Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Al-Hajj 22:60–73
22:60Page 339
۞ ذَٰلِكَۖ وَمَنۡ عَاقَبَ بِمِثۡلِ مَا عُوقِبَ بِهِۦ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيۡهِ لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٞ ٦٠
That [is so]. And whoever responds [to injustice] with the equivalent of that with which he was harmed and then is tyrannized - Allāh will surely aid him. Indeed, Allāh is Pardoning and Forgiving.1
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ قال أبو إسحاق: "ذلك" في موضع رفع، المعنى: الأمر ذلك، أي [[(أي): ساقطة من (أ).]]: الأمر ما قصصنا عليكم [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 435.
وعلى هذا "ذلك" خبر مبتدأ مُضمر، وانظر "الإملاء" للعكبري 2/ 146، "الدر المصون" 8/ 296.]].
ثم قال: ﴿وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾ أي: من جازى الظالم بمثل ما ظلمه. وسمي جزاء العقوبة عقوبة لاستواء الفعلين في جنس المكروه كقوله ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: 40]، فالأول سيئة والمجازاة عليها سميت سيئة بأنها وقعت إساءة بالمفعول به، لأنه فعل [به] [[زيادة من معاني الزجاج يستقيم بها المعنى.]] ما يسوؤه [["معاني القرآن" للزجاج 30/ 435 مع اختلاف يسير.]]. وذكرنا هذا في قوله ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: 15].
قال الحسن: ﴿وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾ يعني: قاتل المشركين كما قاتلوه [[ذكره عنه البغوي 5/ 397.]].
﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ أي: ظلم بإخراجه من منزله.
قيل: إنها نزلت في قوم من المسلمين قاتلوا قومًا من المشركين غير مبتدئين بالقتال بل دفعًا لهم عن أنفسهم، ثم أخرجوا من ديارهم [[انظر: "التهذيب في التفسير" للجشمي 6/ 186 ب.]].
قال الضحاك، عن ابن عباس في قوله ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾: يعني ما أتاه المشركون من البغي على المسلمين حين أحوجوا [[في (أ): (حين أخرجوا)، وفي (ظ): (حتى أخرجوا).]] إلى مفارقة أوطانهم [[ذكره البغوي 5/ 397 من غير نسبة لأحد.]].
قوله: ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ يعني: هذا المظلوم الذي بغي عليه وعده الله النَّصر.
قال ابن جريج: يعني نصرته محمدًا -ﷺ- وأصحابه [[رواه الطبري 17/ 195 بمعناه]].
﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ قال ابن عباس: يريد عفى عن المؤمنين مساوءهم، وغفر لهم ذنوبهم [[ذكره البغوي 5/ 397 من غير نسبة.]].
وذكر مقاتل بن سليمان السَّبب في نزول هذه الآية وتفسيرها فقال: إنَّ مشركي مكة لقوا المسلمين في ليلتين بقيتا من المحرم، فقال بعضهم لبعض: إنَّ أصحاب محمد يكرهون القتال في الشهر الحرام فاحملوا عليهم، فناشدهم المسلمون ألا يقاتلوهم في الشهر الحرام، فأبى المشركون إلا القتال، فبغوا على المسلمين، فقاتلوهم وحملوا عليهم، وثبت المسلمون فنصر الله المسلمين عليهم، فوقع في أنفس المسلمين من القتال في الشهر الحرام فأنزل الله هذه الآية [["تفسير مقاتل" 2/ 27 ب. وهذا القول غير معتمد في سبب نزول هذه الآية لأن مقاتل بن سليمان كذّبوه. انظر: "تقريب التهذيب" 2/ 272.]].
فالمعني بـ"من" [[في (أ): (مَّمن).]] في قوله ﴿وَمَنْ عَاقَبَ﴾ المؤمنون، جازوا الكفار وقاتلوهم كما قاتلوهم، وبغيهم عليهم: أنَّهم لم يرتدعوا ولم يكفوا عن القتال بمناشدتهم إياهم.
59 - وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ﴾ قال مقاتل: عنهم ﴿غَفُورٌ﴾ لقتالهم في الشهر الحرام [["تفسيره مقاتل" 2/ 27 ب.]].
22:61Page 339
ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٞ ٦١
That1 is because Allāh causes the night to enter the day and causes the day to enter the night and because Allāh is Hearing and Seeing.
قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: ذلك النصر الذي أنصره من بُغي عليه بأنّي القادر على ما أشاء، فمن قدرته أنَّه ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ الآية [["تفسير الطبري" 17/ 195، الثعلبي 3/ 56 أ.]]. ومن قدر على ذلك قدر على نصرة من شاء ومعنى ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ قد سبق فيما مضى.
قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ قال ابن عباس: ﴿سَمِيعٌ﴾ لدعاء محمد ومن معه من المؤمنين ﴿بَصِيرٌ﴾ بهم حيث جعل فيهم البرَّ [[في (د)، (ع): (البر والفاجر)، بزيادة (والفاجر)، وهو خطأ.]] والتقوى والدين [[ذكره ابن الجوزي 5/ 447 مختصرًا من غير نسبة.]].
22:62Page 339
ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلۡبَٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ ٦٢
That is because Allāh is the True Reality, and that which they call upon other than Him is falsehood, and because Allāh is the Most High, the Grand.
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ﴾ أي: ذلك الذي فعل من نصر المؤمنين بأنّه [[في (أ): (وأنَّه).]] ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ أي: ذو الحق في قوله وفعله، فدينه حق وعبادته حق، كل ما يصدر عنه من أمر ونهي حق، والمؤمنون الذين آمنوا به وصدقوا رسوله هم المحقون؛ فيستحقون من الله النصر.
﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ أي: الذي ليس بشيء ولا ينفع عبادته. قاله مقاتل [["تفسير مقاتل" 2/ 27 أ.]].
﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ﴾ العالي على كل شيء بقدرته، والعالي عن الأشباه والأشكال [[الحق أنَّ "العلي" يتضمن ثلاثة أمور، وهي علو الذات وعلو القدر وعلو القهر. وكلام المؤلف هنا حيدة منه عن إثبات علو الذات. وانظر بيان ذلك في قسم الدراسة عند الكلام على عقيدة المؤلف.]] ﴿الْكَبِيرُ﴾ الذي كل شيء سواه يصغر مقداره.
22:63Page 339
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَتُصۡبِحُ ٱلۡأَرۡضُ مُخۡضَرَّةًۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٞ ٦٣
Do you not see that Allāh has sent down rain from the sky and the earth becomes green? Indeed, Allāh is Subtle1 and Aware.2
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ الآية. حكى المبرد [["المقتضب" 2/ 21.]] والزجاج [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 436.]] عن سيبويه [[انظر: "الكتاب" 3/ 36.]]: أنه سأل الخليل عن هذه الآية ورفع قوله ﴿فَتُصْبِحُ﴾ وهو جواب الاستفهام بالفاء ووجهة النصب؟ فقال: هذا ليس بجواب لقوله ﴿أَلَمْ تَرَ﴾، لأنه [[في (أ): (الآية)، وهو خطأ.]] لو كان كذلك لكان التقدير: ألم تر فتصبح، بل هذا واجب و ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ تنبيه، وكأنَّه في التقدير-والله أعلم-: اسمع يا فلان: أنزل الله من السماء ماء فكان [[في (أ): (وكان).]] كذا وكذا. وأنشد الخليل للنّابغة [[إنشاد الخليل لبيتي النابغة في "الكتاب" 3/ 36 ورواية البيت الأول فيه:
ولا زال قبرٌ بين تُبْنى وجاسم ... عليه من الوَسْمِى جَوْدٌ ووابل
والبيتان في "المقتضب" للمبرد 2/ 19 بمثل الرواية التي ساقها الواحدي، ويظهر أنه نقل البيتين من المبرد؛ فقد قال قبل قليل: حكى المبرد ....
وهما في: "ديوان النابغة" ص 121 من قصيدة يرثي بها النعمان بن الحارث الغَسَّاني مع اختلاف ففيه:
سقى الغيث قبرا بين بصري وجاسم ... بغيث من الوسمي قطر ووابل
وينبت ....
قال الشنتمري في "شرحه لديوان النابغة" ص 121 - 122: ("بُصْرى وجاسم" هما موضعان بالشام، والوسمي: أول المطر؛ لأنه بسم الأرض بالنبات، .... والوابل: أشد المطر، وينبت حوذانًا: أي ينبت هذا المطر الذي دعا للقبر به، والحوذان والعوف: ضربان من النبت طيب الرائحة، وقوله "سأتبعه" أي: سآتي عليه بخير القول وأذكره بأجمل الذكر. اهـ.
والسَّح: الصَبّ المتتابع. "لسان العرب" 2/ 476 (سحح).]]: فلا زال قبرٌ بين بصرى وجاسم ... عليه من الوسمي سح ووابل
فينبتُ حوذانًا وعوفًا مُنورًا ... سأتبعه من خير ما قال قائل
[وقال: لم يرد لا زال فينبت، ولكنَّه لما دَعَى بالغيث] [[ساقطة من (ع).]] قال: فينبت أي: فهو ينبت كأنَّه خبرٌ لقصة تكون عن هذا الغيث.
ونحو هذا قال الفراء -في هذه الآية- فقال: (ألم تر) معناه خبر، كأنَّك قلت في الكلام: اعلم أنَّ الله يُنزل من السماء ماء فتصبح الأرض.
وهو مثل قول الشاعر [[البيت أنشده الفراء في "معاني القرآن" 2/ 229 من غير نسبة، وتتمته:
وهل تُخْبرَنْكَ اليوم بيداءُ سملقُ
وهو بلا نسبة في الكتاب 3/ 37 وفيه: (القواء) في موضع (القديم)، والطبري 17/ 197 بمثل رواية الفرّاء. والبيت لجميل بن معمر، وهو في "ديوانه" ص 144، "شرح أبيات سيبويه" للسيرافي 2/ 201، "شرح المفصل" لابن يعيش 7/ 36، 37، "شرح شواهد المغني" للسيوطي 1/ 474، "لسان العرب" 10/ 164 (سملق)، "خزانة الأدب" 8/ 524، 526 - 527، وروايتهم جميعًا: القواء.
قال الشنتمري في "تحصيل عين الذهب" 1/ 422: الشاهد فيه رفع "ينطق" على الاستئناف والقطع، على معنى: فهو ينطق .. والرَبْع المنزل، والقواء: القفر. وجعله ناطقًا للاعتبار بدروسه وتغيره. ثم حقق أنه لا يجيب ولا يخبر سائله لعدم القاطنين به. والبيداء: القفر. والسملق: التي لا شيء بها. اهـ
وعند السيرافي 2/ 201: البيداء: الصحراء الواسعة.
قال البغدادي 8/ 528: وقوله: (وهل تخبرنك) إلخ ردَّ على نفسه بأن مثله لا ينطق فيجيب.]]:
ألم تسأل الربع القديم فينطقُ [["معانى القرآن" للفراء 2/ 229.]] قال الخليل: المعنى فهو مما ينطق [[قول الخليل في "معاني القرآن" للزجاج 3/ 346. وهو بنحوه في "الكتاب" 3/ 37.]]. هذا كلامهم.
وعند النحويين [[انظر: "الكتاب" 3/ 31، "ارتشاف الضرب" لأبي حبان 2/ 408 - 409، "شرح المفصل" لابن يعيش 7/ 36 - 37.]] يجوز الرفع في الجواب بالفاء على تقدير الاستئناف، كقراءة من قرأ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ﴾ [البقرة: 245] بالرفع [[قرأ أبو عمرو، ونافع، وحمزة، والكسائي: "فيضاعفه" بالألف ورفع الفاء.
وقرأ ابن كثير: "فيضعّفُه" بغير ألف وتشديد العين ورفع الفاء.
وقرأ ابن عامر: "فيضعّفَه" بغير ألف وتشديد العين ونصب الفاء.
وقرأ عاصم: "فيضاعفه" بألف ونصب الفاء.
"السَّبعة" ص 184 - 185، "التبصرة" ص 161، "التيسير" ص 81.]]، أي: فهو يضاعفه [[أو يكون معطوفًا على "يقرض الله"، انظر "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 139، "إبراز المعاني" لأبي شامة 363.]] وكما رفع في هذه الآيات. وذكرنا عند قوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [البقرة: 243] أن [[أنّ: ساقطة من (ظ)، (د)، (ع).]] ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ تكون بمعنى التنبيه.
فحصل في هذه الآية وجهان: أحدهما: أن قوله [فتصبح] ليس بجواب الاستفهام؛ لأنَّ هذا استفهام معناه التنبيه.
والثاني: أنه جواب الاستفهام بالرفع على ما ذكره النحويون.
قال ابن عباس وغيره: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ يعني المطر [[ذكره ابن الجوزي 5/ 447 من غير نسبة لأحد.]] ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ بالنبات [[ذكره البغوي 5/ 397، وابن الجوزي 5/ 447 من غير نسبة لأحد.]] ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ بأرزاق عباده [[ذكره عنه الرازي 23/ 62، والقرطبي 12/ 92. وذكره البغوي 5/ 397 من غير نسبة.]].
وقال مقاتل: باستخراج النبات من الأرض [["تفسير مقاتل" 2/ 27 ب.]].
﴿خَبِيرٌ﴾ قال ابيت عباس: خبير بما في قلوب العباد من القنوط [[ذكره عنه الرازي 23/ 62، والقرطبي 12/ 92.]]. يعني عند تأخر المطر.
وقال غيره: خبير بما يحدث من ذلك الماء ومن ذلك النبت [[في (أ): (النبات)، والمثبت من باقي النسخ هو الموافق لما عند الطبري.]] [[هذا قول الطبري 17/ 196.]].
22:64Page 339
لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ٦٤
To Him belongs what is in the heavens and what is on the earth. And indeed, Allāh is the Free of need, the Praiseworthy.
قوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ قال مقاتل: عبيده وفي ملكه [["تفسير مقاتل" 2/ 27 ب.]].
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن عباده ﴿الْحَمِيدُ﴾ إلى أوليائه وأهل طاعته. قاله ابن عباس.
22:65Page 340
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡفُلۡكَ تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦ وَيُمۡسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ ٦٥
Do you not see that Allāh has subjected to you whatever is on the earth and the ships which run through the sea by His command? And He restrains the sky from falling upon the earth, unless by His permission. Indeed Allāh, to the people, is Kind and Merciful.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: يريد البهائم التي تركب وتؤكل [[ذكره البغوي 5/ 398، وابن الجوزي 5/ 448 من غير نسبة.
قال ابن كثير -رحمه الله- في "تفسيره" 3/ 233: أي من حيوان وجماد وزروع وثمار كما قال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: 13].]].
قوله: ﴿وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ "الفلك" بالنصب نسق على "ما" و"تجري" حال أي: وسخر لكم الفلك في حال جريها [[هذا قول الزجاج بنصَّه في "معاني القرآن" 3/ 437.
وجوَّز أبو البقاء في الإملاء 2/ 146 أن يكون انتصاب "الفلك" عطفًا على لفظ الجلالة على تقدير: وأن الفلك تجري في البحر، و"تجري" خبرٌ على هذا.
وتبع السمين الحلبي 8/ 302 أبا البقاء في هذا.
واستظهر أبو حيان 6/ 387 ما قاله الزجاج، واستبعد ما جوزه أبو البقاء، وقال: وهو إعراب بعيدٌ عن القصاحة.]].
﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ قال الزجاج: المعنى: كراهة [[في (أ): (كراهية)، والمثبت هو الموافق لما في كتاب الزجاج.]] أن تقع، [وموضع "أنْ" نصب بيمسك، وهو مفعول له، المعنى: لكراهة أن تقع] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).]] [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 437.]].
وقال مقاتل: لئلا تقع [["تفسير مقاتل" 2/ 27 ب.]]. وهذا على مذهب الكوفيين [[انظر: "البسيط" عند قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [الأنبياء: 31].]]. وذكرنا الكلام في هذه المسألة في مواضع [[انظر: "البسيط" عند قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: 176].]].
قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ قال مقاتل: يعني لرفيق رحيم بهم فيما سخر لهم وحبس عنهم السماء فلا تقع عليهم فيهلكوا [["تفسير مقاتل" 2/ 27 ب.]].
22:66Page 340
وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَحۡيَاكُمۡ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡۗ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَكَفُورٞ ٦٦
And He is the one who gave you life; then He causes you to die and then will [again] give you life. Indeed, mankind is ungrateful.
قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ﴾ بعد أن كنتم نطفًا ميتة. ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عند آجالكم.
﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ للبعث والحساب والثواب والعقاب [[الطبري 17/ 198، الثعلبي 3/ 56 أ.]].
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾ قال ابن عباس: يعني جماعة من المشركين [[ذكر الرازي 23/ 63 والقرطبي 12/ 98 وأبو حيان 6/ 387 عنه أنه قال: هو الأسود بن عبد الأسد وأبو جهل والعاص وأبي بن خلف.
قال الرازي: والأولى تعميمه في جميع المنكرين. وقال أبو حيان بعد ذكره لقول ابن عباس-: وهذا على طريق التمثيل.
وقيل: هذا وصفٌ للجنس؛ لأن الغالب على الإنسان كفر النّعم كما قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13].انظر: القرطبي 12/ 93.]].
قال الكلبي: هو الكافر [[ذكر الرازي 23/ 63، وأبو حيان 6/ 387 هذا القول عن ابن عباس.]].
﴿لَكَفُورٌ﴾ قال مقاتل: لكفور لنعم الله في حسن خلقه حين لا يوحده [["تفسير مقاتل" 2/ 28 أ.]].
22:67Page 340
لِّكُلِّ أُمَّةٖ جَعَلۡنَا مَنسَكًا هُمۡ نَاسِكُوهُۖ فَلَا يُنَٰزِعُنَّكَ فِي ٱلۡأَمۡرِۚ وَٱدۡعُ إِلَىٰ رَبِّكَۖ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدٗى مُّسۡتَقِيمٖ ٦٧
For every [religious] community We have appointed rites which they perform. So, [O Muḥammad], let them [i.e., the disbelievers] not contend with you over the matter but invite [them] to your Lord. Indeed, you are upon straight guidance.
قوله: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ أي: لكل قرن مضى ﴿جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ قال ابن عباس: يريد شريعة هم عاملون بها [[ذكره عنه البغوي 5/ 398. وروى عنه الطبري 17/ 198 - من طريق الوالبي، قال: عيدا.]].
وقال مقاتل وغيره: يعني ذبيحة في عيدهم هم ذابحوه [[انظر: تفسير مقاتل 2/ 28 أ. وجاء نحوه عن عكرمة. انظر: "الدر المنثور" للسيوطي 6/ 73.]].
وهذا ممَّا [[في (أ): (ما).]] تقدم الكلام فيه في هذه السورة [[عند قوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: 34].]].
﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ﴾ يعني في أمر الذبائح.
قال الكلبي ومقاتل: نزلت في بديل بن ورقاء الخزاعي [[هو: بُديل بن ورقاء بن عمرو بن ربيعة بن عبد العزى بن ربيعة الخزاعي، كتب إليه النبي -ﷺ-، يدعوه إلى الإسلام، وأسلم قبل الفتح، وقيل يوم الفتح، وشهد حنينًا، واستعمله -ﷺ- على سبى هوازن، وسار مع النبي -ﷺ- إلى تبوك، وشهد حجة الوداع. "طبقات ابن سعد" 4/ 294، "الاستيعاب" 1/ 150، "أسد الغابة" 1/ 170، "الإصابة" 1/ 145.]] وبشر بن سفيان الخزاعي [[هو: بشر -قال ابن هشام: ويقال: بسر- بن سفيان بن عمر بن عويمر الكعبي الخزاعي، كتب إليه النبي -ﷺ-، وأسلم سنة ست، وبعثه النبي -ﷺ- عينًا إلى قريش إلى مكة، وشهد الحديبية، وله ذكر في حديث الحديبية، وسكن مكة.
"طبقات ابن سعد" 4/ 458، "السيرة النبوية" لابن هشام 3/ 356، "الاستيعاب" 1/ 166، "الإصابة" 1/ 153.]]، ويزيد بن خنيس وغيرهم من كفار قريش وخزاعة، خاصموا النبي -ﷺ- والمؤمنين في أمر الذبيحة، فقالوا: ما قتل الله لكم أحق أن تأكلوه أو ما قتلتم أنتم بسكاكينم؟ [["تفسير مقاتل" 2/ 28 أ.]].
قال أبو إسحاق: معنى قوله ﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ﴾ لا تنازعهم ولا تجادلهم، والدليل على ذلك قوله: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ﴾، وكان هذا قبل القتال. فإن قيل [[في (أ) زيادة: (لهم) بعد قوله: (قيل)، وهو خطأ.]]: فلم قيل: فلا ينازعنك في الأمر وهم قد نازعوه؟ فالمعنى: إنَّ هذا نهيٌ للنبي -ﷺ- عن منازعتهم كما تقول: لا يخاصمنّك فلان في هذا أبدًا، أي: لا تخاصمه.
وهذا جائز في الفعل الذي لا يكون إلا من اثنين؛ لأنَّ المجادلة والمخاصمة لا تتم إلا باثنين، فإذا [[في (أ): (وإذا).]] قلت: لا يجادلنّك فلان، فهو بمنزلة لا تُجادلنَّه. ولا يجوز هذا في قولك: لا يضربنك فلان، وأنت تريد لا تضربه. ولكن لو قلت: لا يضاربنّك فلان، لكان [[(لكان): ساقط من (ظ).]] كقولك: لا تضاربن فلانًا. هذا كلام أبي إسحاق [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 437. مع اختلاف يسير.
وقيل معنى "فلا ينازعنك في الأمر": فلا تتأثر بمنازعتهم لك ولا يصرفك ذلك عمّا أنت عليه من الحق. وهذا كقوله ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ [القصص: 87] أشار إليه ابن كثير 3/ 334.]].
وقوله: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ قال مقاتل بن سليمان: يعني إلى معرفة ربك وهو التوحيد [["تفسير مقاتل" 2/ 28 أ.]].
وقال ابن عباس: يريد قم بشرائع الحنيفية. والمعنى على هذا: ادع إلى الإيمان به وإعمال ما شرع من الشريعة.
قوله: ﴿إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى﴾ دين ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو قال ابن عباس: لم يخلق دينًا أقوم ولا أفضل منه ولا أحب إلى الله -عز وجل-
22:68–69Page 340
وَإِن جَٰدَلُوكَ فَقُلِ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا تَعۡمَلُونَ ٦٨
And if they dispute with you, then say, "Allāh is most knowing of what you do.
ٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٦٩
Allāh will judge between you on the Day of Resurrection concerning that over which you used to differ."
قوله: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ﴾ قال الكلبي: خاصموك في أمر الذبيحة [[ذكره ابن الجوزي 5/ 449 ولم ينسبه لأحد.]].
وقال مقاتل: جادلوك في أمر الذبائح [["تفسير مقاتل" 2/ 28 أ.]]. يعني هؤلاء النفر.
﴿فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد من تكذيبهم النبي -ﷺ- [[ذكره عنه القرطبي 17/ 94.]].
وقال مقاتل: الله أعلم بما تعملون وما نعمل، فذلك قوله: ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [["تفسير مقاتل" 2/ 28 أ.]].
وعلى هذا في الآية محذوف حذف لدلالة الباقي عليه. والمعنى: أيضًا يحكم بيننا وبينكم. يعني: أنَّه عالم بأعمالنا فهو يحكم بيننا وبينكم يوم القيامة ﴿فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ أي: تذهبون فيه إلى خلاف ما نذهب. وهو معنى قول ابن عباس: يريد في خلافكم إيّاي [[ذكره القرطبي 12/ 94 من غير نسبة، وفيه: آياتي بدل إيّاي.]].
قال الكلبي ومقاتل: نسختها آية السيف [["تفسير مقاتل" 2/ 28 أ.
وانظر: "الناسخ والمنسوخ" لهبة الله بن سلاهه ص66، "ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه" لابن البارزي ص 41.
والمراد بآية السيف هي قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5].
وقيل: في قوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: 36]. وقيل هما معًا.
انظر: الإتقان للسيوطي 2/ 67، "روح المعاني" للألوسي 10/ 50.
والقول بالنسخ محل نظر؛ لأنه لا دليل على النسخ، ولا تعارض بينها وبين آية السيف.]].
وهذا النسخ الذي قالا لا يرجع إلى الحكم، لأنَّ الله يحكم يوم القيامة بين المحق والمبطل فيدخل المحق الجنة والمبطل النار، ولكن النسخ يعود إلى النبي -ﷺ- لما أمر بالقتال كان يقاتل من خالفه ولم يصدقه، ولا يدفع بالقول والمداراة كما أمر في هذه الآية بأن يقول إذا جادلوه: ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾.
22:70Page 340
أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَٰبٍۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ٧٠
Do you not know that Allāh knows what is in the heaven and earth? Indeed, that is in a Record.1 Indeed that, for Allāh, is easy.
قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحج: 70].
[قال ابن عباس] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).]]: يريد قد علمت وأيقنت أني أعلم ما في السماء والأرض.
وهذا استفهام يراد [[في (أ): (يريد).]] به التقرير كقوله:
ألستم خير من ركب المطايا
قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ يعني ما يجري في السماء والأرض، كلّ ذلك مكتوب في اللوح المحفوظ، وذلك أن الله تعالى خلق القلم واللوح، فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة [[روى أبو يعلى في مسنده 4/ 217، والطبراني في "المعجم الكبير" 12/ 8 - 96 واللفظ له عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -ﷺ- قال: "لما خلق الله القلم قال له: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى قيام الساعة".
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 190: رواه الطبراني ورجاله ثقات.
وروى مسلم في "صحيحه" (كتاب القدر 4/ 2044) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله -ﷺ-: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وكان عرشه على الماء".]].
قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ أي: علمه بجميع ذلك ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أي: سهل. فلا يخفى عليه شيء يتعذر العلم به.
وقال ابن جريج: إنَّ الحكم بين المختلفين في الدنيا يوم القيامة على الله يسير [[رواه الطبري 17/ 200 - 201.
واختار الأول لأنَّه أقرب مذكور إلى قوله: "يسير"، هو وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾.]].
22:71Page 340
وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗا وَمَا لَيۡسَ لَهُم بِهِۦ عِلۡمٞۗ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٖ ٧١
And they worship besides Allāh that for which He has not sent down authority and that of which they have no knowledge. And there will not be for the wrongdoers any helper.
قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال الكلبي: يعني أهل مكة [[ذكر ابن الجوزي 5/ 9451، والقرطبي 12/ 95 هذين القولين من غير نسبة لأحد.]].
﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ قال ابن عباس: يريد حجة [[ذكر ابن الجوزي 5/ 9451، والقرطبي 12/ 95 هذين القولين من غير نسبة لأحد.]].
﴿وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أنها آلهة ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ وما للمشركين من مانع من العذاب.
22:72Page 340
وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ تَعۡرِفُ فِي وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمُنكَرَۖ يَكَادُونَ يَسۡطُونَ بِٱلَّذِينَ يَتۡلُونَ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَاۗ قُلۡ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرّٖ مِّن ذَٰلِكُمُۚ ٱلنَّارُ وَعَدَهَا ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٧٢
And when Our verses are recited to them as clear evidences, you recognize in the faces of those who disbelieve disapproval. They are almost on the verge of assaulting those who recite to them Our verses. Say, "Then shall I inform you of [what is] worse than that?1 [It is] the Fire which Allāh has promised those who disbelieve, and wretched is the destination."
قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ قال ابن عباس: يريد: بان لهم ما هم فيه من الضلالة وما جاء به محمد -ﷺ- من الهدى.
﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ﴾ قال مقاتل: ينكرون القرآن أن يكون من الله [["تفسيرمقاتل" 2/ 28 أ.]].
والمنكر بمعنى: الإنكار، والتأويل: أثر الإنكار من الكراهية والعبوس.
وذهب بعضهم [[هو: الإمام الطبري رحمه الله. وقوله هذا في "تفسيره" 17/ 201.]] إلى أنَّ المنكر هاهنا مفعول الإنكار وليس بمعنى المصدر وقال: وتأويله: يتبين في وجوههم ما ينكره أهل الإيمان من تغيّرها [[في (أ): (تغييرها)، وهو خطأ.]] عند سماع القرآن.
قوله: ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾ قال الليث: السطو: شدة البطش. والفحل يسطو على طروقته [[قوله في "تهذيب اللغة" للأزهري 13/ 24، 25 (سطا).
وهو في "العين" 7/ 277 مادة (سطا).
وطروقته: أنثاه. "لسان العرب" 10/ 216 (طرق).]].
وقال أبو زيد والفراء: كادوا يبطشون بهم [["تهذيب اللغة" للأزهري 13/ 24 عن الفراء وأبي زيد. وقول الفراء في "معاني القرآن" له 2/ 230.]].
ومنه يقال: الأيدي السواطي، التي تتناول الشيء. والساطي من الرجال الذي يسطو بقرنه فيبطش به ويتناوله. والله ذو سطوات أي: أخذات شديدة. ويقال: سطوت به وسطوت عليه [[انظر: (سطا) في "تهذيب اللغة" للأزهري 13/ 24، "الصحاح" للجوهري 6/ 2376،
"أساس البلاغة" للزمخشري ص 439، "لسان العرب" 14/ 384.]].
وقال المبرد: يقال سطا زيد على عمرو وبعمرو. إذا تطاول عليه ليضع منه. وقال أبو إسحاق: يكادون يبطشون [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 438.]].
وقال مجاهد [[رواه الطبري 17/ 202 عن مجاهد مختصرًا.]] ومقاتل [["تفسيرمقاتل" 2/ 28 أ.]]: يكادون يقعون بمحمد -ﷺ- وأصحابه، وهو قوله: ﴿بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ أي: يبسطون إليهم أيديهم بالسوء.
قوله: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ﴾ قال المفسرون: قل يا محمد لهم: أفأنبئكم بشر لكم وأكره إليكم من هذا القرآن الذي تسمعون [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 56 ب.]]. ثم ذكر [[في (أ) زيادة (من) بعد قوله: (ذكر)، وهو خطأ.]] ذلك فقال: ﴿النَّارُ﴾.
قال أبو إسحاق: أي هو النار أو هي النار، كأنهم [[في (ط)، (د)، (ع): (وكأنهم)، والمثبت من (أ) هو الموافق لما في المعاني.]] قالوا: ما ذلك الذي هو شر؟ فقيل: النارُ. قال: ويجوز الخفض على البدل من (شر) والنصب على أعني [[في (أ): (أعلى) والعبارة عند الزجاج: فهو على معنى: أعني النار.]]. قال: والرفع أثبت في النحو [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 438.]].
ونحو هذا قال الفراء: سواء ترفع (النار) لأنها معرفة فسرت الشر وهو نكرة، كما تقول: مررت برجلين: أبوك وأخوك. ولو نصبتها بما عاد من ذكرها ونويت بها الاتصال بما قبلها كان وجهًا. ولو خفضتها على الباء: أنبئكم بشر من ذلكم [بالنار، كان صوابًا. والوجه الرفع [["معاني القرآن" للفراء 2/ 230.]].
وذهب مقاتل في تفسير قوله: ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ﴾] [[ما بين المعقوفين كرره ناسخ (أ) مرتين.]] إلى غير ما ذكرنا وهو أنه قال: إن المشركين لما سمعوا القرآن قالوا: ما شأن محمد وأصحابه أحق بهذا الأمر منا والله إنهم لشر خلق الله، فأنزل الله ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ﴾ من النبي وأصحابه من وعده الله النار وصار إليها يعني الكافر فهم أشرار الخلق [["تفسير مقاتل" 2/ 28 ب.]].
وهذا تعسف وتفسير لا يساعده اللفظ.
وقال بعض أهل المعاني: معنى الآية: بشر عليكم مما يلحق التالي منكم، أوعدهم الله تعالى على سطوتهم بأهل الحق عقوبة هي شر من سطوتهم بالذي يتلو القرآن [[ذكره الطوسي في "التبيان" 7/ 302، والقرطبي 12/ 96 ولم ينسبه لأحد.]].
22:73Page 341
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٞ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥٓۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخۡلُقُواْ ذُبَابٗا وَلَوِ ٱجۡتَمَعُواْ لَهُۥۖ وَإِن يَسۡلُبۡهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيۡـٔٗا لَّا يَسۡتَنقِذُوهُ مِنۡهُۚ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلۡمَطۡلُوبُ ٧٣
O people, an example is presented, so listen to it. Indeed, those you invoke besides Allāh will never create [as much as] a fly, even if they gathered together for it [i.e., that purpose]. And if the fly should steal from them a [tiny] thing, they could not recover it from him. Weak are the pursuer and pursued.1
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ قال أبو إسحاق: لما عبدوا من دون الله ما لا يسمع ولا يبصر وما لم ينزل به حجة، أعلمهم الله الجواب فيما جعلوه له مثلاً، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ يعني الأصنام [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 438.]].
قال ابن عباس، والكلبي، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 2/ 28 ب.]]: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ وهو يعني كفار مكة ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ يعني ذكر شبه الصنم ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾. ثم أخبر عنه فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يعني: تعبدون من دون الله من الأصنام، وكانت ثلاثمائة وستين صنمًا حول الكعبة ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ لن يستطيعوا أن يخلقوا ذبابًا في صغره وقلته.
وقال الأخفش في هذه الآية: إن قيل فأين [[في (ظ)، (د)، (ع): (أين).]] المثل الذي ذكره الله في قوله ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ﴾؟ قلت: ليس هاهنا مثل؛ لأن المعنى أن الله تعالى قال: ضرب لي مثل، أي: شبه بي الأوثان، ثم قال: فاستمعوا لهذا المثل الذي جعلوه مثلي في قولهم، إنهم لن يقدروا على خلق ذباب ولو اجتمعوا له، أي: فكيف تُضرب هذه الآلهة في ضعفها وعجزها مثلاً لله وهو رب كل شيء ليس له شبه ولا مثل [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 637 مع تصرف. وقول الأخفش هذا محل نظر، فإن == الظاهر المتبادر أن في الآية مثلا، والضارب للمثل هو الله -عز وجل- ضرب مثلا لما يعبد من دونه. انظر "البحر المحيط" لأبي حيان 6/ 390، والألوسي 17/ 200. وانظر: شرح الإمام ابن القيم لهذا المثل في كتابه "إعلام الموقعين" 1/ 181 فقد بين -رحمه الله- أنه حقيق على كل عبد أن يستمع قلبه لهذا المثل، ويتدبره حق تدبره، فإنه يقطع مواد الشرك من قبله، ثم شرع في بيان المثل.]].
وتأويل الآية: جعل المشركون الأصنام شركائي فعبدوها معي، فاستمعوا حالها وصفتها، ثم بين ذلك فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. الآية.
والذُّبَاب اسم واحد للذكر والأنثى، وجمعه القليل: أذِبَّة، والكثير: ذِبَّان مثل غُراب وأغْرِبَة وغِرْبان [[هذا كلام الطبري 17/ 203 والثعلبي 3/ 56 ب لكن ليس عندهما للذكر والأنثى. وانظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 451/ 14 (ذب)، "الصحاح" للجوهري 1/ 126 (ذبب)، "لسان العرب" 1/ 382 (ذبب).]].
قال الزجاجي [[في (أ): (الزجاج)، والأظهر ما في باقي النسخ لأن هذا الكلام ليس موجودًا في كتاب "معاني القرآن". والزجاجي هو: عبد الرحمن بن إسحاق، أبو القاسم الزجاجي، أحد أئمة العربية. لزم أبا إسحاق الزجاج -وإليه ينسب- حتى برع في النحو، وأخذ عن أبي بكر بن السراج وعلي بن سليمان الأخفش وغيرهما. صنف "الجمل في النحو" الكتاب المشهور -وبه يعرف- وغيره من المصنفات. توفي سنة 339 هـ وقيل 340 هـ. "طبقات النحويين واللغويين" ص 129، "نزهة الألباء" ص 306، "إنباه الرواة" 2/ 160، "سير أعلام النبلاء" 15/ 475، "بغية الوعاة" 2/ 77.]]: وسُمي هذا الطائر ذبابًا لكثرة حركته واضطرابه وسرعة انتقاله إلى الموضع الذي يُذَبّ عنه وينحى [[لم أجده.]].
وأصل (ذب ب) [[في (أ): (ذب).]] على هذا الترتيب موضوع [[في (أ): (موضع)، وهو ساقط من (ظ).]] في كلامهم لسرعته في [[(في): ساقطة من (أ).]] الحركة والانتقال والاضطراب والمجيء والذهاب، ومنه قولهم: ذبب الرجل وذبذب، إذا أخذ في السير وأسرع. وذباذبُ الهودج: ما تعلق منه فيتردد في الهواء. والذَّبْذَبُ: ذكر الرجل، سُمّي بذلك لتردده. الذبّ: الرجل الخفيف الحركة [[انظر (ذبب) في: "تهذيب اللغة" للأزهري 14/ 414، "الصحاح" للجوهري 1/ 126 - 127، "مقاييس اللغة" لابن فارس 2/ 348 - 349 (ذب)، "لسان العرب" 1/ 384 (ذبب).]].
قوله: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ أي: إن سلبهم الذباب شيئًا مما عليهم لا يقدرون أن يستردوا وينزعوا ذلك من الذباب. ومعنى الاستنقاذ والإنقاذ: التخليص [[انظر (نقذ) في "تهذيب اللغة" للأزهري 9/ 74، "الصحاح" للجوهري 2/ 572، "لسان العرب" 3/ 516.]]. وذكرنا ذلك عند قوله ﴿فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران: 103].
قال ابن عباس: كانوا يطلون أصنامهم الزعفران فيجف، ويأتي الذباب فيختلسه [[ذكره عنه البغوي 5/ 400، وابن الجوزي 5/ 452، والقرطبي 12/ 97.]]، فقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا﴾ يريد من العطر ﴿لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ يريد الذباب.
وقال السدي عن أصحابه: كانوا يجعلون للأصنام طعامًا فيقع عليه الذباب فيأكل، فلا يستطيع أن يستنقذه منه [[رواه ابن أبي حاتم عنه كما في "الدر المنثور" 6/ 75. وذكره عنه البغوي 5/ 400، وابن الجوزي 5/ 452، والقرطبي 12/ 97.]].
وقال مقاتل: أي فكيف [[في (أ): (كيف).]] يعبدون من لا يخلق ذبابًا، ولا يمتنع من الذباب [["تفسيرمقاتل" 2/ 28 ب.]].
وقال أبو إسحاق: أعلم الله أن الذين عُبدوا من دونه لا يقدرون على خلق واحد قليل ضعيف من خلقه ولا على استنقاذ تافه حقير منه [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 438.]].
قوله: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ قال ابن عباس: ﴿الطَّالِبُ﴾: الصنم، ﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾: الذباب. هذا قوله في رواية عطاء [[ذكره ابن الجوزي 5/ 452 عن عطاء، عن ابن عباس. ورواه الطبري 17/ 203 هذا القول عن ابن عباس من طريق ابن جريج قال: قال ابن عباس. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 75 وعزاه لابن جرير وابن المنذر.]].
وهو قول الكلبي، وابن زيد [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 56 ب.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 2/ 28 ب.]]، قالوا: ﴿الطَّالِبُ﴾ هو [[(هو): ساقطة من (ظ).]] الصنم الذي سلبه الذباب ولم يمتنع منه، ﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾ هو الذباب.
وعلى هذا معنى الآية: ضعف ﴿الطَّالِبُ﴾ الذي هو الصنم فلم يطلب ما سلب منه، وضعف المطلوب منه وهو الذباب السالب.
وهذا القول اختيار الفراء، فقال: ﴿الطَّالِبُ﴾: الآلهة، ﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾ الذباب، وفيه معنى المثل [["معاني القرآن" للفراء 2/ 230.]].
وروى عن ابن عباس: ﴿الطَّالِبُ﴾: الذباب، ﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾: الصنم [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 56 ب.]]. وذلك أن الذباب يطلب ما يسلب الصنم من طيب أو طعام والصنم المطلوب منه السلب.
وقال الضحاك: يعني العابد والمعبود [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 56 أ.]]. وهذا معنى قول السدي: الطالب: الذي يطلب إلى هذا الصنم بالتقرب إليه، والصنم المطلوب إليه [[(إليه): ساقطة من (ظ).]] [[رواه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" 6/ 75. قال الإمام ابن القيم في "إعلام الموقعين" 1/ 182 - بعد ذكره للأقوال المتقدمة في معنى الطالب والمطلوب-: والصحيح أن اللفظ يتناول الجميع فضعف العابد والمعبود والمُستلِب والمُستلَب.]].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences