [[ذكره البغوي في "معالم التنزيل" 5/ 166 بدون نسبة، و"زاد المسير" 5/ 133، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 392.]]، أي: لا تطعهم في تنحية الفقراء عنك ليجلسوا إليك.

وسئل أبو العباس عن قوله: ﴿لَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ فقال: (من جعلناه غافلاً. قال: ويكون في الكلام أغفلته سميته غافلاً، ووجدته غافلاً) [["تهذيب اللغة" (غفل) 3/ 2681.]]، وتأويل ﴿أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ تركناه غُفْلا عن الذكر، كالأرض الغُفْل التي لا علامة بها، والكتاب الغُفْل الذي لا شكل عليه.

وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ قال مجاهد: (ضياعا) [["جامع البيان" 15/ 236، و"معالم التنزيل" 5/ 167، و"زاد المسير" 5/ 133، و"الدر المنثور" 4/ 399.]]. وقال قتادة: (ضاع أكبر الضيعة) [["معالم التنزيل" 5/ 167.]]. وقال السدي: (هلاكا) [["جامع البيان" 15/ 236، و"بحر العلوم" 2/ 297.]].

وقال أبو الهيثم: (أمر فرط، أي: متهاون به) [["تهذيب اللغة" (فرط) 3/ 2773.]]. وشبه أن يكون أصل هذا من التفريط، وهو تقديم العجز، وهذا بمعنى قول أبي إسحاق [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 281.]]. ومن قدم العجز في أمره أضاعه وأهلكه، ومعنى هذا أنه ترك الإيمان والاستدلال بآيات الله واتبع هواه.

الليث: (الفَرَطُ: الأمر الذي يُفَرَّط فيه، تقول: كل أمر فلان فَرَط) [["التفسير الكبير" 16/ 118، و"تهذيب اللغة" (فرط) 3/ 2773.]]، ونحو هذا قال الفراء: (فُرُطا: متروكًا قد ترك فيه الطاعة) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 140.]].

وقال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد أنه أفرط في مسألته، وأحب أن يرتفع عند الله بغير تقوى) [[ذكر نحوه بلا نسبة الألوسي في "روح المعاني" 15/ 265.]]، يعني حين أراد مجالسة النبي -ﷺ- والقرب منه، والتقدم على أهل الإيمان من غير طاعة وتقى. وعلى هذا الفَرَط اسم من الإفراط وهو مجاوزة الحد، ونحو هذا روي عن مقاتل أنه قال في قوله: ﴿فُرُطًا﴾ قال: (سرفا) [["معالم التنزيل" 15/ 167، و"النكت والعيون" 3/ 302، و"البحر المحيط" 6/ 120، و"روح المعاني" 15/ 265.]]. فيحتمل أنه يريد بالمسرف ما ذكرنا عن ابن عباس، ويحتمل أن يريد ما ذكره الكلبي والفراء.

قال الكلبي: (قال عيينة: إنا رؤوس مضر [[مضر: نسبة إلى مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وهو جد جاهلي تنتسب إليه كثير من القبائك العدنانية، وهو أخو ربيعة بن نزار. انظر: "سير ابن هشام" 1/ 73، و"الأنساب" 5/ 318، و"الإيناس بعلم الإنساب" ص 29، و"المنتخب في ذكر أنساب قبائل العرب" ص 403.]] وأشرافها، فإن نسلم يسلم الناس بعدنا) [[ذكر نحوه البغوي في "معالم التنزيل" 5/ 167، و"زاد المسير" 5/ 133، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 392.]].

وقال الفراء: (إنه أفرط في القول فقال: نحن رؤوس مضر وأشرافها، وليس كذلك) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 140.]]. وعلى هذا كان أمره فُرُطا لإفراطه في القول والبذخ حين قال: إنه رأس العرب وهم أتباعه على دينه. ويقال: أمر فُرُط، أي مجاوز فيه الحدود. روي عن أبي زيد البلخي أنه قال: (معناه: قدما في الشر) [[ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" بلا نسبة (فرط) 3/ 2773، و"لسان العرب" (فرط) 6/ 3391.]]. وعلى هذا أصله من قوله: فَرَطَ منه أمر، أي: سبق وبدر [[انظر: "تهذيب اللغة" (فرط) 3/ 2773، و"مقاييس اللغة" (فرط) 4/ 490، و"القاموس المحيط" (فرط) ص (681)، و"لسان العرب" 6/ 3391، و"الصحاح" (فرط) 3/ 1148. وقال الطبري -رحمه الله- في "تفسيره" 15/ 236: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال معناه ضياعًا وهلاكًا من قولهم: أفرط فلان في هذا الأمر إفراطًا، إذا أسرف فيه وتجاوز قدره. وكذلك قوله ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28]، معناه وكان أمر هذا الذي أغفلنا قلبه عن ذكرنا في الرياء والكبر واحتقار أهل الإيمان سرفًا قد تجاوز حده فضيع بذلك الحق وهلك.]].

ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾ [طه: 45]، ومنه يقال: فرس فُرُط، أي: سريعة، قال لبيد [[هذا عجز بيت لبيد، وصدره:

ولقد حميتُ الخيل تحمل سكَّتى

والفرَطُ: الفرس السريعة التي تتفرط الخيل أي تتقدمها. وشاحي، لجامها: أن الفرسان كان أحدهم يتوشح اللجام، وتوشحه إياه أن يلقيه على عاتقه ويخرج يده منه. انظر: "ديوانه" 315، و"تهذيب اللغة" (فرط) 3/ 2773، و"لسان العرب" (فرط) 6/ 3391، و"شرح القصائد العشر" للتبريزي 195.]]:

فُرُط وشاحي إذ غدوتُ لجامها

18:29Page 297

وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمۡ سُرَادِقُهَاۚ وَإِن يَسۡتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٖ كَٱلۡمُهۡلِ يَشۡوِي ٱلۡوُجُوهَۚ بِئۡسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتۡ مُرۡتَفَقًا ٢٩

And say, "The truth is from your Lord, so whoever wills - let him believe; and whoever wills - let him disbelieve." Indeed, We have prepared for the wrongdoers a fire whose walls will surround them. And if they call for relief, they will be relieved with water like murky oil, which scalds [their] faces. Wretched is the drink, and evil is the resting place.

قوله تعالى: ﴿وقُلِ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: (وقيل يا محمد لمن جاءك من أهل الدنيا شريفًا أو وضيعًا) [[ذكرت كتب التفسير نحوه انظر: "جامع البيان" 15/ 237، و"بحر العلوم" 2/ 297، و"المحرر الوجيز" 9/ 294، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 91.]]. قال المفسرون: قل لهؤلاء الذين أمروك بتنحية الفقراء عنك، وإدناء مجلسهم ليؤمنوا بك.

وقوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قال الكسائي: (يعني هو الحق من ربكم، وهو الإسلام) [[ذكره الألوسي في "روح المعاني" 15/ 266 ونسبه للكرماني.]].

وقال الأخفش: (أي قل: هو الحق) [["معاني القرآن" للأخفش 1/ 618.]].

قال أبو إسحاق: (أي الذي أتيتكم به الحق من ربكم) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 281.]]. وهذا معنى قول قتادة: (﴿الْحَقُّ﴾ هذا القرآن) [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 389 ب بلا نسبة، والسمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 297، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 399 وعزاه لابن أبي حاتم.]].

وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ قال السدي: (هذا على وجه الوعيد) [[ذكره القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 325 بدون نسبة.]]. وقال قتادة: (إن ربكم بين ثم خير) [[لم أقف على القول. وقال الشنقيطي -رحمه الله- عند هذه الآية 4/ 92: المراد من الآية الكريمة ليس هو التخيير وإنما المراد بها التهديد والتخويف، والتهديد بمثل هذه الصيغة التي ظاهرها التخيير أسلوب من أساليب اللغة العربية، والدليل من القرآن العظيم على أن المراد في الآية التهديد والتخويف أنه أتبع ذلك بقوله: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: 29] الآية، وهذا أصرح دليل على أن المراد التهديد والتخويف، إذ لو كان التخيير على بابه لما توعد فاعل أحد الطرفين المخير بينهما بهذا العذاب الأليم، وهذا أوضح كما ترى. وقال ابن == تيمية في "العقيدة الواسطية" 45: وأهل السنة وسط بين الجبرية والقدرية لأن الجبرية يثبتون قضاء الله في أفعال العبد ويقولون: إنه مجبر لا قدرة له ولا اختيار، والقدرية ينكرون قضاء الله في أفعال العباد ويقولون: إن العبد قادر مختار لا يتعلق فعله بقضاء الله. وأهل السنة يثبتون قضاء الله في أفعال العبد ويقولون: إن له قدرة واختيارًا أودعهما الله فيه متعلقتين بقضاء الله، فيثبتون للعبد مشيئة واستطاعة وهي القدرة إلا أنهما تابعان لمشيئة الله تعالى.]]؛ يعني التخيير الذي هو للتهديد، كما قال الزجاج: (هذا الكلام ليس بأمر لهم ما فعلوا منه فهم فيه مطيعون، ولكنه كلام وعيد وإنذار، قد بين بعده ما لكل فريق من مؤمن وكافر) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 281.]]. هذا الذي ذكرنا قول أكثر أهل التفسير [["جامع البيان" 15/ 237، و"معالم التنزيل" 5/ 167، و "المحرر الوجيز" 9/ 294.]].

وروى الوالبي عن ابن عباس والضحاك في هذه الآية يقول: (من يشاء الله له الإيمان آمن، ومن شاء الله له الكفر كفر) [["جامع البيان" 15/ 238، و"معالم التنزيل" 5/ 167، و"الدر المنثور" 4/ 399.]]. وهو كقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: 29]، فعلى هذا القول قوله: ﴿فَمَن شَآءَ﴾، أي: من شاء الله، فالمشيئة مسندة إلى الله.

وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا﴾ أي: هيأنا وأعددنا. ومضى الكلام في معنى الإعتاد [[عند قوله سبحانه في سورة النساء: 18: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.]]. ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ الذين عبدوا غير الله تعالى [[ويشهد لهذا قوله تعالى في سورة لقمان (13): ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.]].

﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ معنى السرادق في اللغة: كل ما أحاط بشيء واشتمل عليه من ثوب أو حائط. وأكثر ما يستعمل في الفسطاط.

قال الليث: (السرادق: كالحجرة المحوطة من غزل غليظ منسوج مضرب الأسفار للملوك، والجمع: سرادقات) [["تهذيب اللغة" (سردق) 2/ 1669.]].

قال رؤبة [[هذا عجز بيت لرؤبة، وصدره:

يا حكم بن المنذر بن الجارود

انظر: "ديوانه" ص 172، و"الكتاب" 1/ 313، و"المفصل" 2/ 5، و"الدر المصون" 7/ 478، و"لسان العرب" (سردق) 4/ 1988.]]:

سرادق المجد عليك ممدود

قال الأزهري: (ويقال للغبار الساطع، والدخان الشاخص المحيط بالشيء: سرادق) [["تهذيب اللغة" (سردق) 2/ 1669.]].

قال لبيد يذكر الإبل [[البيت للبيد بن ربيعة العامري. السرادق هنا: الغبار الساطع، والدخان الشاخص المحيط بالشيء. انظر: "ديوانه" ص 108، و"تهذيب اللغة" (سردق) 2/ 1669 - 1670، و"المخصص" 10/ 66، و"لسان العرب" (سردق) 4/ 1989.]]:

رفعن سرادقًا في يوم ريح ... يصفق بين ميل واعتدال

هذا معنى السرادق في اللغة [[السرادق هو: كل ما أحاط بشيء نحو الشقة في المضرب، أو الحائط المشتمل على الشيء.

انظر: "تهذيب اللغة" (سردق) 2/ 1669، و"الصحاح" (سردق) 4/ 1496، و"القاموس المحيط" (السرادق) ص 893.]]. فأما التفسير فروى أبو سعيد الخدري عن النبي -ﷺ- قال: "سرادق النار أربع جدر، كثف كل جدار منها مسيرة أربعين سنة" [[أخرجه الترمذي في "جامعه" كتاب: جهنم، باب: ما جاء في صفة شراب أهل النار 4/ 609، والإمام أحمد في "مسنده" 3/ 29، وابن المبارك في "الزهد" 2/ 90، وأبو نعيم في "الحلية" 10/ 290، وابن الأثير في "جامع الأصول" كتاب: القيامة، باب: في ذكر الجنة والنار 10/ 514، والطبري في "جامع البيان" 15/ 239، والبغوي في "معالم التنزيل" 5/ 168، وابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" 3/ 92، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 399.]]

وقال الكلبي: (هو دخان يحيط بالكفار يوم القيامة) [["جامع البيان" 15/ 239، و"تفسير القرآن" للصنعاني 1/ 338، و"زاد المسير" 5/ 134.]]. وبهذا فسِّر قوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: 43]، وقوله: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات: 30] الآية؛ وهذا اختيار أبي عبيدة، وابن قتيبة [["تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 267، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 398.]].

وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا﴾ قال المفسرون: أي مما هم فيه من العذاب وشدة العطش.

﴿يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ قال أبو عبيد: (المهل: كل فِلِزٍّ [[الفِلِزّ بكسر الفاء واللام وتشديد الزاي: نحاس أبيض تجعل منه القدور المفرغة، أو خبت الحديد، أو الحجارة، أو جواهر الأرض كلها، أو ما ينفيه الكير من كل ما يذاب منها. انظر: "تهذيب اللغة" (فلز) 3/ 2828، و"مقاييس اللغة" (فلز) 4/ 451، و"القاموس المحيط" (الفلز) ص (520)، و"لسان العرب" (فلز) 6/ 3460.]] أذيب) [["غريب الحديث" لأبي عبيد 3/ 217، و"تهذيب اللغة" (مهل) 4/ 3464.]].

وروي في حديث أبي بكر -رضي الله عنه- أنه أوصى في موضعه فقال "ادفنوني في ثوبي هذين، فإنما هما للمهل والتراب" [["المحرر الوجيز" 9/ 298، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 395، و"تهذيب اللغة" (مهل) 4/ 3464، و"غريب الحديث" لأبي عبيد 3/ 217، و"الفائق في غريب الحديث" للزمخشري 3/ 395.]].

قال أبو عبيدة: (المهل في هذا الحديث: الصديد والقيح) [["تهذيب اللغة" (مهل) 4/ 3464.]].

وقال أبو عمرو: (المهل في شيئين: هو في حديث أبي بكر: القيح والصديد، وفي غيره: دردي الزيت) [["الجامع لأحكام القرآن" 10/ 395، و"تهذيب اللغة" (مهل) 4/ 3464.]].

وقال اليث: (المهل: ضرب من القطران، يقال: مَهَلْتُ البعير فهو مَمْهُول) [["تهذيب اللغة" (مهل) 4/ 3465.]].

وروى شمر عن ابن شميل: (المهل عندهم الملَّة إذا حميت جدًّا رأيتها تموج) [["تهذيب اللغة" (مهل) 4/ 3465.]].

وقالت العامرية: (المهل عندنا السُّمّ) [["الجامع لأحكام القرآن" 10/ 394 بلا نسبة، و"أضواء البيان" 4/ 95، و"تهذيب اللغة" مهل 4/ 3465.]]. هذا معنى المهل في اللغة، وهو على ستة معان. روى أبو سعيد الخدري عن النبي -ﷺ- في قوله: "بماء كالمهل" قال: "كعكر الزيت" [[أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" 1/ 222، والترمذي في "جامعه" كتاب: جهنم، باب: في صفة شراب أهل النار 4/ 608 قال: هذا حديث إنما نعرفة من حديث رشدين بن سعد، وفي رشدين مقال، وقد تكلم فيه من قبل حفظه. وأخرجه ابن حبان في "صحيحه"، باب: صفة النار وأهلها 9/ 279، والطبري في "جامع == البيان" 25/ 132، والبغوي في "معالم التنزيل" 5/ 168، وابن كثير في "تفسيره" 3/ 92، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 400، وابن حجر في "الكافي الشاف" (103) وقال: أخرجه الترمذي من طريق رشدين بن سعد عن عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد، وتعقب قوله: بأن أحمد وأبا يعلى أخرجاه من طريق ابن لهيعة من دراج، وبأن ابن حبان والحاكم أخرجاه من طريق ابن وهب عن عمرو بن الحارث.]].

وهو قول ابن عباس في رواية سعيد بن جبير قال: (كدردي الزيت) [["جامع البيان" 15/ 158، و"بحر العلوم" 3/ 297، و"معالم التنزيل" 3/ 160، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 84، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 394.]]. ونحو هذا روى عنه الوالبي والعوفي [["النكت والعيون" 3/ 303، و"زاد المسير" 5/ 95.]]. وقال مجاهد: "كالمهل" (القيح والدم) [["جامع البيان" 15/ 158، و"معالم التنزيل" 3/ 160، و"النكت والعيون" 3/ 303، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 84.]].

وقال عطاء عن ابن عباس: (هو عكر القطران) [["الجامع لأحكام القرآن" 10/ 394، و"البحر المحيط" 6/ 121.]].

وروى قتادة والحسن عن ابن مسعود: (أنه سئل عن المهل، فدعا بذهب وفضة فخلطهما، فأذيبا حتى إذا أزبدا وانماعا قال: هذا أشبه شيء في الدنيا بالمهل الذي هو شراب أهل النار) [["جامع البيان" 15/ 158، و "الكشف والبيان" 3/ 389، 7ب، و"معالم التنزيل" 3/ 160، و"المحرر الوجيز" 10/ 396، و"زاد المسير" 5/ 95، و"الدر المنثور" 4/ 400.]]. وإلى هذا القول ذهب من قال في تفسير المهل: هو الذي قد انتهى حره؛ لأنه لا شيء أشد حرارة من هذه الجواهر إذا أذيبت. وهذا القول هو اختيار الزجاج فقال: (يعني أنهم يغاثون بماء كالرصاص المذاب والصُّفْر أو الفضة) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 282.]].

وقوله تعالى: ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ يقال: شويتُ اللحم أشويه شيًّا، فإذا شويته لنفسك خاصة قلت: أشويت. قال لبيد [[هذا عجز بيت للبيد، وصدره:

أو نهته فأتاه رزقه

اجتمل: انتفع بالشحم، والشحم يسمى الجميل. انظر: "ديوان لبيد" ص 140، و"مقاييس اللغة" (شوى) 3/ 225، و"لسان العرب" (شوا) 4/ 2367.]]:

فاشتوى ليلة ريحٍ واجتمل

وانشوى اللحم انشواء، ويقال: اشتوى أيضًا بهذا المعنى [[انظر: "تهذيب اللغة" (شوى) 2/ 1950، و"مقاييس اللغة" (شوى) 3/ 224، و"لسان العرب" (شوا) 4/ 2367، و"مختار الصحاح" (شوى) ص (148).]].

روى الخدري عن النبي -ﷺ- في هذه الآية قال: "فإذا قربه إليه سقط فروة وجهه فيه" [[أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" 1/ 222، والترمذي في "جامعه" كتاب: جهنم، باب: ما جاء في صفة شراب أهل النار 4/ 608، وقال: هذا حديث إنما نعرفه من حديث رشدين بن سعد، وفي رشدين مقال، وقد تكلم فيه من قبل حفظه. وأخرجه ابن حبان في "صحيحه"، باب: صفة النار وأهلها 9/ 279، وأخرج نحوه الحاكم في "مستدركه" كتاب: التفسير، سورة الكهف 2/ 368، والطبري في "جامع البيان" 15/ 241، وابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" 3/ 92، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 400.]].

وقال ابن عباس: (يشويه حتى يسقط لحم وجهه) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.]]. ثم ذمه فقال: ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ هذا الماء الذي وصفنا. ﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ أي: ساءت النار مرتفقا، وهو نصب على التمييز [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 282.]]. ومعنى المرتفق في اللغة: ما يرتفق به [[انظر: "القاموس المحيط" (الرفق) ص 887، و"الصحاح" (رفق) 4/ 1482، و"لسان العرب" (رفق) 3/ 1696.]].

قال ابن عباس: (يريد وبئس ما ارتفقوا به) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 15/ 241، و"بحر العلوم" 2/ 298، و"زاد المسير" 5/ 136، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 92.]]. واختلفت العبارات عن المفسرين في هذا، فقال مجاهد: (مجتمعا) [["جامع البيان" 15/ 158، و"معالم التنزيل" 5/ 168، و"المحرر الوجيز" 9/ 299، و"النكت والعيون" 3/ 303.]].

وقال عطاء: (مقرًّا) [["معالم التنزيل" 5/ 168، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 395، و"البحر المحيط" 6/ 121، و"روح المعاني" 15/ 269.]]. وقال الزجاج: (منزلا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 282.]].

وقال ابن قتيبة: (مجلسا) [["تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 267.]]. ومعنى هذه الألفاظ واحد، وهي كلها ترجع إلى أصل واحد، فيجوز أن ترجع إلى ما ذكرنا، وذلك أن المنزل والدار مما يرتفق به، ويجوز أن يكون أصلها من الارتفاق وهو الاتكاء على المرفق، ومنه قول الهذلي [[هذا صدر بيت لأبي ذؤيب الهذلي، ورد برواية:

نام الخلي وبت مشتجرا ... كأن عيني فيها الصاب مذبوح

الخليُّ: الذي ليس به هم. والصَّابُ. شجر بتهامة إذا قطع منه عود خرج منه لبن == إذا أصاب العين أحرقها. انظر: "ديوان الهذليين" 1/ 104، و"شرح أشعار الهذليين" 1/ 120، و"الدر المصون" 7/ 485، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 395، و"لسان العرب" (صوب) 4/ 2520.]]: نام الخلي وبتُّ مرتفقا

وهذا قول ابن السكيت في قوله: ﴿مُرْتَفَقًا﴾ قال: (متكأ) [["تهذيب اللغة" (رفق) 2/ 1444.]]. وكل موضع نزلته وقعدت فيه فهو مرتفق لك ومتكأ.

18:30Page 297

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ مَنۡ أَحۡسَنَ عَمَلًا ٣٠

Indeed, those who have believed and done righteous deeds - indeed, We will not allow to be lost the reward of any who did well in deeds.

ثم ذكر ما وعد المؤمنين فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية. واختلف النحويون في جواب ﴿إِنَّ﴾ الأولى، فذكر أبو إسحاق وأبو علي فيه ثلاثة أوجه:

أحدها: أن خبره قوله: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ على إضمار منهم، فحذف الراجع من الخبر؛ لأنه معلوم أن الله إنما لا يضيع أجر من أحسن عملاً من المؤمنين، فأما من أحسن عملاً من غير المؤمنين فإن الله يحبط عمله.

الوجه الثاني: أن المعنى إنا لا نضيع أجرهم، إلا أنه وقع المظهر موقع المضمر؛ لأن من أحسن عملاً في المعنى الذين آمنوا وعملوا الصالحات.

الوجه الثالث: أن الخبر قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ ويكون قوله: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ﴾ اعتراضًا بين الاسم والخبر، وجاز ذلك؛ لأن من أحسن عملاً بمنزلة الذين آمنوا [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 283، و"الجحة" للقراء السبعة 3/ 63.]]. وذكر الفراء وجهين آخرين أحدهما: (أن قوله: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ﴾ من عمل صالحًا، فترك الكلام الأول واعتمد على الثاني كقول الشاعر [[البيت لجرير، وصدره:

يكفي الخليفة أن الله سربله

انظر: "ديوان جرير" ص 431، و"معاني القرآن" للفراء 2/ 140، و"خزانة الأدب" 4/ 344، و"البحر المحيط" 6/ 121، و"الدر المصون" 7/ 481، و"معجم الشواهد النحوية" ص 595، و"المعجم المفصل في شواهد النحو الشعرية" 2/ 883، و"أبيات النحو في تفسير البحر المحيط" ص 313.]]:

إنَّ الخليفة إنَّ الله سربله ... سربال ملك به تزجى الخواتيم

الثاني: أن يجعل ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في مذهب جزاء ويضمر، فيصير كأنك قلت: إن من عمل صالحًا فإنا لا نضيع أجره) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 140.]]. والقول ما ذكره أبو إسحاق وأبو علي [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 273، و"إملاء ما من به الرحمن" 1/ 398، و"البحر المحيط" 6/ 121، و"الدر المصون" 7/ 481.]].

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском