Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:173–177
3:173Page 72
ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ ١٧٣
Those to whom people [i.e., hypocrites] said, "Indeed, the people have gathered against you, so fear them." But it [merely] increased them in faith, and they said, "Sufficient for us is Allāh, and [He is] the best Disposer of affairs."1
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ الآية.
قال المفسِّرُون: إنَّ أبا سفيان يوم أحد، حين أراد أن ينصرف، قال: يا محمد! موعِدُ ما بيننا وبينك موسمُ بَدْرٍ الصُّغْرَى [[وتسمى هذه الغزوة -كذلك- بغزوة بدر الثانية، والآخرة، والموعد. و (بدر) هو نفسه المكان الذي وقعت فيه معركة بدر الكبرى، أو الأولى. وقد حدد المشركون هذا المكان للقاء رسول الله ﷺ؛ انتقامًا لقتلاهم الذين قتلهم المسلمون في هذا الموضع في معركة بدر الأولى.
انظر أخبار هذه الغزوة في: "سيرة ابن هشام" 3/ 221 - 222، و"المغازي" 1/ 384.]]، لِقابِل، إنْ شِئْتَ.
فقال [[في (ج): (وقال).]] رسول الله ﷺ [[(رسول الله ﷺ): ليس في: (ج).]]، (ذلك بيننا [وبينك] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]]، إن شاءَ الله). فَلَمَّا كان العام المقبل، خرج أبو سُفيان في أهل مَكَّةَ، حتى نزل [مَجَنَّة] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). وفي (ب): (جنة). والمثبت من (ج)، ومصادر الخبر.
ومَجَنَّة: موضعٌ، كان سوقًا للجاهلية، يقع بناحية مرِّ الظهران، قرب جبل يقال له الأصفر، على بعد مسافة من مكة. وقيل في تحديد موقع مجنة غير ذلك. انظر: "معجم ما استعجم" 4/ 1187، و"معحم البلدان" 5/ 58.]]، ثم ألقى اللهُ الرُّعْبَ في قَلْبِهِ. فَبَدَا له الرجوع، فلقي نُعَيْمَ بنَ مَسْعُود الأشجَعِي [[تقدمت ترجمته.]]، فبعثه أبو سفيان، وقال: ثَبِّطْ [[في (ج): (نسط).]] عنّا مُحَمَدًا، وخَوِّفْهُ حتى لا [[(لا): ساقطة من (ج).]] يلقانا ببدر الصغرى. ولأن يكونَ الخُلْفُ مِنْ قِبَلِهِم، أحبّ إليّ مِنْ أنْ يكون مِنْ قِبَلي. فأتاهم نعَيْم [وخَوَّفَهم] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]]، فوجدهم يتجهزون لميعاد أبي سفيان، فقال: قد أَتَوْكُم في بلدكم، وصنعوا بكم ما صنعوا، فكيف بكم إذا وَرَدْتُم عليهم في بَلْدَتِهِم، وهم أكثر، وأنتم أقل؟
وهذا قول: مجاهد [[قوله، في: "تفسير الطبري" 4/ 181، و"تفسير الثعلبي" 3/ 153 أ، و"الدر المنثور" 2/ 181 وزاد نسبة إخراجه لعبد بن حميد، وابن المنذر.]]، ومقاتل [[قوله في "تفسيره" 1/ 315.]]، وعكرمة [[قوله في: "تفسير سفيان بن عيينة" 230، و"تفسير عبد الرزاق" 1/ 140، و"سنن سعيد بن منصور" 2/ 327 رقم (2914)، و"تفسير الطبري" 4/ 181، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 816، و"تفسير الثعلبي" 3/ 153 أ، و"الدر المنثور" 2/ 181 وزاد نسبته إلى ابن المنذر.]]، والواقدي [[قوله في "المغازي" 1/ 327.]]، والكلبي [[لم أقف على مصدر قوله. وقد ذكره القرطبي في "تفسيره" 4/ 279.]].
فـ ﴿النَّاسُ﴾ على قول هؤلاء، في قوله: ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾: هو نُعَيم ابن مسعود. وهو من العَامِّ الذي أريد به الخاصُّ. وهذا [[من قوله: (وهذا ..) إلى (.. وجاز ذلك): ساقط من (ب).]] اختيار الفرّاء [[في "معاني القرآن" له 1/ 247.]] والزجّاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 489. وبه قال ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" 282.]] أن ﴿النَّاسُ﴾ -في هذا الموضع [[في (ج): (القول).]] -: واحدٌ. وجاز ذلك؛ لأن هذا القول [[(واحد وجاز ذلك لأن هذا القول): ساقط من (ج).]] جاء من قِبَل الناس، فوُضِعَ كلامٌ موْضِعَ كلامٍ؛ للإيجاز [[في (أ)، (ب)، (ج): الإيجاز. والمثبت هو ما استصوبته.]]؛ وذلك أن نُعَيْمًا [[في (ب): (فيهما).]] ابتدأ بقوله: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾، ثم انتشر هذا القولُ؛ وخاضَ فيه الناسُ، وتكلم به كلُّ [[كل: ساقطة من (ج).]] أَحَدٍ، و-أيضًا- فقد يُطْلَقُ لفظُ (الناس) على الواحد، كما تقول -إذا انتظرت قومًا، فجاء واحدٌ منهم-: (قد جاءَ الناسُ)؛ إمَّا لتفخيمِ الشَأْنِ، وإمَّا لابتداء الإتيان.
وقال ابن عباس [[قوله في "تفسير الطبري" 4/ 180.]]، ومحمد بن إسحاق [[قوله في: "سيرة ابن هشام" 3/ 75، و"تفسير الطبري" 4/ 180، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 818.]] -في قوله: ﴿قَالَ لَهُمُ اَلنَّاسُ﴾ -: هم [[هم: ساقطة من (ج).]] رَكْبٌ مِنْ عَبْد القيس، مَرُّوا بِأبِي سفيان، فَدَسَّهم [[هكذا في (أ)، (ب)، (ج). وقد تكون (فندبهم)، وهي أولى وأنسب للمعنى.]] على المسلمين لِيُجَبِّنُوهم [[في (ب): (ليجيبوهم).]] عنه، وَضَمن على ذلك لهم جُعْلًا [[الجُعْل، والجِعال، والجُعالة، والجَعالة، والجعيلة: هو ما جُعل من عطاءٍ على عملٍ، وهو أعم من الأجرة والثواب والجمع: جُعُل، وجعائل. انظر: (جعل) في: "اللسان" 2/ 637، و"التاج" 14/ 109.
وما ذكره ابن عباس، وابن إسحاق -هنا- يعنيان به ما حدث عند خروج النبي ﷺ وأصحابه في طلب أبي سفيان والمشركين، بعد انصرافهم من أحد إلى حمراء الأسد، وكان المشركون قد عزموا على الكَرَّة على المسلمين لاستئصالهم، فلما أن علموا بخروج رسول الله ﷺ، في إثرهم، فَتَّ ذلك في عَضُدِهم، وحينها == طلبوا من الركب من (عبد القيس) الذين مروا بهم مبتغين المدينة للمِيرَة أن يهوِّلوا من أمر جيش المشركين، ويثَبِّطوا المسلمين عن لقائهم.
وهذا ما رجحه الطبري في "تفسيره" 4/ 182، وقال ابن عطية: (وهذا هو تفسير الجمهور لهذه الآية، وأنها في غزوة أحد في الخرجة إلى حمراء الأسد)، واستصوبه "المحرر الوجيز" 3/ 426. ورجحه ابن كثير في "تفسيره" 1/ 463. وانظر: "أسباب النزول" للواحدي 134 - 135.]].
وقال السُّدِّي [[قوله في: "تفسير الثعلبي" 3/ 154 ب، و"تفسير القرطبي" 4/ 279، و"زاد المسير" 1/ 505.]]: ﴿النَّاسُ﴾ ههنا هم: المنافقون، قالوا للمسلمين حين تجهزوا للمسير إلى بدر، لميعاد أبي سفيان: قد أتوكم في دياركم، فقاتلوكم [[(فقاتلواكم): ساقطة من (ج).]] وظَفَرِوا [[في (ج): (فطفروا).]] فإنْ أتيتموهم في ديارهم لا يَرْجِعُ منكم أَحَدٌ.
ومحل ﴿الَّذِينَ﴾: رَفْعٌ أو خفْضٌ، على ما ذكرنا في قوله: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا﴾ [آل عمران: 172] لأن هذا بدل منه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ يعني: أبا سفيان وأصحابَه.
وقوله [[(أ)، (ب): (وقولهم)، والمثبت من (ج).]]: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ أي: زادهم قولُ الناس لهم إيمانًا. أضمر المصدر، وأسند الفعل إليه. ومثله: قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [فاطر: 42]؛ أي: ما زادهم [[في (ج). (ما جاهم).]] مجيءُ النذيرِ. ومثله: قوله: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا﴾ [الأحزاب: 22]؛ أي: ما زادهم رؤيتُهم لهم.
ومثله مِنْ إضمار المصدر لِدِلالَةِ الفعلِ عليه كثيرٌ.
ومعنى قوله: ﴿إِيمَانًا﴾: قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]: أي: تصديقًا ويقينًا.
وقال أبو إسحاق [[في "معاني القرآن" له 1/ 490، نقله عنه بنصِّه.]]: أي: فزادهم ذلك التخويف ثبوتًا في دينهم، وإقامة على نُصْرة نبيهم.
﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ [أي: الذي [[(الذي): ساقطة من (أ)، (ب). وفي (ج): الذي. والمثبت هو ما استصوبته.]] يكفينا أمرَهم: اللهُ.
قال ابن الأنباري [[في "الزاهر" 1/ 96. نقله عنه باختصار.]]: معنى قوله: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ﴾] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]]: كافينا الله، وأنشد:
إذا كانت الهيجاءُ وانْشَقَّتِ العَصَا ... فَحَسْبُكَ والضَّحَّاكَ سَيْفٌ مُهَنَّدُ [[البيت، نُسِب لجرير في "ذيل الأمالي" 140. ولم أقف عليه في ديوانه.
ونُسِب لِلَبِيد في: "إعراب القرآن" المنسوب للزجاج 3/ 870، ولم أقف عليه في ديوانه. وورد غير منسوب في: "معاني القرآن" للفراء 1/ 417، و"الأصول في النحو" 2/ 37 و"جمهرة اللغة" 2/ 1047، و"الزاهر" 1/ 96، و"التهذيب" 1/ 810، و"التكملة" للفارسي 324، و"الصحاح" 6/ 2429 (عصا)، و"المخصص" 16/ 14، و"سمط الآلىء" 899، و"شرح المفصل" 2/ 51، و"اللسان" 2/ 865 (حسب)، 8/ 4732 (هيج)، 5/ 2981 (عصا)، و"مغني اللبيب" 731، و"المقاصد النحوية" 3/ 84، 2/ 136.
الهَيْجاء، والهَيْجا، والهَيْج، والهِياج: الحرب. انظر: "اللسان" 8/ 4732 (هيج). (انشقت العصا): أي: وقع الخلاف. انظر: "الصحاح" 6/ 2428 (عصا).]]
قال: معناه: يكفيك ويكفي الضحاكَ [[ناقل في "لسان العرب" عن ابن بَرْي معنًى آخر، فقال: (الواو في قوله: == (والضحاك) بمعنى الباءَ، وإن كانت معطوفة على المفعول، كما تقول: (بعت الشاءَ شاةً ودرهمًا)؛ لأن المعنى: أن الضحاك نفسه هو السيف المُهنَّد، وليس المعنى: يكفيك ويكفي الضحاك سيفٌ مهنَّدٌ كما ذكر). "اللسان" 5/ 2981 (عصا). ولكن المعنى الأوَّل الذي ذكره المؤلفُ هو الأوضح والأشهر.]].
ومثله [[في (ج): ومنه. وفي "الزاهر": (ومن ذلك).]] قول امرىء القَيْسِ:
وحَسْبُكَ مِنْ غِنًى شِبَعٌ ورِيُّ [[عجز بيت، وصدره:
فَتُوسِعُ أهلَها أقِطًا وَسَمْنًا
وهو في "ديوانه" ص 171. وقد نسب له -كذلك- في: "الزاهر" 1/ 96، و"الأمالي" للقالي 2/ 262، و"اللسان" 8/ 4835 (وسع)، 4/ 2104 (سمن). وورد غير منسوب في: "تفسير الثعلبي" 3/ 157أ، و"تفسير القرطبي" 4/ 282. وقد ورد في بعض المصادر: (فتملأ بيتنا أقطًا ..). والأقِط: شيء يصنع من اللبَن المخيض، على هيئة الجبن. والشاعر -هنا- يتحدث عن (مِعْزى)، تَدُرُّ الحليب، وتوسع أهلها بالأقط، والسَّمِن.]]
أي: يكفيك الشِبَعُ والرِيُّ.
ويقال: (أَحْسَبَني الشيءُ، إحْسابًا): إذا كفاني [[يقال: (أحسبني الشيءُ إحسابًا)، وهو (مُحسِبٌ): إذا كفاني. انظر: "تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج 49، و"الزاهر" 1/ 96، و"الأمالي" للقالي 2/ 262. انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 417.]]. فـ (حَسْبُ) مأخوذٌ من (الإحْساب)، وهو: الكِفَايَة. وهو اسمٌ فيه معنى الفعل؛ ألا ترى أنه يُعْطَفُ على المَكْني المتصل به بالنصب، كقوله: (فَحَسْبُكَ والضَّحَّاكَ)، على معنى: يكفيك. ومثله: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ [العنكبوت: 33].
وقوله تعالى: ﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ أي: الموكول إليه الأمور. (فَعِيل) بمعنى: (مَفْعُول) [[انظر: "تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج 54.]].
قال ابن الأنباري [[في "الزاهر" 1/ 100، نقله عنه بتصرف.]]: والعرب تتكلم بالوكيل، بمعنى: الكَفِيل. فتقول: (هو وكيلٌ بكذا وكذا)؛ يريدون: كفالته به. قال الشاعر:
ذَكَرْتُ أبا أرْوَى فَبِتُّ كَأنَنِي ... بِرَدِّ [[في (أ)، (ب): (بود). والمثبت من (ج)، ومصادر البيت.]] الأُمورِ الماضيات وَكِيلُ [[البيت، ورد منسوبًا لشقران السلامي، في "بهجة المجالس" 3/ 112. وورد غير منسوب في: "البيان والتبيين" 3/ 164، و"الزاهر" 1/ 100. وقد ورد في المصادر السابقة: (.. برد أمورِ الماضيات).]]
أراد: كأنني برد الأمور كفيلُ.
وقال الفرّاء [[في "معاني القرآن" له 2/ 116. وقول الفراء -هنا-، هو من تتمة نقل المؤلف عن "الزاهر" 1/ 99 - 100.]]: الوكيل: الكافي. قال الله -عز وجل-: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾ [الإسراء: 2]، أي: كافيا.
قال أبو بكر [[هو ابن الأنباري، في "الزاهر" 1/ 100. نقله عنه بالمعنى.]]: والذي أختاره: مذهب الفرّاء؛ لأن (نِعْمَ) سبيلها أن يكون الذي بعدها موافقًا للذي قبلها؛ كما تقول: (رازقُنا اللهُ، ونِعْمَ الرّازق). و (خالقُنا الله؛ ونعم الخالق). فيكون أحسنَ مِنْ قولك: (رازقنا الله؛ ونعْمَ الخالق)، وكذلك الآية: يكفينا [[في (ج): (ويكفينا).]] الله، ونِعْمَ الكافي.
وأصلُه في اللغة: ما ذكرنا؛ أنه الموكول إليه، ثم الكافي [[أنكر الزجاج أن يكون (الوكيل) بمعنى (الكافي)؛ فقال -بعد أن ذكر رأي == الفراء-: (ونحن لا نعرف في الكلام: (وَكَلْتُ) ولا (وكَلْتُ إليه): إذا كَفَيْت. فلا ندري من أين له هذا القول). "تفسير أسماء الله الحسنى" 54.]].
والكفيل؛ يجوز أنْ يُسَمَّى: وكَيلاً؛ لأن الوكيل يكفي الأمور والكفيلُ -أيضًا- موكولٌ إليها الأمر.
3:174Page 73
فَٱنقَلَبُواْ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ لَّمۡ يَمۡسَسۡهُمۡ سُوٓءٞ وَٱتَّبَعُواْ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَظِيمٍ ١٧٤
So they returned with favor from Allāh and bounty, no harm having touched them. And they pursued the pleasure of Allāh, and Allāh is the possessor of great bounty.
قوله تعالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ وذلك أنَّ رسولَ الله ﷺ، خرج في أصحابه حتى وافوْا بدرَ الصُّغْرَى، وهي ماءٌ لِبَني كِنَانَة [[انظر: "معجم البلدان" 1/ 357، وانظر تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آية: 123].]]، وكانت موضع سُوقٍ لهم، يجتمعون إليها في كل عام ثمانية أيام. فلم يلْقَ رسولُ الله ﷺ، وأصحابُه، أحدًا من المشركين، ووافقوا السُّوقَ، وكانت معهم نفقاتٌ وتجارات، فباعُوا واشتَرَوْا أُدمًا [[الأُدُم: جمعٌ، ومفردها: (أُدْم)، و (إدام)، وهو: ما يُستمرأ به الخبز؛ من سائل: كالخل، والزيت، واللبن، وما أشبهه؛ أو من جامد. انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 286، و"المصباح المنير" 4 (أدم)، و"المعجم الوسيط" 1/ 10 (أدم).]] وزَبِيبًا، وربحوا وأصابوا للدرهم درهمَيْنِ، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 182 - 183، و"تفسير النسائي" 1/ 343 - 345.]]؛ فذلك قوله: ﴿فَانْقَلَبُوا﴾، أي: وخرجوا فانقلبوا. فحذف الخروجَ؛ لأن الانقلابَ يَدُلُّ عليه؛ كقوله: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: 63]؛ أي: فَضَرَبَه [[في (ج): (فضرب).]] فانْفَلَقَ.
وقوله تعالى: ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ قال السُّدِّي [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 183، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 819، و"زاد المسير" 1/ 505 - 506.]]، ومجاهد: النِّعمةُ -ههنا-: العافية. والفَضْلُ: التجارة [[ورد قولُه في المصادر السابقة، ولكنه فسر فيها (النعمة) و (الفضل) بما أصابوا من التجارة والأجر، ولم يَرِدْ فيها أنه فسَّرَها بالعافية.]].
وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾. لم يُصِبْهُم قَتْلٌ وَلاَ جِراحٌ. في قول الجميع.
﴿وَاَتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اَللَّهِ﴾ في طاعةِ رَسُولِه.
3:175Page 73
إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ يُخَوِّفُ أَوۡلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمۡ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٧٥
That is only Satan who frightens [you] of his supporters. So fear them not, but fear Me, if you are [indeed] believers.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ (ذلك) إشارةٌ إلى التخويف؛
أي [[في (ج): (إلى).]]: ذلك التخويفُ الذي كان، فِعْلُ الشيطان؛ لأنه سَوَّلَهُ للمُخَوَّفِين. قاله [[في (ج): (قال).]] الزجاج [[في: "معاني القرآن" له 1/ 490. نقله عنه بنصه.]].
وعلى هذا [[في (ج): (هذه).]]؛ الآيةُ مِنْ باب حذف المضاف، على تقدير: إنما ذلكم فِعْلُ الشيطان [[في (ج): (الشيد).]]، أو كَيْدُ الشيطان، أو تخويفُ الشيطان؛ لأنَّه سبب ذلك؛ بالدعاء [[في (ب): (الدعاء).]] إليه والإغواء فيه.
وقوله تعالى: ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ مذهب النحويين في هذا [[في (ب): (في هذه الآية).]]: أنَّ ﴿يُخَوِّفُ﴾ قد حُذِف معه مفعولٌ [[من قوله: (يقتضيه ..) إلى (.. حذف منه): ساقط من (ج).]] يقتضيه؛ تقديره: يخوفكم [[في (ب): (خوفكم).]]، أو: يخوفُ المؤمنينَ.
وقوله تعالى ﴿أَوْلِيَاءَهُ﴾ حُذِف منه الجارُّ، أي: بأوليائهِ، أو: مِن أوليائه، فَلَمَّا حُذِفَ الجار، وَصَلَ الفعلُ إلى المفعول الثاني فَنَصَبَهُ.
ومثله -مِن حذفِ المفعول منه-، قولُه: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص: 7] المعنى: إذا خِفْتِ عليه فِرْعَونَ أو الهلاكَ.
والجارُّ المُظْهَرُ في قوله: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾، بمنزلة المحذوف مِن قوله: ﴿أَوْلِيَاءَهُ﴾.
والتقديرُ عندهم: يُخَوِّفُكم بأوليائِهِ.
قال الفَرّاءُ [[في "معاني القرآن" له 1/ 248، نقله عنه بمعناه]]: ومِثْلُهُ، قولُهُ: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [غافر: 15]؛ معناه: لِيُنْذِرَكُمْ بِيَومِ التَّلاقِ. وقوله: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا﴾ [الكهف: 2]؛ معناه: لِيُنْذِرَكُمْ بِبِأسٍ.
هذا الذي ذَكَرْنَا: مذهب الفرّاء، والزّجاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 490.]]، وأبي علي [[لم أقف على مصدر مذهبه.
انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 221، و"تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 108، و"تأويل المشكل" له 222، و"معاني القرآن" للنحاس 1/ 512.]].
والذي يدلّ عل هذا: قراءةُ أُبَيِّ بن كعب: (يُخوِّفُكُمْ بِأَوْلِيَائِهِ) [[أخرج القراءة عنه بسنده: الثعلبيُّ في "تفسيره" 3/ 158 أ، وذكرها البغوي في "تفسيره" 2/ 139، وأبن عطية في "المحرر الوجيز" 3/ 429، وأبو حيان في "البحر" 3/ 120.]]. وللمفسِّرِينَ في هذه الآية مذهبان، سِوَى ما ذكرنا:
أحدهما: أنَّ هذا، على قول القائل: (خَوَّفْتُ زَيْدًا عَمْرًا). ومعنى الآية: يُخَوِّفكم أولياءَهُ. فحذف المفعول الأول؛ كما تقول: (أعطيتُ الأموالَ)؛ أي: أعطيتُ القومَ، أو الناسَ الأموالَ.
قال ابن الأنباري [[لم أقف على مصدر قوله. وقد ورد -بنصه- في "زاد المسير" 1/ 507، وورد -كما هو عند المؤلف- في: "تفسير الفخر الرازي" 9/ 105.]]: وهذا أشْبَه مِن ادِّعاءِ جارٍّ [[في (ج): (جاز). وفي "زاد المسير": (وهذا أشبه من ادِّعاء (باء) ما عليها دليل، ولا تدعو إليها ضرورة).]] ما عليه دليلٌ.
قال: وقوله: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا﴾ [الكهف 20]، معناه: لِيُنْذِرَكمْ بأسًا. وكذلك قوله: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [غافر: 15] [معناه: لِيُنْذِرَكُم يومَ التَّلاقِ] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]].
والتخويفُ يتعدَّى إلى مفعولين، من غير حرف جَرٍّ؛ تقول [[(تقول): ساقطة من (ب).]]: (خافَ زَيْدٌ القِتَالَ)، و (خَوّفْتُهُ القتالَ)؛ كما تقول: (عَرَفَ زيدٌ أخاكَ)، و (عَرَّفْتُهُ أخاكَ).
وهذا مذهب ابن عباس [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 183 - 184، و"النكت والعيون" 1/ 438، وقد ورد عنه من رواية عطاء، أنه كان يقرأها: (يخوفكم أولياءه). انظر: "المصاحف" لابن أبي داود 74، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 820، و"المحتسب" 1/ 177، و"المحرر الوجيز" 3/ 328، وأوردها عنه السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 182 وزاد نسبة إخراجها إلى الفريابي: وعبد بن حميد، وابن الأنباري في "المصاحف".
وأورد عنه ابن عطية في "المحرر" 3/ 428 أنه قرأ: (يخوفكم أولياؤُه)، أي: يخوفكم قريش ومن معهم.]]، ومجاهد [[انظر: "تفسيره" 139، و"تفسير الطبري" 4/ 183، و"ابن أي حاتم" 3/ 820، و"النكت والعيون" 1/ 438، و"الدر المنثور" 2/ 182 وزاد نسبة إخراجه إلى عبد ابن حميد، وابن المنذر.]]، وقتادة [[انظر: "الطبري" 4/ 183، و"ابن ابي حاتم" 3/ 821، و"النكت والعيون" 1/ 438.]]. ويَدلُّ على هذا قراءةُ ابن مسعود: (يخوِّفُكُم أولياءَهُ) [[ذكر الثعلبي القراءة -بسنده عن عطاء- في "تفسيره" 3/ 158 أ، وأوردها أبو حيان في "البحر" 3/ 120.]].
المذهب الثاني: أنَّ معنى الآية: يُخَوَفُ أولياءَهُ [المنافقين [[أي: أولياءه من المنافقين. فالمنافقين -هنا- بدل من (أولياءه).]]؛ ليقعدوا عن قتال المشركين. كأنَّ المعنى: يُخَوِّف أولياءَه] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]] الذين يُطيعونَهُ، وُيؤْثِرُونَ أمرَهُ، وَيعْصون رَبَّهم، ويُقِيمونَ على خِلافِهِ. فأمَّا أولياءُ اللهِ، فَإنَّهُمْ لا يَخَافُونَهُ إذا خَوَّفَهم، ولا يَنْقادُون لِمُرَادهِ منهم. وهذا قولُ: الحَسَن [[لم أقف على مصدر قوله. وقد ورد في: "النكت والعيون" 1/ 438، و"زاد المسير" 1/ 507، و"تفسير القرطبي" 4/ 282.]]، والسدِّي [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 183، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 820، و"النكت والعيون" 1/ 438، و"زاد المسير" 1/ 507، و"تفسير القرطبي" 4/ 282.]]، وابنِ عباس في رواية عطاء [[لم أقف على مصدر هذه الرواية عنه.]].
فالمذهب الأول: فيه محذوفان، والثاني: فيه محذوفٌ واحد، والثالث: لا حَذْفَ فيه.
ومعنى (الأوْلِيَاء) -في القولين الأوَّلَيْنِ-: المشركون والكفار.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾ الكناية [[الكناية: هي الضمير.]] تعود إلى الأولياء في القولين الأوَّلَيْنِ. وفي الثالث: تعود إلى المشركين؛ وهم قد ذُكِروا في قوله: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: 173].
وقوله تعالى: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: خافونِ [[في (أ)، (ج): (خافوني)، والمثبت من (ب).]] في تركِ أمري؛ إنْ كنتم مصدِّقِينَ بوعدي، وقد أعلمتكم أنِّي أنصركم عليهم [[في (ج): (عليكم).]]، فقد سقط عنكم [[في (ج): (عنهم).]] الخوف.
3:176Page 73
وَلَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِۚ إِنَّهُمۡ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجۡعَلَ لَهُمۡ حَظّٗا فِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٧٦
And do not be grieved, [O Muḥammad], by those who hasten into disbelief. Indeed, they will never harm Allāh at all. Allāh intends that He should give them no share in the Hereafter, and for them is a great punishment.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾.
أكثر القُرّاءِ على ﴿يَحْزُنْكَ﴾ -مِنَ الثلاثي-. وقرأ نافع: ﴿يَحْزُنْكَ﴾ -بضمِّ الياء- [[وقد قرأ نافع هذه الآية، وقرأ ﴿ولِيُحْزِن﴾ في الآية 10 من سورة المجادلة، و ﴿ليُحْزِنني﴾ في الآية 13 من سورة يوسف، بضم الياء وكسر الزاي في كل القرآن، إلا قوله تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [آية: 103] من سورة الأنبياء، فقد قرأها كباقي القراء الذين فتحوا الياءَ وضمُّوا الزايَ في كل القرآن.
انظر: "السبعة" 219، و"القراءات"، للأزهري 1/ 131، و"الحجة" للفارسي 3/ 99.]].
واختلف أهل اللغة في هذا: فقال قومٌ: (حَزَنَ، وأحْزَنَ)، بمعنى واحد [[انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 807 (حزن)، و"المقاييس" 2/ 54 (حزن)، و"تفسير الثعلبي" 3/ 158 أ، و"ما جاء على فعلت وأفعلت" للجواليقي 34.
قال ابن دريد: (و (حَزَنني الأمر)، و (أحْزَنَنِي)، لغتان فصيحتان، أجازهما أبو زيد وغيره. وقال الأصمعي: لا أعرف إلا حزنني يحزنني، والرجل (محزون) و (حزين)، ولم يقولوا: (مُحْزَن). "الجمهرة" 1/ 529.
وفي "الصحاح" للجوهري، ينقل عن اليزيدي قوله: (حزَنه)، لغة قريش، و (أحْزَنَه) لغة تميم. 5/ 2098 (حزن)]].
قال الزّجاج -في باب الوفاق- [[لم أقف على هذا المصدر.]]: (حزَنَني الأمْرُ، وأَحْزَنَنِي).
و (أمرٌ حازِنٌ ومُحزِنٌ).
وقال ابن المُظَفَّر [[ورد القول التالي -مع اختلاف يسير- في: "تهذيب اللغة": 1/ 807 (حزن)، من قول أبي عمرو، برواية يونس عنه، وليس من قول الليث بن المظفر، فالمؤلف ينقل هنا عن "العين" للخليل وينسب الكلام لابن المظفر.
وانظر هذا المعنى في "العين" للخليل 3/ 160 (حزن).]]: تقول [[في (ج): (يقول).]]: (حَزَنَنِي)، و (هو يَحزُنُني حُزْنًا)، (فأَنَا مَحْزُونٌ)، و (هو حازِنٌ) [[(وهو حازن): لم ترد في "تهذيب اللغة".]] و (أحْزَنَنِي، فأنا مَحْزون) [[في "التهذيب": (وأنا مُحْزَن)، وكلا الكلمتين واردتان في اللغة. انظر: "اللسان" 2/ 851 (حزن).]]، و (هو مُحزِنٌ).
وحكى -أيضًا- سيبويه [[في "الكتاب" 4/ 57.]] -عن بعض العرب-: أنهم يقولون: (أحْزَنْت الرجلَ): إذا جعلته حزينًا.
وحكى أبو زيد -في كتاب (خُبَأة) [[لم أقف على هذا المصدر، ولم أعثر في ترجمة أبي زيد فيما رجعت إلي من مصادر على كتابٍ له بهذا الاسم. انظر: "معجم الأدباء" 3/ 378.
والخُبَأة -في اللغة-: هي المرأة التي تلزم بيتها، وتستتر. والتي تَطَّلِع ثم تختبئ. انظر: "اللسان" 2/ 1085 (خبأ).
وكأن الكتاب في الكلمة الغريبة المهمة، وهو ما يتناسب مع المعنى اللغوي له.
وقد يكون الاسم محرفًا عن كتاب آخر له، يحتمل رسمُ اسمِهِ التحريفَ في الخط، وهو: كتاب (حِيلَة ومَحالة)؛ حيث أن رسم (حيلة) قريب من (خبأة)، فحصل فيه التحريف. والله أعلم. انظر: المصدر السابق.
ومعنى (حيلة) و (مَحالة): الحِذْق وجودة النظر، والقدرة على التصرف. انظر: "القاموس" ص 989 (حول).]]: (أحْزَنَنِي الأمرُ إحزانًا)، و (هو يُحْزِنُنِي) بضم الياء.
وقال الخليل [[انظر: "كتاب سيبويه" 4/ 56.]]: إذا أردت تغيير [[في (ب): (تعيين).]] (حَزِنَ)، قلت: (أحزنته). فهذا قولُ مَن سَوَّى بينهما، وجعلهما لُغَتَيْن. وهو حُجَّةٌ لِقِرَاءةِ نافع.
وروى أبو عُبَيد، عن أبي زيد، قال [[قوله، في: "تهذيب اللغة" 1/ 807 (حزن). نقله عنه بتصرف.]]: لا يقولون: (حَزَنه الأمرُ). ويقولون: (يَحْزُنُه). فإذا صاروا [[في (ب): (صيروا).]] على (8) الماضي، قالوا: [أحْزَنَهُ] [[ما بين المعقوفين في (أ)، (ب)، (ج): (حزنه) والمثبت هو الصواب. وقد جاء في "التهذيب": (.. ويقولون: يَحْزُنُهُ. فإذا قالوا أفْعَلَهُ الله؛ فهو بالألف). وهو يتناسب مع ذكره المؤلف بعده من استعمال الماضي من الرباعي.]].
يستعمل الماضي مِنَ الرُّبَاعي، والمضارع مِنَ الثلاثي. وهذا شاذٌّ؛ لأنه استعمل (أحزَنَ)، وأهمل (يُحْزِن)، واستعمل (يَحْزُنُ)، وأهمل (حَزَنَ). فمن قرأ بقراءة العامَّة، فَحُجَّته: أنه أشهر اللغَتَيْنِ، وأكثرهما استعمالًا.
قال الأزهري [[في "تهذيب اللغة" 1/ 807 (حزن). نقله عنه بتصرف. وانظر: قريبًا من عبارة الأزهري هذه في كتابه: "القراءات" 131.]]: اللغة الجَيِّدة: (حَزَنَهُ، يَحْزُنُه)، على ما قرأ به أكثر القرّاء.
وحجّة نافع: قولُ مَن زَعم أنهما لُغَتَان، وما حكاه سيبويه [[في "الكتاب" له 4/ 56. نقله عنه بتصرف واختصار يسيرين.]] عن الخليل، أنَّك حيث قلت: (حَزَنْتُه)، لم تُرِدْ أن تقول: [جعلتُه حزينًا، كما أنك حيث قلت: (أدْخَلته)، أردت: (جعلته داخلًا). ولكنك أردت أن تقول:] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج). وهي في المصادر السابقة.]] جعلت فيه حُزْنًا.
كما تقول: (كحَلْتُهُ)؛ أي: جعلت فيه كُحْلًا، و (دَهَنْته)؛ جعلت [[في (ب): (أي جعلت). ولم أثبت (أي)؛ لأنها لم ترد في بقية النسخ، ولا في مصادر النص.]] في دُهنًا، و (فَتَنْتُه): جعلت فيه فِتْنة. فجئت بـ (فَعَلْتُهُ) على حَدِّهِ [[ضبطت في "كتاب سيبويه": (حِدَةٍ). وقد ورد النص في كتاب "الحجة" للفارسي 3/ 100، وضبطت فيه كالتالي: (حَدِّه) كما هي مثبتة أعلاه.]]، ولم [[في (ج): (لم) بدون واو.]] تُرِد بـ (فَعَلْتُهُ) -ههنا- تغيير قوله: (حَزِنَ)، و (فَتِنَ) [[هكذا ضُبِطت -هنا- بكسر التاء، وكذا عند الفارسي في "الحجة". وضَبطت في (كتاب سيبويه): (فَتَنَ) -بفتح التاء-. وأكثر مصادر اللغة التي رجعت إليها لم تشر إلى (فَتِن) بالكسر، وإنما ذَكَرَتْها بفتح التاء، إلا ما وجدته في "تهذيب اللغة" 3/ 2739 (فتن) ، حيث نقل عن أبي زيد قوله: (فَتِنَ الرجلُ، يفْتَنُ، فُتُونًا: إذا وقع في الفتنة، أو تحول من حال حسنة إلى حال سيئة).]]. ولو أردت ذلك، لقلت: (أحزنته)، و (أفتنته).
وهذا الذي حكاهُ، حُجَّةُ نافع؛ لأنه أرادَ تغيير (حَزِنَ)، فنقله بالهمز.
قال الخليل [[قوله في "كتاب سيبويه" 4/ 57. نقله عنه بمعناه.]]: ومثله: (شَتِرَ [[في (ج): (شتر) مهملة من النقط والشكل. وهذا جاءت في بعدها مهملة من النقط والشكل.
والشَّتْرُ: القطع. و (شَتَرَ ثَوْبَه): مزَّقه. و (الشَّتَرُ): الانقطاع، وانقلابٌ في جَفْنِ العين، وانشقاقُهُ، وانشقاقُ الشَّفَةِ السفلى. يقال: (شَترت عينهُ شَتَرًا)، و (شَتَرها يشْتُرُها شَتْرا)، و (أشْتَرها وشَتَّرها)، و (شَتِرَ يَشْتَر شَتَرًا).
انظر (شتر) في: "اللسان" 4/ 2193، و"القاموس" 413.]] الرجلُ)، و (شَتَرْتُ عَيْنَه). فإذا أردت تغيير (شَتِرَ الرجلُ)، قلت: (أشْتَرْتُ، كما تقول: (فَزعَ) [[في (ج): (فزع) -مهملة من النقط ولاشكل-. وكذا التي بعدها.]] [و] [[ما بين المعقوفين زيادة من: كتاب سيبويه.]] (أفزَعْتُهُ).
وأراد بـ ﴿الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾: المنافقين، وقُرَيْظَة والنّضير -في قول ابن عباس- [[لم أقف على مصدر قوله. وقد ورد هذا القول عن الكلبي. انظر: "بحر العلوم" 1/ 317.
وورد عن مجاهد، وابن إسحاق: أنهم المنافقون. انظر: "تفسير مجاهد" 1/ 139، و"تفسير الطبري" 4/ 185.]].
ومعنى مسارعتهم في الكفر: مُظَاهَرَتُهُم [[المُظاهَرَةُ: المُعَاوَنَة. و (ظاهَرَ فلانٌ فلانًا): عاوَنَه. انظر: "اللسان" 5/ 2768 (ظهر).]] الكفَّارَ على محمد ﷺ. وتأويله: يُسارِعُون في نُصْرةِ الكفر. وقال الضَّحَّاكُ [[قوله في: "تفسير الثعلبي" 3/ 158 أ، و"زاد المسير" 1/ 508.]]: يعني: كفّار قريش.
فإذا قيل: معنى قوله: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾: لا تحزن لِكفرِهم. والحزن على كفر الكافر، ومعصيةِ العاصي، طاعةٌ، فكيف نهى عنهُ؟.
قيل: إنما نهى عنه النبيَّ ﷺ، لأنه كان يُفرطُ وُيسْرِفُ في الحُزْنِ على كُفْر قومِهِ، حتى كان يؤدّي ذلك إلى أن يَضُرّ [[في (ج): (نصر).]] به، فنُهِي [[في (ج): (نهى).]] [عن] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج)]] الإسراف فيه؛ ألا ترى إلى قوله -عز وجل-: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: 8].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ يعنى: أنَّ عائِدَ الوَبَالِ في ذلك عليهم، لا على غيرهم. وقال عطاء [[لم أقف على مصدر قوله. وقد ذكره ابن الجوزي في "الزاد" 1/ 508.]]: يريد: لن يضروا أولياءَ اللهِ شيئا.
وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾ يعنى: نصيبًا في المجنة. وفي هذا رَدٌّ على القَدَرِيّة، وبيان أنَ الخيرَ والشرَّ بإرادة الله -جلَّ وعزَّ- [[إنَّ الله -تعالى- خالق الخير والشر، ولكنَّ الشرَّ في بعض مخلوقاته، وليس في خلق الله وفعله؛ لأن خلقَ الله وفعلَه، وقضاءَهُ وقَدَرَه، خيرٌ كلُّه؛ لأنه -تعالى- وضع الأمور في مواضعها، وذلك هو الخير والعدل، أما الشر؛ فهو: وضع الأمور في غير مواضعها، وذلك هو الظُّلْم، واللهُ مُنَزّهٌ عن الظلم. فأفعاله كلها تدور بين العدل والفضل والحكمة والمصلحة، ولا تخرج عن ذلك، فالله -تعالى- لا ينسب إليه الشرُّ، بل ينسب إليه الخير، وإنما صار الشرُّ شرًا، لانقطاع نسبته واضافته إلى الله تعالى، وفي الحديث: (.. والخير كله في يديك، والشر ليس إليك ..).
أخرجه النسائي في "السنن" 2/ 130 كتاب الصلاة. باب: الدعاء بين التكبيرة والقراءة.
فلو أضيف إليه، لم يكن شرًّا. انظر: "شفاء العليل" لابن القيم 179. وقال: (فإن قلت: لِمَ خَلَقَه وهو شر؟ قلت: خَلْقُهُ له وفِعْلُه، خيرٌ لا شرٌّ، فإن الخلق والفعل قائمٌ به -سبحانه-، والشر يستحيل قيامه به واتصافه به. وما كان في المخلوق من شر، فلعدم إضافته ونسبته إليه، والفعل والخَلْق يضاف إليه، فكان خيرًا، والذي شاءه كله خير، والذي لم يشأ وجوده بقي على العدم الأصلي، وهو الشر، فإن الشر كلَّه عَدَمٌ، وإنْ سبّبَه جهل وهو: عدم العِلْم، وظلمٌ وهو: عدم العدل. وما يترتب على ذلك من الآلام فهو من عدم استعداد المحل، وقبوله لأسباب الخيرات واللذات) 181 المصدر السابق، وانظر: "شرح العقيدة الطحاوية" (453) وما بعدها.]].
3:177Page 73
إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلۡكُفۡرَ بِٱلۡإِيمَٰنِ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٧٧
Indeed, those who purchase disbelief [in exchange] for faith - never will they harm Allāh at all, and for them is a painful punishment.
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences