Al-Wahidi (al-Basit)Maryam · 19:29–45

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Maryam 19:29–45

19:29Page 307

فَأَشَارَتۡ إِلَيۡهِۖ قَالُواْ كَيۡفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلۡمَهۡدِ صَبِيّٗا ٢٩

So she pointed to him. They said, "How can we speak to one who is in the cradle a child?"

قوله تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ قال ابن عباس: (تريد أن كلموه وهو يرضع فنظر بعضهم إلى بعض تعجبا منها حين أشارت إليه) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 102.]]. ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ﴾ الآيه. وقال أبو إسحاق: (أشارت إليه بأن يجعلوا الكلام معه، ودل على أنها أشارت إليه في الكلام، قوله: ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 328.]]. قال ابن عباس: (يريد في الحجر رضيعا) [[ذكره "المحرر الوجيز" 9/ 262 بدون نسبة، و"النكت والعيون" 3/ 370 ونسبة لقتادة، و"زاد المسير" 5/ 226.]].

والمَهْدُ: الموضع الذي يُهَيَأ لينام فيه الصبي [[انظر: "تهذيب اللغة" (مهد) 4/ 3461، "الصحاح" (مهد) 2/ 541، "المفردات في غريب القرآن" (مهد) ص 476، "المصباح المنير" (المهد) ص 582.]]. فيجوز أن يكون الحجر كما ذكره ابن عباس، وقتادة، والكلبي [["جامع البيان" 16/ 79، "النكت والعيون" 3/ 370، "زاد المسير" 5/ 226.]].

ويجوز أن يكون: سريرا كالمَهْد المعروف للصبيان [["النكت والعيون" 3/ 369، "معالم التنزيل" 5/ 229، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 102.]]. واختلفوا في ﴿كَانَ﴾ هاهنا فقال أبو عبيدة: (﴿كَانَ﴾ هاهنا حشو زائد [[هذا القول بعيد ولا يليق أن يوصف كلام الله بالحشو الزائد، وكتاب الله هو الحكم في اللغة. قال القرطبي 11/ 102: لا يجوز أن يقال زائدة وقد نصبت (صبيا). وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 328، "البيان في غريب القرآن" 2/ 124، "البحر المحيط" 6/ 187.]]، والمعنى: كيف نكلم صبيا في المهد) [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 7، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 328، "البحر المحيط" 6/ 187.]]. وهذا اختيار ابن قتيبة، وكثير من أهل التفسير ذكروه [["معالم التنزيل" 5/ 229، "زاد المسير" 5/ 228، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 102.]]، واحتجوا بقول الفرزدق [[البيت للفرزدق قاله في قصيدة يمدح فيها هشام بن عبد الملك. انظر "ديوانه" ص 597، "خزانة الأدب" 9/ 217، "الكتاب" 2/ 153، "المقتضب" 4/ 116، "الدر المصون" 7/ 595، "لسان العرب" (كون) 7/ 3961.]]:

فَكَيْفَ إذَا رَأَيْتَ دِيَارَ قَوْمٍ ... وَجِيْرَانٍ لَنَا كَانُوا كِرَام

وقال قوم: (﴿كَانَ﴾ في معنى وقع وحدث) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 328، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 308.]]. والمعنى: كيف نكلم صبيا قد حدث في المهد. وقال الزجاج: (وأجود الأقوال أن يكون في معنى الشرط والجزاء فيكون المعنى: من يكن في المهد صبيا، فكيف نكلمه؟ كما تقول: من كان لا يسمع ولا يعقل فكيف أخاطبه) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 328.]]. قال ابن الأنباري: (لا يجوز أن يكون الكون مُلْغًى، وهو عامل في الصبي النصب، وقول من قال: إن ﴿كَانَ﴾ بمعنى حدث قبيح أيضا؛ لأن الصبي لما انتصب بالكون لم يكن الكون بمعنى الحدوث؛ لأنه إذا كان بمعنى الوقوع والحدوث استغنى عن خبره، كما تقول: كان البرد وكان الحر، تريد وقع وحدث -ثم اختار قول الزجاج- قال: والذي نذهب إليه أن يكون ﴿مَنْ﴾ في معنى الجزاء و ﴿كَانَ﴾ بمعنى يكون، والتقدير: من يكن في المهد صبيا فكيف نكلمه؟ كما تقول: كيف أعظ من كان لا يقبل عظتي؟ معناه: من يكن لا يقبل، والماضي يكون بمعنى المستقبل في باب الجزاء، كقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ [الفرقان: 10] معناه: إن شاء يجعل) [[ذكر في "زاد المسير" 5/ 228، "البحر المحيط" 6/ 187، "الدر المصون" 7/ 594.]].

قال السدي: (لما أشارت إليه غضبوا وقالوا: سخريتها بنا حيث تأمرنا أن نسأل هذا الصبي أعظم علينا مما صنعت) [["المحرر الوجيز" 9/ 462، "الكشاف" 2/ 410، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 133، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 102.]].

19:30Page 307

قَالَ إِنِّي عَبۡدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِيَ ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلَنِي نَبِيّٗا ٣٠

[Jesus] said, "Indeed, I am the servant of Allāh. He has given me the Scripture and made me a prophet.

وكان عيسى يرضع فلما سمع كلامهم لم يزد على أن ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه وأشار بسبابته فقال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ وقال ابن عباس: (أقر بالعبودية على نفسه، وبربوبية الله أول ما تكلم) [[ذكر نحوه "معالم التنزيل" 5/ 230، و"ابن كثير" 3/ 133، "القرطبي" 11/ 102، "فتح القدير" 3/ 332.]]. ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ أي: حكم لي بإيتاء الكتاب والنبوة فيما قضى وسبق، وهذا إخبار عما سبق له مما هو كائن فيما بعد. وقال قوم: (أخبر عما حصل له؛ لأن الله تعالى علمه وهو في بطن أمه التوارة والحكمة والخط وجعله نبيا ينبئ عن الله، وكان كلامه في حال الرضاع معجزته، وذلك أن الله تعالى كمل عقله في ذلك الوقت). والأول قول عكرمة وجماعة [["جامع البيان" 16/ 80، "المحرر الوجيز" 9/ 464، "معالم التنزيل" 5/ 230، "ابن كثير" 3/ 133، "الدر المنثور" 4/ 487.]]. والثاني معنى قول ابن عباس في رواية عطاء [["بحر العلوم" 2/ 323، "ابن كثير" 3/ 133، "زاد المسير" 5/ 229.

والقول الأول أولى، وقد ضعف القول الثاني عدد من المفسرين، قال ابن عطية في "تفسيره" 11/ 29: وهذا في غاية الضعف.]].

19:31Page 307

وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيۡنَ مَا كُنتُ وَأَوۡصَٰنِي بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمۡتُ حَيّٗا ٣١

And He has made me blessed wherever I am and has enjoined upon me prayer and zakāh as long as I remain alive

قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾ قال ابن عباس: (لأن أدعوا إلى الله وإلى توحيده وعبادته) [["معالم التزيل" 3/ 195.]].

وقال مجاهد: (جعلني معلما للخير نفاعا) [["جامع البيان" 16/ 81، "المحرر الوجيز" 9/ 464، "معالم التنزيل" 5/ 230، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 133، "زاد المسير" 5/ 229.]]. وقال غيره: (بركته [[في (س): (تركته)، وهو تصحيف.]] الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) [[المراجع السابقة.]].

﴿وَأَوْصَانِي﴾ أمرني، وتقدم إلى ﴿بِالصَّلَاةِ﴾ بإقامتها ﴿وَالزَّكَاةِ﴾ أي: زكاة الأموال [[المراجع السابقة.]]. وقيل: معنى الزكاة هاهنا: (طهارة الجسد من الذنوب واجتناب المعاصي) [["جامع البيان" 16/ 81، "المحرر الوجيز" 9/ 463.]].

19:32Page 307

وَبَرَّۢا بِوَٰلِدَتِي وَلَمۡ يَجۡعَلۡنِي جَبَّارٗا شَقِيّٗا ٣٢

And [made me] dutiful to my mother, and He has not made me a wretched tyrant.

﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ مطيعا لها لطيفا بها، وهو عطف على ﴿مُبَارَكًا﴾ [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 329، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 313، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 114.]]. قال ابن عباس: (لما قال: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ ولم يقل: بوالدي علموا أنه شيء من الله) [["زاد المسير" 5/ 230، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي 11/ 103.]]. ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا﴾ متعظمًا يقتل ويضرب على الغضب [["تفسير القرآن العظيم" 3/ 124، "القرطبي" 11/ 103.]]. ﴿شَقِيًّا﴾ عاصيا لربه [["جامع البيان" 16/ 82، "النكت والعيون" 3/ 371، "معالم التنزيل" 5/ 230، "زاد المسير" 5/ 230، "الدر المنثور" 4/ 488.]].

19:33Page 307

وَٱلسَّلَٰمُ عَلَيَّ يَوۡمَ وُلِدتُّ وَيَوۡمَ أَمُوتُ وَيَوۡمَ أُبۡعَثُ حَيّٗا ٣٣

And peace is on me the day I was born and the day I will die and the day I am raised alive."

قوله تعالى: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ﴾ قال أبو إسحاق: (لما جرى ذكر السلام قبل هذا بغير ألف ولام كان الأحسن أن يذكر ثانية بالألف واللام، ومعنى السلام هاهنا: عموم العافيه؛ لأنه مصدر سَلَّمْتُ سَلاَمًا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 329، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 124.]].

قال المفسرون: (السلامة عليَّ من الله تعالى يوم ولدت حتى لم يضرني شيطان) [["الطبري" 16/ 82، "الماوردي" 3/ 371، "البغوي" 5/ 230، القرطبي 11/ 104.]]. وهذا معنى ما روي أن النبي -ﷺ-! قال: "ما من مولود يولد إلا ويطعن الشيطان في جنبه وذلك حين يستهل صارخا، إلا عيسى بن مريم، فإنه ذهب يطعن فطعن في الحجاب" [[أخرج نحوه البخاري في "صحيحه"، كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ 3/ 1265، ومسلم، في الفضائل، باب فضل عيسى -عليه السلام- 4/ 1838، والإمام أحمد 2/ 553، والماوردي في "النكت والعيون" 3/ 371.]]. والآية مفسرة في قصة يحيى في هذه السورة [[عند قوله سبحانه في الآية رقم (15): ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾.]]. قال ابن عباس والمفسرون: (كلمهم عيسى بهذا ثم سكت فلم يتكلم حتى بلغ المدة التي يتكلم فيها الصبيان) [["بحر العلوم" 2/ 323، "المحرر الوجيز" 9/ 466، "معالم التنزيل" 5/ 230، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 104، "الدر المنثور" 4/ 488.]].

19:34Page 307

ذَٰلِكَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ قَوۡلَ ٱلۡحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمۡتَرُونَ ٣٤

That is Jesus, the son of Mary - the word of truth about which they are in dispute.

قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ قال أبو إسحاق: (أي ذلك الذي قال ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ الآيات، هو عيسى بن مريم، لا ما يقول النصارى من أنه ابن الله وأنه إله) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 329.]]. ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ ﴿الْحَقِّ﴾ هاهنا يجوز أن يراد به الله تعالى، وهو قول مجاهد [["جامع البيان" 16/ 83، "النكت والعيون" 3/ 372، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 105 ذكره بدون نسبة.]]. ويرتفع (قَوْل) على أنه نعت لعيسى [["معاني القرآن" للفراء 2/ 168، "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 313، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 144، "الدر المصون" 7/ 598.]]، أي: ذلك عيسى بن مريم قول الله، أي: كلمته، والكلمة قول، ويجوز أن يضاف القول إلى الحق [["جامع البيان" 16/ 83، "معاني القرآن" للفراء 2/ 168.]]، ومعناه: القول الحق، كما قيل: ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: 95، الحاقة 51]، و ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ﴾ [الأحقاف: 16]، و {الدَّارُ الْآخِرَةِ} [يوسف: 109] وعلى هذا يجوز أن يرتفع ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ على النعت لعيسى كما ذكرنا، ويجوز أن يرتفع على أنه خبر ابتداء مضمر [["جامع البيان" 16/ 83، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 114، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 201، "الدر المصون" 7/ 598.]]، دل عليه قوله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ والمعنى: هذا الكلام قول الحق، أي: هذا الذي ذكرنا من صفته، وأنه ابن مريم قول الحق، ومن قرأ: قَوْلَ الحق، بالنصب فهو نصب على المصدر [[قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع، وحمزة، والكسائي: (قولُ الحق) رفعا. وقرأ عاصم، وابن عامر: (قولَ الحق) نصبا.

انظر: "السبعة" ص 409، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 201، "التبصرة" ص 256.]]، أي: قال قول الحق.

[وقال أبو علي: (أما النصب فهو أن قوله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ هو يدل على: أَحقُّ قَولَ الحَقّ] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]]. وتقول: هذا زيدُ الحقّ لا الباطل؛ لأن قول هذا زيد، بمنزله أحُقُّ، كأنك قلت: أحُقُّ الحَقَّ، وأَحَقُّ قَولَ الحَقِّ) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 202.]].

ويكون على هذا التقدير اعتراضا بين الصفة والموصوف؛ لأن التقدير: ذلك عيسى بن مريم الذي فيه. وقال الفراء: (وإن نصبت القول وهو في النية من نعت عيسى كان صوابا، كأنك قلت: هذا عبد الله الأَسَدَ عَاديًا، كما تقول: أَسَدًا عَاديِا) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 168.]].

وقوله تعالى: ﴿الَّذِي﴾ هو هو من نعت عيسى ﴿فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أي: يشكون فيختلفون، فيقول قائل: هو ابن الله، ويقول آخر: هو الله [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 8، "جامع البيان" 16/ 83 - 84، "النكت والعيون" 3/ 372، "معالم التزيل" 5/ 231.]]. ثم نفى عن نفسه اتخاذ الولد.

19:35Page 307

مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٖۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٣٥

It is not [befitting] for Allāh to take a son; exalted is He!1 When He decrees an affair, He only says to it, "Be," and it is.

فقال؛ ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ إن مع الفعل بمنزلة المصدر أي: ما كان له اتخاذ الولد على معنى أن ذلك ليس من صفته، ولا مما يليق به؛ لأن الولد مجانس للوالد، وكذلك من اتخذ ولدا إنما يتخذه من جنسه والله تعالى ليس كمثله شيء، فلا يجوز أن يكون له ولد، ولا أن يتخذ ولدا، وذكر ابن الأنباري في هذا وجهين:

أحدهما: (أن هذه من المقلوب على معنى ما كان للولد أن يتخذه الله، فدخلت اللام في غير موضعها على مذهب العرب في الاتساع وقد تقدم لهذا نظائر.

والثاني: أن المعنى ما كان ينبغي لله أن يتخذ من ولد، فنابت اللام عن الفعل الذي هو ينبغي، وتأويل لا ينبغي: لا يصلح ولا يستقيم) [[ذكر نحوه بلا نسبة في "المحرر الوجيز" 9/ 469، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 107.]].

وقوله تعالى: ﴿مِنْ وَلَدٍ﴾: ﴿مِنْ﴾ زائدة مؤكدة لاستغراق الجنس، فلا يجوز أن يتخذ ولدا واحدا ولا أكثر، هذا معنى قول الزجاج: (﴿مِنْ﴾ مؤكدة تدل على نفي الواحد والجماعة) [["معاني القرآن للزجاج" 3/ 329. وقول الزجاج أولى من القول بالزيادة، وذلك أدبًا مع كتاب الله -عز وجل- فإن وجل فإن كل حرف ورد فيه يقصد به معنى من المعاني.]].

ثم نزه نفسه عن مقالتهم بقوله سبحانه، ثم بين السبب في كون عيسى من غير أب فقال: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: إذا أراد أن يحدث ولدا من غير أب ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ كما فعل بآدم إذ خلقه من غير أب ولا أم، وهو قوله تعالى: ﴿مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 59]، والمعنى: أن كون عيسى إنما كان بقضاء الله وإرادته، وإذا أراد أمرا لم يتعذر عليه، وأوجده على الوجه الذي أراده، والكلام في مثل هذه الآية قد تقدم في سورة البقرة في قوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: 117] الآية.

19:36Page 307

وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٣٦

[Jesus said], "And indeed, Allāh is my Lord and your Lord, so worship Him. That is a straight path."

قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ الآية. ذكر الفراء في فتح ﴿أَن﴾ ثلاثة أوجه أحدها: العطف على عيسى بن مريم، بتأويل ذلك عيسى بن مريم، وأن الله ربي وربكم، فيكون في موضع رفع. والثاني: ولأن الله ربي ربكم [فاعبدوه، فيعمل فيه فاعبدوه] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخه (س).]] وهذا الوجه اختيار أبي علي [["الحجة للقراء السبعة" 2/ 203.]]. وروي وجه رابع عن أبي عمرو بن العلاء وهو: أن المعنى وقضى الله ربي وربكم [["إعراب القرآن" للنحاس 2/ 315، " الجامع لأحكام القرآن" 11/ 108، "البحر المحيط" 6/ 190.

وقال السمين الحلبي في "الدر المصون" 7/ 600: واستبعد الناس صحة هذا النقل عن أبي عمرو؛ لأنه من الجلالة في العلم والمعرفة بمنزلة يمنعه من هذا القول، وذلك لأنه إذا عطف على (أمرا) لزم أن يكون داخلا في حيز الشرط به (إذا) وكونه تبارك ربنا لا يتقد يشترط البته.]]، ومن كسر استأنف الكلام وجعله معطوفا على المستأنف قبله وهو [[في (س): (وهذا).]] قوله: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ ويجوز أن يكون استئنافًا بالواو من غير عطف، ويؤكد هذا الوجه ما روي في قراءة أبي: أن الله ربي وربكم، بغير واو [["جامع البيان" 16/ 85، "بحر العلوم" 2/ 324، "الكشاف" 2/ 411، "البحر المحيط" 6/ 189، "معاني القرآن" للفراء 2/ 168.= واختلف القراء في قراءة هذه الآية: فقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: (وأن الله ربي) بنصب الألف. وقرأ ابن عامر، وعاصم، حمزة، والكسائي: (وإن الله) بالكسر.

انظر: "السبعة" ص 410، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 202، "المبسوط في القراءات" ص 243، "النشر" 2/ 318.]]. وعلى الأوجه كلها الآية من كلام عيسى لقومه.

قوله تعالى: ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: هذا الذي أخبرتكم أن الله أمرني به هو الطريق المستقيم الذي يؤدي إلى الجنة.

19:37Page 307

فَٱخۡتَلَفَ ٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَيۡنِهِمۡۖ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشۡهَدِ يَوۡمٍ عَظِيمٍ ٣٧

Then the factions differed [concerning Jesus] from among them, so woe to those who disbelieved - from the scene of a tremendous Day.

قوله تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ﴾ يعني: فرق النصاري اختلفوا في عيسى فقال بعضهم: هو الله [[وهم اليعقوبية. انظر: "تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 8، "جامع البيان" 16/ 85 - 86، "بحر العلوم" 2/ 324، "المحرر الوجيز" 9/ 471، "زاد المسير" 5/ 232.]]، وقال بعضهم: ابن الله [[وهم النسطورية. انظر: "تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 9، "جامع البيان" 16/ 86، "وبحر العلوم" 2/ 324، "معالم التنزيل" 5/ 231، "الدر المنثور" 2/ 488.]]، وقال بعضهم: ثالث ثلاثة [[وهم الإسرائيلية من ملوك النصارى. انظر: "تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 9، "جامع البيان" 16/ 86، "المحرر الوجيز" 9/ 471، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 135.]].

قوله تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ أي: بينهم، ومن زائدة. قال المفسرون: (كانوا أحزابا متفرقين ﴿بَيْنِهِمْ﴾ في أمر عيسى) [["جامع البيان" 16/ 86، "المحرر الوجيز" 9/ 471، "معالم التنزيل" 5/ 231، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 135.]].

﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فشدة عذاب للذين كفروا بالله بقولهم في المسيح بأنه ابن الله وأنه إله ﴿مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي: من حضور ذلك اليوم، والمشهد مصدر يراد به [الشهود، والمعنى: ويل لهم إذا جاءت القيامة [["جامع البيان" 16/ 86، "المحرر الوجيز" 9/ 471، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 135.]].

ويجوز أن يكون الحضور لهم وأضيف إلى الظرف لوقوعه فيه، كما تقول: ويل لفلان] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]] من قتال يوم كذا، والمعنى: ويل لهم حضورهم ذلك وشهودهم إياه للجزاء والحساب [["الكشاف" 2/ 411، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 108، "البحر المحيط" 6/ 190، "فتح القدير" 3/ 477.]].

19:38Page 307

أَسۡمِعۡ بِهِمۡ وَأَبۡصِرۡ يَوۡمَ يَأۡتُونَنَا لَٰكِنِ ٱلظَّٰلِمُونَ ٱلۡيَوۡمَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٣٨

How [clearly] they will hear and see the Day they come to Us, but the wrongdoers today are in clear error.

قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ قال قتادة: (ذلك والله يوم القيامة سمعوا حين لم ينفعهم السمع وأبصروا حين لم ينفعهم البصر) [["جامع البيان" 16/ 86، "النكت والعيون" 3/ 373، "الدر المنثور" 4/ 489، "البحر المحيط" 6/ 191.]].

وقال ابن عباس، والسدي وجميع المفسرين: (ما أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة) [["جامع البيان" 16/ 87، "المحرر الوجيز" 9/ 472، "معالم التنزيل" 5/ 232، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 135، "زاد المسير" 5/ 163.]]. وقال الكلبي: (يقول: ما أبصرهم بالهدى يوم القيامة، وأطوعهم أن عيسى ليس الله، ولا ابن الله، ولا ثالث ثلاثة) [["معالم التنزيل" 3/ 232، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 108، "الكشف والبيان" 3/ 7 أ.]].

فجعل السمع هاهنا بمعنى الطاعة وهو حسن. وقال الحسن: (لئن كانوا في الدنيا صما عميا عن الحق فما أبصرهم به وأسمعهم يوم القيامة) [["النكت والعيون" 3/ 373.]]. ﴿لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. يعني أن الكافرين والمشركين ضلوا في الدنيا، وعموا عن الحق وآثروا الهوى على الهدى.

وقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ لفظ التعجب كما قالوا في تفسيره: ما أسمعهم وأبصرهم [["إعراب القرآن" للنحاس 2/ 316، " إملاء ما من به الرحمن" 1/ 114.]]، وللتعجب لفظان أحدهما: ما أكرم زيدا، وذكرنا الكلام فيه عند قوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: 175]، والثاني: أكرم يزيد وأسمع بهم وأبصر.

قال أبو علي: (وهذا مثال الأمر أقيم مقام الخبر، والمعنى: اسمعوا وأبصروا أي: صاروا ذوي سماع وإبصار، فوقع مثال الأمر هاهنا موقع الخبر، كما وقع مثال الخبر موقع الأمر في الدعاء في مثل: غفر الله لزيد، وقطع الله يد فلان، وسلام عليك، وخير بين يديك ونحوه مما يراد به الدعاء، وهو على لفظ الخبر، ومثل هذا مما جاء في التنزيل قوله: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: 75] فهذا لفظه كلفظ أمثلة الأمر ومعناه الخبر، ألا ترى أنه لا وجه للأمر هاهنا وأن المعنى: يمده الرحمن مداد، ويدلك على أن المراد في هذا الخبر أن السمع والبصر وغيرهما من الأحداث لا يخاطب ولا يؤمر ولا ينهي، فليس للأمر هاهنا معنى ولا متوجه) [[ذكره مختصرًا في "الحجة للقراء السبعة" 2/ 205.]].

وموضع الباء مع ما بعدها من المنجر في قولك أكرم يزيد رفع، كما أن الباء في: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾ [[وردت في مواطن كثيرة ومنها ما ورد في سورة النساء الآية رقم: (6).]] كذلك، وذلك أن المتعجب منه وقع موقع الفاعل، وفاعل هذا الفعل المتعجب منه، فلذلك قلنا إن الجار مع المجرور في موضع رفع.

19:39Page 308

وَأَنذِرۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡحَسۡرَةِ إِذۡ قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَهُمۡ فِي غَفۡلَةٖ وَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٣٩

And warn them, [O Muḥammad], of the Day of Regret, when the matter will be concluded;1 and [yet], they are in [a state of] heedlessness, and they do not believe.

قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ أي: خوف يا محمد كفار مكة يوم الندامة يتحسر المسيء هلا أحسن العمل، والمحسن هلا إزداد من الإحسان. وقال أكثر أهل التأويل: (يعني الحسرة حين يذبح الموت بين الفريقين، ويقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، فلو مات أحد فرحا لمات أهل الجنة، ولو مات أحد حزنا لمات أهل النار) [["المحرر الوجيز" 9/ 472، "النكت والعيون" 3/ 374، "معالم التنزيل" 5/ 232، "زاد المسير" 5/ 233، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 109.]].

قال مقاتل: (لولا ما قضى الله من تخليد أهل النار فيها لماتوا حسرة حين رأوا ذلك) [["النكت والعيون" 3/ 374، "الكشف والبيان" 3/ 7 أ.]]. وهذا يروى مرفوعاً عن النبي -ﷺ- [[أخرج البخاري في صحيحه عن أبي سعيد قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إذا دخل أهل النار النار وأدخل أهل الجنة الجنة يجاء بالموت كأنه كبش أملح فينادي منادي: يا أهل الجنة تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون وينظرون وكل قد رأوه فيقولون: نعم هذا الموت، ثم ينادي: يا أهل النار تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، وكلهم قد رأوه فيقولون: نعم هذا الموت، فيؤخذ فيذبح، ثم ينادي: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت، فذلك قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ قال: أهل الدنيا في غفلة".

أخرجه البخاري في "كتاب التفسير" سورة مريم 6/ 117، ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء 4/ 2188، والترمذي في جامعه كتاب: التفسير سورة مريم 12/ 14، والدرامي كتاب: الرقائق، باب: ذبح الموت 2/ 329، وأحمد في "مسنده" 3/ 9، والنسائي في "تفسيره" 2/ 30، والطبري في "جامع البيان" 16/ 87، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 489 وزاد في نسبته إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.]].

قوله تعالى: ﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ هو أي: فرغ من الحساب، وأدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار. والمعنى: إذ يقضى الأمر؛ لأنه لم يأت بعد إلا أن ما كان من أحكام الآخرة يذكر بلفظ الماضي فىِ القرآن؛ لأنها كأنها قد وقعت حيث هي كائنة لا شك، كقوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [الأعراف: 50]. وقال ابن جريج في قوله: (﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ إذ ذبح الموت) [["جامع البيان" 16/ 88، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 139، "زاد المسير" 5/ 234، "البحر المحيط" 6/ 191.]]. وقال مقاتل بن سليمان: (إذ قضي لهم العذاب في الآخرة وهم في الدنيا في غفلة) [["زاد المسير" 5/ 234، "البحر المحيط" 6/ 191.]].

وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ وقال ابن عباس: (يريد في الدنيا) [[ذكره بدون نسبة "المحرر الوجيز" 9/ 473، و"تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 16، "البحر المحيط" 6/ 191.]]. وهذا استئاف إخبار عنهم أنهم في غفلة عن ذلك اليوم وأحكامه. ثم أخبر عن كفرهم بذلك اليوم فقال: ﴿وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ قال ابن عباس: (لا يصدقون بالبعث) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 88، "بحر العلوم" 2/ 324، "معالم التنزيل" 5/ 232، "زاد المسير" 5/ 234، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 135، "لباب التأويل" 4/ 247.]].

وقال السدي: (وهم في غفلة في الدنيا عما يصنع الموت ذلك اليوم، وهم لا يؤمنون بما يصنع بالموت ذلك اليوم) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "معالم التنزيل" 5/ 232، "زاد المسير" 5/ 235، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 135، "البحر المحيط" 6/ 191.]].

19:40Page 308

إِنَّا نَحۡنُ نَرِثُ ٱلۡأَرۡضَ وَمَنۡ عَلَيۡهَا وَإِلَيۡنَا يُرۡجَعُونَ ٤٠

Indeed, it is We who will inherit the earth and whoever is on it, and to Us they will be returned.

قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ﴾ أي: نميت سكانها فنرثها ومن عليها لأني أميتهم وأهلكهم [["معالم التنزيل" 5/ 232، "زاد المسير" 5/ 235، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 109، "فتح القدير" 3/ 477.]]، وهذا كقوله: ﴿وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ [الحجر: 23]، وذكرنا الكلام فيه. ﴿وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ بعد احيائنا إياهم للثواب والعقاب.

وقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ﴾ كقولك لغيرك: أرثك وأرث مالك. أي: تموت فينتقل إلى مالك. والمعنى: أنهم يموتون وتبقى الأرض لا مالك لها إلا الله -عز وجل-.

19:41Page 308

وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِبۡرَٰهِيمَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيًّا ٤١

And mention in the Book [the story of] Abraham. Indeed, he was a man of truth and a prophet.

قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ﴾ اقصص عليهم قصته. قال ابن عباس: (اذكر لقومك إبراهيم فقد انتهى إليهم دينه، وعرفوا أنهم من ولده، وأنه كان حنيفا مسلما) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "تفسير القرآن العظيم" 3/ 137، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 110، "التفسير الكبير" 21/ 223، "روح البيان" 5/ 336.]]. وهو معنى قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ والصديق: اسم للمبالغ في الصدق. وقد مر [[عند قوله سبحانه في سورة يوسف الآية رقم: (46): ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾ الآية.]].

19:42Page 308

إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ لِمَ تَعۡبُدُ مَا لَا يَسۡمَعُ وَلَا يُبۡصِرُ وَلَا يُغۡنِي عَنكَ شَيۡـٔٗا ٤٢

[Mention] when he said to his father, "O my father, why do you worship that which does not hear and does not see and will not benefit you at all?

﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ﴾ سبق الكلام في هذه التاء في (أبت) في أول سورة يوسف [[عند قوله سبحانه في سورة يوسف الآية رقم: (4): ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾.]] [[قال الزمخشري في "الكشاف" 2/ 412: انظر حين أراد أن ينصح أباه ويعظه فيما كان متورطا فيه من الخطأ العظيم والارتكاب الشنيع الذي عصا فيه أمر العقلاء وانسلخ عن قضية التميز ومن الغباوة التي يشير بعدها غباوة، كيف رتب الكلام == معه في أحسن إتساق وساقه أرشق مساق مع استعمال المجاملة واللطف والرفق واللين والأدب الجميل والخلق الحسن منتصحا في ذلك بنصيحة ربه عز وعلا.]].

﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ﴾ يعني الصنم [["جامع البيان" 16/ 89، "المحرر الوجيز" 9/ 476، "معالم التنزيل" 5/ 234، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 111.]]، وبخه على عبادته شيئا لا سمع له ولا بصر ﴿وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ لا يدفع عنك ضرًا ولا يكفيك شيئا.

19:43Page 308

يَٰٓأَبَتِ إِنِّي قَدۡ جَآءَنِي مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَمۡ يَأۡتِكَ فَٱتَّبِعۡنِيٓ أَهۡدِكَ صِرَٰطٗا سَوِيّٗا ٤٣

O my father, indeed there has come to me of knowledge that which has not come to you, so follow me; I will guide you to an even path.

﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ﴾ قال ابن عباس: (من اليقين والمعرفة بالله) [[ذكره بدون نسبة "البغوي" 5/ 234، و"القرطبي" 11/ 111.]]. قال أبو إسحاق: (وهذا يدل على أنه كان قد آتاه الوحي) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 332.]]. ﴿فَاتَّبِعْنِي﴾ الآية قال ابن عباس: (يريد اتبعني على جاءني من ربي أرشدك إلى دين مستقيم) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "بحر العلوم" 2/ 325، "المحرر الوجيز" 9/ 476، "معالم التنزيل" 5/ 234، "ابن كثير" 3/ 137، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 111.]]. ﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ قال ابن عباس: (لا تطعه) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة انظر: المراجع السابقة، "زاد المسير" 5/ 236.]]. قال أبو إسحاق: (معنى عبادة الشيطان: طاعته فيما يسول من الكفر والمعاصي) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 332.]]. والمعنى أن عبادتك الصنم عبادة الشيطان؛ لأن من أطاع شيئاً في معصية الله فقد عبده.

19:44Page 308

يَٰٓأَبَتِ لَا تَعۡبُدِ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ كَانَ لِلرَّحۡمَٰنِ عَصِيّٗا ٤٤

O my father, do not worship [i.e., obey] Satan. Indeed Satan has ever been, to the Most Merciful, disobedient.

﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ قيل: كان زائدة. وقيل: أنه بمعنى صار [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 111.]]. والصحيح: أنه بمعنى الحال [["معالم التنزيل" 5/ 234، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 111.]]. أي: كائن كما ذكرنا في قوله: ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ﴾ [مريم: 8] الآية. والعصي: بمعنى العاصي على فعيل مثل القادر والقدير وبابه.

19:45Page 308

يَٰٓأَبَتِ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٞ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيۡطَٰنِ وَلِيّٗا ٤٥

O my father, indeed I fear that there will touch you a punishment from the Most Merciful so you would be to Satan a companion [in Hellfire]."

﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ أخشى أن يصيبك عذاب الله بطاعتك الشيطان ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ قرينا في النار. قال الفراء: (﴿أَخَافُ﴾ أي: أعلم، كقوله: ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا﴾ [الكهف: 80]، أي: فعلمنا) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 169.]].

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском