Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
An-Nur 24:35–36, continued
ومن البركة في الزيت والزيتون [[في (ع): (الزيتونة).]] ما ذكره عطاء، عن ابن عباس قال: فيها أنواع من المنافع، فالزيت يُسرج به، وهو إدام، وهو دهان، وهو دباغ، وهو وقيد [[في (ع): (وقود)، وهما لغتان. انظر: "القاموس المحيط" 1/ 346 (الوّقد).]] يوقد بحطبه وثفله [[في (أ): وتفله. ومهملة في (ظ).
والثُّفل: ما سفل من كل شيء. "لسان العرب" 11/ 84 (ثفل).]]، وليس منه شيء إلا وفيه [[في (ظ)، (ع): (وفيها).]] منافع حتى الرَّماد يُغسل به الإبريسم [[ذكره عن ابن عباس: القُرطبيُّ 12/ 258، وذكره ابن الجوزي 6/ 43 من غير نسبة.]].
ومن بركتها أنها أول شجرة نبتت بعد الطوفان، وهي تنبت في منازل الأنبياء والمرسلين والأرض المقدسة، ودعا لها سبعون نبيًا بالبركة منهم إبراهيم الخليل [[(الخليل): زيادة من (ع).]] - عليه السلام - [[من قوله: ومن بركتها. إلى هنا، ذكره الثعلبي 3/ 84 أوصدَّره بقوله: قيل. وما ذُكر يحتاج إلى دليل. والله أعلم.]] ونبينا محمد -ﷺ- كما ذكرنا.
وذكر الزجاج من بركتها أنَّ أغصانها تكون مورقة من أسفلها إلى أعلاها، وليس في الشجر شيء يورق غصنه من أوله إلى آخره مثل الزيتون والرمّان [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 45.]].
وكذلك قال أبو طالب في بعض القرشيين [[هو: مسافر بن أبي عمرو بن أمية، ولذا يقول أبو طالب في مطلع قصيدته:
ليت شعري مسافر بن أبي ... عمرو وليت يقولها المحزون
وانظر خبر موت مسافر في "الأغاني" للأصفهاني 9/ 51، و"الخزانة" للبغدادي 10/ 468.]] وقد مات بغزَّة [[في (أ)، (ظ): (لعده) مهملة.
وغزَّة: موضع معروف من مشارف الشام، انظر: "معجم البلدان" لياقوت 6/ 289 - 290 و"معجم ما استعجم" للبكري 2/ 997.
ومسافر بن عمرو لم يمت بغزَّة، وإنَّما مات بهبالة أو تباله، قال أبو طاب في تلك القصيدة:
ميت صدق على هبالة أمسيت ... ومن دون ملتقاك الحجون
وفي "ديوان أبي طالب" ص 51:
ميت صدق على تبالة
وهبالة: ماء لبني عقيل- وقيل لبني نمير .. وقد ذكره ياقوت في "معجم البلدان" 8/ 442 وذكر فيه شعر أبي طالب. وانظر: "معجم ما استعجم" 2/ 1344.
وتبالة: موضع بقرب الطائف. "معجم ما استعجم" للبكري 1/ 301.
أما الذي مات بغزَّة من القرشيين فهو هاشم بن عبد مناف كما ذكر ذلك ياقوت 6/ 290، والبكري في "معجم ما استعجم" 2/ 997.]] يرثيه:
بُورك الميت الغريب كما بورك ... نضر [[في (أ): (نضر)، أهمل أوله وفي (ع): (نضو)، وفي (ظ): (نصو) مهملة.]] الرمان والزيتون [[البيت لأبي طالب وهو منسوب له في: كتاب "النَّبات" للأصمعي ص 26 حيث قال: ويقال: نَضَح الشَّجر ينضح نضحًا، إذا تفطَّر للتوريق، قال أبو طالب بن عبد المطلب:
بورك الميت الغريب كما بورك ... نضحُ الرمان والزيتون.
و"نسب قريش" لأبي عبد الله المصعب الزبيري ص 137 بمثل رواية: الأصمعي. وفي "ديوان شيخ الأباطح أبي طالب جمع أبي هفَّان المهزمي وشرح أبي الفتح == ابن جني" ص 21 بمثل رواية الأصمعي.
و"الأغاني" للأصفهاني 6/ 51 وعنده:
بورك .. .. نضر الريحان والزيتون
و"المحرر الوجيز" لابن عطية 10/ 511، والقرطبي 12/ 258 وعندهما (نبع) في موضع (نضح).
و"البحر المحيط" لأبي حيان 6/ 457 وعنده: "نَضْر" بمثل رواية الواحدي.
و"خزانة الأدب" للبغدادي 10/ 463، 467 وذكر رواية الديوان ورواية صاحب الأغاني، لكن رواية صاحب الأغاني عنده: .. كما بورك غُصنُ الريحان والزيتون. والبيت غير منسوب في "معاني القرآن" للزَّجَّاج 4/ 45 وفي المطبوع: .. كما بورك نظم .. ، و"أحكام القرآن" لابن العربي 3/ 1388 وعنده: (نضر).
أما معنى البيت فقد قال البغدادي في "الخزانة" 10/ 470: "بورك الميت" إلخ جملة دعائية، والبركة: الزيادة، والنضح -بفتح النون وسكون الضّاد المعجمة بعدها حاء مهملة-: القليل .. نضح الشجر إذا تفطَّر، وأراد به اسم المفعول أي الفروع المنشقة عند ما يخرج. والزيتون معطوف على نضح.]] ولا يحتاج دهنه إلى عصّار يستخرجه [[في (ع): (يخرجه أو يستخرجه).]] [[هذا قول الثعلبي في "تفسيره" 3/ 84 أ.]]. وهذه كلها من بركات هذه الشجرة.
وقوله ﴿زَيْتُونَةٍ﴾ بدل من قوله ﴿شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [[ذكرأبو حيّان 6/ 458 هذا القول، ثم قال. وجوَّز بعضهم أن يكون عطف بيان، ولا يجوز على مذهب البصريين، لأن عطف البيان عندهم لا يكون إلا في المعارف، وأجاز الكوفيون وتبعهم الفارسي أنه يكون في النكرات.
وذكر السمين الحلبي في "الدر المصون" 8/ 408 القولين، وذكر أن القول بالبدلية هو أشهرهما.]].
وخص الزيتونة من بين سائر الأشجار؛ لأن دهنها أضوى وأصفي [[هذا قول الثعلبي في "تفسيره" 3/ 84 أ.]].
قوله ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ قال ابن عباس في رواية عكرمة: هي شجرة بالصحراء [[في (أ): (الصحراء).]]، لا يظلها شجر ولا جبل ولا كهف، ولا يواريها شيء، وهو أجود لزيتها [[رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 747 ب، 48 أمن رواية عكرمة عن ابن عباس وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 201 وزاد نسبته للفريابي وذكره البغوي 6/ 47، وابن الجوزي 6/ 43 من رواية عكرمة، عنه.]].
وقال السدي: يقول: ليست بشرقيّة يحوزها المشرق دون المغرب، وليست [[في (ع): (ولا).]] بغربيّة يحوزها المغرب دون المشرق، ولكنّها على رأس جبل في صحراء تصيبها الشمس النهار كله [[رواه عنه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 48 أ. وذكره عنه ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" 3/ 291.]].
وقال الكلبي: هي بفلاة [[فلاة: الصحراء الواسعة أو المستوية التي ليس فيها شيء. "لسان العرب" 15/ 164 (فلا).]] على تلعة [[التَّلعة: ما ارتفع من الأرض. "القاموس المحيط" 3/ 10.]] من الأرض لا يصيبها ظل غرب ولا شرق، ولا يسترها من المشرق ولا من المغرب شيء، وهو أصفى الزيت [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 60 عن الكلبي من قوله: ولا يسترها.]].
وقال قتادة: هي شجرة لا يفي عليها ظل شرق ولا غرب [[في (أ) زيادة: (ويسترها من المشارق) بعد قوله: (ولا غرب)، وهو انتقال نظر من الناسخ إلى السطر الذي قبله.]]، ضاحية للشمس [[في (ع): (للنّهار).]]. وزيتها أصفى الزيت [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 60. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 200 وعزاه أيضًا لعبد بن حميد والطبري. ولم أره في الطبري.]].
ونحو هذا قال عكرمة [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 84 أ، ورواه عنه سعيد بن منصور في "سننه" 160 أ، والطبري 18/ 142، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 48 أ.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 201 من رواية عبد بن حميد عنه.]]، ومجاهد [[رواه الطبري 18/ 142، وابن أبي حاتم 7/ 48.]]، وجويبر عن الضحاك [[قال السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 201 - بعد أن ذكر هذا القول عن ابن عباس-: (وروى عبد بن حميد عن عكرمة، والضحَّاك مثله).]]، وأكثر المفسرين [[انظر: "الطبري" 18/ 142، ابن أبي حاتم 7/ 47 ب، 48 أ، ب، ابن كثير 3/ 290 - 291، "الدر المنثور" للسيوطي 6/ 200 - 201.]]. واختاره الفراء، والزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للزَّجَّاج 4/ 45.]].
قال الفراء: الشَّرقية التي تأخذها الشمس إذا شرقت ولا تصبها [إذا غربت؛ لأن لها سترًا [[في (أ): (يسترا).]]. والغربية التي تصيبها الشمس بالعشي [[(بالعشي): ساقطة من (ع).]] ولا تصيبها] [[ساقط من (ظ).]] بالغداة، فلذلك قال ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ﴾ وحدها ﴿وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ وحدها ولكنها شرقية غربية، وهو [[في (أ): (وهذا).]] كما تقول في الكلام: فلان لا مُسافر ولا مُقيم، إذا كان يسافر ويقيم، والمعنى أنه ليس بمنفرد بإقامة ولا سفر [["معاني القرآن" للفراء 2/ 253.]].
ونحو هذا قال أحمد بن يحيى [[هو ثعلب. وقد ذكر عنه هذا القول الثعلبي 3/ 84 أ.]]، فقال: يقول: هي شرقية غربية، كما تقول: ليس هذا بأبيض ولا أسود، إذا كان له من كلا الأمرين قسط ونصيب.
قال الفرزدق:
بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم ... ولم يكثر [[في (ظ)، (ع): (يكثروا).]] القتلى [[في (ظ)، (ع). (القتل).]] بها حين سلَّت [[البيت في "المعاني الكبير" لابن قتيبة 2/ 899 - 900، 1081، و"الكامل" للمبرد 1/ 308، و"الأضداد" لابن الأنباري ص 259 و"لسان العرب" 12/ 330 (شيم).
قال ابن قتيبة 2/ 900: أراد لا يشيمون سيوفهم ولم يكثر القتلى بها، ولكنهم يشيمونها إذا أكثروا بها القتلى.
وقال 2/ 1081: يقول: لم يغمدوا سيوفهم والقتلى لم تكثر حين سلت، ولكن أغمدوها حين كثرت القتلى.
وقال المبرّد في "الكامل" 1/ 308: وهذا البيت طريف عند أصحاب المعاني، وتأويله: (لم يشيموا): لم يغمدوا، (ولم تكثر القتلى) أي لم يغمدوا سيوفهم إلاَّ وقد كثرت القتلى بها حين سلت.
وقال ابن الأنباري ص 295: أراد: لم يغمدوا سيوفهم حتى كثرت القتلى.]]
يعني: شاموا سيوفهم وأكثروا بها من القتلى.
وقال الزجاج: أي تصيبها الشمس بالغداة والعشي فهو أنضر لها وأجود لزيتها وزيتونها [["معاني القرآن" للزجاح 4/ 45.]].
وفسر قوله ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ بضد التفسير الذي ذكرنا: قال أبو مالك في قوله ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾: هي شجرة بين [[في (أ): (من).]] الأشجار، لا تصيبها الشمس في شرق ولا غرب [[قال السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 201 - بعد أن ذكر عن ابن جبير نحو هذا القول: وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك وكعب نحوه.]].
وهذا قول أبي روق، والضحاك [[جاء عن الضحاك خلاف هذا القول، فقد ذكر السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 201. بعد ذكره لقول ابن عباس: شجرة لا يظلها كهفٌ ولا جبل ولا يواريها شيء، وهو أجود لزيتها، قال: وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة والضحاك .. مثله.]]، وسعيد بن جبير [[رواه سعيد بن منصور في "سننه" (ل 160 أ)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 47 ب. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 201 ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر.]]، قالوا: لا تصيبها الشمس لا شرقًا ولا غربًا.
قال سعيد: وذاك أجود ما يكون من الزيت [[رواه ابن أبي حاتم 7/ 48 بمثله. ورواه سعيد بن منصور في "سننه" (ل 160 أ) بلفظ: وهي من أجود الشَّجر.]].
وهذا القول يروى عن أبيّ بن كعب رحمه الله قال: هي شجرة التفَّ بها الشجر [[في (ظ)، (ع): (الشجرة).]] فهي خضراء ناعمة، لا تصيبها الشمس على أي حال كانت لا إذا طلعت ولا إذا غربت [[رواه الطبري 18/ 138، وابن أبي حاتم 7/ 47 ب، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 197 ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر.]].
وروى الربيع بن أنس [[في (ظ): (عن أنس)، وهو خطأ.]]، عن أبي العالية قال: ليس هذا في الدنيا إنما هو مثل ضرب [[لم أجد من ذكره عنه.]].
ونحو هذا قال الحسن: ليست هذه الشجرة من شجر الدنيا، ولو كانت في الأرض لكانت شرقية أو غربية، وإنَّما هو مثل ضربه الله -عز وجل- [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 84 أبهذا اللفظ. ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 60، والطبري 18/ 142، وابن أبي حاتم 7/ 48 ب بنحوه. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 201 ونسبه أيضًا لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.
قال الثعلبي 3/ 48 أ: وقد أفصح القرآن بأنَّها من شجر الدنيا، لأنَّه أبدل من الشجرة فقال: "زيتونة".
وضعَّف هذا القول الرازي في "تفسيره" 23/ 236، وردَّه الشنقيطي كما في "تفسير سورة النور" ص 138.]].
وقال ابن زيد: يعني أنها شامية؛ لأنَّ الشَّام لا شرقي ولا غربي [[رواه الطبري 18/ 142، وابن أبي حاتم 7/ 48 ب بنحوه مختصرًا.]].
والقول هو الأول.
قوله: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا﴾ زيت الزيتونة يعني: الدهن ﴿يُضِيءُ﴾ المكان من ضيائه وصفائه [[الثعلبي 3/ 84 ب.]].
﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ ولو لم تصبه النار.
واختلفوا في المراد بهذا المثل.
فروي عن أبي بن كعب أنه قال: هذا مثل لعبد قد جُعل الإيمان والقرآن في صدره، فالمشكاة: قلبه، والمصباح: هو الإيمان والقرآن، والزجاجة: صدره [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 85 أوعنده: المشكاة: نفسه. == ورواه الطبري 18/ 138، وابن أبي حاتم مفرقًا 7/ 45 أ - ب، 46 أ - ب عنه -رضي الله عنه- لكن في روايتهما أن المشكاة: صدره، والزجاجة: قلبه.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 197 بمثل رواية الطبري وابن أبي حاتم، وعزاه لهما وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه وغيرهم.]].
وهذا قول الكلبي، والسدي، وقتادة [[رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 49 ب عن السدي وقتادة بمعناه مختصرًا.]] والحسن، وابن زيد [[ذكره الثعلبي 3/ 85 أعن الحسن وابن زيد: بنحوه.
ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 45 أعن الحسن بنحوه.
ورواه الطبري في "تفسيره" 18/ 139، عن ابن زيد، بنحوه.]]، وقول ابن عباس في رواية سعيد بن جبير [[روى ابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 45 أمن طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (مثل نوره): مثل نور من آمن بالله.]].
قال ابن عباس في قوله ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾: يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه العلم ازداد هدى على هدى ونورًا على نور، كقول إبراهيم -عليه السلام- قبل أن تجيئه المعرفة ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: 76] من غير أن أخبره [[عند الطبري: يخبره.]] أحدٌ أن له ربًّا [[ذكر ابن كثير 2/ 151 اختلاف المفسرين في قوله إبراهيم ﴿هَذَا رَبِّي﴾ هل هو مقام نظر أو مناظرة، ثم قال: والحق أنَّ إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- كان في المقام مناظرًا لقومه، مبينًا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام.
ثم بيَّن ذلك وساق الأدلة على هذا الأمر.]]، فلما أخبره الله أنَّه ربه ازداد هدى على هدى [[رواه الطبري 18/ 138.
وذكره مختصرًا السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 197، ونسبه للطبري وابن أبي حاتم وابن المنذر والبيهقي في "الأسماء والصفات".]].
قوله تعالى: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ قال مجاهد: النار على الزيت [[رواه الطبري 18/ 143، وابن أبي حاتم 7/ 49 ب، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 200 ونسبه أيضًا لعبد بن حميد.]].
وقال الكلبي: المصباح نور، والقنديل نور [[ذكره عن ابن الجوزي 6/ 43 لكن فيه الزجاجة بدلاً من القنديل.]].
قال ابن عباس: وهو مثل لإيمان المؤمن وعمله [[رواه الطبري 18/ 139، وابن أبي حاتم 7/ 49 أ، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 198 ونسبه أيضًا لابن مردويه.]].
وقال الحسن: يعني أن القرآن نور من الله لخلقه مع ما قد [[(قد): ساقطة من (أ).]] قام لهم الدلائل والأعلام قبل نزول القرآن [[ذكره عنه البغوي 6/ 49، وذكر الثعلبي 3/ 85 أهذا القول بنصِّه ولم ينسبه لأحد.]].
وقال أُبي بن كعب: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ يعني أن المؤمن يتقلَّب في خمسة من النور: فكلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة [[رواه الطبري 18/ 138، وابن أبي حاتم 7/ 49، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 197 وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه وغيرهم.]].
وقال السدي: نور الإيمان ونور القرآن [[رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 49 ب، وذكره عنه البغوي 6/ 49، وابن كثير 3/ 291.]].
وقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ يعني محمدًا -ﷺ- [[هذا مروي عن سعيد بن جبير والضحاك وكعب. انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 7/ 45 أ، البغوي 6/ 45.]].
قال أبو إسحاق: وذلك جائز أن يراد بالنور في قوله ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ محمد -ﷺ- لأنَّه هو المرشد والمبيّن والناقل عن الله -عز وجل- على ما هو نيّر بيّن [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 43.]].
والمشكاة: قلبه، والمصباح: مثل لما في قلبه من الإيمان والنّور [[(والنّور): ساقطة من (ع).]] والنبوة والحكمة، والزجاج: مثل لصدره في الصفاء والحسن والنقاء، ثم قال: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ يقول: استنار نور محمد -ﷺ- من نور إبراهيم - عليه السلام -؛ لأنَّه من ولده وعلى دينه ومنهاجه وسنّته، ويعني بالزيتونة حسن طاعة إبراهيم لله تعالى في دار الدنيا، ثم قال في صفة الزيتونة ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ يقول: إن إبراهيم -عليه السلام- لم يكن يصلي [[في (أ): (يصل).]] قبل المشرق ولا قبل المغرب أي: لم يكن يصلي قبلة اليهود ولا قبلة النصارى [[في (ظ): (لليهود، للنّصارى).]] وقوله ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ يقول: لو أنَّ إبراهيم لم يكن نبيًا لأعطاه الله بحسن [[في (ظ): (لحسن).]] طاعته لله في الدنيا الثواب مع الأنبياء، ثم قال: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ يقول: استنار نور محمد -ﷺ- من نور إبراهيم. وهذا كلام ابن عباس في رواية عطاء [[لم أجده.]].
ونحو هذا روي عن ابن عمر [[رواه الطبراني في "الكبير" 12/ 317، وفي، "الأوسط" 2/ 501 - 502، وابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" 7/ 2556، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 84 ب كلهم من طريق الوازع بن نافع، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر، فذكر نحوه.
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 83: رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط" وفيه الوازع بن نافع وهو متروك.]] وكعب الأحبار [[رواه الطبري في "تفسيره" 18/ 137، وابن أبي حاتم في "تفسيره" مفرقًا 7/ 46 أ == عن شمر بن عطية قال: جاء ابن عباس رضي الله عنهما إلى كعب الأحبار فقال: حدثني عن قول الله "الله نور السموات والأرض"، فذكر نحوه.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 198 وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردوية.
وهذا الأثر منقطع؛ فإنَّ شمَّر بن عطية. لم يلق ابن عباس.
قال أبو بكر بن العربي في "أحكام القرآن" 3/ 1389 - بعد ذكره هذا القول-: وهذا كلّه عدول عن الظاهر، وليس يمتنع في التمثيل أن يتوسع المرء فيه، ولكن على الطريقة التي شرعناها في قانون التأويل لا على الاسترسال المطلق الذي يخرج الأمر عن بابه، ويُحمِّل على اللفظ ما لا يطيقه.]] في هذه الآية.
قال القرظي: المشكاة: إبراهيم، والزجاجة: إسماعيل، والمصباح: محمد -ﷺ-، والشجرة المباركة: إبراهيم؛ لأن أكثر الأنبياء كانوا من صلبه، ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا. وقوله ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ يقول: تكاد محاسن محمد -ﷺ- تظهر للناس قبل أن يوحى [[في (ظ)، (ع): (أوحى).]] إليه ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ نبي مرسل من نسل نبي مرسل [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 84 ب، 85 أ، والبغوي 6/ 48، والقرطبي 12/ 263.]].
وقال مقاتل: شبه عبد المطلب بالمشكاة، وعبد الله بالزجاجة، والنبي محمد -ﷺ- بالمصباح، فورث النبوة من أبيه إبراهيم -عليه السلام-، وهو قوله ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [[عند الثعلبي 3/ 85 أ: روى مقاتل، عن الضحاك: شبَّه عبد المطلب بالمشكاة .. بمثل ما ذكره الواحدي هنا. فالذي يظهر أن الواحدي نقله عن الثعلبي وأسقط الضحاك؛ لأن قول مقاتل في "تفسيره" والذي ينقل منه الواحدي عادة - يختلف عما هنا، فإن فيه 2/ 38 ب: يعني بالمشكاة صُلب عبد الله أبي محمد -ﷺ-، ويعني بالزجاجة جسد محمد -ﷺ-، ويعنى بالسِّراج الإيمان في جسد محمد -ﷺ-، فلما == خرجت الزجاجة فيها المصباح من الكُوَّة صارت الكوَّة مظلمة فذهب نورها، والكوة مثل عبد الله ثم شبَّه الزجاجة بمحمد -ﷺ- .. ويعني بالشجرة إبراهيم. اهـ. وقد تقدَّم كلام ابن العربي في هذه الأقوال البعيدة.]].
قوله تعالى: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ قال ابن عباس: لدينه الإسلام [[ذكره عنه البغوي 6/ 49. وذكره ابن الجوزي 6/ 44 من غير نسبة.]].
وإن شئت قلت للقرآن، وإن شئت لمحمد -ﷺ- على اختلاف التفسير في قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾.
﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾ ويبيّن الله الأشباه للناس تقريبًا إلى الأفهام وتسهيلًا لسبل الإدراك [[الثعلبي 3/ 85 ب.]] ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
24:36Page 354
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ ٣٦
[Such niches are] in houses [i.e., mosques] which Allāh has ordered to be raised and that His name be mentioned [i.e., praised] therein; exalting Him within them in the morning and the evenings1
﴿فِي بُيُوتٍ﴾ اختلفوا في المتصل به من قوله ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ فذكر الزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 45.]] والفراء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 253 - 254.]] قولين:
أحدهما: أنَّه من صلة المشكاة على تقدير: كمشكاة فيها مصباح في بيوت [فيكون قوله ﴿فِي بُيُوتٍ﴾] [[ساقط من (ع).]] وصفًا للنكرة كما كان قوله ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ وصفًا لها.
وهذا القول اختيار أبي علي، قال: وفي قوله ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ ضمير مرفوع يعود إلى الموصوف، لأن الظرف في الصفة مثله في الصلة [["الحجة" لأبي علي 5/ 322.]].
القول الثاني: أنَّ (فِي) متصلة بقوله (يُسَبِّحُ لَهُ) ويكون [[(ويكون): ساقطة من (أ).]] (فِيهَا) تكرارًا على التوكيد كقولك: في الدار قام زيد فيها.
وهذا القول إنّما هو على قراءة العامة [[قرأ جمهور القراء: "يسبّح" بكسر الباء. وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: "يُسبَّح" بفتح الباء.
"السبعة" ص 456،" التبصرة" ص 273، "التيسير" ص 162.]]. [وعلى قراءة] [[ساقط من (ع).]] من قرأ (يسبَّح) بفتح الباء لا تكون (في) من صلة التسبيح. وذكر غيرهما [[ذكر ذلك الطبري 14/ 144، والثعلبي 3/ 85 ب. وحكاه ابن عطية 10/ 513، وأبو حيان 6/ 457 عن الرُّماني.]] أن [[(أنَّ): ساقطة من (ع).]] (في) من صلة (توقد). هذا الذي ذكرنا معنى قول أهل المعاني.
والاختيار أن لا تجعل هذه الآية متصلة بما قبلها؛ لأنَّ الآية الأولى في [[في (ع): (من).]] ضرب المثل لنور المؤمن بالمشكاة التي فيها مصباح يُزهر بزيت [[في (ع): (بنور زيت).]] مضيء. ولا فائدة في وصف المصباح بكونه في بيوت أو في غيرها، ولا تأكيد لضوئها بأن تُوصف [[في (ع): (تذكر).]] أنَّها في بيوت يذكر فيها اسم الله، وأيضًا فإنَّه وحدّ المشكاة وجمع البيوت، ولا تكون مشكاة في بيوت [[حكى الرازي 24/ 2 هذا الاعتراض عن أبي مسلم بن بحر الأصفهاني.]]، فإذن الأولى أن يقال: قوله: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ ابتداء كلام في وصف مساجد المؤمنين [[في (أ)، (ع): (والمؤمنين).]] الذين يذكرون الله فيها ويعبدونه وُيصلّون له.
وأما معنى البيوت: فقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد المساجد [[لم أجد من ذكره عنه من رواية عطاء. وقد روى الطبري 18/ 144، وابن أبي حاتم 7/ 49 ب هذا القول عنه من رواية علي بن أبي طلحة.
ورواه الطبري 18/ 144 أيضًا من رواية العوفي.]]. وهو قول أبي صالح [[ذكره عنه ابن أبي حاتم 7/ 49 ب، وابن كثير 3/ 292.]]، ومجاهد في رواية ابن أبي نجيح [[رواه عنه الطبري 18/ 144 من رواية ابن أبي نجيح. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 202 ونسبه أيضًا لعبد بن حميد.]]، ومقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 2/ 39 أ.]]، وعكرمة [[ذكره عنه ابن أبي حاتم 7/ 49 ب، وابن كثير 3/ 292. وله قول آخر: أنَّها البيوت كلها. رواه عنه الطبري 18/ 144، وابن أبي حاتم 7/ 50 أ.]]، والحسن [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 60، والطبري 18/ 144.]] وأكثر المفسرين [[انظر: "الطبري" 18/ 144، ابن الجوزي 6/ 46، ابن كثير 3/ 292.]].
وعلى هذا الآية عامة في جميع المساجد.
قال ابن عباس فيما روى عنه سعيد بن جبير: المساجد بيوت الله في الأرض، وهي تُضيء لأهل السَّماء [[في (أ): (الشهادة).]] كما [[(كما): ساقطة من (أ).]] تضيء النُّجوم لأهل الأرض [[رواه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 85 ب من طريق بُكير بن شهاب عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، به.
وبكير بن شهاب قال فيه ابن حجر في "التقريب" 1/ 107: مقبول.
ومعنى مقبول عن ابن حجر: حيث يتايع، وإلا فليَّن الحديث. انظر: "مقدمة == التقريب" ص 5، ولم يتابع بكيرًا أحدٌ، فإسناده ضعيف.
وذكره البغوي 6/ 49 من رواية سعيد بن جبير، عن ابن عباس.]].
ومنهم من خصَّص البيوت هاهنا، فقال: هي أربعة مساجد لم يبنهنَّ إلا نبي:
الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل، وبيت [[(بيت): ساقط من (ع). وفيها: وأريحا.
والمراد بأريحا -وهي بالفتح ثم كسر الراء-: بلدة في الأردن بالشام، بينها وبين بيت المقدس مسافة يوم للفارس. "معجم البلدان" 1/ 210.]] أريحا بناه داود وسليمان، ومسجد المدينة ومسجد قُباء بناهما النبي -ﷺ-. وهذا قول ابن بريدة.
وقال السدي: هي بيوت المدينة [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 85 ب.]].
وإنَّما خصَّ بيوت المدينة لأنها كانت يُصلّى فيها، ويذكر الله فيها حين نزلت هذه الآية.
وروى ليث عن مجاهد قال: هي بيوت النبي -ﷺ- [[رواه ابن أبي حاتم 7/ 50 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 203 وعزاه لابن أبي حاتم.
وسنده ضعيف، لأن فيه ليث بن أبي سليم وهو مجمع على ضعفه. وما تقدم عن مجاهد هو الصحيح.
وذكر هذا القول عن مجاهد أيضًا ابن الجوزي 6/ 6، والقرطبي 12/ 265.]].
وقد روي مرفوعًا أنَّ النبي -ﷺ- قرأ هذه الآية، فسئل أي بيوت هذه؟ فقال: "بيوت الأنبياء" [[رواه ابن مردويه كما في "الدر المنثور" 6/ 203، والثعلبي في "تفسيره الكشف والبيان" 3/ 85 ب عن أنس بن مالك، وعن بريدة.
وهذا الحديث لا يصح؛ لأنه من رواية نفيع بن الحارث عن أنس وبريدة. ونفيع == هذا قال عنه الحاكم: روى عن بريدة وأنس أحاديث موضوعة.
وقال ابن عبد البر: اتفق أهل العلم على نكارة حديثه وضعفه، وكذّبه بعضهم، وأجمعوا على ترك الرواية عنه، وليس عندهم شيء.
وقال الذهبي: هالك، تركوه. وقال ابن حجر: متروك، وقد كذّبه ابن معين.
انظر: "الاستغناء" لابن عبد البر 1/ 604، " المغني في الضعفاء" للذهبي 2/ 701، "تهذيب التهذيب" لابن حجر 10/ 470 - 472، "تقريب التهذيب" لابن حجر 2/ 306.]].
والقول هو الأول.
وقوله ﴿أَذِنَ اللَّهُ﴾ قال مقاتل: أمر الله [["تفسير مقاتل" 2/ 39 أ.]].
﴿أَنْ تُرْفَعَ﴾ قال ابن عباس [[ذكره عنه الرازي 24/ 3، وأبو حيان 6/ 458.
وروى الطبري 18/ 144، وابن أبي حاتم 7/ 49 ب عنه قال: تكرَّم، ونهى عن اللغو فيها.]]، ومجاهد [[رواه الطبري 18/ 145، وابن أبي حاتم 7/ 50 أ، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 202 وعزاه لعبد بن حميد أيضًا.]]، ومقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 2/ 39 أ.]]، وغيرهم [[هو الطبري: قال في "تفسيره" 18/ 144: معناه: أذن الله أن ترفع بناءً، كما قال جل ثناؤه-: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت) وذلك أنَّ ذلك هو الأغلب من معنى الرفع في البيوت والأبنية.]]: أن تبنى، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ﴾ [البقرة: 127].
وقال الحسن: (ترْفَعَ) أي: تُعظَّم [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 60 - 61، والطبري 18/ 145، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 202 - 203 وعزاه لمن تقدم.
وحكى الرَّازي في "تفسيره" 24/ 3 في قوله "ترفع" قولاً ثالثُا هو مجموع الأمرين: أي تبنى وتعظم. ولعل هذا الأقرب؛ لأنَّه يعم القولين. == قال العلامة الشنقيطي في "تفسير سورة النور" ص 141: والرفع قسمان: الأول: الرفع الحسي، وهو رفع القواعد والبناء، ومنه قوله تعالى: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل).
الثاني: الرفع المعنوي، وذلك يكون بأداء عبادة الله فيهان وصونها عما ينجسها حسيًّا كان أو معنويًا كارتكاب المنكرات.
وعمارة المسجد الحقيقية هي العمارة المعنوية، فلو زخرف المسجد وارتكبت فيه المنكرات، أو لم تقم فيه عبادة الله، فليس بمعمور حقيقة. ولو بني بالنَّخل والجريد والطين وأقيمت فيه العبادة، وطهِّر من الأقذار الحسيِّة والمعنوية فهو معمور حقيقة. ولهذا كان مسجد رسول الله -ﷺ- مبنيًّا بالجريد والنخل ومع ذلك كانت عمارته أعظم من اليوم، وإن كانت عمارته الحسيّة اليوم أعظم من ذلك اليوم.]].
والمعنى: لا يتكلم فيها بالخنا [[الخنا من الكلام: أفحشه. "لسان العرب" 14/ 244 (خنا).]].
قال أبو علي: قوله ([أذن الله] [[ساقط من (أ).]] أن ﴿تُرْفَعَ﴾) صفة للبيوت، والعائد منها إلى البيوت الذكر الذي في قوله ﴿تُرْفَعَ﴾ [["الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 322.]].
قوله ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ قال مقاتل: يوحّد الله فيها [["تفسير مقاتل" 2/ 39 أ.
وفي الآية قولان آخران حكاهما الماوردي 4/ 107.
أحدهما: يتلى فيها كتابه. قاله ابن عباس.
الثاني: تُذكر فيها أسماؤه الحسنى. قاله ابن جرير.
وما حكاه الماوردي عن ابن عباس رواه الطبري 18/ 145، وابن أبي حاتم 7/ 50 ب، عنه من رواية علي بن أبي طلحة.
وقول الطبري في "تفسيره" 18/ 145.
قال أبو حيان 6/ 458: (ويذكر في اسمه) ظاهره مطلق الذكر فيعم كل ذكر.]].
﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾ يُصلى لله في تلك البيوت. ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ يعني الصَّلوات المفروضة في قول المفسرين [[حكى الثعلبي 3/ 86 أهذا القول عن المفسرين. وحكاه البغوي 6/ 47 عن أهل التفسير. ولم يذكرا غيره. وعليه اقتصر الطبري 18/ 146، وابن كثير 3/ 294. وحكى الماوردي 4/ 107، وابن الجوزي 6/ 47، والرازي 24/ 4 قولين في التسبيح:
أحدهما: ما ذكر هنا. وعزاه الرازي للأكثرين.
الثاني: أنه التسبيح المعروف. وعزاه ابن الجوزي لبعض المفسرين.
واستظهر الرازي هذا الوجه: لأن الصلاة والزكاة قد عطفهما على ذلك من حيث قال "ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة".
والأولى عموم ذلك للصلاة والتسبيح المعروف: ولأنَّ الصلاة مشتملة على التسبيح.]].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences