Al-Wahidi (al-Basit)Al‑Hajj · 22:52–59

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Al-Hajj 22:52–59

22:52Page 338

وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٖ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلۡقَى ٱلشَّيۡطَٰنُ فِيٓ أُمۡنِيَّتِهِۦ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلۡقِي ٱلشَّيۡطَٰنُ ثُمَّ يُحۡكِمُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٥٢

And We did not send before you any messenger or prophet except that when he spoke [or recited], Satan threw into it [some misunderstanding]. But Allāh abolishes that which Satan throws in; then Allāh makes precise His verses.1 And Allāh is Knowing and Wise.

قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الرسول: الذي أرسل إلى الخلق بإرسال جبريل إليه عيانًا، ومحاورته إيَّاه [[في (أ): (ومجاورته إياها)، وهو خطأ.]] شفاهًا. والنبي: الذي [[في (ظ): (التي).]] تكون نبوته إلهامًا أو منامًا. فكلّ رسول نبيّ، وليس كل نبي رسولاً [[هذا كلام الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 55 أمع اختلاف يسير. وقد اختلف في الفرق بين الرسول والنبي على أقوال:

أحدها: ما ذكره المؤلف.

الثاني: أن النبي الرسول هو من أنزل عليه كتاب وشرع مستقل يدعو الناس إليه، والنبي المرسل -الذي هو غير الرسول- هو من لم ينزل عليه كتاب وإنما أوحي إليه أن يدعو الناس إلى شريعة رسول قبله، كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا يرسلون ويؤمرون بالعمل بما في التوراة كما قال تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: 44].

الثالث: أن الرسول هو الذي أرسله الله تعالى، وهو مأمور بدعوة الخلق وتبليغهم رسالات ربه، والنبي هو المنبأ عن الله، فالله ينبئه بالغيب، وهو ينبئ الناس بالغيب. وقريب من هذا القول قول من قال: النبي هو من أوحي إليه وحي ولم يؤمر بتبليغه، والرسول هو النبي الذي أوحي إليه وأمر بتبليغ ما أوحي إليه.

وهذا الأخير أضعف الأقوال، قال الشنقيطي 5/ 735 معللًا عدم صحة هذا القول-: لأن قوله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الآيه يدل على أن== كلًا منهما مرسل، وأنهما مع ذلك بينهما تغاير.

وانظر: "النكت والعيون" للماوردي 4/ 36، "تفسير الرازي" 23/ 46، "فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" 18/ 7، "روح المعاني" للألوسي 17/ 172 - 173، "أضواء البيان" للشنقيطي 5/ 735.]].

وهذا معنى قول الفراء: الرسول: النبي المرسل، والنبي: المحدَّث [[المحدث: هو الملهم. "لسان العرب" 2/ 134 (حدث).]] الذي لم يرسل [["معاني القرآن" للفراء 2/ 229.

وقوله عن النبي أنه الذي لم يرسل يردُّه كما تقدم قوله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الآية.]].

قوله: ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ قال ابن عباس -في رواية عطاء- إلا إذا قرأ [[روى البخاري في "صحيحه" 8/ 438 تعليقًا، والطبري في "تفسيره" 17/ 190 من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله (إذا تمنى) إذا حدث.]] وهذا معنى قول المفسرين: تلا [[انظر: الطبري 17/ 190، الثعلبي 3/ 55 أ، "الدر المنثور" 6/ 69.]] وقال مجاهد: إذا قال [[رواه الطبري 17/ 190.]].

وذكرنا التَّمنّي بمعنى التلاوة والقراءة مستقصى بذكر الحجج [[في جميع النسخ: (الحج)، والصواب ما أثبتناه.]] في سورة البقرة عند قوله: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: 78].

قوله: ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ أي: تلاوته.

قال المفسرون -بألفاظ مختلفة ومعاني متفقة-: إنَّ رسول الله -ﷺ- كان حريصًا على إيمان قومه أشد الحرص، فجلس يومًا في ناد من أنديتهم [[في (أ): (أيديهم)، وهو خطأ.]]، وقرأ عليهم سورة النجم [[في (د)، (ع): (سورة والنجم).]]، فلما أتى على قوله {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} [النجم: 19، 20] ألقى الشيطان في أمنيته حتى وصل به "تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجي" ثم قرأ السورة كلها حتى بلغ آخرها، فسجد رسول الله -ﷺ-، وسجد أصحابه معه، وسجد المشركون لذكره [[في (أ): (لذكر).]] آلهتهم، وفرحوا بذلك، وقالوا: قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر، فأتاه [[في (د)، (ع): (فأتى).]] جبريل -عليه السلام-، وأخبره بما جرى من الغلط على لسانه، وقال: معاذ الله أن أكون أقرأتك هذا. فاشتد ذلك على رسول الله -ﷺ-، فأنزل الله هذه الآية، ونسخ ما ألقى الشيطان على لسانه، فقال المشركون: قد ندم محمد على ما ذكر من منزلة آلهتنا عند الله، وازدادوا شرًّا إلى ما كانوا عليه، وأما المؤمنون فقالوا -حين نسخ الأولى-: آمنا بما قال محمد -ﷺ-، وهذا قول ابن عباس [[ورد هذا القول عن ابن عباس من طرق، وكلها لا تخلو من مقال.

الطريق الأول: طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس: رواه أبو بكر البزار في "مسنده" (كما في "كشف الأستار عن زوائد البزار" للهيثمي 3/ 72)، والطبراني في "الكبير" 12/ 53 من طريق أميَّة بن خالد، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس -فيما أحسب، أشك في الحديث-: إن النبي -ﷺ- كان بمكة، فقرأ سورة النجم حتى انتهى إلى قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ فجرى على لسانه -وفي رواية الطبراني: ألقى الشيطان على لسانه- تلك الغرانيق العلي فذكره بنحوه مختصرًا.

ثم قال البزار: لا نعلمه يروى بإسناد متصل يجوز ذكره إلا بهذا الإسناد، وأميّة بن خالد ثقة مشهور، وإنما يعرف هذا من حديث الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس. اهـ.= قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 115: رواه البزار والطبراني ... ورجالهما رجال الصحيح.

وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 65 وزاد نسبته لابن مردويه، وقال: بسند رجاله ثقات.

وتعقَّب الألباني في "نصب المجانيق" ص 6، قول السيوطي: "بسند رجاله ثقات"، فقال ذلك يوهم أنَّه ليس بمعلول، وهذا خلاف الواقع، فإنَّه معلول بتردَّد الراوي في وصله. اهـ.

وذكر ابن كثير في "تفسيره" 3/ 229 رواية البزار، وقبل أن يسوقها قال: ولم أرها -يعني قصة الغرانيق- مسندة من وجه صحيح.

وجاءت هذه الرواية عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس دون شك من الراوي في وصله، رواها ابن مردويه في "تفسيره" (كما في تخريج "أحاديث الكشاف" للزيلعي 2/ 394، من طريق أبي بكر محمد بن علي المقرئ البغدادي، ثنا عثمان بن الطيالسي، ثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة، ثنا أبو عاصم النبيل، ثنا عثمان بن الأسود، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن رسول الله -ﷺ- قرأ. فساق الحديث. قال الألباني في "نصب المجانيق" ص 8 - 9: (وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات، وكلهم من رجال "التهذيب" إلا من دون ابن عرعرة، ليس فيهم من ينبغي النظر فيه غير أبي بكر محمد بن علي المقرئ البغدادي. وقد أورده الخطيب في "تاريخ بغداد" ... ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلا، فهو علة هذا الإسناد الموصول.

ثم ذكر الألباني أن الصواب عن عثمان بن الأسود إنما هو عن سعيد بن جبير مرسلاً كما رواه الواحدي في "أسباب النزول" ص 256 - 257، خلافا لرواية ابن مردويه عنه. ثم قال الألباني: وبالجملة، فالحديث مرسل، ولا يصح عن سعيد بن جبير موصولا بوجه من الوجوه. اهـ.

وقد تقدَّم كلام ابن كثير أنه لم ير هذه القصة مسندة من وجه صحيح.

الطريق الثاني: طريق العوفي، عن ابن عباس:

رواه من هذا الطريق الطبري 17/ 189 قال: حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، فذكره بمعناه. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 66 من طريق العوفي، عن ابن عباس، =]]، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

والسدي [[رواه ابن أبي حاتم (كما في "الدر المنثور" 6/ 69 عن السدي قال: خرج النبي -ﷺ- إلى المسجد ليصلي، فقرأ ... وساق الحديث بمعناه، وهو مرسل.]]، ومجاهد [[رواه عبد بن حميد كما في "الدر المنثور" 6/ 69 عنه، مختصرًا.]]، وقتادة [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 40، والطبري 17/ 191.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 86 وعزاه لابن أبي حاتم فقط.

قال الألباني في "نصب المجانيق" ص 12: وهو صحيح إلى قتادة، ولكنه مرسل أو معضل.]]، والزهري [[رواه ابن أبي حاتم كما في "تفسير ابن كثير" 3/ 229 - 235، و"الدر المنثور" للسيوطي 6/ 66 عن الزهري مطولاً.

قال الألباني في "نصب المجانيق" ص 9: فهو مرسل، بل معضل. اهـ

ورواه الطبري 17/ 189 عن ابن شهاب: حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فذكره مختصرًا. == وذكر ابن حجر في "فتح الباري" 8/ 439 هذه الرواية وذكر أنها مرسلة وأنّ رجال إسنادها على شرط الشيخين.

وقال السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 66 - بعد عزوه هذه الرواية لعبد بن حميد وابن جرير: مرسل صحيح الإسناد.

قال الألباني في "نصب المجانيق" ص 9: وإسناده إلى أبي بكر بن عبد الرحمن صحيح كما قال السيوطي تبعًا للحافظ، لكن علته أنّه مرسل.]]، والضحاك [[رواه الطبري 17/ 189 قال: حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ..) الآية: أن نبي الله -ﷺ- وهو بمكة، فذكره بنحوه. قال الألباني في "نصب المجانيق" ص 15: (وهذا إسناد ضعيف منقطع مرسل).]]، وسعيد بن جبير [[رواه الطبري 17/ 188 - 189، وابن أبي حاتم وابن المنذر كما في "فتح الباري" 8/ 439، "الدر المنثور" 6/ 65 - 66 من طرق عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد ابن جبير. وقد صحح إسناده ابن حجر في "الفتح" والسيوطي في "الدر المنثور"، وقال الألباني في "نصب المجانيق" ص 5: (وهو صحيح الإسناد إلى ابن جبير كما قال الحافظ. اهـ. ورواه الواحدي في "أسباب النزول" ص 257 من طريق يحيى القطان، عن عثمان بن الأسود، عن سعيد بن جبير، بنحوه مختصرًا.]]، ومحمد بن كعب [[رواه الطبري 17/ 187 - 188 من طريق ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد المدني، عن محمد بن كعب القرظي، فذكره مطولاً.

قال الألباني في "نصب المجانيق" ص 12: ويزيد هذا ثقة، لكن الراوي عنه ابن إسحاق مدلس وقد عنعنه. اهـ.

وقد رواه الطبري 17/ 186 - 187 من طريق أبي معشر، عن محمد بن كعب ومحمد بن قيس قالا ... فذكره بنحوه.

قال الألباني ص 11: وأبو معشر ضعيف كما قال الحافظ في "التقريب".]] وغيرهم [[ورد هذا القول أيضًا عن أبي العالية، وعروة بن الزبير.

فأمّا قول أبي العالية فرواه الطبري 17/ 439، وذكره السيوطي في "الدر المنثور": == 6/ 68، وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم، وقال: بسند صحيح. وذكر ابن حجر في "الفتح" 8/ 439 أن رجال إسناده رجال الصحيحين.

وقال الألباني في "نصب المجانيق" ص 11: وإسناده صحيح إلى أبي العالية، لكن علته الإرسال.

ورواية عروة بن الزبير رواها الطبراني في "المعجم الكبير" 9/ 23 وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 72: فيه ابن لهيعة، ولا يحتمل هذا من ابن لهيعة.

وهذه الرواية المعروفة بقصّة الغرانيق اختلف العلماء فيها، وهم فريقان:

الفريق الأول: القائلون بثبوتها؛ وهم على قولين:

القول الأول: أن الشيطان ألقى على لسان رسول الله -ﷺ- تلك الكلمات، ثم إنَّ الله أحكم آياته ودحر الشيطان ولقَّن نبيه حجته.

وممن صحت عنه الرواية ممن قال بهذا القول من المفسرين: سعيد بن جبير وقتادة وأبي العالية. وبهذه القصة فسر هؤلاء آيات الحجّ.

وتبعهم في ذلك طائفة من المفسرين ذكروا هذه القصة في كتبهم ولم ينكروها، وبها فَسَّروا الآيات، منهم: الطبري، والثعلبي، والواحدي، والزمخشري.

وحكى الآلوسي 17/ 178 هذا القول عن بعض المتأخرين، فقال: وذهب إلى صحة القصّة أيضًا خاتمة المتأخرين الشيخ إبراهيم الكوراني ثم المدني.

القول الثاني: أنَّ هذه القصّة ثابتة، لكنَّ فيها ما يستنكر وهو قوله: ألقى الشيطان على لسانه .. فيتعين تأويله.

قال الآلوسي 17/ 186: وتوسَّط جمع في أمر هذه القصّة فلم يثبتوها كما أثبتها الكوراني -عفا الله تعالى عنه- من أنَّه -ﷺ- نطق بما نطق عمدًا معتقدًا للتلبيس أنه وحي حاملاً له على خلاف ظاهره، ولم ينفوها بالكلية كما فعل أجلة أثبات وإليه أميل، بل أثبتوها على وجه غير الوجه الذي أثبته الكوراني، واختلفوا فيه على أوجه .... ثم ذكر الآلوسي هذه الأوجه، وخلاصة ما ذكره -وذكره قبله البغوي 5/ 94، والقاضي عياض في الشفا 4/ 163 - 177، وابن حجر في "الفتح" 8/ 439 - 440:-

قيل: جرف ذلك على لسانه -ﷺ- حين أغفى إغفاءه وهو لا يشعر. وقد ردَّ هذا القول القاضي عياض.

وقيل: لعل النبي -ﷺ- قاله أثناء تلاوته على تقدير التقريع والتوبيخ للكفّار، وأنَّه ليس =]].

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وأما وجه جواز هذا الغلط على رسول الله -ﷺ- فقال ابن عباس في رواية عطاء: إن شيطانًا يقال له الأبيض كان قد أتى النبي -ﷺ- في صورة جبردل وألقى في قراءة النبي -ﷺ- فإنهن [[في (ظ)، (ع): (وإنّهن).]] الغرانقة العلى وإن شفاعتهن لترتجى [[ذكره الرازي 23/ 53 من روايه عطاء عن ابن عباس، وذكره القرطبي 12/ 84 عن ابن عباس، وذكره البغوي 5/ 394 من غير نسبه.

وهذا قول لا يصح عن ابن عباس رضي الله عنه.]].

وقال السدي عن أصحابه: لما وقع من هذا ما وقع أنزل الله هذه الآية يطيب نفس محمد ويخبر [[في (أ): (ويخبر).]] أن الأنبياء قبله قد كانوا مثله ولم يبعث نبي [[في (أ)، (ظ): (نبيًّا).]] قط إلا تمنى [[في (ع): (يتمنى).]] أن يؤمن قومه ولم [[لم: ساقطة من (أ).]] يتمن ذلك نبي قط إلا ألقى الشيطان عليه ما يرضي قومه [[في جميع النسخ: (قومه قوله "فينسخ ...) بزيادة قوله، وهي زيادة يختل بها المعنى فحذفناها، وهي ليست موجودة في الوسيط 3/ 277.]] ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ [[لم أجد هذه الرواية عن السدي عن أصحابه. وقد ذكرها البغوي 5/ 394 عن ابن عباس بأخصر مما هنا.

والرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصومون فيما يخبرون به عن الله عز وجل وفي تبليغ رسالاته باتفاق الأمة.

أما ما سوى ذلك فيجوز عليهم الخطأ والنسيان لكن لا يقارّون على ذلك. وعلى ذلك دل الكتاب والسنة.

انظر: "فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" 10/ 290، 295 وما بعده.]].

وعلى هذا (تمنى) في قوله ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ من الأمنية، لا بمعنى قرأ، ويكون المعنى إذا أحب شيئًا ألقى الشيطان في محبته.

وهذا دليل على جواز الخطأ والنسيان على الرسل، ثم لا يقارُّون على ذلك [[حكي القرطبي 21/ 86 هذا القول عن الثعلبي ثم قال: ولكن إنَّما يكون الغلط على حسب ما يغلط أحدنا، فأمَّا أنَّ يضاف إليه من قولهم: "تلك الغرانيق العلى" == فكذبٌ على النبي -ﷺ-؛ لأن فيه تعظيم الأصنام، ولا يجوز ذلك على الأنبياء. اهـ]].

وعلى ما قال ابن عباس إنما قاله الشيطان على لسان رسول الله -ﷺ- في أثناء قراءته، وأوهم أنَّه من القرآن، ولم يكن للنبي -ﷺ- إحساس بذلك، بل كان فتنة من الله لعباده المؤمنين والمشركين، وعلى هذا يدل قوله ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً﴾ الآية [[قد تقدم بيان بطلان هذا القول.]].

قال أبو إسحاق: وذلك محنة من الله -عز وجل-، وله أن يمتحن بما شاء [[في (د)، (ع): (يشاء).]]، فألقى الشيطان على لسان النبي -ﷺ- شيئًا من صفة الأصنام فافتتن بذلك أهل الشقاق والنفاق ومن في قلبه مرض [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 433 - 434.]].

وروي عن الحسن أنه قال في هذه الآية: أراد [[في (د)، (ع): زيادة إنّه قبل (أراد).]] بالغرانيق العلى الملائكة [[ذكره عنه الماوردي 4/ 35، والقرطبي 12/ 85]].

وهذا غير مرضي من القول؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ [أن [[هكذا في جميع النسخ، ولعلها: أي.]] يبطله، وشفاعة الملائكة غير باطلة، ثم وإنْ أُخذَ] [[ساقط من (ظ).]] بهذا [[في (ظ). (فهذا).]] فليس يمنع هذا القول من أن يكون النبي -ﷺ- قد سمع منه ما ليس بقرآن [[انظر الثعلبي 3/ 55 أ - ب.]].

وذهب بعض المتأولين [[انظر: "النكت والعيون" للماوردي 4/ 35، "الشفا" للقاضي عياض 4/ 173، "فتح الباري" لابن حجر 8/ 440.]] إلى أنَّ "تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى" ليس بثناء على آلهة المشركين ولا مدح لها، ولكن يكون التقدير فيه: تلك الغرانيق العلى وإنّ شفاعتهن لترتجى عندكم وفيما تذهبون إليه، لا أنَّها في الحقيقة كذلك، كما قال ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: 49] أي عند نفسك.

وهذا في البعد، كما روي عن الحسن؛ لأن هذا التأويل لا يمنع من سماع هذا عن النبي -ﷺ- فيما بين القرآن.

فإذًا [[في (أ): (فإذن).]] الصحيح في هذا أن يقال: إنّه من السهو الذي لا يعرى منه بشر، ثم لا يلبث أن ينبهه الله [[لفظ الجلالة ليس في (ظ).]] عليه، وإما أن يقال إنَّه كان من الشيطان فتنة للناس كما ذكرنا.

وقوله: ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [إن قلنا] [[ساقط من (أ).]] أن الشيطان تكلم بهذا على لسانه فهو ظاهر، وإن قلنا إنّه سهى وغلط [[في (د)، (ع): (سهو وغلط).]]؛ فإن ذلك السهو من جهة الشيطان ووسوسته فهو من إلقائه. ومفعول ﴿أَلْقَى﴾ غير مذكور في اللفظ لأنه كان معلومًا للنبي -ﷺ- ولأصحابه حين نبه على غلطه ألا ترى أنه نقل نقلًا مستفيضًا.

وقوله ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ أي: يرفعه ويبطله بتنبيه النبي -ﷺ- على ذلك ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ ينسخ ما ليس منها.

﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما أوحى إليه نبيه ﴿حَكِيمٌ﴾ في خلقه. قاله ابن عباس [[ذكره القرطبي 12/ 86 من غير نسبة.]].

22:53Page 338

لِّيَجۡعَلَ مَا يُلۡقِي ٱلشَّيۡطَٰنُ فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمۡۗ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَفِي شِقَاقِۭ بَعِيدٖ ٥٣

[That is] so He may make what Satan throws in [i.e., asserts] a trial for those within whose hearts is disease1 and those hard of heart. And indeed, the wrongdoers are in extreme dissension.

قوله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هذه اللام تتعلق بقوله: ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [[في معلّق اللام في قوله "ليجعل" ثلاثة أوجه:

أحدها: ما ذكره المؤلف وهو أنها متعلقه بـ"ألقى"، واستظهره الشنقيطي 5/ 733.

الثاني: أنها متعلّقة بـ"يحكم" أي: يحكم الله آياته ليجعل. وهذا القول: عزاه أبو حيان 6/ 382 للحوفي، واستظهره السمين الحلبي في "الدر المصون" 8/ 298.

الثالث: أنها متعلقة بـ"ينسخ" وإليه ذهب ابن عطية 10/ 308.]] أي: ليجعل الله ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض.

قال ابن عباس: شك ونفاق، وذلك أنهم افتتنوا لما سمعوا ذلك، ثم نسخ ورفع، وازدادوا تحيرًا، وظنوا أن محمدًا يقول الشيء من عند نفسه ثم يندم فيبطله، وكذلك المشركون ازدادوا شرًّا وضلالة وتكذيبًا [[ذكره البغوي 5/ 395 هذا القول إلى قوله: فيبطله. من غير نسبة لأحد. وانظر "النكت" للماوردي 4/ 36، و"البحر" لأبي حيان 6/ 382.]]، وهو قوله ﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾. قال ابن عباس: يريد المشركين، وهم الذين لا تلين قلوبهم لأمر الله [[روى الطبري 17/ 191 عن ابن جريج هذا القول مختصرًا. وذكر الماوردي 4/ 36، والبغوي 5/ 395 هذا القول من غير نسبة.]].

وهذا صريح في أن الله تعالى أراد فتنتهم وضلالتهم [[في (ظ): (وضلالهم).]].

قوله: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ قال الكلبي: يعني أهل مكة.

﴿لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ قال ابن عباس: لفي اختلاف شديد [[ذكره البغوي 5/ 395 من غير نسبة لأحد.

وذكر الماوردي 6/ 36 في الآية وجهين: أحدهما: لفي ضلال بعيد. وعزاه للسدي، والثاني: لفي فراق للحق بعيد إلى يوم القيامة. وعزاه ليحيى بن سلام.]].

وقال الزجاج: الشقاق غاية العداوة [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 434.]].

22:54Page 338

وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤۡمِنُواْ بِهِۦ فَتُخۡبِتَ لَهُۥ قُلُوبُهُمۡۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٥٤

And so those who were given knowledge may know that it is the truth from your Lord and [therefore] believe in it, and their hearts humbly submit to it. And indeed is Allāh the Guide of those who have believed to a straight path.

قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ هذه اللام تتعلق بقول ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ في المعنى لقوله [[في (ظ): (كقوله).]]: ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ يعني: نسخ ذلك وإبطاله ورفعه وأحكام الله آياته من الباطل حق من الله.

والمراد بالذين أوتوا العلم المؤمنون، الذين أوتوا التوحيد والقرآن. قاله ابن عباس، والكلبي، وغيره [[ذكره هذا القول البغوي 5/ 395، وابن الجوزي 5/ 443 من غير نسبة لأحد.]].

وقال السدي: صدقوا بما نسخ الله [[ذكره عنه البغوي 5/ 395، وابن الجوزي 5/ 443.]]. وهو معنى قوله ﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾.

وقوله: ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ قال الكلبي: ترق [[في (ظ): (يرق القرآن).]] للقرآن قلوبهم.

ثم بين أنَّ [[(أنَّ): ساقطة من (أ).]] هذا [[في (ع): (هذه).]] الإيمان والتصديق والإخبات إنما هو بلطف الله وهدايته إيّاهم فقال: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.

22:55Page 338

وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرۡيَةٖ مِّنۡهُ حَتَّىٰ تَأۡتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغۡتَةً أَوۡ يَأۡتِيَهُمۡ عَذَابُ يَوۡمٍ عَقِيمٍ ٥٥

But those who disbelieve will not cease to be in doubt of it until the Hour comes upon them unexpectedly or there comes to them the punishment of a barren Day.1

قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين.

﴿فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ المِرية والمُرية -بالكسر والضم- لغتان [[(لغتان): ساقطة من (ظ).]] [[انظر: "الصحاح" للجوهري 9/ 2491 (مرا)، "لسان العرب" 15/ 277 (مرا).]] معناها: الشك. ومنه الامتراء والتماري [[قوله: "الشك ومنه الامتراء والتَّماري" في "تهذيب اللغة" 15/ 285 (مري) منسوبًا إلى الليث.]].

وقوله ﴿مِنْهُ﴾ أي: مما ألقى الشيطان على لسان رسول الله -ﷺ-. يقولون: ما باله ذكرها بخير ثم ارتد عنها؟ قاله السدي عن أصحابه [[ذكره البغوي 5/ 397، والقرطبي 12/ 87 من غير نسبة.]].

وقال ابن جريج: من القرآن [[ذكره الثعلبي 3/ 55 ب. ورواه الطبري 17/ 192. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 69 - 70 وعزاه لابن المنذر.

واختار هذا القول الطبري 17/ 192 - 193 وقال: وذلك أن ذلك من ذكر قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ أقرب منه من ذكر قوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ والهاء من قوله (أنّه) أي من ذكر القرآن وإلحاق الهاء في قوله: ﴿فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ بالهاء من قوله: ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ أولى من إلحاقها بما التي في قوله: ﴿مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ مع بعد ما بينهما.]].

﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ﴾ يعني: القيامة ﴿بَغْتَةً﴾ فجأة. وهذا وعيد لهم بالقيامة، وهم لم يدركوها [[في (ظ): (يذكروها).]] في حياتهم، ولكن الله تعالى أوعدهم وذكر أنَّهم يترددون في حيرتهم [[في (أ): (حياتهم).]] وشكّهم إلى أن تفجأهم الساعة أو يقتّلوا، وهو قوله ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾.

قال أبو إسحاق: أصل [العقم] [[زيادة من "معاني القرآن" للزجاج.]]. العقم في الولادة. قال: هذه امرأة عقيم، كما قال الله -عز وجل-: ﴿عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات: 29] وكذلك: رجل عقيم، إذا كان لا يولد له [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 434.]].

الأصمعي: يقال: عَقَامٌ وعَقيم [[كسحاب وأمير. قاله الفيروزآبادي 4/ 152.]] مثل بَجَال وبَجيل [["تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 288 (عقم) من رواية أبي عبيد، عن الأصمعي.

قال ابن منظور: رجل بجال وبجيل: يبجله الناس. وقيل: هو الشيخ الكبير العظيم السيد مع جمال ونبل. "لسان العرب" 11/ 44 (بجل).]].

وجمعها: عقمٌ، ويقال: عقمت المرأة فهي معقومة وقد عقم الله رحمها وأعقمها [[من قوله: (وجمعها ...) إلى هنا، هذا كلام أبي الهيثم كما في "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 288 (عق)، دون قوله: وأعقمها.]].

وروى عمرو [[هو: عمرو بن إسحاق بن مرار، الشيباني، اللغوي.]]، عن أبيه: عَقِمَت المرأة تَعْقَمُ عَقْمًا، وعَقَمَت تَعْقُم عُقْمًا، وعَقُمَت تَعْقُم عَقَمًا [[كفرح ونصر وكرم. قاله الفيروزابادي 4/ 152.]]، وهي عقيم إذا كانت لا تحمل [["تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 289 (عقم) من رواية عمرو عن أبيه.]].

وقال أبو العباس: عقمت المرأة إذا لم تحمل، وهي عقيم [[لم أجد من ذكر هذا القول عن أبي العباس ثعلب، ولا عن أبي العباس المبرّد.]].

وأنشد أبو إسحاق [[البيت أنشده أبو إسحاق الزجاج في "معاني القرآن" 3/ 434 ولم ينسبه لأحد. ووقع في المطبوع: عقيم)، وهو خطأ.

والبيت ذكره أبو عمرو الشيباني في روايته لديوان أبي دهْبل الجمحي ص 66، قال: حدثني موسى بن يعقوب قال: أنشدني أبو دهبل قوله في مدح رسول الله -ﷺ-: ثم ساق أبياتًا ومنها هذا البيت.

ونسب البيت أيضًا لأبي دهبل في: "عيون الأخبار" لابن قتيبة 1/ 279، و"نسب قريش" لأبي عبد الله المصعب الزبيري ص 331، لكن عنده قالها في مدح عبد الله الأزرق بن عبد الرحمن بن الوليد بن عبد شمس، و"الحماسة" لأبي تمام ص 257، و"شرح ديوان الحماسة" للتبريزي 4/ 75، وقال: قالوا يمدح رسول الله -ﷺ-.

والبيت نسبه ابن منظور في "لسان العرب" 12/ 412 (عقم) لأبي دهبل -وروايته فيه "نسبه" في موضع (ما) - ثم قال: وقيل: هو للحزين الليثي.]]:

عقم النساء فما يلدن ... شبيهه إن النساء بمثله عُقْم

وأصل هذا من العقم، وهو القطع. ومنه يقال: المُلْك عقيم؛ لأنه تقطّع فيه الأرحام بالقتل والعقوق. هذا قول أبي عمرو [[قول أبي عمرو الشيباني في "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 289 "عقم". وانظر: "لسان العرب" 12/ 413 (عقم).]].

وعلى هذا العقيم: التي قطعت ولادتها.

وقال أبو عبيد: العقم: الشَّد [[في (أ). (السدَّ).]]. يقال للمرأة: معقومة الرحم كأنَّها مشدودتها، ومنه الحديث: "وتعقم أصلاب المنافقين فلا يقدرون على السجود" [[هذا قطعة من حديث رواه أبو عبيد في كتابه "غريب الحديث" 4/ 71 عن عبد الله == ابن مسعود موقوفًا. قال أبو عبيد: حدثنيه عبد الرحمن مهدي، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء، عن عبد الله بن مسعود.

ورواه الطبري في "تفسيره" 29/ 39 من حديث عبد الرحمن، به موقوفاً بلفظ: ويبقى المنافقون ظهورهم طبق واحد كانَّما فيها السَّفافيد.

ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 15/ 191 - 195، والحاكم في "مستدركه" 4/ 598 - 600 والطبراني في الكبير 9/ 413 - 416 من حديث سفيان به، مطولاً جدًا، موقوفا، بمثل لفظ الطبري.

وقال الحاكم بعد إخراجه 4/ 600: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرّجاه.

وقال الذهبي -متعقبًا قول الحاكم-: قلت: ما احتجا بأبي الزعراء. أهـ.

وهذا الخبر عن المنافقين رواه من وجه آخر عن ابن مسعود مرفوعا إسحاقُ بن راهوية في مسنده (كما في المطالب العالية لابن حجر 4/ 365 - 367)، والطبراني في الكبير 9/ 416 - 421، والحاكم في "مستدركه" 4/ 590 ولفظ إسحاق: "وتدمج أصلاب المنافقين، فتكون عظمًا واحدا، كأنها صياصي البقر، ويخرّون على أقفيتهم".

قال ابن حجر في "المطالب" 4/ 367 بعد ذكره لرواية إسحاق: هذا إسناد صحيح متصل، ورجاله ثقات.

وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 10/ 343: رواه كله الطبراني في طرق، ورجال أحدهما رجال الصحيح غير أبي خالد الدالاني وهو ثقة.

وقال الذهبي في "تلخيص المستدرك" 4/ 592 - 593 ما أنكره حديثًا على جودة إسناده، وأبو خالد -يعني الدالاني- شيعي منحرف. اهـ.

وذكر هذا الحديث السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 257 وعزاه لإسحاق بن راهويه وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا والطبرابي والآجري في "الشريعة" والدارقطني في "الرؤية" والحاكم وابن مردويه والبيهقي في "البعث".]] أي: تشد وتيبس مفاصلهم.

هذا هو الكلام في أصل العقيم في اللغة. ثم يقال: "يوم عقيم" للذي لا يأتي فيه خير. ويوم القيامة عقيم على الكفّار؛ لأنّه لا يأتي لهم بخير كما يأتي للمؤمنين. والريح العقيم: التي لا تأتي بمطر ولا سحاب ولا تلقح [[في (أ): (الذي، يلقح).]] شجرًا [[انظر: (عقم) في "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 288، "الصحاح" للجوهري 5/ 198، "لسان العرب" 12/ 413.]].

وأما التفسير: فقال ابن عباس: يريد يوم بدر [[ذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 70 وعزاه لابن مردويه والضياء في المختارة.]].

وهو قول قتادة [[رواه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 41، والطبري 17/ 193.]]، ومجاهد [[رواه الطبري 17/ 193.]]، والسدي [[ذكره عنه ابن الجوزي 5/ 444.]]، وأبيّ بن كعب [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 41 عن قتادة قال: بلغني أن أبيّ بن كعب كان يقول: أربع آيات أنزلت في بدر. هذه إحداهن "يوم عقيم" يوم بدر.

وهو منقطع. ورواه الطبري 17/ 193 من هذا الوجه مختصرًا.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 70 وعزاه لابن مردويه.]].

واختلفوا: لم سُمِّي يوم بدر عقيمًا.

فقال ابن عباس: لأنّه ليس ليوم بدر نظير من الأيام لا قبله ولا بعده، لم تقاتل الملائكة مع نبيّ قط إلاّ مع محمد -ﷺ-، ولم تقاتل مع محمد إلا يوم بدر.

وعلى هذا سمي عقيمًا، لأنه لا نظير له في عِظَمِه بقتال الملائكة فيه، فكأنَّ الدهر عقيم عن مثل ذلك اليوم.

وقال الكلبي: يوم عقيم لا فرج [[في (أ)، (ظ)، (د): (لا فرح)، والمثبت من (ع).]] فيه وهو يوم بدر.

وهذا اختيار الزَّجَّاج، قال: اليوم العقيم هو الذي لا يأتي فيه خير كالريح العقيم [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 434.]].

وقال ابن جريج: لأنهم لم ينظروا فيه إلى الليل، بل قتلوا قبل المساء [[ذكره الثعلبي 3/ 55 ب بهذا اللفظ، ورواه الطبري 17/ 193.]]. وعلى هذا القول سُمّي عقيمًا لانقطاع أعمارهم وفناء آجالهم، فلم يروا بعد ذلك اليوم ليلاً ولا نهارًا، فكأنَّ ذلك اليوم عليهم يومًا لا ليل لهم بعده.

وروي عن عكرمة والضحاك في قوله ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾: إنه القيامة [[ذكره عنهما الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 55 ب. ورواه عنهما الطبري 17/ 193. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 70 عن الضحاك، وعزاه لعبد بن حميد وابن أبي حاتم.]].

والوجه القول الأول [[وهو اختيار الإمام الطبري 17/ 193 قال: وذلك أنَّ الساعة هي يوم القيامة، فإن كان اليوم العقيم أيضًا هو يوم القيامة فإنما معناه ما قلنا من تكرير ذكر الساعة مرتين باختلاف الألفاظ، وذلك لا معنى له.]]؛ لأن ذكر القيامة قد تقدّم في قوله ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾.

22:56–57Page 339

ٱلۡمُلۡكُ يَوۡمَئِذٖ لِّلَّهِ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٥٦

[All] sovereignty that Day is for Allāh;1 He will judge between them. So they who believed and did righteous deeds will be in the Gardens of Pleasure.

وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ ٥٧

And they who disbelieved and denied Our signs - for those there will be a humiliating punishment.

قوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ يعني يوم القيامة لله وحده يحكم بينهم بما ذكر من قوله ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى قوله ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.

22:58Page 339

وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوٓاْ أَوۡ مَاتُواْ لَيَرۡزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزۡقًا حَسَنٗاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ٥٨

And those who emigrated for the cause of Allāh and then were killed or died - Allāh will surely provide for them a good provision. And indeed, it is Allāh who is the best of providers.

ثم ذكر فضل المهاجرين وقال: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال الكلبي: من مكة إلى المدينة في طاعة الله.

﴿ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا﴾ تسوية بين حالتهم من القتل أو الموت على الفراش. ولهذا قال فضالة بن عبيد [[هو: فضالة بن عبيد بن نافذ بن قيس الأنصاري، الأوسي. صاحب رسول الله -ﷺ-، أسلم قديمًا، وشهد أحدًا وما بعدها، وشهد بيعة الرضوان.

ولي الغزو لمعاوية، ثم ولي له قضاء دمشق، وكان ينوب عن معاوية في الإمرة إذا غاب. توفي سنة 53 هـ، وقيل بعدها.

"طبقات ابن سعد" 7/ 401، "الاستيعاب" 3/ 1262، "أسد الغابة" 4/ 182، "سير أعلام النبلاء" 3/ 113، "البداية والنهاية" 8/ 78، "الإصابة" 3/ 201.]] ورأى جنازتين أحدهما قتيل والآخر متوفى-: ما أبالي من أي حفرتيهما بعثتُ. وقرأ هذه الآية [[رواه الطبري 17/ 194 - 195 وابن أبي حاتم (كما في "تفسير ابن كثير" 3/ 232) عن فضالة.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 71 وعزاه لا بن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.]].

قوله تعالى: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ قال ابن عباس: يريد لا انقطاع له [[ذكر البغوي 5/ 396 هذا القول ولم ينسبه لأحد.]].

وقال السدي: هو رزق الجنة [[انظر: "الدر المنثور" 6/ 71.]].

وقرئ قوله ﴿ثُمَّ قُتِلُوا﴾ بالتخفيف والتشديد [[قرأ ابن عامر: "قتلوا" مشددة التاء، وقرأ الباقون: "قتلوا" خفيفة التاء. "السبعة" ص 439، "المبسوط" لابن مهران ص 258، "النشر" 2/ 327.]]. فالتخفيف يكون للكثير [[في (د)، (ع): (للكثرة).]] والقليل، والتشديد حسن؛ لأنهم قد أكثر فيهم القتل في وجوه توجهوا إليها [[هذا كلام أبي على في "الحجة" 5/ 284. وانظر: "إعراب القراءات وعللها" لابن خالويه 2/ 83، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 481.]].

22:59Page 339

لَيُدۡخِلَنَّهُم مُّدۡخَلٗا يَرۡضَوۡنَهُۥۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٞ ٥٩

He will surely cause them to enter an entrance with which they will be pleased, and indeed, Allāh is Knowing and Forbearing.

قوله تعالى: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ قال ابن عباس: يريد الجنة.

وقرىء: ﴿مُدْخَلًا﴾ بضم الميم وفتحها [[قرأ نافع "مدخلا" بفتح الميم، وقرأ الباقون بضمها. "السبعة" ص 439، "التبصرة" ص 182، "التيسير" ص 95، "الاقناع" 2/ 629.]]، فالضمّ [[في "الحجة": المدخل يجوز أن يراد به الإدخال.]] يجوز أن يراد به الإدخال، ويكون المعنى أنهم إذا أدخلوا أكرموا، فلم يكونوا كمن ذكر في قوله ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان: 34]. ويجوز أن يعني به الموضع، ويرضونه لأن لهم فيه ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، فهو خلاف المدخل الذي قيل فيه ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [غافر: 71] الآية. والفتح يجوز أن يكون الدخول [[في "الحجة": وحجة من قال مدخلا أن المدخل يجوز أن يكون الدخول.]]، ويجوز أن يكون موضعه كالمدخل. ودل ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ﴾ على الدخول؛ لأنَّهم إذا أدخلوا دخلوا، فكأنه قال: ليُدْخلنهم فيَدخلون مَدْخلًا [["الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 284 - 285 مع تقديم وتأخير.

وانظر: "إعراب القراءات السبع وعللها" لابن خالويه 2/ 83، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 481 - 482.]].

وقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ قال ابن عباس: عليم بنياتهم، حليم عن عقابهم [[ذكره عنه القرطبي 12/ 89. وذكره ابن الجوزي 5/ 446 والبغوي 5/ 397 من غير نسبة.]].

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском