Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Taha 20:67–77
20:67Page 316
فَأَوۡجَسَ فِي نَفۡسِهِۦ خِيفَةٗ مُّوسَىٰ ٦٧
And he sensed within himself apprehension, did Moses.
قوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ﴾ قال الفراء: (أحس [[في (س): (أجس).]] ووجد) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 182.]].
وقال الزجاج: (أضمر) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 61.]]. وقال في موضع آخر: (وقع في نفسه الخوف) [["معاني القرآن" للزجاج 5/ 553.]]. وقد ذكرناه مستقصى في سورة هود [[عند قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ [هود: 3].]].
وقوله تعالى: ﴿خِيفَةً مُوسَى﴾ أي: خوفًا، وأصلها: خوفه فانقلبت الواو ياء لانكسار الخاء [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 367، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 349.]]. وإنما خاف موسى؛ لأن سحرهم كان من جنس ما أراهم في العصا، فخاف أن يلتبس على الناس أمره، ولا يؤمنوا به. هذا معنى قول الكلبي، ومقاتل [["الكشف والبيان" 3/ 21 أ، "معالم التنزيل" 5/ 283، "البحر المحيط" 6/ 260، "التفسير الكبير" 22/ 84، "تفسير مقاتل" 4 أ.]].
وقيل: (كان خوف طباع، لكثرة ما يخيل له من الحيات العظام)، وهذا معنى قول محمد بن إسحاق [["بحر العلوم" 2/ 349، وذكرته كتب التفسير بدون نسبة.
انظر: "النكت والعيون" 3/ 413، "معالم التنزيل" 5/ 283، "المحرر الوجيز" 10/ 54، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 222.]].
20:68Page 316
قُلۡنَا لَا تَخَفۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡأَعۡلَىٰ ٦٨
We [i.e., Allāh] said, "Fear not. Indeed, it is you who are superior.
فقال الله تعالى: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ قال ابن عباس: (يريد أنت الغالب) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.
انظر: "معالم التنزيل" 5/ 284، "زاد المسير" 5/ 305، "القرطبي" 11/ 223.]]. والمعنى: أنت الأعلى عليهم بالظفر والغلبة.
20:69Page 316
وَأَلۡقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلۡقَفۡ مَا صَنَعُوٓاْۖ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيۡدُ سَٰحِرٖۖ وَلَا يُفۡلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيۡثُ أَتَىٰ ٦٩
And throw what is in your right hand; it will swallow up what they have crafted. What they have crafted is but the trick of a magician, and the magician will not succeed wherever he is."
﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ يعني العصا ﴿تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ قال الزجاج: (القراءة بالجزم [[قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن كثير، وحمزة، والكسائي، وعاصم في رواية أبي بكر: (تَلقَّفْ مَا صَنعوا) بتشديد القاف وجزم الفاء. وقرأ عاصم في رواية حفص: (تَلْقَفُ مَا صَنعوا) بتخفيف القاف ورفع الفاء. وقرأ ابن عامر الشامي: (تَلْقَّفُ مَا صَنعوا) بتشديد القاف ورفع الفاء.
انظر: "السبعة" ص 420، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 235، "المبسوط في القراءات" ص 249، "النشر" 2/ 321.]]، جواب الأمر، ويجوز الرفع على معنى الحال، كأنه قال: ألقها تلقفه) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 367.]]، هذا كلامه.
وشرحه أبو علي فقال: (وجه قراءة من قرأ: ﴿تَلْقَفُ﴾ بالرفع، وهي قراءة ابن عامر: أنه في موضع الحال، والحال يجوز أن يكون من الفاعل المُلْقِي، ويجوز أن يكون من المفعول المُلْقَى، فإن جعلته من الفاعل المُلْقِي جعلته المُتلَقَّفَ، وإن كان التَّلَقُفُ في الحقيقة للعصا، ووجه جعل المُتَلَقَّف أن التَّلَقُفُ في الحقيقة للعصا، ووجه جعل المُتَلَقَّف أن التَّلَقُف بإلقائه كان فجاز أن ينسب إليه، والفعل كثيرًا يضاف إلى المسبب، ويجوز أن يكون الحال من المفعول، وجعلت تَلْقَفْ حالًا، وإن لم تتلقف بعد، كما جاء في التنزيل: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95] وكما أجاز النحويون: مررتُ برجلٍ معه صقر صائدًا به غدًا، وهذا النحو من الحال كثير في التنزيل وغيره) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 236.]].
وقال: (﴿تَلْقَفْ﴾ على التأنيث، حملًا للكلام على المعنى؛ لأنه المراد بما في يمينه العصا. ومن قرأ: تلقفْ بالجزم، فعلى أن يكون جوابًا، كأنه: إن تُلْقِهِ تَلَقَّفْ، ويجوز أن يكون تَلْقَفْ خطابًا لموسى، كما ذكر في قراءة من رفع يجوز أن يكون حالًا للفاعل) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 236.]]. وذكرنا معنى التلقف في سورة الأعراف مستقصى [[عند قوله سبحانه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الأعراف: 117].]].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ أي: الذي صنعوه كيد ساحر. وقرئ: كيد سحر [[قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم: ﴿كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ بالألف.= وقرأ حمزة، والكسائي: (كيد سحر) بغير ألف.
انظر: "السبعة" ص 421، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 237، "حجة القراءات" ص 458، "الغاية في القراءات" ص 323.]]. وساحر أقوى؛ لأنّ الكيد للساحر في الحقيقة وليس للسحر، ومن قرأ: كيد سحر، أضاف الكيد إلى السحر على التوسع، وأراد كيد ذي سحر، فيكون المعنى مثل كيد ساحر، ويجوز أن يكون معنى كيد سحر: كيد من سحر كما قالوا: قميص حرير، وجبة وَشْي، ذكر ذلك ابن الأنباري [[ذكر بلا نسبة في "الكشاف" 2/ 545، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 224، "التفسير الكبير" 22/ 85، "البحر المحيط" 6/ 260.]]. والمعنى: الذي صنعوه تخيل سحر لا حقيقة له.
[وقوله: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ قال ابن عباس: (ولا يسعد الساحر حيث ما كان) [["معالم التنزيل" 5/ 284، "زاد المسير" 5/ 306.]].
وروى جندب بن عبد الله البجلي [[جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي، ينسب إلى جده، أحد أصحاب النبي -ﷺ- روى عن النبي -ﷺ- روى عنه الحسن، وابن سيرين، وأخرج له الجماعة، توفي -رضي الله عنه- سنة 64 هـ.
انظر: "الاستيعاب" 1/ 219، "أسد الغابة" 1/ 303، "الإصابة" 1/ 249، "تهذيب التهذيب" 2/ 118، "سير أعلام النبلاء" للذهبي 3/ 174، "الكاشف" 1/ 132.]]: أن رسول الله -ﷺ- قال: "إذا أخذتم الساحر فاقتلوه، ثم قرأ: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ قال: لا يأمن حيث وجد" [[أورده ابن كثير في "تفسيره" 3/ 175، وقال: وقد روى أصله الترمذي موقوفًا ومرفوعًا. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 541، وعزاه لابن أبي حاتم وابن مردويه، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 210، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 2/ 48، والشوكاني في "نيل الأوطار" باب: ما جاء في حد السحر 7/ 632، والألوسي في "روح المعاني" 16/ 230. == وأخرج الترمذي في جامعه نحوه في كتاب الحدود، باب: ما جاء في حد السحر 4/ 60، والحاكم في "المستدرك" 4/ 360، وصححه ووافقه الذهبي، وذكره ابن حزم في "المحلى" 11/ 396، وابن حجر في "فتح الباري" 10/ 236، والذهبي في "الكبائر" ص 46.]].
قال أبو إسحاق: (معناه حيث كان الساحر يجب أن يقتل. قال: وكذلك مذهب أهل الفقه في السحرة) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 367.]]. ونحوه هذا المعنى ذكر الفراء] [["معاني القرآن" للفراء 2/ 186.
اختلف العلماء في حكم السحر والساحر، والصحيح -والله أعلم- أن السحر نوعان منه ما هو كفر، ومنه ما لا يبلغ درجة الكفر، فإن كان الساحر استعمل السحر الذي هو كفر فإنه يقتل كفرًا، وأما إن كان الساحر عمل السحر الذي لا يبلغ الكفر فهو محل خلاف بين العلماء، والراجح -والله أعلم- أنه لا يقتل.
انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 2/ 48، "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 61، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 31، "المبسوط" للسرخسي 10/ 208، "الزواجر" 2/ 104، "المغني" لابن قدامة 8/ 151.]] [[ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومن نسخة (ص).]].
20:70Page 316
فَأُلۡقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدٗا قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَٰرُونَ وَمُوسَىٰ ٧٠
So the magicians fell down in prostration.1 They said, "We have believed in the Lord of Aaron and Moses."
وقوله تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ ففعل ما أمر به موسى، ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ وترك ذكره؛ لأنه ذكر في سورة الأعراف [[عند قوله سبحانه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الأعراف: 117].]]، والشعراء [[عند قوله سبحانه: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الشعراء: 45].]] أنه ألقى عصاه، فتلقفت ما صنعوا، وما يقع من الكلام في تفسير هذه الآية قد سبق في سورة الأعراف [[سورة الأعراف الآيات: (117 - 120).]].
20:71Page 316
قَالَ ءَامَنتُمۡ لَهُۥ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحۡرَۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَٰفٖ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمۡ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخۡلِ وَلَتَعۡلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابٗا وَأَبۡقَىٰ ٧١
[Pharaoh] said, "You believed him [i.e., Moses] before I gave you permission. Indeed, he is your leader who has taught you magic. So I will surely cut off your hands and your feet on opposite sides, and I will crucify you on the trunks of palm trees, and you will surely know which of us is more severe in [giving] punishment and more enduring."
قوله تعالى: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ الكلام في هذا، ووجه اختلاف القراء في ﴿آمَنْتُمْ﴾ [[قرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم، وورش عن نافع: (آمنتم) على لفظ الخبر. وقرأ أبو عمرو، وابن عامر، ونافع: (آمنتم) بهمزة ممدودة. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: (أآمنتم) بهمزتين الثانية ممدودة انظر: "السبعة" ص 421، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 238، "حجة القراءات" ص 458.]]. قد تقدم في سورة الأعراف [[عند قوله سبحانه: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ [الأعراف: 123] الآية.]]. بوصل الباء إذا كان باللهِ تعالى، وإذا كان بغيره وصل باللام، كذا جاء في التنزيل [["الكشاف" 2/ 546، "البحر المحيط" 6/ 261، "روح المعاني" 16/ 231.]]، مثل قوله: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى﴾ [يونس: 83]، ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ [الإسراء: 90]، ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: 17]، ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: 26]؛ لأنه يراد به مجرد التصديق، وقد قال في سورة الأعراف: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [الأعراف: 123]، فهما بمعنى واحد.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ قال ابن عباس: (يريد معلمكم) [["زاد المسير" 5/ 207.]]. وقال: (ولذلك يقول أهل مكة: جئت [[في (ص) (حيث)، وهو تصحيف.]] من عند كبيري، [وحتى أستأذن كبيري) [["الكشاف" 2/ 545، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 23.]].
وقال الكسائي: (الصبي بالحجاز إذا جاء من عند معلمه قال: جئت من عند كبيري) [["زاد المسير" 5/ 207، "فتح القدير" 3/ 537.]]] [[ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومن نسخة (ص).]].
وقال محمد بن إسحاق: (إنه لعظيم السحار) [["جامع البيان" 16/ 188 "فتح القدير" 3/ 537.]].
والكبير في اللغة: الرئيس [[انظر: "تهذيب اللغة" (كبر) ص 3090، "القاموس المحيط" (كبر) ص 468، "لسان العرب" (كبر) 6/ 3807.]]، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ [يوسف: 80]، يعني رئيسهم الذي هو أعلمهم، ولم يرد الكبير في السن، ولهذا يقال للمعلم: الكبير.
قال أهل المعاني: جعل نسبتهم إلى اتباع رئيسهم بالسجود علة لصرف الناس عن اتباع موسى.
وقوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ قال المبرد: (المعنى على جذوع النخل، وإنما وقعت في ومعانيها الوعاء، كقولك: زيد في الدار، والمتاع في الوعاء؛ لأنّ الجذع جعل كأنه قد حل فيه، فصار الجذع له مكانًا كالبيت) [[ذكره مختصرًا في "المقتضب" 2/ 318.]]. كما قال الأسدي [[لم أهتد إليه.]]:
تَداركت شَمْاسًا ويَحْيى وخالدِا ... وقَد نصبت فَوقَ الجُذُوع قُبُورهَا
أي: جعلت الجذوع لهم مكان القبور، ونحو هذا قال أبو عبيدة، والفراء، والزجاج [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 123، "معاني القرآن" للفراء 2/ 186، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 368.]] وأنشدوا [[اختلف في نسبة هذا البيت، فنسب لسويد بن أبي كأهل.
انظر: "الأزهية" ص 278، "شرح شواهد المغني" 1/ 479، "الكشف والبيان" 3/ 21 "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 224، "السان العرب" (شمس) 4/ 2324.== ونسب البيت لامرأة من العرب. انظر: "الخصائص" 2/ 313، "شرح المفصل" 8/ 21، "لسان العرب" (فيا) 10/ 373.
وورد بلا نسبة في: "جامع البيان" 16/ 118، "البحر المحيط" 2/ 261، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 24، "معاني القرآن" 3/ 368، "المقتضب" 2/ 319، "أدب الكاتب" ص 506.]]: وَهُم صَلَبُوا العَبدِيَّ في جِذْعِ نَخْلَةِ ... فَلا عَطَستْ شَيْبَانُ إِلاَ بِأجْدَعا
ولما كانت الجذوع تضمهم كما يضم الوعا ما فيه قيل: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [الطور: 38]، أي: عليه. ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ﴾ أيها السحرة ﴿أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا﴾ لكم ﴿وَأَبْقَى﴾ وأدوم أنا على إيمانكم، أو رب موسى على ترككم الإيمان به.
20:72Page 316
قَالُواْ لَن نُّؤۡثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلَّذِي فَطَرَنَاۖ فَٱقۡضِ مَآ أَنتَ قَاضٍۖ إِنَّمَا تَقۡضِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَآ ٧٢
They said, "Never will we prefer you over what has come to us of clear proofs and [over] He who created us.1 So decree whatever you are to decree. You can only decree for this worldly life.
قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ أي: لن نفضلك ولن نختارك ﴿عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ قال ابن عباس: (يريد من اليقين والعلم) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 225.]]. وقال مقاتل: (يعني اليد والعصا) [["الكشف والبيان" 3/ 21 ب، "معالم التنزيل" 5/ 285، "تفسير مقاتل" 4 ب.]].
وقال عكرمة: (هو أنهم حيث خروا سجدًا أراهم الله في سجودهم منازلهم في الجنة التي إليها يصيرون) [["النكت والعيون" 3/ 414، "الكشاف" 2/ 545، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 225، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 176، "الدر المنثور" 4/ 542، "أضواء البيان" 4/ 472، وقال: والظاهر أن ذلك من نوع الإسرائيليات.]]. ونحو هذا قال القاسم بن أبي بزة [[القاسم بن نافع بن أبي بزة، واسم أبي بزة: يسار، وقيل نافع، مولى عبد الله بن السائب بن صيفي المخزومي المكي، ويكنى القاسم بأبي عبد الله، وأصله من همدان، تابعي ثقة، روى عن: أبي الطفيل، وأبي معبد، ومجاهد، وسعيد بن == جبير. وروى عنه: عمرو بن دينار، وعبد الملك بن أبي سليمان، وابن جريج وغيرهم كثير، توفي -رحمه الله- سنة 124 هـ بمكة. انظر: "الجرح والتعديل" 7/ 122، "طبقات ابن سعد" 5/ 479، "الثقات" لابن حبان 7/ 330، "شذرات الذهب" 1/ 162، "تهذيب التهذيب" 89/ 278.]]: (ما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار، ورأوا ثواب أهلها عند ذلك قالوا: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾) [["الكشف والبيان" 3/ 21 ب، "معالم التنزيل" 5/ 285، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 176، "الدر المنثور" 4/ 542.]].
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ ذكر الفراء والزجاج فيه وجهين أحدهما: (لن نؤثرك على الله والذي خلقنا. والثاني: أنه قسم) [["معاني القرآن" 2/ 187، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 368.]].
﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ قال ابن عباس وجميع المفسرين: (فاصنع ما أنت صانع) [["جامع البيان" 16/ 189، "الكشف والبيان" 3/ 22 أ، "النكت والعيون" 3/ 415، "معالم التنزيل" 5/ 285، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 226.]]. ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ قال ابن عباس: (يريد إنما سلطانك وملكك في هذه الدنيا، فأما في الآخرة فليس لك فيها حظ ولا سلطان) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.
انظر: "جامع البيان" 16/ 189، "معالم التنزيل" 5/ 285، "النكت والعيون" 3/ 415، "زاد المسير" 5/ 307، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 176.]].
20:73Page 316
إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغۡفِرَ لَنَا خَطَٰيَٰنَا وَمَآ أَكۡرَهۡتَنَا عَلَيۡهِ مِنَ ٱلسِّحۡرِۗ وَٱللَّهُ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓ ٧٣
Indeed, we have believed in our Lord that He may forgive us our sins and what you compelled us [to do] of magic. And Allāh is better and more enduring."1
قوله تعالى: ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا﴾ قال ابن عباس: (الشرك الذي كنا فيه) [[ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة.
انظر: "بحر العلوم" 2/ 350، "زاد المسير" 5/ 307، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 226، "مجمع البيان" 7/ 35.]]. ﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ روي: (أن فرعون كان يكره الناس على تعلم السحر) [["جامع البيان" 16/ 189، "الكثف والبيان" 3/ 22أ، "بحر العلوم" 2/ 350، "معالم التنزيل" 5/ 285، "المحرر الوجيز" 7/ 58، "زاد المسير" 5/ 307.]].
وروي: (أنه أكرههم على معارضة موسى بالسحر) [["المحرر الوجيز" 3/ 58، "الكشاف" 2/ 546، "زاد المسير" 5/ 308، "التفسير الكبير" 22/ 89، "روح المعاني" 16/ 233.]]. والقولان مرويان في التفسير.
﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ قال ابن عباس: (يريد ثواب الله خير وأبقى) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 226.]]. فعلى هذا المضاف محذوف.
وقال أبو إسحاق: (أي الله خير لنا منك وأبقى عذابًا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 369.]]. وهذا جواب قوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ [طه: 71] وهذا معنى قول محمد بن إسحاق: (والله خير منك [ثوابًا وأبقى عقابًا) [["جامع البيان" 16/ 190، "معالم التنزيل" 5/ 285، "ابن كثير" 3/ 176.]].
وقال محمد بن كعب: (والله خير منك إن أطيع، وأبقى عذابًا منك] [[ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومن نسخة (ص).]] إن عصي) [[المراجع السابقة، "الدر المنثور" 4/ 542، "فتح القدير" 3/ 538.]].
20:74Page 316
إِنَّهُۥ مَن يَأۡتِ رَبَّهُۥ مُجۡرِمٗا فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحۡيَىٰ ٧٤
Indeed, whoever comes to his Lord as a criminal - indeed, for him is Hell; he will neither die therein nor live.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ هذا ابتداء كلام من الله تعالى وانتهى الإخبار عن السحرة [["بحر العلوم" 2/ 350، "معالم التنزيل" 5/ 286، "المحرر الوجيز" 10/ 59، "الكشاف" 2/ 546.]].
وقيل: (هذا أيضًا إخبار عنهم أنهم قالوه) [["معالم التنزيل" 5/ 286، "المحرر الوجيز" 10/ 59، "الكشاف" 2/ 546، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 226، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 177.]].
والكناية في قوله: ﴿إِنَّهُ﴾ الأمر والشأن، أي: بأن الأمر والشأن هذا، وهو أن المجرم يدخل النار، والمؤمن يدخل الجنة، ويجوز أن يكون هاء الإضمار على شريطة التفسير، وبينا ذلك في سورة يوسف [90].
ومعنى ﴿مُجْرِمًا﴾ قال ابن عباس في رواية الضحاك: (المجرم الكافر) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.
انظر: "جامع البيان" 16/ 190، "بحر العلوم" 2/ 350، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 227، "مجمع البيان" 7/ 35، "البحر المحيط" 6/ 262.]].
وقال في رواية عطاء: (يريد أجرم، وفعل مثل ما فعل فرعون) [["مجمع البيان" 7/ 35.]]. ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ قال: (يريد لا يموت فيستريح، ولا يحيي فيفتر عنه العذاب) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.
انظر: "بحر العلوم" 2/ 350، "زاد المسير" 5/ 309، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 227، "مجمع البيان" 7/ 35، "البحر المحيط" 6/ 262، "فتح التقدير" 5/ 538.]].
قال الكلبي: (ولا يحيي فيها حياة تنفعه) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.
انظر: "زاد المسير" 5/ 309، "البحر المحيط" 6/ 262، "فتح القدير" 5/ 538. ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: 36]]].
وروى أبو نضرة [[المنذر بن مالك بن قطعة العبدي، العوفي، البصري، من الطبقة الوسطى، من علماء التابعين، وثقه عدد من العلماء، وشهدوا له بالصلاح والتقوى. توفي -رحمه الله- سنة 108 هـ انظر: "تهذيب التهذيب" 10/ 302، "سير أعلام النبلاء" 4/ 129، "تقريب التهذيب" 2/ 275.]] عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إن أهل النار الذين لا يريد الله إخراجهم تُميتهم النار إماتة حتى يصيروا فحمًا، ثم يخرجون ضبائر [[الضبائر: جماعات الناس، يقال: رأيتهم ضبائر أي: جماعات.
انظر: "تهذيب اللغة" (ضبر) 3/ 2087، "مقاييس اللغة" (ضبر) ص386، "الصحاح" (ضبر) 2/ 718، "لسان العرب" (ضبر) 4/ 2547.]] فيلقون على أنهار الجنة، فيرش عليهم من أنهار الجنة، حتى ينبتوا كما تنبت الحبة في حميل السيل) [[حميل السيل: ما حمله السيل من الغثاء والطين، وكل محمول فهو حميل.
انظر: "تهذيب اللغة" (حمل) 1/ 925، "الصحاح" (حمل) 4/ 1678، "القاموس المحيط" (حمله) (987)، "لسان العرب" (حمل) 2/ 1001.]] [[أخرجه النسائي في "سننه" كتاب التطبيق، باب: موضع السجود 2/ 163، والترمذي في صفة جهنم، باب: (10) 4/ 615، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجة في الرقاق، باب: ما يخرج الله من النار برحمته 2/ 238، وأورده في "الدر المنثور" 2/ 542، وزاد نسبته لابن مردويه عن أبي سعيد.]].
قال المبرد: (تأويل قوله: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ لا يموت ميتة مريحة، ولا يحيى حياة ممتعة، وهو يألم كما يألم الحي ليفهم ذلك، ويبلغ بهم حالة الموتى في المكروه، إلا أنه لا يبلغ الحالة التي يبطل فيها عن الفهم، والعرب تقول: فلان لا حي ولا ميت، إذا كان غير منتفع بحياته، وكذلك يقولون لمن يكلم ولم يبلغ حاجته: تكلمت ولم تتكلم، أي: لم تبلغ) [[ذكر نحوه "المحرر الوجيز" 10/ 59، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 89، "البحر المحيط" 6/ 262.
ويشهد له قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: 36].]]. كما قال ابن مرداس [[عباس بن مرداس بن أبي عامر السلمي، أبو الهيثم، الصحابي، تقدم.]] [[البيت لعباس بن مرداس.
ذا تدرأ: أي: ذو هجوم لا يتوقى ولا يهاب ففيه قوة على دفع أعدائه.
انظر: "ديوانه" ص 84، "الشعر والشعراء" 2/ 752، "شرح التصريح" 2/ 119، "شرح شواهد المغني" 2/ 925، "المقاصد النحوية" 4/ 69، "همع الهوامع" 2/ 120، "لسان العرب" (درأ) 3/ 1347.]]:
وقَدْ كُنْتُ في الحَرْبِ ذا تُدْرَاءٍ ... فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا ولَمْ أُمْنَعِ
لأنه عندما أعطيه يقصر عن حقه، بأنّه قد وصل إليه القليل لم يمنع. وأنشد ابن الأنباري في مثل هذا المعنى لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود [[ذكرته كتب التفسير واللغة بلا نسبة.
انظر: "النكت والعيون" 3/ 415، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 227، "أضواء البيان" 4/ 478، "لسان العرب" (طعم) 8/ 165.]]:
أَلاَ مَا لِنَفْسٍ لا تَمُوُت فَيَنْقَضِي ... شَقاهَا ولا تَحْيَا حَياةً لَهَا طَعْمُ
20:75Page 316
وَمَن يَأۡتِهِۦ مُؤۡمِنٗا قَدۡ عَمِلَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَٰتُ ٱلۡعُلَىٰ ٧٥
But whoever comes to Him as a believer having done righteous deeds - for those will be the highest degrees [in position]:
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا﴾ قال ابن عباس: (مصدقًا) [[ذكرته كتب التفسير بلا نسبة.
انظر: "بحر العلوم" 2/ 350، "لباب التأويل" 4/ 276، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 226، "مجمع البيان" 7/ 35، "مدارك التنزيل" 2/ 1016.]]. ﴿قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ﴾ [قال: (يريد قد أدى الفرائض) [[ذكرته كتب التفسير بلا نسبة. == انظر: "جامع البيان" 16/ 190، "زاد المسير" 5/ 309 ذكره منسوب لابن عباس، "لباب التأويل" 4/ 276، "مجمع البيان" 7/ 35، "روح المعاني" 16/ 240.]]. فهذا من صفة النكرة التي هي الحال] [[ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومن نسخة (ص).]]، ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ قال: (قصرت دونها الصفة) [[ذكر نحوه بدون نسبة "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 227، "فتح القدير" 5/ 539.]].
قال ابن عباس فيما روى عنه سعيد بن جبير: (لله عباد ولدوا في الإسلام ونشؤا في أعمال البر، لم يخالطوا المعاصي وأهلها حتى ماتوا على ذلك، إذا كان يوم القيامة نادى المنادي: أين من أتى ربه مؤمنًا فاضلًا قد عمل الصالحات بصدق النية، فعرف القوم صفتهم، فقالوا: لبيك دعوتنا، قال: فإن الله يقول: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (75) جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ الآية، وعقد لهم لواء فاتبع القوم لواءهم حتى دخلوا الجنة) [[لم أقف عليه.]].
والآية دليل على أن الأمور بخواتيمها وأن الإيمان بالموافاة لقوله: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا﴾ ودليل على أن الدرجات إنما تستحق بالأعمال الصالحة، وقد يدخل الجنة من لا ينال الدرجات العلى.
وهذا معنى قوله-عليه السلام-: "تدخلون الجنة برحمة الله وتقسمون الدرجات بأعمالكم" [[أخرج البخاري نحوه في "صحيحه" كتاب الرقائق، باب: القصد والمداومة على العمل 5/ 2373، ومسلم في "صحيحه" كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب: لن يدخل الجنة أحد بعمله بل برحمة الله تعالى 4/ 2169، وابن ماجة كتاب الزهد، باب: التوفي على العمل 2/ 1405، والإمام أحمد في "مسنده"2/ 222، والدارمي في "سننه" كتاب الرقائق، باب: لن ينجي أحدكم عمله 2/ 215.]].
20:76Page 316
جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ ٧٦
Gardens of perpetual residence beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. And that is the reward of one who purifies himself.1
قوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ قال عطاء عن ابن عباس: (من قال لا إله إلا الله) [["الكشاف" 2/ 546، "التفسير الكبير" 22/ 91، "روح المعاني" 16/ 235.]]. ونحو ذلك قال الكلبي [["الكشف والبيان" 3/ 22 أ، "معالم التنزيل" 5/ 286.]].
ومعنى ﴿تَزَكَّى﴾ تطهير من الذنوب بالطاعة بدلًا من التدنس بالمعاصي. وقصد أن يكون زاكيا في الخير.
20:77Page 317
وَلَقَدۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِي فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا لَّا تَخَٰفُ دَرَكٗا وَلَا تَخۡشَىٰ ٧٧
And We had inspired to Moses, "Travel by night with My servants and strike for them a dry path through the sea; you will not fear being overtaken [by Pharaoh] nor be afraid [of drowning]."
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ سر بهم ليلًا من أرض مصر ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ﴾ أي: اجعل لهم طريقًا في البحر بالضرب بالعصا حتى ينفلق لهم البحر عن طريق [["جامع البيان" 16/ 191، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 45، "معالم التنزيل" 5/ 286.]]. فعدي الضرب إلى الطريق لما دخله هذا المعنى، وهو أنه أريد بضرب الطريق جعل الطريق بالضرب.
وقوله تعالى: ﴿يَبَسًا﴾ قال الليث: (طريق يبس: لا نداوة فيه ولا بلل) [["تهذيب اللغة" (يبس) 4/ 3973.]]. وقال أبو عبيدة: (يَبَسْ وَيبْس بمعنى: يَابس) [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 24.]]، وأنشد لعلقمة بن عبدة [[البيت لعلقمة بن عبدة التميمي.
خَشْخَش: الخشخاش الجماعة عليهم سلاح ودروع. واليَبَس: بالفتح اليابس، وهو نقيض الرطوبة.
انظر: "ديوانه" ص 107، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 24، "الاقتضاب" ص 460، "لسان العرب" (خشخش) 2/ 1164.]]: تَخَشْخَشُ أَبْدَانُ الحَدِيْدِ عَلَيهِمُ ... كَمَا خَشْخَشَتْ يَبْسَ الحَصَاد جَنُوُب
وقال الأزهري: (يقال للأرض إذا يَبِسَت: يَبَس، وللبقول والحطب يَبِس [["تهذيب اللغة" (يبس) 4/ 3973.]]، وأنشد [[البيت لذي الرمة.
والخلصاء: مكان. وعنت به: أنبتته نباتًا حسنًا. واليبس: ما يبس من العشب والبقول التي تتناثر إذا يبست. والهجير: يبيس الحمض الذي كسرته الماشية. وهجر: ترك. انظر: "ديوان ذي الرمه" ص 305، "تهذيب اللغة" (يبس) 4/ 3973، "لسان العرب" (هجر) 8/ 4616.]]:
ولَمْ يَبْقَ بالخَلْصاءِ مِما عَنَتْ بِه ... مِنَ الرُّطَبِ إلا يَبْسُهَا وهَجِيرُها
وقال أبو إسحاق: (يقال: يَبَسَ الشيء يَبَسًا ويُبْسًا ويَيْسًا ثلاث لغات في المصدر، وطريقًا يَبَسًا نعت بالمصدر والمعنى: طريق ذا يَبَسٍ) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 369.]]. قال مجاهد: (يَبَسًا يابِسًا) [["جامع البيان" 16/ 143، "الدر المنثور" 4/ 543.]]. وذلك أن الله تعالى أيبس لهم ذلك الطريق حتى لم يكن فيه ماء ولا طين.
وقوله تعالى: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ قال ابن عباس وجميع المفسرين: (لا تخاف [أن يدركك فرعون، ولا أحد من خلفك، ولا تخشى البحر) [["جامع البيان" 16/ 191، "الكشف والبيان" 3/ 22 أ، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 45، "النكت والعيون" 16/ 191، "معالم التنزيل" 5/ 286.]].
وقال سيبويه: (﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ص).]] رفعه على وجهين أحدهما: على الحال، كقولك: غير خائف ولا خاش، كلما قال: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: 6]، أي مستكثرًا، قال: ويكون على قطع وابتداء أي: أنت لا تخاف) [[ذكره الرازي في "التفسير الكبير" 22/ 92، وذكر نحوه الفارسي في "الحجة للقراء السبعة" 5/ 239، والعكبري في "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 125.]].
وقرأ حمزة: لا تخف جزمًا [[قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي، وعاصم: (لا تخافُ دركا) رفعًا بألف. وقرأ حمزة: (لا تخفْ دركا) جزمًا بغير ألف.
انظر: "السبعة" ص 421، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 239، "الغاية في القراءات" ص 323، "النشر" 2/ 321.]]. وله وجهان: أحدهما ما ذكره الزجاج وهو: (أنه نهي عن أن يخاف، معناه: ولا تخف أن يدرككم [[في نسخة (ص) يدكك.]] فرعون) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 370.]]. والثاني: ما ذكره أبو علي وهو: (أنه جعله جواب الشرط على معنى إن تضرب لا تخف دركًا ممن خلفك) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 239.]].
قال أبان بن تغلب [[هو الجريري، له كتاب في غريب القرآن توفي سنة (141 هـ)]] وأبو عبيد: (لو كان لا يخف لكان لا يخشى) [[أورد نحوه الزجاج في "معاني القرآن" 3/ 370 بلا نسبة، والزمخشري في "الكشاف" 2/ 547، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 228.]].
وهذا لا يلزم حمزة لوجوه أحدها: ما ذكره الفراء وغيره: (أنه نوى بقوله: (ولا تخشى) الاستئناف) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 187، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 125.]]. كما قال الله تعالى: ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عمران: 111]، فاستأنف بثم، ويكون المعنى: لا تخف العدو وراءك على النهي، أو على الجواب وأنت لا تخشى الغرق أمامك. وذكر [[في (ص): (وذلك)، وهو تصحيف.]] الفراء وجهًا آخر قال: (ولو نوى حمزة بقوله: (ولا تخشى) الجزم، وإن كانت فيه الياء كان صوابًا، كما قال [[لم أهتد إلى قائله. وذكرته كتب التفسير واللغة بلا نسبة.
الجَنَى: الرطب والعسل، وكل ثمر فهو جنى، والإجتناء أخذك إياه.
انظر: "جامع البيان" 16/ 192، "معاني القرآن" للفراء 2/ 187، "تهذيب اللغة" (جنى) 1/ 674، "لسان العرب" (جنى) 2/ 707.]]:
هُزَّي إِلَيْكِ الجِذْعَ يُجْنِيْكِ الجَنَى
[وقال آخر [[ينسب هذا البيت لأبي عمرو بن العلاء، يخاطب به الفرزدق عندما جاء إليه معتذرًا من أجل هجو بلغه عنه.
انظر: "الحجة للقراء السبعة" 5/ 240، "معاني القرآن" للفراء 2/ 188، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 352، "الإنصاف" 19، "خزانة الأدب" 8/ 359، "سر صناعة الإعراب" 2/ 360، "معجم الأدباء" 11/ 158، "شرح شواهد الشافية" ص 406، "شرح المفصل" 10/ 104.]]:
هَجَوْتَ زَبَّانَ ثمَّ جِئْتَ مُعْتَذِرًا ... مِنْ هَجْمِ زَبَّانَ لَمْ تَهْجُو وَلَمْ تَدَعِ] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]]
وقال آخر [[البيت لقيس بن زهير العبسي.
تنمي: تبلغ. لبون: اللبون من الشاة والإبل ذات اللبن.
انظر: "الحجة للقراء السبعة" 5/ 240 "الكتاب" 1/ 32، "الخزانة" 3/ 534، "الخصائص" 1/ 333، "الأغاني" 17/ 131، "شرح شواهد الشافعية" ص 408، "معاني القرآن" للفراء 2/ 188، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 352، "سر صناعة الإعراب" 1/ 78، "المحتسب" 1/ 67.]]: أَلَمْ يَأتِيْكَ والأَنْبَاءُ تَنْمَي ... بِمَا لاَقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيَاد
فأثبت الياء [[في (س): (الثاني)، وهو تصحيف.]] في موضع جزم، ولسكونها جاز ذلك) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 188.]].
قال أبو علي: (وهذا لا يحمل على ما ذكره الفراء؛ لأن ذلك إنما يجيء في ضرورة الشعر كقوله [[هذا عجز بيت لعبد يغوث بن وقاص الحارثي، وصدره:
وتضحك مني شيخة عبشمية
انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 76، "الحجة" 5/ 239، "ذيل الأمالي" ص 134، "خزانة الأدب" 2/ 201، "الأغاني" 16/ 258، "شرح شواهد المغني" 2/ 675، "المحتسب" 1/ 65، "شرح المفصل" 5/ 97، "لسان العرب" (شمس) 2/ 1926.]]:
كَأَنْ لَمْ تَرَ قَبْلِي أَسِيرًا يَمَانِيَا
ولكن تقدر أنه حذف الألف المنقلبة عن اللام للجزم، تم أشبعت الفتحة؛ لأنها فاصلة، فأثبت الألف عن إشباع الفتحة [ومثل هذا مما يثبت في الفاصلة قوله: ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: 67]، وقد جاء إشباع هذه الفتحة] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ص).]] في كلامهم) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 240.]]، قال [[اليت لابن هرمة يرثي ابنه. والغوائل: نوازل الدهر. بمنتزاح: ببعد عنه.
انظر: "ديوان ابن هرمة" 92، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 240، "المحتسب" 1/ 166، "المسائل الحلبيات" 112، "الأشباه والنظائر" 2/ 30، "سر صناعة الإعراب" 1/ 25، "الخصائص" 2/ 316، "شرح شواهد الشافية" ص 25، "الإنصاف" 1/ 25، "خزانة الأدب" 7/ 557، "لسان العرب" (نزح) 14/ 104.]]:
فَأَنْتَ مِنْ الغَوائِلِ حِينَ تُرْمَى ... ومِن ذَمَّ الرِّجَالِ بِمُنْتَزَاحِ وقال أبو الفتح الموصلي: (العرب قد تشبع الفتحة فيتولد بعدها ألف؛ لأن الألف في الحقيقة فتحة مشبعة، أنشد سيبويه [[البيت ينسب لرجل من قيس عيلان. الوفضة: خريطة يحمل فيها الراعي أداته وزاده. والزناد: ما تقدح به النار.
انظر: "الكتاب" 1/ 171، "المحتسب" 2/ 78، "سر صناعة الإعراب" 1/ 23، "شرح شواهد المغني" 2/ 798، "خزانة الأدب" 7/ 74، "شرح المفصل" 4/ 97، "الأشباه والنظائر" 2/ 36، "لسان العرب" (بين) 1/ 561.]]:
فَبَيْنَا نَحْنُ نَرقُبُه أَتَانَا ... عُلِّقَ وَفْضَةٍ وَزِنادَ راعِي
أراد: بين نحن نرقبه، فأشبع الفتحة فحدثت بعدها ألف، قال: ومثل هذا يفعلون في الضمة فتتولد الواو، وفي الكسرة فتتولد الياء) [["سر صناعة الإعراب" 1/ 23.]]. والدَّرَك اسم من الإدراك يوضع موضع المصدر [[انظر: "تهذيب اللغة" (درك) 2/ 1176، "لسان العرب" (درك) 3/ 1363، "المعجم الوسيط" (الدرك) 1/ 281.]].
قال الليث: (الدَّرَك: إدراك الحاجة يقال: بكر ففيه درك) [["تهذيب اللغة" (درك) 2/ 1176، "لسان العرب" (درك) 3/ 1363.]].
وقال شمر: قال أبو عدنان: (يقال: أدركوا ماء الرُّكَيَّةَ [[الرُكَية: بئر تحفر، وهي جنس للركية وهي البئر.
انظر: "تهذيب اللغة" (ركا) 2/ 1455، "لسان العرب" (ركا) 3/ 1722، "المعجم الوسيط" (الركية) 1/ 371.]] إِدْراكًا ودَرَكًا) [["تهذيب اللغة" (درك) 2/ 1176.]].
قال الأخفش: (ومعنى الآية: اضرب لهم طريقًا لا تخاف فيه دركا، وحذف فيه كما تقول: زيد أكرمت أي: أكرمته، وكما قال: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} [البقرة: 48] أي: لا تجزي فيه) [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 632.]].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences