Al-Wahidi (al-Basit)Ali 'Imran · 3:40–43

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:40–43

3:40Page 55

قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَقَدۡ بَلَغَنِيَ ٱلۡكِبَرُ وَٱمۡرَأَتِي عَاقِرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ ٤٠

He said, "My Lord, how will I have a boy when I have reached old age and my wife is barren?" He [the angel] said, "Such is Allāh; He does what He wills."

قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ ذهب كثير من المفسرين إلى أن زكريَّا خاطب بهذا جبريل عليه السلام، فقال: (رَبِّ)؛ أي: يا سيِّدي [[وهذا قول الكلبي، كما في "تفسير الثعلبي" 3/ 48 ب، وقال الثعلبي بأنه قول أكثر المفسرين، "تفسير القرطبي" 4/ 79، وانظر: "الخازن" 1/ 290.]]. وذهب جماعة إلى أنه خاطب الله تعالى [[وهو الظاهر من الآية.]].

وقوله: ﴿أَنَّى يَكُونُ﴾ إنْ قيل: كيف أنكر زكريَّا الولدَ مع تبشير الملائكة إيَّاه به؟ وما معنى هذه المراجعة؟ ولِمَ عجب [[في (ج): (اعجب).]] من ذلك بعد إخبار الله تعالى بأنه يكون، إذ يقول عز وجل: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾؟ فالقول في ذلك: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي﴾ [[(لي): ساقطة من (ج)، (د).]] أن معنى قوله ﴿أَنَّى يَكُونُ﴾ على أيِّ حالٍ يكون ذلك؛ أيَرُدُّني إلى حال الشباب، وامرأتي؟ أم من حال الكِبَرِ؟. فقال ما قال من هذا مستثْبِتاً، ومستعْلِماً، لا متعجباً، ولا منكِراً [[وممن قال بهذا: الحسن، وابن كيسان، وابن الأنباري. انظر: "زاد المسير" 1/ 384. وقيل: بأي منزلة أستَوْجِبُ هذا؟ قاله على سبيل التواضع لله، والشكر له، والاستعظام لقدرته تعالى التي لا يعجزها شيء. انظر: "معاني القرآن" للنحاس 1/ 395، "النكت والعيون" 1/ 391، "غرائب القرآن" 3/ 184، و"أنموذج جليل في أسئلة وأجوبة من غرائب آي التنزيل" للرازي 61.]].

والغُلامُ: الشابُّ من الناس. وأصله من (الغُلْمَةِ). و (الاغتلام)؛ وهو: شِدَّة طَلبِ النِّكاح. ويقال: (غُلامٌ بّيِّن [[في (د): (من).]] الغُلُومِيَّةِ، والغُلُومَةِ، والغُلامِيَّةِ) [[انظر كتاب "خلق الإنسان" 11، "تهذيب اللغة" 3/ 2691 (غلم)، "الصحاح" 5/ 1797 (غلم).]].

قال الفرَّاء [[لم أهتد إلى مصدر قوله، وقد ورد بعضه في "تهذيب اللغة" 3/ 2301 (عبد) ونصُّه: (وقال الفرَّاء: يقال: فلان عبدٌ بيِّن العبودة، والعبودية، والعبدية).]]: والعرب تجعل مصدرَ كلِّ اسمٍ ليس له فعلٌ [[(فعل): ساقط من: (ب).]] معروف على هذا المثال. فتقول: (هذا [عبدٌ] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).]] بَيِّن [[في (أ)، (ب): (من)، والمثبت من: (ج)، (د)، ومن "تهذيب اللغة" 3/ 2301.]] العبودية، والعبدِيَّةِ [[(والعبدية): ساقط من: (ج)، (د).]]، والعبودَةِ).

وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾. (الكِبَرُ)، مصدرُ: (كَبِرَ الرجلُ، يَكْبَرُ): إذا أسَنَّ [[انظر: "تفسير الطبري" 3/ 257، "القاموس المحيط" ص 468 (كبر). والقياس أنَّ (فَعِلَ) من الثلاثي المجرد، يأتي مضارعها على (يَفْعَلُ). انظر: "المزهر" 2/ 37. أما (كَبُرَ، يَكْبُرُ)، فهي إذا ما أردت عِظَمَ الشيءِ والأمرِ، فهي مثل: (عَظُمَ، يعظُمُ). انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3090 - 3091 (كبر).]].

قال أهل المعاني [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 408، "مجاز القرآن" 1/ 92، "تفسير الثعلبي" 3/ 48 ب.]]: معنى ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾: وقد بَلَغتُ الكِبَرَ؛ وذلك أن كلَّ [[من قوله: (كل ..) إلى (.. وبلغك): نقله بنصه عن "معاني القرآن" للزجاج 1/ 408.]] شيءٍ صادَفْته وبلغته، فقد صادفك وبلغك. وكان نسبةُ الفعلِ إلى الكبر، كنسبته [[في (أ): (كنسبة)، والمثبت من بقية النسخ.]] إلى الرجل؛ يدل على هذا قولُ العرب: (تلقَّيْتُ الحائطَ)، و (تلقَّاني [[في (ج): (فتلقاني).]] الحائطُ).

فإن قيل: أيجوز [[في (ج): (تحوز)، وفي: (د) (لا يجوز).]] (بلغني البلدُ) في موضع (بلغْتُ البلدَ)؟ قيل: إنما جاز في الكِبَرِ؛ لأن الكبَر بمنزلة الطالب، فهو يأتيه بحدوثه [[من قوله: (بحدوثه ..) على: (.. أيضًا يأتيه): ساقط من (ج).]] فيه، والإنسان [[في (د): (والإنصاف).]] أيضاً يأتيه بمرور السنين عليه، ولا يجوز مثل ذلك في البلد، وليس الكبَر بمنزلة البلد، إنما هو بمنزلة: القول، والعطاء، والإفضال [[في (د): (والاتصال).]]، والعقاب؛ فكما يجوز: (بلغني عطاؤك)، و (بلَغَتْ زيداً [[في (ج): (زيد).]] جائزتُكَ)، (وبلغ عبدَ اللهِ عقابُكَ)، جاز أن يكون [[(أن يكون): ساقط من (ج).]] البلوغُ منسوباً [[في (أ)، (ب): (منصوبًا)، والمثبت من: (ج)، (د).]] إلى الكِبَر [[انظر: "تأويل مشكل القرآن" 193 - 198، فقد جعل هذا من المقلوب، وهو أن يقدم ما يوضحه التأخير، ويؤخر ما يوضحه التقديم.]].

قال ابن عباس في رواية الضحاك [[الأثر في "تفسير الثعلبي" 3/ 48 ب، "تفسير البغوي" 2/ 35، "زاد المسير" 1/ 385.]]: كان زكريا يوم بُشِّر بالولد ابن عشرين ومائة سنة، وكانت امرأته بنت ثمانٍ وتسعين سنةً.

وقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾. العاقِر [[(العاقر): ساقطة من (د).]] من النساء: التي لا تلد. يقال: (عَقُرَت، تعْقُرُ، عُقْراً، وعَقارةً) [[في (ب): (وعقارا).]].

أنشد الفراء: إرْزامَ نابٍ عقُرت أعواماً ... فَعَلِقَتْ بُنَيَّها [[في (د): (فعقرت بنتها).]] تَشْماما [[في (ج): (تسماما). لم أقف على قائله، وقد أورد الثعلبي في "تفسيره" 3/ 48 ب، قائلًا: (وأنشد الفراء) وذكره، وأورده السمين الحلبي في "الدر المصون" وقال: (وأنشد الفراء) وذكره. وروايته في "الدر المصون".

أرزامُ باب عقُرت أعواما ... فعلقت بُنَيَّها تسماما

ومعنى (الإرزام): الصوت الذي لا يُفْتَح به الفمُ، ومنه: (الرَّزَمة)، وهو: ضرب من حنِين الناقة على ولدها حين تَرأمُهُ، يقولون: (أرْزَمَت الناقةُ إرْزامًا). وقيل: هو دون الحنِين، والحنِينُ أشدُّ من الرَّزَمَةِ. و (النابُ)، و (النَّيُوب): الناقة المسنة، سُمِّيت بذلك حين طال نابها وعظُمَ.

انظر: "اللسان" 3/ 1637 (رزم)، 8/ 4591 (نيب).

أي: أنَّ هذه الناقة المسنَّة، والتي نُتِجَتْ بعد أن كان عاقرًا لمدة أعوام، فإنها تحن على وليدها، مصدرة صوتًا يدل على رحمتها، وشغفها وتعلقِّها به، ولا تنشب تَشَمُّ هذا الوليد تَشْماما المرة بعد الأخرى.]]

ويقال أيضًا: (عَقُرَ الرجلُ، وعَقَرَ، وعَقِرَ) [[(وعقر): ساقط من (د).]]: إذا لم يُحمل له. و (رجلٌ عاقرٌ) [[انظر (عقر)، في "تهذيب اللغة" 3/ 2514، "اللسان" 5/ 3034. والقياس في (فَعُلَ) الثلاثي المجرد، أن يكون مضارعه (يَفْعُل). أما (فَعَلَ) من المجرد الثلاثي الصحيح، الذي عينه أو لامه ليست من حروف الحلق، فمضارعه يأتي على (يَفْعِل) و (يَفْعُل). انظر: "المزهر" 2/ 37 - 38.]].

قال عامرُ بن الطُّفَيْل [[هو: عامر بن الطفيل بن مالك العامري. أحد فرسان العرب المشهورين، وابن عم لَبِيد الشاعر، أدرك النبي ﷺ، ولم يُسْلِم، وهو الذي غدر بالصحابة عند بئر معونة سنة (4هـ)، وحاول قتل النبي فعصمه الله منه، ودعا عليه النبي ﷺ، فأهلكه الله. انظر: "الشعر والشعراء" ص207، "معجم الشعراء" 37، "الأعلام" 3/ 252.]]: لبئس الفتى إنْ كنتُ أعورَ عاقرًا ... جبانًا فما عذري لدى كلِّ مَحْضَرِ [[البيت في: "ديوانه": 64، كما ورد منسوبًا له في "مجاز القرآن" 2/ 92، "تفسير الطبري" 3/ 257، "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري: 1/ 203، "تفسير الثعلبي" 3/ 48ب، "المحرر الوجيز" 3/ 107، "تفسير القرطبي" 11/ 79، "الدر المصون" 3/ 162. وورد غير منسوب في "الزاهر" 2/ 582. وروايته في الديوان: (فبئس ..)، وفي "الزاهر" (.. فما أغني لدي كل مشهد)، وفي "المذكر والمؤنث" (.. فما أغني لدي كل محضر). قال الشاعر هذا البيت ضمن أبيات في وقْعَةٍ دارت في موضع يُسمَّى (فَيْفَ الريح)، وقد ذهبت عَيْنُه في هذه المعركة، فاجتمع له العَورُ والعُقْمُ، فيقول هنا: إنه بئس الفتى إن كان يجمع إلى العور والعقم، الجُبنَ، والمهابَةَ من العدو، حيث لا يُعذَر بعدها.]]

قال أبو إسحاق [[في "معاني القرآن" له 1/ 408، نقله عنه بنصه.]]: قوله: ﴿وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾، في هذا دليل على أن (عاقرًا) [[في (ب): (عاقر).]] وقع على جهة النَّسَب [[أي مما جاءت النسبة فيه على صيغة (فاعل)، مثل: تامِر، ولا بِن، وحائِك، وكاسٍ؛ بمعنى: صاحب تمْرٍ، وصاحب لبنٍ، وصاحب حياكة، وصاحب كساء. فعاقر، بمعنى: ذات عُقْر.]]؛ لأنَّ (فَعُلَت) أسماء [[في (ج): (اسما)، وفي (د): (اسم).]] الفاعلين فيه على (فَعِيلَة) نحو: (ظَريفة) [[في (أ)، (ب): (طريقة)، والمثبت من: (ج)، (د)، ومن "معاني القرآن" للزجاج؛ لأن (طريقة) من: (طَرَقَ) وليست من. (طَرُقَ)، كما أن (طريقة) تأتي على (مفعولة) بمعنى (مطروقة).]]، و (كَريمة)؛ وإنما (عاقر) على: (ذات عُقْرٍ) [[في (أ): (عُقَر). وفي بقية النسخ، مهملة من الشكل. وما أثبَتُّه هو ما استصوبته. والعُقْر: العُقْم. يقول السمين الحلبي بعد أن نقل كلام الزجاج السابق: (وهذا نصٌّ من أن الفعل == المسند للمرأة، لا يقال فيه إلّا (عقرت) بضمِّ القاف، إذ لو جاز فتحها أو كسرها لجاز منها (فاعِل) من غير تأويل على النسب). "الدر المصون" 3/ 162. ولكن ورد في "اللسان" (وقد عَقُرَت المرأة عَقارةً، وعِقارة، وعَقَرت تَعْقِر عَقْرا، وعُقْرا، وعَقِرت عَقارًا، وهي عاقر) 5/ 3033 (عقر). وعليه فإنه يصح أن يأتي منها صفة مشبهة باسم الفاعل.]]، و (رجالٌ ونساءٌ عُقُرٌ) [[عقر: ساقطة من (ج). و (عُقُر)، و (عُقَّر) و (عواقر)، جمع: عاقر. انظر العين: 1/ 150، "النهاية في "غريب الحديث" 3/ 186، "اللسان" 5/ 3033 (عقر).]] وفي الحديث: (عُجُزٌ عُقُرٌ) [[العُجُز: جمع (عَجوز). ولم أهتد إلى مصدر الحديث بهذا اللفظ في كتب السنة. وقد أورده الخليل في: "كتاب العين" 1/ 150، وقال: وفي الحديث: "عُجْزٌ عُقُرٌ" بتسكين العَيْن في (عجز)، وورد في "النهاية في "غريب الحديث" 3/ 186، بلفظ: "إيَّاكم والعُجُز والعُقُر"، ولم يخرِّجه. وقد وقفت على حديث آخر قريب من معنى هذا الحديث، وهو: عن عياض بن غنم الفهري، عن النبي ﷺ، قال: "يا عياض لا تَزَوَجَّن عجوزًا ولا عاقرا، فإني مكاثر بكم الأمم". أخرجه الحاكم في "المستدرك" 3/ 290 - 291. كتاب معرفة الصحابة، وصححه، وتعقبه الذهبي بأن في سنده معاوية بن يحيى الصدفي، وهو ضعيف، وأخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" 17/ 368 رقم (1008). قال الهيثمي: (وفيه معاوية بن يحيى الصدفي، وهو ضعيف) "مجمع الزوائد" 4/ 258، وأورده ابن حجر في "الإصابة" 3/ 50 وضعَّفه؛ لأن في سنده عمرو بن الوليد الأغضف، وزاد نسبة إخراجه لأبي نعيم، وأورده ابن حجر الهيثمي المكي في كتاب "الإفصاح" عن أحاديث النكاح): 160.]].

ويقال: (أعقَر اللهُ [رحِمَها]) [[ما بين المعقوفين غير مقروء في: (أ)، وفي (ب): (امرأته)، والمثبت من: (ج)، (د)، ومن "اللسان" 5/ 3034 (عقر). والعبارة في (ج): (أعقرها الله رحمها)، وفي (د): (أعقر رحمها).]]، فهي (مُعْقَرَةٌ). و (رملٌ [[في (ج): (ورجل).]] عاقِر): لا يُنبِت شيئاً [[انظر: "اللسان" (عقر) 5/ 3034.]].

وذَكر [[في (ج): (وذكرنا).]] زكريا عليه السلام عُقْرَ زوجته مع كِبَر نفسه؛ لزيادة ترجيحٍ في الاستبعاد، فلمَّا استفهم عن [[في (أ): غير مقروء، وفي (ب): (استبعد من). والمثبت من: (ج)، (د).]] كيفيَّة حال الولادة؛ قيل له: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾؛ أي: مثل ذلك من الأمر، وهو: هبة الله الولدَ على الكِبَر، يفعل الله [[(الله): ليس في: (ج).]] الذي يشاؤه، فسبحان من لا يعجزه شيء.

3:41Page 55

قَالَ رَبِّ ٱجۡعَل لِّيٓ ءَايَةٗۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمۡزٗاۗ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ كَثِيرٗا وَسَبِّحۡ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِبۡكَٰرِ ٤١

He said, "My Lord, make for me a sign." He said, "Your sign is that you will not [be able to] speak to the people for three days except by gesture. And remember your Lord much and exalt [Him with praise] in the evening and the morning."

قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ قال المفسرون: إنَّ زكريا عليه السلام لمَّا بُشِّر بالولد، سأل الله تعالى علامةً يعرف بها وقت حمل امرأته؛ ليزيد في العبادة؛ شكراً [[في (ب): (ذكرا).]] على هبة الولد [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 49 أ، "تفسير البغوي" 2/ 36، "زاد المسير" 1/ 386.]]، فقال الله تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾. أي [[من قوله: (أي ..) إلى: (أي: وأنت سوي): نقله عن "معاني القرآن" للزجاج 1/ 409.]]: علامة ذلك أن تمسك [[في "معاني القرآن" للزجاج: (يُمْسَك لسانُك)، وهي الأصوب؛ لأن قوله بعدها: (وأنت صحيح سوي) لا تتناسب مع فعل (تمسك)، المبني للمعلوم، كما أن الآثار بعدها تدل على ذلك، وكذلك ما رواه الحاكم عن ابن عباس قال: (يُعتقَلُ لسانُك من غير مرض وأنت سوي) "المستدرك" 2/ 291 كتاب التفسير. وصححه، ووافقه الذهبي. وروى عن نوف البكالي: (فختم على لسانه ثلاثة أيام ولياليهن، وهو صحيح لا يتكلم). المرجع السابق: 2/ 591 كتاب التاريخ، وانظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 388.]] لسانك عن الكلام، وأنت صحيح سَوِيٌ، لأنه قال في موضع آخر: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: 10]؛ أي: وأنت سَوِي.

قال الحسنُ [[لم أقف على مصدر قوله.]]، وقتادة [[قوله في "تفسير عبد الرزاق" 1/ 12، "تفسير الطبري" 3/ 259، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 646، "تفسير البغوي" 2/ 34، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 40، ونسب إخراجه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]، والربيع [[قوله، في "تفسير الطبري" 3/ 259، "المحرر الوجيز" 3/ 108.]]: أُمسِك لسانُه ثلاثةَ أيام، فلم يقدر أن يكلم الناس إلاَّ إيماءً، وجعل ذلك علامةَ حملِ امرأتِه.

و (الرَّمْزُ): الإيماء بالشَّفَتين، والحاجِبَيْن، والعينين؛ يقال: (رَمَزَ، يَرمُزُ، وَيرْمِزُ)، ومنه قيل للفاجرة: (رامِزَةٌ)، و (رمَّازَةٌ) [[(ورمازة): ساقطة من (د).]]؛ لأنها تَرمُز وتُومِئ [[انظر: "معاني القرآن" للفراء: 1/ 213، "تأويل مشكل القرآن" 489، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 409، "تفسير الطبري" 3/ 260، "تهذيب اللغة" 2/ 1467 (رمز)، "الصحاح" 3/ 880 (رمز).]]، ومنه الحديث: أنه (نهى عن كسب الرَّمَّازة) [[الحديث ورد بلفظ آخر، أخرجه البيهقي في "السنن" 6/ 126. ولفظه عنده: (عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب، ومهر الزَّمّارة). وأخرجه البغوي في "شرح السنة" 8/ 22 - 23 رقم (2038)، عن أبي هريرة بنحوه إلا أنه فيه (.. وكسب الزمّارة). وأخرجه أبو عبيد في "غريب الحديث" 1/ 204 بنحوه وذكر محقِّقُ الكتاب في الهامش سندَ الحديث، من نسخة أخرى لكتاب "الغريب". وأورده اليزيدي في "ما اتفق لفظه واختلف معناه": 155، والأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 1468 (زمر)، وابن الأثير في "النهاية في غريب الحديث" 20/ 312. وفي كل المصادر السابقة ورد (الزَّمّارة) بدلا من: الرَّمّازة). وأشار البغوي، وأبو عبيد، وابن الأثير، والأزهري إلى أن الحديث رواه البعض بلفظ: (الرمّازة). وقال أبو عبيد: (قال الحجاج: (الزمّارة): الزانية .. وقال بعضهم: (الرمّازة). وهو عندي خطأ في هذا الموضع. == أما (الرَّمَازة) في حديث آخر؛ وذلك أن معناها مأخوذ من (الرَّمْز)، وهي التي تومئ بشفتيها أو عينيها، فأي كسب لها ههنا ينهى عنه؟ ولا وجه للحديث إلا ما قال الحجاج: (الزمارة). وعقب ابنُ قتيبة على هذا الكلام بقوله: (الصواب (الرَّمازة)؛ لأن من شأن البَغِيَّ أن ترمز بعينها أو حاجبها). "تهذيب اللغة" 13/ 207. وصوب الأزهريُّ قول أبي عبيد، وكذا قال البغوي: (والأصح تقديم الزاي). "شرح السنة": 8/ 23. ومن الناحية اللغوية، فإن (الزمارة) و (الرمازة) كلامها هنا بمعنى الفاجرة، إلا أن (الزَّمّارة) يُحتمل أن تكون كذلك بمعنى المرأة المُغَنِّيَة. انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1467، 1555 (رمز، زمر)، وانظر قول ابن قتيبة في هامش "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 342 نقله المحقق عن كتابه "إصلاح الغلط" مخطوط: ص 3، فقد أسهب في بيان هذا المعنى.

وورد الحديث بلفظ: (الزمارة) في كتاب "أحاديث ذم الغناء في الميزان" لعبد الله الجديع: 50 - 51 وعزا تخريجه للمحاملي في "الأمالي" وابن عدي، وابن طاهر في: كتاب السماع. وأورده في ص: 155 بلفظ: (أخبث الكسب كسب الزمارة)، وعزا إخراجه لابن أبي الدنيا في: "ذم الملاهي". وذكر الجديعُ إسنادَه، وحكم عليه بأنه ضعيف جدًّا.]].

قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾. إن [[في (ج): (أي).]] قيل: إذا مُنع من [[(من): ساقطة من: (ب).]] الكلام، واضطُرَّ إلى الإشارة، كيف يقدر على التسبيح؟ قيل [[في (ج)، (د) (فيقال).]]: إنَّ الله تعالى حبس لسانه عن التَّكلم بأمور [[في (ب): (بكلام).]] الدنيا، وما يدور بين الناس، ولم يُحبس لسانه عن التسبيح. فكانت هذه أبلغ في الأعجوبة من أن يُمنع من [[في (د): (عن).]] كلِّ ما يجري به اللسانُ [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 8/ 44، 21/ 191، "غرائب القرآن" 3/ 185، "أضواء البيان" 1/ 341.]].

وقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ أي: صَلِّ لله تعالى. والصلاة تُسَمَّى تسبيحا [[في (ج)، (د): (سبحة).]]، لأن الصلاة يُوَحَّد فيها الله تعالى، وُينَزَّه، ويُوصف بكلِّ ما يُبَرِّئه من السوء [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 409، فقد نقل عنه المؤلفُ بعض العبارات في تفسيرالتسبيح.

قال الراغبُ: (والتسبيح تنزيه الله تعالى. وأصله: المرُّ السريع في عبادة الله تعالى .. وجُعِل التسبيح عامًّا في العبادات، قولًا كان، أو فعلًا، أو نِيَّة). "مفردات ألفاظ القرآن" 392 (سبح). وتفسير التسبيح هنا بالصلاة، قال به مجاهد، ومقاتل. انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 646، "زاد المسير" 1/ 386.]].

و (العَشيُّ): آخر النهار، جمع (عَشِيَّة) [[قال الخليل: (العَشيُّ: آخر النهار. فإذا قلت: (عَشيَّة) فهي ليوم واحد، تقول: (لقيته عَشِيَّة يوم كذا)، و (عشِيَّة من العشيَّات". كتاب "العين": 2/ 188 (عشى). وفي "القاموس" (والعشيُّ، والعَشيَّة: آخر النهار، والجمع: عَشايا، وعَشِيَّات) ص 1311 (عشا). وعند الراغب: أنَّ العشي من زوال الشمس إلى الصباح. وعند الطبري: أن العشي من زوال الشمس إلى المغيب. وقال السمين الحلبي عن هذا القول: (هو المعروف). وعند الجوهري: أن العشي (من صلاة المغرب إلى العتمة، تقول: أتيته عشيَّ أمس، وعشيَّة أمس). انظر: "تفسير الطبري" 3/ 262، "الصحاح" للجوهري 6/ 2426 (عشا)، "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب 567 (عشا)، "الدر المصون" 3/ 167، "تاج العروس" 19/ 677 (عشا).]]. و (الإبكار) مصدر: (أَبْكَرَ: إذا صار في وقت البُكرة [[البكرة: هي أول النهار. انظر: "عمدة الحفاظ" للحلبي 59 (بكر) وقال: (وقد اشتُق منها لفظ الفعل، فقيل: (بكر فلان في حاجته)؛ أي: خرج بُكرَة والبُكور: الخروج بُكرة، والبَكور بالفتح: المبالغ في البكور. ولتَقَدُّمِها على سائر أوقات النهار؛ استعمل منها كلّ متعجل، وإن لم يكن في ذلك الوقت، فقيل: بَكر فلان في حاجته، وابتكر، وباكر مُباكرةً).]]، أو سار [[في (ب): (صار).]] فيه، ومثله: (بَكَر)،و (ابتَكَر) [[في (د): (فابتكر).]] ، و (بَكَّر)، قال عمر بن [[في (د): (عمرو ابن).]] أبي ربيعة:

أمِنْ آل نُعْمٍ أنت غادٍ [[في (أ)، (ب): (حا)، في (د): (عاد). والمثبت من: (ج) لموافقته للديوان، وبقية المصادر.]] فَمُبْكِرُ [[في (ج): (فمنكر)، وفي (د): (فمسكر). البيت في: "ديوانه" 92. وورد في "تفسير الطبري" 3/ 262، "المحرر الوجيز" 3/ 111. وتمامه:

غَداةَ غدٍ أمْ رائحٌ فَمُهَجِّرُ

و (نُعْم): امرأة من قريش من بني جمَح. و (غادٍ)؛ أي: سائر في وقت الغَداة، وهو ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس، وأراد أول النهار. و (مُبْكِر)، من (التبكير)، وهو: الخروج بُكرةً، وهو: أول النهار. و (مُهَجِّرُ)، من التهجيِر؛ أي: السير في وقت الهاجرة، وهو: نصف النهار، عند زوال الشمس، حال اشتداد الحرِّ. انظر: "القاموس" ص 352 (بكر)، ص 1317 (غدو)، ص 495 (هجر).]]

وقال أيضًا:

أيُّها الرائِحُ المُجِدُّ ابتكارا [[من الشعر المنسوب لعمر بن أبي ربيعة. انظر: "ديوانه" 493 وتمامه:

قَدْ قَضى مِن تِهامة الأوطارا]] وقال زُهير:

بَكَرَنَ بُكوراً واسْتحَرْنَ بِسُحْرةٍ [[في (أ): حرة (بدلا من بسحرة)، والمثبت من بقية النسخ، ومن "ديوانه": ص 10، وقد سبق ورود البيت عند قوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: 17].]]

و (باكرت الشيء): إذا بكَّرت له، قال لَبيد:

[باكرْتُ حاجَتَها الدجاجَ بسُحرةٍ [[(باكرت حاجتها الدجاج بسحرة): ساقط من (د). وهذا شطر بيت، وتمامه:

لأُعِلَّ منها حين هبَّ نيامُها

وهو في: "ديوانه": 315. وقد ورد البيت منسوبا له، في "شرح القصائد السبع" لابن الأنباري 577، "تهذيب اللغة" 1/ 376 (بكر)، "شرح القصائد العشر" للتبريزي 163، "شرح المعلقات السبع" للزوزني: 244، "اللسان" 3/ 1328 (دجج)، 1/ 332 (بكر)، 3/ 1879 (زهف). وروايته في "الديوان": (بادرت حاجتها)، ويروى: (بادرت لذتها)، و (أن يهب نيامها).

قال الأزهري في معناه: (أي: بادرت صقيع الديك سحرًا إلى حاجتي)، أي: حاجتي في الخمر، وأضاف الحاجة إلى الخمر اتِّساعًا؛ أي: بادرت بشربها صياح الدَّيَكة. و (لأعِلَّ منها)؛ أي: أشرب مرَّة بعد مرَّة، من (العَلَل)، وهو: الشرب مرَّة ثانية. و (حين هبَّ نيامها)؛ أي: وقت استيقاظ النيام بالسَّحَرِ، يعني: أنه ذهب بليل.]]

هذا معنى (الإبكار)، ثمَّ يُسَمَّى ما بين طُلوعِ] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).]] الفجر إلى الضحى:

إبكاراً، كما يُسَمَّى: إصباحاً [[انظر المعاني السابقة، في "تفسير الطبري" 3/ 262، "اللسان" 1/ 332.]].

3:42Page 55

وَإِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصۡطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٢

And [mention] when the angels said, "O Mary, indeed Allāh has chosen you and purified you and chosen you above the women of the worlds.

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ﴾. هذا عطف على قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ [[فيكون العامل في ﴿إِذْ﴾، هو: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ من آية 34، وإليه ذهب الطبري في "تفسيره" 3/ 263. == وقيل العامل فيها: فعلٌ مُضْمَرٌ تقديره: (واذكر) ورجَّح هذا ابن عطية. انظر: "المحرر الوجيز" 3/ 112، "التبيان" للعكبري ص 188.]]، وذكرنا العامل في ﴿إذْ﴾ هناك. وأراد بـ ﴿الْمَلَائِكَةِ﴾: جبريل وحده كما ذكرنا [[(ذكرنا): ساقط من (د)، وانظر تفسير قوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ من آية 39 من سورة آل عمران.]]. وهذا كقوله: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾ [النحل: 2]، يعني: جبريل وحده [[وهذا قول ابن عباس -رضي الله عنه-، كما في "المحرر الوجيز" 8/ 367، "غرائب القرآن" 3/ 190، "تفسير أبي السعود" 5/ 95.]].

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾. أي: بما لطف لكِ [حتى] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).]] انقطعتِ إلى طاعته، وصرت متوفرة [[في (ب): (متفرغة).]] على اتباع مرضاته.

﴿وَطَهَّرَكِ﴾. قال ابن عباس [[لم أهتد إلى مصدر قوله، وهو مذكور في "زاد المسير" 1/ 387.]]: أي: من ملامسة الرجال. وقيل: من الحيض، والنفاس، كانت مريم لا تحيض [[هذا قول السدي، وعكرمة، وهو في "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 647، "تفسير الثعلبي" 3/ 49ب. وفي "زاد المسير" 1/ 387 أنه قولٌ لابن عباس. وقال مجاهد: (جعلك طيبة إيمانًا)؛ أي: طهَّرَ دينك من الرّيَب والدَّنَسِ. انظر: "تفسير مجاهد" 1/ 127، "تفسير الطبري" 3/ 264، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 647، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 42 وعزا إخراجه كذلك لعبد بن حميد، وابن المنذر. قال الآلوسي: (والأوْلى: الحمْلُ على العموم؛ أي: طهَّرك من الأقذار الحسِّيَّة والمعنوية والقَلْبِيَّة والقالبية). "روح المعاني" 3/ 155.]]. ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾.

قال الأكثرون [[ممن قال بذلك ابن عباس، والحسن، وابن جريج، والسدِّي، واختاره ابن جرير في "تفسيره" 3/ 262، وانظر: "تفسيره" كذلك 3/ 263، "زاد المسير" 1/ 387،== وقال: (قال ابن الأنباري: وهذا قول الأكثرين)، وقال الشوكاني عن هذا القول: (وهذا هو الحق). "فتح القدير" 1/ 510.]]: معناه: على عالَمي زمانها؛ بأن فضلت عليهن [[في (ج): (عليهم).]].

قال أبو إسحاق [[في "معاني القرآن" له 1/ 410.]]: وجائز أن يكون على نساء العالمين كلِّهم؛ لأنه ليس في النساء امرأة وَلَدت من غير أبٍ [[في (د) شطب على كلمة (أب) وكتب عليها: (زوج). وُيراد هنا: أنها ولدت عيسى من غير أبٍ.]] غير مريم؛ ولأنها [[في (ج): (لأنها).]] قُبِلت في التحرير للمسجد [[في (ج)، (د): (في التحرير للمسجد).]]، ولم يكن التحرير في الإناث، فهي مختارة على النسوان كلِّهنَّ، بما لها من الخصائص [[وقد رجَّح هذا الفخر الرازي في "تفسيره" 8/ 48، والقرطبي في "تفسيره" 4/ 82.]]. وكرَّر الاصطفاء [[في (د): (وذكر الاصطفاء عموم).]]، لأن كلا [[في (أ)، (ب)، (د): (كلي)، والمثبت من: (ج) ومن "الدر المصون" 3/ 170 حيث نقل عبارة الواحدي.]] الاصطفائين مختلفٌ [[في (ج)، (د): (يختلف).]] معناهما: فالاصطفاء الأول: عمومٌ يدخل فيه صوالحُ النساء، والثاني: اصطفاء بما اختُصَّت به من خصائصها.

3:43Page 55

يَٰمَرۡيَمُ ٱقۡنُتِي لِرَبِّكِ وَٱسۡجُدِي وَٱرۡكَعِي مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ٤٣

O Mary, be devoutly obedient to your Lord and prostrate and bow with those who bow [in prayer]."

قوله تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾. ذكرنا معنى القنوت فيما تقدم [[انظر تفسير آية:116، 238 من سورة البقرة، و 17 من سورة آل عمران.]]. قال مجاهد: معناه: أطيلي القيام في الصلاة [[قوله، في "تفسير الطبري" 3/ 265، ولكن لفظه: (قال: أطيلي الرُّكود؛ يعني:== القنوت). وأورد الأثر عنه السيوطي في "الدر" 2/ 195 ونسب إخراجه كذلك إلى عبد بن حميد. ومعنى الرُّكود: السكون والثبات. انظر: "القاموس المحيط" 283 (ركد). وعند الطبري، عن الربيع: (قال القنوت: الركود. يقول: قومي لربك في الصلاة، يقول: اركدي لربك؛ أي انتصبي له في الصلاة) "تفسير الطبري" 3/ 265، وكذا رواه الربيع عن أبي العالية كما في "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 648. وقال ابن عطية: (معناه: أطيلي القيام في الصلاة وهذا هو قول الجمهور .. وبه قال مجاهد وابن جريج والربيع). "المحرر الوجيز" 3/ 115.]].

وقال ابن عباس: يريد: قومي للصلاة بين يدي ربِّكِ [[الذي وقفت عليه عن ابن عباس، قوله في الآية: (يعني: صلِّي لربِك) من رواية إسحاق بن بشر، وابن عساكر، أوردها السيوطي في "الدر" 2/ 43. وقد ورد عن سعيد بن جبير في معنى ﴿اقْنُتِي﴾: قوله: (أخلصي لربك). وعن قتادة، والسدِّي، وابن زيد: (أطيعي ربَّكِ)، وعن الحسن: (اعبدي ربكِ). انظر: "تفسير الطبري" 3/ 265، "زاد المسير" 1/ 387. وقد جمع بينهما الطبري، فقال: (فتأويل الآية، إذًا: يا مريم أخلصي عبادةَ ربِّكِ لوجهه خالصًا، واخشعي لطاعته وعبادته مع من خشع له مِن خلقه؛ شكرًا له على ما أَكرَمَكِ به من الاصطفاء والتطهير من الأدناس، والتفضيل على نساء عالَم دهرِكِ) تفسيره: 3/ 266. وانظر ما سبق من تعليق على قوله تعالى: ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ في آية 17.]].

وقوله تعالى: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾. يقال: لم قدَّم الأمرَ بالسجود على الركوع، وهو قبل السجود؟ قيل: (الواو) عند النحويين للجمع لا للترتيب [[هذا هو مذهب جمهور النحويين وأئمة الأصول والفقه. وذهب آخرون إلى إفادتها للترتيب، ومن هؤلاء: قطرب (ت: 209 هـ)، وهشام بن معاوية الضرير (ت: 209 هـ)، وأبو جعفر الدينوري (ت: 289 هـ)، والرَّبعي (ت: 420 هـ)، وقد عزاه بعض المؤلفين إلى الإمام الشافعي. إلا أن صلاح الدين العلائي قال: (والحق أن ذلك ليس قولًا له، بل هو وجه في المذهب، قال به جماعة من الأصحاب). "الفصول المفيدة في الواو المزيدة" للعلائي 69. انظر بيان هذا الأمر في == "المقتضب" للمبرد 1/ 10، "الكامل" له 2/ 18، 3/ 185، "الأصول في النحو" لابن السراج: 2/ 55، وكتاب "المعاني الحروف" للرماني 6059، "البسيط في شرح جمل الزجاجي" 334 - 335، "رصف المباني" 474 - 475، "ارتشاف الضرب" لأبي حيان: 2/ 633، "الجنى الداني" للمرادي: 160158، "مغني اللبيب" 463 - 464، "البرهان" للزركشي 4/ 436، "همع الهوامع" 2/ 129.]]، وليس فيه دليل على المبدوء به.

قال أبو الفتح الموصلي [[في "سر صناعة الإعراب" 632، نقله عنه باختصار وتصرف. وأبو الفتح الموصلي، هو: عثمان بن جِنِّي. من أئمة النحو والأدب والتصريف، تتلمذ على أبي علي الفارسي وصحبه أربعين سنة، استوطن بغداد، ودرّس بها إلى أن مات، من كتبه "الخصائص"، "المنصف" وغيرها. توفي ببغداد سنة (392 هـ). انظر: "نزهة الألباء" 244، "إنباه الرواة" 2/ 335 ، "معجم الأدباء" 3/ 461.]]:

واوُ العطفِ [[في (ج): (الفتح).]]، ليس فيها دليل على المبدوء به في المعنى؛ لأنها ليست مُرَتِّبةً، يدلُّ على ذلك قولُ لَبيد:

أُغْلي السِّباءَ [[في (أ)، (ب): (أعلى السب). (ج): (أعلى النسا). والمثبت من: (د)، ومن "سر صناعة الإعراب" والديوان.]] بكلِّ أدكنَ عاتقٍ [[في (ج): (عايق).]] ... أو جَوْنَةٍ قُدِحتْ وفُضَّ خِتامُها [[البيت في: "ديوان لبيد" 314. وقد ورد في "سر صناعة الإعراب" 632، "شرح القصائد العشر" للتبريزي 162، "شرح المفصل" 8/ 92، "شرح المعلقات السبع" للزوزني ص109، "رصف المباني" 474، " الفصول المفيدة" للعلائي 77، "اللسان" 6/ 35452 (قدح)، 5/ 2800 (عتق)، 3/ 1406 (دكن).

ومعنى قوله: (السِّباء): شراء الخمر، من: (سَبَأ الخمرَ): إذا اشتراها للشرب. ومعنى قوله: (أغْلِي)؛ أي: أشتريها غالية. == وقوله: (أدْكَنَ عاتِقٍ): العاتق: زِقُّ الخمر الواسع. والأدْكَن: الأغبر اللون بين الحمْرَةِ والسَّوادِ، أو أراد: بكلِّ أدكنَ عاتقٍ خمرُهُ التي فيه.

و (الجَوْنَة): الزِّقُّ الأسود المَطْلِيُّ بالقار.

وقوله: (قُدِحت): (غُرِفَت).

وقوله: (فُضَّ ختامُها)؛ أي: كُسِرَ خاتَمُها، وهو الطينُ الذي خُتِمَ به فوهُها. والشاهد فيه قوله: (قُدِحت وفُضَّ ختامُها)، على أنَّ واو العطف هنا لا تعني ترتيب الفضّ بعد القدح وهو الغرف، حيث إنها تُفَضُّ أولًا ثمَّ تُغرَف.]].

وإنما يُفتح ويفض: الختم قبل الغَرْف [[في (ج): (الغرق).]]، فقد علمت أن (قُدِحت) مُقَدَّم في اللفظ، مُؤَخَّرٌ في المعنى، كذلك ههنا بدأ بالسجود لفظاً، وهو مؤَخَّرٌ معنى، والكلام في هذه المسألة يُذكر [[في (ب): (نذكر). وفي (ج): (نذكره).]] عند قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: 6] الآية.

قال [[في (ج)، (د): (وقال).]] ابن الأنباري [[لم أهتد إلى مصدر قوله. وقد أورده ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 388.]]: أمَرها أمراً عاماً، وحضَّها على أفعال الخير، فكأنه قال: استعملي السجود في حال، واستعملي الركوع في حال، ولم يذهب إلى أنهما يجتمعان، ثمَّ يُقدَّم السجودُ على الركوع؛ بل أراد العموم بالأمر على اختلاف الحالين [[وقال أبو سليمان الدمشقي: إنه كذلك كان في شريعتهم، يُقدَّمُ السجود على الركوع. ويرى الفخر الرازي أنه قُدِّم لرتبته وفضيلته؛ حيث إنَّ غاية قرب العبد من الله أن يكون ساجدًّا. انظر: "زاد المسير" 1/ 388، "تفسير الفخر الرازي" 4/ 48.]].

وقوله تعالى: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾. ولم يقل مع الراكعات؛ لأن الراكعين أعمُّ؛ لوقوعه على الرجال والنساء إذا اجتمعوا، والراكعات يختصُّ بالنساء، فكان [[في (ج): (وكان).]] الأعم أولى.

ومعنى قوله: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أي: افعلي كفعلهم. وقيل: المراد به: الصلاة في الجماعة [[وهو قول ابن عباس ومقاتل. ولفظ ابن عباس: (مع المصلِّين، مع قرَّاء بيت المقدس). أورده السيوطي في "الدر" 2/ 43 - 44 ونسب إخراجه لإسحاق بن بشر وابن عساكر. ولفظ مقاتل: (يعني مع المصلين في بيت المقدس). "تفسير مقاتل" 1/ 276.]].

قال المفسرون [[هو قول ابن إسحاق، والأوزاعي. انظر: "تفسير الطبري" 3/ 265، "تفسير الثعلبي" 3/ 49 ب، "تفسير القرطبي" 4/ 84.]]: كلَّمت الملائكةُ بهذا مريَم شفاها، فقامت مريمُ في الصلاة حتى ورمت قدماها، وسالتا دماً، وقيحاً.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском