Al-Wahidi (al-Basit)Al‑Hajj · 22:45–51

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Al-Hajj 22:45–51

22:45Page 337

فَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَا وَهِيَ ظَالِمَةٞ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئۡرٖ مُّعَطَّلَةٖ وَقَصۡرٖ مَّشِيدٍ ٤٥

And how many a city did We destroy while it was committing wrong - so it is [now] fallen into ruin1 - and [how many] an abandoned well and [how many] a lofty palace.2

﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ [[في (أ)، (ظ)، (د): (وكأيّن)، وهو خطأ.]] أي: وكم من قرية. ومعنى وكم من قرية: عدد كثير [[هذا من كلام الزجاج. انظر: "معاني القرآن" 3/ 431.]]. يعني القرى المهلكة بظلم أهلها حين كذبوا نبيهم. وذكرنا الكلام في "كأين" في سورة آل عمران [[عند قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: 146].]].

وقوله [[(وقوله): ليست في (أ).]]: "أهلكتها" وقرئ "أهلكناها" [[قرأ أبو عمرو: "أهلكتها" بالتاء مضمومة من غير ألف على لفظ التوحيد، وقرأ الباقون: "أهلكناها" بالنّون بلفظ الجمع.

انظر: "السبعة" ص 438، "التبصرة" ص 267، "التيسير" ص 157.]] والاختيار التاء؛ لقوله ﴿فَأَمْلَيْتُ﴾ ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ [[قال مكي في الكشف 2/ 121 - 122: وحجة من قرأ بالتاء أنه حمله على لفظ التوحيد الذي أتى بالتاء قبله وهو قوله: "فأمليت للكافرين ثم أخذتهم"، وحمله أيضًا على لفظ التوحيد بعده في قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [الحج: 48] فكان حيل الكلام على ما قبله وما بعده أحسن وأليق.]]. ومن قرأ بالنون ذهب إلى أمثاله مما ذكر بلفظ الجمع كقوله: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ [الأنبياء: 11] و ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ [الأعراف: 4] و ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ﴾ [يونس: 13] [[هذا كلام أبي علي في "الحجة" 5/ 281 - 282 مع تصرف. == قال مكي في "الكشف" 2/ 122. وحجة من قرأ بلفظ الجمع أنه أفخم، وفيه معنى التعظيم، وبه جاء القرآن في مواضع.

وانظر "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 480.]].

وقوله: ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ أي: أهلها ظالمون بالتكذيب والكفر ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ مضى تفسيره مستقصى في سورة البقرة [[انظر: "البسيط" عند قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: 259].]].

وقوله: ﴿وَبِئْرٍ﴾ ذكر الفراء في كسره ثلاثة أوجه:

أحدها: العطف على العروش [[قال أبو حبان 6/ 377: وجعل "وبئر معطلة وقصر مشيد" معطوفين على "عروشها" جهل بالفصاحة، وقال السمين الحلبي 8/ 287 عن هذا القول، وليس بشيء. وكذا قال الألوسي 17/ 166.]].

والثاني: الإتباع كقراءة من قرأ ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: 22] بالخفض.

الثالث: العطف على ﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾ [[انظر كلام الفراء في "معاني القرآن" 2/ 228.]].

وهذا هو المختار [[وقال عنه السمين الحلبي 8/ 287، هذا هو الوجه. وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 102، "البحر المحيط" 6/ 377.]]، والأولان خلفٌ [[أي خطأ. قال الجوهري: الخلف: الرديء من القول. يقال سكت ألفًا وتكلم خلفًا، أي: سكت عن ألف كلمة ثم تكلم بخطأ. الصحاح 4/ 1354 (خلف).]]؛ لأن المعنى وكم من بئر معطلة وقصر مشيد تركوها بعد إهلاكهم [[في (ط)، (د)، (ع): (هلاكهم).]].

قوله تعالى: ﴿مُعَطَّلَةٍ﴾ أي: متروكة من العمل والاستقاء. ومعنى التعطيل: الترك من العمل. قال الليث: وإذا [[في (أ): (فإذا)، وفي (د)، (ع): (إذا)، والمثبت من (ظ) وهو الموافق لما في "تهذيب اللغة".]] ترك الثغر بلا حام يحميه فقد عطل، وبئر معطلة: لا يستقى منها، ولا ينتفع بمائها [["تهذيب اللغة" للأزهري 2/ 166 (عطل) نقلا عن الليث. وفي "العين" 2/ 9 (عطل): وبئر معطلة: أي لا تورد ولا يستقى منها.]].

قال المبرد: والمعطل: المتروك على هيئته، وأصله مأخوذ من العطل، وهو: الجسم. وكأنها متروكة كما هي [[لم أجد من ذكره عنه.]].

قل ابن عباس: يريد: بئر لا يستقى منها [[روى الطبري 17/ 180 عن ابن عباس "وبئر معطلة" قال: التي قد تركت وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 61 وعزاه لابن جرير وابن المنذر.]].

قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ فيه قولان:

أحدهما: أنه بمعنى المشيَّد، وهو المطول [[في (أ): (المطلول)، وهو خطأ.]] المرفوع، وذكرنا ذلك في قوله: ﴿بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: 78]. وهو قول قتادة، والضحاك، ومقاتل [[ذكره الثعلبي 3/ 54 أعنهم جميعًا.

وعن قتادة رواه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 40، والطبري 17/ 181 بلفظ: كان أهله شيدوه وحصنوه.

وعن الضحاك رواه الطبري 17/ 181 بلفظ: طويل.

وهو في "تفسير مقاتل" 2/ 26 ب.]].

والثاني: أنه المجصص يقال: شاده يشيده، إذا بناه بالشِّيد وهو الجص والنورة [[انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 11/ 394 (شاد)، "الصحاح" للجوهري 2/ 495 "شيد"، "لسان العرب" 3/ 244 (شيد).

والنورة بالضم: الهناءُ، وهو من الحجر يُحرق ويسوّى منه الكلس. "لسان العرب" 5/ 244 "نور"، "تاج العروس" للزبيدي 14/ 306 "نور".]] وأنشد أبو عبيدة [[في (د)، (ع): (أبو عبيد)، والصواب ما في (أ)، (ظ).]] لعدي بن زيد:

شماده مرمرًا وجلله كِلْسًا ... فللطير في ذراه وكور [[البيت أنشده أبو عبيدة لعدي بن زيد في كتابه "مجاز القرآن" 2/ 53. وهو في ديوان عدي بن زيد ص 88، "الشعر والشعراء" لابن قتيبة ص 13، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 294، "الكامل" 1/ 90، والطبري 17/ 182، "الجمهرة" لابن دريد 3/ 45 "كلس"، "لسان العرب" 6/ 197 "كلس". والرواية عندهم "جلله" إلا الديوان والجمهرة فإن الرواية فيهما: "خلله"، ثم قال ابن دريد بعد روايته للبيت:

هكذا رواه الأصمعي بالخاء معجمة، وقال: ليس جلله -بالجيم- بشيء -وروى غيره بالجيم- وقال الأصمعي: إنَّما هو "خلله" أي: صير الكلس في خلل الحجارة، وكان يضحك من هذا ويقول: متى رأوا حصنًا مصهرجًا.

المرمر: الرخام. "الصحاح" للجوهري 2/ 814 (مرر).

و"الكلس" -بالكسر-: ما طلبي به حائط أو باطن قصر شبه الجص من غير آجر، وقيل هو الصاروج -يعني النورة وأخلاطها التي تطلى بها النزل، فارسي معرب- أو مثل الصاروج.

انظر: "لسان العرب" 6/ 197 (كلس)، 2/ 310 (صرج)، "تاج العروس" للزبيدي 16/ 448 (كلس).

(ذراه): أعلاه. الصحاح للجوهري 6/ 2345 (ذرا).

(كُور): جميع وكر، وهو العش. "لسان العرب" 5/ 252 "وكر".]]

وقال أبو إسحاق: أصل الشيد: الجص والنورة، وكل ما بني بهما أو بأحدهما فهو مَشِيد [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 432. وقوله: "بفتح الميم وكسر الشين" هذا من كلام الواحدي.]] بفتح الميم وكسر الشين.

وهذا قول عطاء، وعكرمة، وأبي صالح، والسّدي، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وأكثر المفسرين [[ذكره الثعلبي 3/ 54 أعن عطاء وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير.

ورواه عن هؤلاء الأربعة الطبري 17/ 180 - 181.

ورواه عن عطاء وعكرمة عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 39.

ولم أجده من ذكره عن أبي صالح والسدي.

قال ابن كثير 3/ 227 بعد ذكره للأقوال: والأقوال متقاربة، ولا منافاة بينهما، فإنه لم يحمل أهله شدة بنائه ولا ارتفاعه ولا إحكامه ولا حصانته عن حلول بأس الله بهم كما قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: 78].

وقال العلامة عبد الرحمن بن سعدي في "تيسير الكريم الرحمن" 3/ 327 - 328: وكم من قصر تعب عليه أهله، فشيدوه ورفعوه وحصنوه وزخرفوه، فحين جاءهم الأمر لم يغن عنهم شيئا، وأصبح خاليًا من أهله.]].

ومن المفسرين من يخصص البئر المذكورة في هذه الآية -وهو قول الضحاك، والسدي- قالا: كانت هذه البئر باليمن [[ذكره الثعلبي 54/ 3 أعن الضّحاك. وذكر فيها قصّة.

وذكره القرطبي 12/ 75 عن الضحاك وغيره، وساق عنه قصّة طويلها في خبر هذه البتر وأصحابها. الله أعلم بصحة هذا الخبر.]].

وليس بالوجه.

22:46Page 337

أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَتَكُونَ لَهُمۡ قُلُوبٞ يَعۡقِلُونَ بِهَآ أَوۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۖ فَإِنَّهَا لَا تَعۡمَى ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَلَٰكِن تَعۡمَى ٱلۡقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ ٤٦

So have they not traveled through the earth and have hearts by which to reason and ears by which to hear? For indeed, it is not eyes that are blinded, but blinded are the hearts which are within the breasts.

ثم حث على الاعتبار بحال من مضى من الأمم المكذبة فقال: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: يريد: أفلم يسر قومك في أرض الشام وأرض اليمن ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ أي يعلمون بها مدلول ما يرون من العبر.

(والمعنى: أفلم يسيروا فيعقلوا بقلوبهم ما نزل بمن كذب قبلهم. والتأويل: فتكون لهم قلوبٌ عاقلة [عالمة؛ لأن قوله) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] ﴿يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ صفة للنكرة، وقبل أن يسيروا لهم قلوب ولكن غير عاقلة، فإذا ساروا واعتبروا كانت لهم قلوب عاقلة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).]] وعلى هذا النحو قوله ﴿أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾.

قال ابن عباس: يريد من يسمع فلم يجب فلم يسمع.

يعني أنهم غير سامعين إذا صمُّوا عن دعائك، أفلا يسيرون فيسمعوا [[في (أ): (فيسمعون)، وهو خطأ.]] أخبار الأمم المكذبة فيعتبروا.

قال ابن قتيبة -في هذه الآية والتي قبلها-: وهل شيء أبلغ في العظة والعبرة من هذه الآية؟ لأن الله تعالى أراد [[(أراد): موضعه بياض في (ظ).]]: أفلم يسيروا في الأرض، فينظروا إلى آثار قوم أهلكهم الله بالعتو، وأبادهم بالمعصية، فيروا من تلك الآثار بيوتًا خاوية قد سقطت على عروشها، وبئرًا لشُرب أهلها قد عُطّلت [[في (أ): (غلطت)، وهو خطأ.]] [[العبارة عند ابن قتيبة: وبئرًا كانت لشُرب أهلها قد عطل رشاؤها وغار معينها، وقصرًا.]]، وقصرًا بناه ملكها [[عند ابن قتيبة: ملكه.]] بالشيد قد خلا من السكن وتداعى بالخراب؛ فيتعظوا بذلك، ويخافوا من عقوبة الله وبأسه، مثل الذي [[(الذي): ساقطة من (أ).]] نزل بهم. ونحو هذا قوله ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: 25]. انتهى كلامه [["مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 10.]].

ثم ذكر الله تعالى أنَّ [[(أن): ساقطة من (أ).]] أبصارهم الظاهرة لم تعم عن النظر، وإنما عميت أبصار [[(أبصار): ساقطة من (أ).]] قلوبهم فقال: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾.

قال الفراء: الهاء هاء عماد يوفى [[عند الفراء. تُوَفّى.]] بها "إنَّ" ويجوز مكانها "إنَّه"، وكذلك هي في قراءة عبد الله [["معاني القرآن" للفراء 2/ 228.]].

وقال غيره: هي إضمار على شريطة التفسير. والمعنى: فإنَّ الأبْصار لا تعمى. ويجوز أن تكون الهاء لإضمار القصة. وذكرنا هذه الأقوال مشروحة في تفسير قوله ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: 97].

وقوله: ﴿الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ ذكر الفراء وأبو إسحاق [["معاني القرآن" للفراء 2/ 228، و"معاني القرآن" للزجاج 3/ 432.]]: أن هذا من التوكيد الذي تزيده العرب في الكلام، كقوله ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: 196]. وقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [آل عمران: 167]، وقوله ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: 38]. والتوكيد جار في الكلام مبالغ في الإفهام.

وقال غيرهما: هذا التوكيد فائدته أنه يمنع من ذهاب الوهم إلى غير معنى القلب المعروف، لأنَّه قد يذهب إلى أنَّ فيه اشتراكًا كقلب النَّخلة، فإذا [[في (أ): (وإذا).]] أكد كان أنس للبس بتجويز الاشتراك.

22:47Page 338

وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَلَن يُخۡلِفَ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥۚ وَإِنَّ يَوۡمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلۡفِ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ ٤٧

And they urge you to hasten the punishment. But Allāh will never fail in His promise. And indeed, a day with your Lord is like a thousand years of those which you count.

قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ قال ابن عباس: كانوا يقولون للنبي -ﷺ-: ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين، فأنزل الله هذه الآية [[في "تنوير المقباس" ص 209: (استعجله النضر بن الحارث قبل أجله. وذكر الثعلبي 3/ 54 ب، والبغوي 5/ 391، والقرطبي 12/ 88 أنها نزلت في النضر بن الحارث. ذكروا ذلك من غير سند ولا نسبة لأحد.

قال القرطبي: وقيل نزلت في أبي جهل بن هشام.

وجميع ما ذكر لا يثبت بمثله سبب في نزول الآية، والله أعلم.]].

والمعنى: يسألونك أن تأتي بعذابهم عاجلًا غير مؤخّر.

وقوله: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ أي: في أن ينزل بهم العذاب [[في (د)، (ع): (في نزول العذاب بهم).]] في الدنيا. قاله الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 229.]].

وقال ابن عبَّاس: يريد بهذا يوم بدر [[ذكر هذا القول الثعلبي 543 ب ولم ينسبه لأحد.]].

قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ قال مجاهد وعكرمة وابن زيد: هو من أيَّام الآخرة [[ذكره الثعلبي 3/ 54 ب عن مجاهد وعكرمة، ورواه عنهما الطبري في "تفسيره" 17/ 183. وذكره البغوي 5/ 392 عن ابن زيد.]].

ويدل على هذا ما روي في الحديث: "أن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم: خمس مائة عام" [[رواه الإمام أحمد في "مسنده" 2/ 343، والترمذي في "جامعه" (أبواب الزهد - باب ما جاء أن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم 7/ 21 - 23) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

قال المنذري: ورواته محتج بهم في الصحيح.

وقال ابن القيم في "حادي الأرواح" ص 110: (ورجال إسناده احتج بهم مسلم في "صحيحه".]].

وعلى هذا معنى الآية أنَّهم يستعجلون بالعذاب [[في جميع النسخ: يستعلجون العذاب إنّ. والتصويب من "الوسيط" للواحدي 3/ 275.]] وإنّ يومًا من أيّام عذابهم في الآخرة ألف سنة.

قال الفراء: ففي هذه الآية وعبد لهم بالعذاب في الدنيا والآخرة [["معاني القرآن" للفراء 2/ 229 بمعناه.]]

وقال [[في (أ): (قال).]] أبو إسحاق: الذي تدل عليه الآية [[في (ظ): (الآخرة)، وهو خطأ.]] أنهم استعجلوا العذاب، فأعلم الله أنه لا يفوته شيء، وأن يومًا عنده وألف سنة في قدرته واحد، ولا فرق بين وقوع ما يستعلجون به [[به: ساقطة من (أ).]] من العذاب وتأخره في القدرة، إلا أنَّ الله تفضَّل بالإمهال، فالفرق بين التأخير والتقديم تفضل الله بالنَّظرة [[في (أ): (بالنظر).]] [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 433 مع اختلاف يسير.]].

وهذا الذي ذكره معنى قول ابن عباس في رواية عطاء [[ذكر البغوي 5/ 392 أن هذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء.]].

والمعنى: إنَّ يومًا عنده في الإمهال وألف سنة سواء؛ لأنَّه قادرٌ عليهم متى شاء [[في (أ): (متى ما شاء).]] أخذهم. وقد كشف أبو إسحاق عن هذا بأبلغ بيان [[(بيان): ساقطة من (ظ).]].

وذُكر وجه ثالث [[هكذا في (ظ)، (د)، (ع). وفي (أ): (وذكر وجهًا ثالثًا)، فيعود على أبي إسحاق. والصواب ما أثبتنا؛ لأنه أبا إسحاق لم يذكر هذا الوجه، ولقول الواحدي بعد ذلك: وهذا الوجه لأصحاب المعاني ..]] في تفسير هذه الآية وهو: أنَّ المعنى: وإنَّ يومًا عند ربك من أيَّام عذابهم في الآخرة كألف سنة في الثِّقل والاستطالة، فكيف يستعجلون بالعذاب لولا جهالتهم.

وهذا الوجه لأصحاب المعاني، ذكره الأخفش وغيره [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 638. وقد ذكر هذا الوجه الثعلبي 3/ 54 ب وعزاه لأهل المعاني.]].

قال أبو علي: وقد جاء في كلامهم وصف اليوم ذي الشدائد والجهد بالطول، وجاء وصف [[في (ظ): (وجه)، وهو خطأ.]] خلافه بالقصر. أنشد أبو زيد [[البيت ذكره أبو علي في "الحجة" 5/ 283 من إنشاد أبي زيد ومن غير نسبة لأحد، ولم أهتد لقائله.]]:

تطاولت أيام معن بنا ... فيومٌ كشهرين إذ يُسْتَهل [[في (أ): (يسهل).]]

وقال آخر:

يطول اليوم لا ألْقاك فيه ... وحَوْلٌ [[في "الحجة": ويوم.]] نلتقي فيه [[في (ظ)، (د). (ع)، (حول).]] قصير [[البيت في "الحجة" 5/ 283 من غير نسبة لأحد.]] وقال جرير:

ويومٌ كإبْهام الحُبارى لَهَوتُه [[هذا الشطر من البيت لم أجده في "ديوانه"، وهو في "الحجة" 5/ 283 من غير نسبة.

وإبهام الحُبارى يضرب به المثل، فقال: أقصر من إبهام الحبارى. انظر مجمع الأمثال للميداني 2/ 536.]] [[قول أبي علي، والأبيات في "الحجة" 5/ 283.]]

وهذا كما يقال: أيّام الهُموم طوال، وأيام السرور قصار [[قوله: وهذا كما يقال ... هذا كلام الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 54 ب.]].

فهذه أوجه ثلاثة [[في (ظ): (ثلاث)، وهو خطأ.]] في تأويل هذه الآية.

وروي عن ابن عباس أنه قال -في قوله ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ﴾ الآية: هو من الأيَّام التي خلق الله فيها السَّموات والأرض [[رواه الطبري 17/ 173، وابن أبي حاتم (كما في تفسير ابن كثير 3/ 228). وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 62 وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.]].

وهذا لا يتوجّه في معنى الآية؛ لأن تلك الأيام قد مضت، إلا أن يُحمل على أن [[أن: ساقطة من (ظ).]] المراد أنّ أيّام الآخرة بمقدار هذه المدة فيعود المعنى إلى القول الأول.

روى [[في (ظ): (وروى).]] ابن أبي مليكة: أنّ ابن عباس سئل عن هذا وعن قوله [[في (ظ): (وعن قوله يوم كان ...)، وفي (د)، (ع): (وعن قوله كان مقداره ...).]] ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: 4] فقال: يومان ذكرهما الله تعالى في كتابه أكره أنْ أقول في كتاب الله ما لا [[في (ظ): (مما لا أعلم)، وفي (د)، (ع): (بما لا أعلم).]] أعلم [[رواه عبد الرزاق 2/ 108، والطبري 29/ 72.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 537 وعزاه لعبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في المصاحف والحاكم.]].

وقرئ "مما يعدّون" و"تعدّون" [[قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي: "مما يعدون" بالياء. وقرأ الباقون بالتاء. "السبعة" ص 439، "التبصرة" ص 267، "التيسير" ص 158.]]. فمن قرأ بالياء فوجهه قوله ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ فيكون الكلام من وجه واحد، ومن قرأ بالتاء فوجهه أنه أعمّ، ألا ترى أنه يجوز أن يُعنى به المستعجلون وغيرهم من المسلمين [["الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 283 مع اختلاف يسير. وانظرة "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 480، "الكشف" لمكي بن أبي طالب 2/ 122.]].

22:48–51Page 338

وَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ أَمۡلَيۡتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٞ ثُمَّ أَخَذۡتُهَا وَإِلَيَّ ٱلۡمَصِيرُ ٤٨

And for how many a city did I prolong enjoyment while it was committing wrong. Then I seized it, and to Me is the [final] destination.

قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَا۠ لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٤٩

Say, "O people, I am only to you a clear warner."

فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٥٠

And those who have believed and done righteous deeds - for them is forgiveness and noble provision.

وَٱلَّذِينَ سَعَوۡاْ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ٥١

But the ones who strove against Our verses, [seeking] to cause failure1 - those are the companions of Hellfire.

ثم أعلم الله أنه قد أخذ قومًا بعد الإملاء والتأخير فقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا﴾ الآية وهي مفسرة فيما سبق قبيل. وما بعدها ظاهر التفسير إلى قوله ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا﴾ أي: عملوا في إبطالها ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ قال ابن عباس: مشاقين معاندين مغالبين [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 54 ب دون قوله معاندين.

ورواه الطبري 17/ 185 بلفظ: مشاقين.]].

وقال الأخفش: مسابقين [[ذكره عنه الثعلبي 543 ب.]].

ومعنى المعاجزة في اللغة: محاولة عجز المغالب [[انظر: "عجز" في: "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 340، "لسان العرب" 5/ 369 - 370.]].

قال أبو أسحاق وأبو علي: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ ظانين ومُقدرين أن يعجزوننا [[في (أ): (يعجزونا).]]، لأنهم ظنوا أن لا بعث ولا نشور، وأنه لا جنة ولا نار [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 433، "الحجة" للفارسي 5/ 284.]]

وهذا معنى قول قتادة: ظنوا أنهم يعجزون الله فلا يقدر عليه، ولن يعجزوه [[ذكره بهذا اللفظ الثعلبي 3/ 54 ب. وقد رواه عبد الرزاق 2/ 40، والطبري 17/ 185 دون قوله: فلا يقدر عليهم. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 64 وعزاه لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. وهذا [في المعنى] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ع).]] كقوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ [العنكبوت: 4].

ومن قرأ "مُعجِّزين" [[قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: "معجِّزين" بتشديد الجيم من غير ألف. وقرأ الباقون: "معاجزين" بألف بعد العين وتخفيف الجيم. "السبعة" ص 439، "التبصرة" ص 267، "التيسير" ص 158.]] فالمعنى أنهم كانوا يُعجزون من اتبع النبي -ﷺ-، أي: ينسبونهم إلى العجز، كقولهم: جهلته وفسقته. وهذه قراءة مجاهد، وزعم [[في "الحجة": وزعموا أن مجاهدًا فسَّر.]] في تفسير معجزين: مثبطين، أي: يئبطون الناس عن الإيمان بالنبي -ﷺ- [[تفسير مجاهد رواه الطبري 17/ 1786: مبطئين، يبطئون الناس عن اتباع النبي -ﷺ-. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 64 مثل لفظ الطبري وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.]] [[من قوله: وهذا في المعنى .. إلى هنا. هذا كلام أبي علي في "الحجة" 5/ 284 مع تصرّف.

وانظر أيضًا في توجيه القراءة: "علل القراءات" للأزهري 2/ 428 - 429، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 481، "الكشف" لمكي بن أبي طالب 2/ 123.]].

وعلى هذا ليس المراد بالتعجيز النسبة إلى العجز، والمراد به طلب عجزهم [[أي: عجزهم الناس.]] وجعلهم عاجزين بالتثبيط وأسبابه؛ كي يعجزوا فلا يؤمنوا.

ثم أخبر عن هؤلاء أنّهم أصحاب النار بقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском