Al-Wahidi (al-Basit)Ali 'Imran · 3:81–85

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:81–85

3:81Page 60

وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ لَمَآ ءَاتَيۡتُكُم مِّن كِتَٰبٖ وَحِكۡمَةٖ ثُمَّ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مُّصَدِّقٞ لِّمَا مَعَكُمۡ لَتُؤۡمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥۚ قَالَ ءَأَقۡرَرۡتُمۡ وَأَخَذۡتُمۡ عَلَىٰ ذَٰلِكُمۡ إِصۡرِيۖ قَالُوٓاْ أَقۡرَرۡنَاۚ قَالَ فَٱشۡهَدُواْ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٨١

And [recall, O People of the Scripture], when Allāh took the covenant of the prophets, [saying], "Whatever I give you of the Scripture and wisdom and then there comes to you a messenger confirming what is with you, you [must] believe in him and support him." [Allāh] said, "Have you acknowledged and taken upon that My commitment?"1 They said, "We have acknowledged it." He said, "Then bear witness, and I am with you among the witnesses."

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ قال أبو إسحاق [[في "معاني القرآن" لم: 1/ 436. نقله عنه بنصه.]]: موضع (إذْ): نَصبٌ؛ المعنى: واذكر في أقاصيصك: إذ أخذ اللهُ ميثاقَ النَّبِيِّين.

وقوله تعالى: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ قرأ [[في (ج): (وقرأ).]] حمزة: ﴿لِمَا﴾ بكسر اللاَّم [[انظر: "السبعة" 213، "حجة القراءات" 3/ 62، "المبسوط" لابن مهران: 146.]]. ووجهُ [[من قوله: (ووجه ..) إلى (.. والمفعول لا يحتاج إلى عائد ذكر): نقله باختصار وتصرف عن "الحجة" للفارسي: 3/ 62.]] هذه القراءة: أنَّ اللاَّم في ﴿لِمَا﴾ متعلق بالأخذ؛ كأنَّ [[(أ)، (ب)، (ج): (كان). والمثبت من "الحجة".]] المعنى: أخذ ميثاقهم لهذا؛ لأن من يؤتَى الكتابَ والحكمة، يُؤخَذُ عليهم الميثاقُ؛ لِما أوتوهُ [[(أ)، (ب)، (ج): (أتوه). والمثبت من "الحجة".]] من الحكمة، وأنهم الأفاضل، وأماثل [[في (ب): (وأفاضل).]] الناس. و (ما) على هذه القراءة تكون موصولةً؛ بمعنى: الذي. والراجع إلى (ما) مِن صِلَتِها محذوفٌ؛ تقديره: لِما آتيتكموه. فَحُذِفَ الراجعُ، كما حُدفَ من قوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: 41]. ونحو ذلك.

فإن قيل] [[ما بين المعقوفين مطموس في (أ). والمثبت من: (ب)، (ج).]]: إذا كانت (ما) موصولةً، لزم أن يرجع من الجملة المعطوفة [[في (ب): (الموصولة).]] على الصلة، ذِكرٌ إلى الموصول، وإلاّ لم يَجُز. ألا ترى أنك لو قلت: (الذي قام أبوه [[في (ب): (أثره بدلًا من أبوه).]] ثم انطلق زَيْدٌ، ذاهبٌ) [[(إليك) بدلًا من (ذاهب).]]؛ لم يَجُز إذ لم يكن [راجعٌ مذكورٌ] [[ما بين المعقوفين: مطموس في (أ). والمثبت من: (ب)، (ج) "الحجة".]].

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ [لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ب).]]﴾ ليس فيه [[ليس فيه: ساقط من: (ب).]] راجعٌ إلى الموصول. قيل: يجوز [[في (ب): ورجوعه بدلا من: (قيل يجوز).]] أن يكون المُظهرُ بمنزلة المُضْمَر. فقوله: ﴿لِمَا مَعَكُمْ﴾، هو في المعنى: ما أُوتوهُ [[(أ)، (ب): (أتوه). والمثبت من: (ج)، و"الحجة".]] مِنَ الكتاب والحكمة؛ فكأنه [[في (ج): (وكأنه).]] قال: ثم جاءكم رسولٌ مُصدِّقٌ له؛ أي [[له أي: ساقط من: (ج).]]: لِمَا آتيتكم مِنْ كتابٍ وحِكْمَةٍ، وهو ما معكم.

والصلة المُظهَرَة تقوم مقام المُضمَرَة [[في (ج): (المضمر).]]، عند أبي الحسن الأخفش؛ ومثل هذا: قوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 90]، المعنى: كأنه قال: لا يضيع أجرهم؛ لأن الذي يتقي [[في (ب): (يتق).]] ويصبر يكون من المحسنين، وكذلك قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [[من (إنا لا نضيع ..) إلى (الذين آمنوا وعملوا الصالحات): ساقط من: (ج).]] [الكهف: 30]، المعنى عنده: إنا لا نضيع أجرهم؛ لأن مَنْ أحسن عملًا، هم: الذين آمنوا وعملوا الصالحات [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 396.]].

ووجه آخر، وهو: أنَّ الراجعَ ههنا محذوفٌ، وحَسُن الحذف للطول، كما حكاه الخليل [[انظر قوله في "كتاب سيبويه" 2/ 404.]] من قولهم: (ما أنا بالذي قائل لك شيئًا)، والتقدير: بالذي هو قائل.

كذلك ههنا يكون التقدير: ثم جاءكم رسولٌ به؛ أي: بتصديقه، أي: بتصديق ما أتيتكم.

وأما من قرأ ﴿لَمَا﴾ بفتح اللام [[هم باقي القراء، ما عدا حمزة الذي قرأ بكسرها كما سبق. انظر: "السبعة" 213، "المبسوط" لابن مهران: 146، "الكشف" 1/ 351.]]؛ فـ (ما) [[في (أ)، (ب): (فيما). والمثبت من: (ج). وفي "الحجة": فإن ما.]] في هذه القراءة، يحتمل [[في (ب)، (ج)، "الحجة": (تحتمل).]] تأويلين:

أحدهما: أن تكون موصولة. والآخر: أن تكون للجزاء [[الجزاء: هو الجواب في أسلوب الشرط؛ لأنه جزاء مترتب على حصول الشرط.]]. فمن قدَّرها موصولةً: كان القول فيها كما ذكرنا في قراءة حمزة.

واللاّم في (لَمَا)، لام الابتداء، وهي المتلقية [[في (ب)، (ج): (المنقلبة).]] لِما أُجري مجْرى القَسَم، لأن قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾، بمنزلة القَسَم، كأنَّ المعنى: استحلفهم.

وموضع (ما) رفع بالابتداء. والخَبَرُ: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾. و ﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ [[ولتؤمنن: ساقط من: (ج).]]، متعلق بِقَسَم محذوف؛ المعنى: والله لتؤمنن به. فإن قدرت (ما) للجزاء، كانت (ما) في موضع نصب بـ ﴿آتَيْتُكُمْ﴾. و ﴿جَاءَكُمْ﴾ في موضع جزمٍ بالعطف على ﴿آتَيْتُكُمْ﴾، واللاّم الداخلةُ على (ما) لا تكون المتلقية [[في (ج): (المنقلبة).]] للقسم، ولكن تكون بمنزلة اللّام في قوله: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ [الأحزاب: 60] [والمتلقية للقسم؛ قوله [[(قوله): ساقط من: (أ)، (ب). وفي (ج): (وقوله). والمثبت من "الحجة" للفارسي.]]: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾، كما أنها في قوله ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾] [[ما بين المعقوفين زيادة من: (ج) ومن "الحجة" للفارسي.]]، قوله [[في (ب): (وقوله).]] ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ﴾ [الأحزاب: 60].

وهذه اللاّم الداخلة على (إنْ) في ﴿لَئِنْ﴾، لا يعتمد القَسَمُ عليها؛ فلذلك جاء حذفها تارةً، وإثباتها تارة؛ كما قال [[قال: ساقطة من (ج).]]: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ﴾ [المائدة: 73]، فَتَلْحَقُ هذه اللاّم مرة [(إنْ)] [[ما بين المعقوفين زيادة من "الحجة" للفارسي؛ ليتضح بها المعنى.]]، ولا تَلْحَقُ أخرى، كما أنّ (أنْ) كذلك في قولهم: (واللهِ أَنْ لو فعلتَ لفعلتُ)، [و] [[ما بين المعقوفين زيادة من "الحجة".]] (واللهِ لو فعلتَ لفعلتُ) [[(والله لو فعلت لفعلت): ساقطة من: (ج).]]. وهذه اللاّم بمنزلة (أَنْ) الواقعة مع (لو). وهذا مذهب سيبويه [[انظر: "كتاب سيبويه" 3/ 107.]]، وهو يُقدِّر (ما) ههنا للجزاء [[بالرجوع إلى "كتاب سيبويه" يظهر ابتداء خلاف ما ذكره المؤلف هنا، ونص عباره سيبويه: (وسألته [يعني الخليل] عن قوله عز وجل: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾. فقال: (ما) ههنا بمنزلة (الذي)، ودخلتها اللام؛ كما دخلت على (إنْ) حين قلت: (واللهِ لئن فعلتَ لأفعلن)، واللام التي في (ما) كهذه التي في (إنْ)، واللام التي في الفعل، كهذه التي في الفعل هنا ..). وذكر الفارسي في "الحجة" 3/ 66 أنَّ المازني قال: (زعم سيبويه أن (ما) بمنزلة (الذي)، ثم فسّر تفسير الجزاء). ثم بيَّن الفارسي وجه قول سيبويه، فقال: (والقول فيما قاله من أن (لَما) بمنزلة (الذي): أنه أراد أنه اسم، كما أن (الذي) اسم، وليس بحرف، كما كان حرفًا في قوله: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ [هود: 111]، ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: 35]، فهذا المعنى أراد بقوله: أنه بمنزلة الذي، ولم == يرد أنها موصولة كـ (الذي). وبهذا يتضح كلامَ المؤلف الذي اختصره من "الحجة" للفارسي. انظر في هذا كذلك "الإغفال" لفارسي: 1/ 579 - 586 فقد نقل هنا قول سيبويه والمازني، وناقش هذه المسألة.]]، وانما لم يحمله على أن (ما) موصولة، بمنزلة الذي؛ لأنه لو حمله على ذلك، للزم أن يكون في الجملة المعطوفة على الصلة، ذِكرٌ يعود على الموصول، فلما لم ير [[في (ج): (نر).]] ذلك، ولم ير أن يضع المُظْهَر موضع المُضْمَر كما يراه أبو الحسن عَدَلَ عن القول: بأن (ما) موصولة، إلى أنها للجزاء، ولم يحملها على الحذف من المعطوف على الصلة؛ لأنه ليس بالكثير، ولا بموضع [[في (ب): (موضع)، (ج): (لموضع).]] يليق به الحذف. و (ما) إذا كانت للجزاء، لا تحتاج إلى عائدِ ذِكرٍ، كما تحتاج إليه (ما) التي بمنزلة (الذي)؛ لأن (ما)، إذا كانت جزاءً، مفعولٌ بها، والمفعولُ لا يحتاج إلى عائدِ ذكرٍ. وهذا الوجه اختيار الزجاج؛ لأنه قال [[في "معاني القرآن" له: 1/ 436. نقله عنه بتصرف.]]: أجوَد الوجهين: أن يكون [[في (ب)، (ج): (تكون).]] (ما) للشرط والجزاء؛ لأن الشرط يوجب أن كل ما وقع من أمر الرسول [[في (ج): "معاني القرآن" الرسل. أما (الرسول) فقد وردت في كتاب "الإغفال" للفارسي: 1/ 579 حيث نقل قول الزجاج هذا. ويبدو أن المؤلف نقل العبارة عن "الإغفال" أو عن نسخة أخرى لـ "معاني القرآن" ورد فيها لفظ (الرسول).]] فهذه طريقته.

وأبو عثمان المازني أيضًا اختار هذا الوجه، فقال [[قوله في "الإغفال" 1/ 585. وقد نقله المؤلف بنصه.]]: الوجه عندي: أن يكون [[في (ب)، (ج): "الإغفال" تكون.]] (ما) للجزاء؛ لأن الفعل الماضي إنما يكون في معنى المستقبل، في الجزاء لا في غيره، والمعنى: أنه أخذ ميثاقهم على أن ينصروه ويؤمنوا بما يأتيهم فيما يستقبل من كتاب وغيره.

والدليل على أن ﴿آتَيْتُكُمْ﴾، ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ﴾، معناه مستقبل: قوله: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾، وإذا كان جزاءً كانت اللاّمُ توكيدا.

وقد قال سيبويه [[في "الكتاب" له: 3/ 108. ونص قوله: (ومثل ذلك: ﴿لَّمَن تَبِعَكَ مِنهُمْ لَأَمْلَأَنَّ﴾، إنما دخلت اللام على نِيَّة اليمين). وقول سيبويه هنا من تتمة نقل المؤلف لكلام المازني من "الإغفال".]]: ومثل هذه الآية؛ قوله: ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: 18]، فهذا جزاء، والفعل [[من قوله (والفعل ..) إلى (.. فمعناها التقديم): نقل المؤلف هذه العبارات بالمعنى، وهي من تتمة كلامِ المازني في "الإغفال".]] الماضي في معنى المستقبل، ولام القسم التي تعتمد عليها اللاّم في ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ وهي وإن كانت مؤخرة فمعناها التقديم.

وقوله تعالى: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ تقديره [[من قوله: (وتقديره ..) إلى (.. لآتينك إن أتيتني كذلك): نقله بتصرف عن "الإغفال" للفارسي: 1/ 587.]]: أول الكلام في قول من قدّر (ما) جزاء، والتمثيل: (وإذ أخذ اللهُ ميثاق النبيين لتؤمنن به)، وجواب الشرط، محذوف مستغنى عنه؛ لدلالة لتؤمنن به، الذي هو جواب القسم عليه، كما أن قولك: (لآتِيَنَّك إنْ أتيتني)، كذلك؛ والمعنى: (واللهِ، لآتِيَنَّك إنْ أتيتني). فيكفي جوابُ القسم من جواب الجزاء، وإذا كانت بمعنى الجزاء على ما [[في (ب): (كما) بدلًا من: (على ما).]] وصفنا فيكون تقدير المعنى: لأَنْ آتيتكم شيئًا من كتاب وحكمة، -ومهما آتيتكم- ثم جاءكم رسول، لتؤمنُنَّ به.

فإن قيل: ميثاق الإيمان بمحمد ﷺ، وسائر الرسل، مأخوذ على جميع النبيين ما [[في (ج): (مما).]] أوتوا الكتاب، وانما أوتي [[في (ج): (أولى).]] بعضهم؟.

قيل: هذا على التغليب؛ فالذكر ذكر الأنبياء الذين أوتوا الكتاب، والمراد: هم، وغيرهم ممن لم يُؤتَ الكتاب، ودخلوا في جملتهم؛ لأنهم بمنزلة من أوتى الكتاب بما أوتوا من الحُكْم والنبوة، وأيضًا فإن الذين لم ينزل عليهم الكتاب أمروا بأن يأخذوا بكتاب نَبِيٍّ [[(بأن يأخذوا بكتاب نبي): مطموس في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).]] قبلهم، ورُزِقوا علمَ ذلك الكتاب، فدخلوا تحت صفةِ أبناء الكتاب.

وقرأ [[من قوله: (وقرأ ..) إلى نهاية قوله: ﴿أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾: نقله بتصرف عن "الحجة" للفارسي: 3/ 69.]] نافع: ﴿آتَيْنَاكُم﴾ [[في (ب): (أتيتكم).

وهذه القراءة لجعفر -كذلك-، وقرأ الباقون ﴿آتَيْتُكُم﴾. انظر: "المبسوط" لابن مهران: 146، "الكشف" لمكي 1/ 351.]]، وحجته قوله: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء:55]، ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: 12]، ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ﴾ [الصافات: 117].

ومن قرأ: ﴿آتَيْتُكُم﴾، فحجته قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الحديد: 9]، و ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران: 3]، و ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: 1].

والقراءة الأولى: أشبه بكلام البلغاء والملوك، ومن الفصاحة تغيير العبارة عن الواحد إلى الجمع، وعن الجمع إلى الواحد، كقوله: {وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا} [[كُتِبت ﴿ألّا يَتّخذوا﴾ -بضمير الغائب- وهي قراءة أبي عمرو. وقرأ الباقون: ﴿الَّا تَتَّخِذُوا﴾ -بضمير الخطاب- على الالتفات. انظر: "إتحاف فضلاء البشر": (281).]] [الإسراء: 2] ولم يقل: من دوننا، كما قال: ﴿وَجَعَلْنَاهُ﴾.

والقراءة الثانية: أشبه بما قبله مِنْ قولِهِ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ﴾، وبما بعده من قوله: ﴿إِصْرِى﴾.

وقوله تعالى: ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ قال ابن الأنباري [[لم أقف على مصدر قوله.]]: وإنّما خاطب، فقال: ﴿آتَيْتُكُمْ﴾ بعد أن ذكر النبيين وهم غيب؛ لأن في الكلام معنى قول وحكاية، يراد: واذ أخذ الله ميثاق النبيين، فقال مخاطبًا لهم: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾.

قال [[في (ج): (وقال).]]: ونظائر هذا كثيرة [[في (ج): (وتظاهر هذا كثرة).]].

وقوله تعالى: ﴿مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾.

دخلت ﴿مِنْ﴾ تبيينًا لـ (ما)؛ كقولك: (ما عندي من الوَرِقِ [[الوَرِق، والوِرْق، والوَرْق، والرِّقَة: الدراهم المضروبة وقيل: الفضة، أكانت مضروبة أم لا. وقيل: المال بعمومه. وجمع الورق: أوراق. وجمع الرِّقَة: رِقُون. انظر (ورق)، في "الصحاح" 4/ 1564، "اللسان" 8/ 4816، "التاج" 13/ 476.]] والعَيْنِ) [[في (ج): (والحبر).

و (العين): من معانيها في اللغة -مما يصلح في هذا الموضع-: المال العتيد: الحاضر، والنّقد، والدينار، والذهب عامّة. انظر (عين)، في "اللسان" 6/ 3198، "القاموس" (1218).]].

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾.

يقال: ما وَجْه [[من قوله: (ما وجه ..) إلى (وهذا من جهة المعنى): نقله -بتصرف- عن "الحجة" للفارسي: 3/ 67 - 68.]] قوله: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ﴾، والنَّبِيُّون لم يأتهم الرسولُ، وإنما يُبْعَثُ الرُّسُلُ إلى الأمم، لا إلى الرُّسُلِ؟.

قيل: يجوز أن يُعْنى بذلك أهل الكتاب في المعنى [[ممن قال بذلك: طاوس، وقتادة. انظر: "تفسير عبد الرزاق" 1/ 124، "تفسير الطبري" 3/ 333، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 694.]]؛ لأن الميثاق إذا أُخذ على النبيين، فقد أُخذ على الذين أوتوا [[في (ب): أتوا. والمثبت من: (ج)، "الحجة".]] كُتُبَهُمْ من أممهم.

وعامَّة ما يُشْرع للأنبياء [[في (أ)، (ب): الأنبياء. والمثبت من: (ج)، "الحجة".]]، قد [[في (ب)، (ج): (فقد).]] شُرعَ لأممهم وأتباعهم؛ يبين ذلك: أن الفروض التي تلزمنا تلزمُ نبينا [[في (ج): (نبيهم).]] عليه السلام؛ وإذا كان كذلك؛ فأخذ [[في (أ)، (ب)، (ج): (وأخذ). والمثبت من "الحجة" للفارسي؛ لأنه الأليق بالعبارة، ودخول الواو يخل بالمعنى.]] الميثاق على النبيين، كأَخْذ الميثاق على الذين أوتوا كتبهم من أممهم، ومن ثَم جاء ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: 1]، فجُمع النبي ﷺ ومن تبعه في الخطاب الواحد، وهذا من جهة المعنى.

قال ابن الأنباري [[لم أقف على مصدر قوله.]]: إنما أخذ الله ميثاق النبيين [[في (ج): (الميثاق على النبيين).]]، بأن يؤمنوا برسل الله جل وعز بعدهم، فإذا آمنوا بهم، لزم أُمَمَهم الاقتداءُ بهم، والسلوكُ لمنهاجهم.

وجواب آخر من طريق اللفظ [[وهذا الجواب قد ذكره الفارسي في "الحجة" 3/ 68، وإنما ذكر المؤلف معناه هنا.]]، وهو: أن يكون المراد: وإذ أخذ ميثاق أممِ النَّبِيِّين وأتباع النَّبِيِّين، شَرط عليهم أنبياؤُهم أن يؤمنوا بكل نَبِيٍّ يبعثه الله عز وجل ولا يكذبوه، ولا يدخلوا في جملة أعدائه، وأخذوا بذلك عهودهم، فقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾، وهو يريد: ميثاقَ تُبّاع النَّبيين، فحَذَف المضاف.

وقال صاحب النظم: معنى النَّبِيِّين ههنا: معنى أُمَمِهم، وصار ذكرهم كالقبيلة للأمم، كما يقال: قَيْس، وتَمِيم، وبَكْر، وهي أسماء رجال بأعيانهم، نُسِب أولادهم إليهم، فصاروا قبائل.

ومنه قول الشاعر:

أتَسأَلُني السويَّةَ وَسْطَ زَيْدٍ ... ألا إنَّ السَّوِيَّةَ أنْ تُضامُوا [[البيت ورد في "اللسان" 4/ 2162 (سوا)، ونسبه إلى البراء بن عازب الضَّبِّي. و (السَّويِّة، والسواء): العدل، والنَّصفَة. وقوله: (تُضامُوا) من: (ضامَهُ حقَّهُ)، (يَضيمُه، ضَيْما)؛ أي: انتقصه حقه، وظلمه. انظر: "اللسان" 4/ 2162 (سوا)، 5/ 2629 (ضيم).]]

فـ (زيد) ههنا قبيلة لأصحابه؛ لذلك قال: (وَسْطَ زيد).

وقوله تعالى: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾.

إن قيل: ما معنى: أخْذَ ميثاق النبيين بِنُصْرَةِ مَن لم يَلْقَوْهُ، ولم يدركوا زمانَه؟.

قلنا: قد بَيَّنّا [[(قد بينا): ساقط من: (ج).]] أن المراد بـ ﴿النَّبِيِّينَ﴾: أتباعهم وأممهم. فعلى هذا؛ لا كلام.

وإن [[في (ج): (فإن).]] قلنا: المراد: هُم، ثم [[(ثم): ساقط من: (ج).]] تتبعهم الأُممُ؛ فمعنى النصر ههنا: أن ينصروه بتصديقه عند قومهم.

قال المفسرون في هذه الآية: إن الله تعالى أخذ الميثاق على الأنبياء بتصديق بعضهم بعضًا. وهذا قول: سعيد بن جبير [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 331 - يرويه عن ابن عباس- وفي "الثعلبي" 3/ 67 أ.]]، وقتادة [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 332، "تفسير الثعلبى" 3/ 67 أ، "الدر المنثور" 2/ 84، وزاد نسبة إخراجه إلى عبد بن حميد.]]، وطاوس [[قوله في "تفسير عبد الرزاق" 1/ 124، "تفسير الطبري" 3/ 331، "تفسير الثعلبي" 3/ 67 أ.]]، والحسن [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 331، "تفسير الثعلبي" 3/ 67 أ، "تفسير ابن كثير" 1/ 405، وانظر: "تفسيره" 1/ 219.]]، والسدّي [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 332، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 694، "تفسير الثعلبي" 3/ 67 أ.]].

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 332، "تفسير الثعلبى" 3/ 67 أ.]]: لم يبعث الله عز وجل؛ [[: ساقطة من: (ج).]] نَبِيًّا، آدَمَ ومَن بَعده، إلا أَخَذَ [[في (أ): (خذ). والمثبت من: (ب)، (ج)، و"تفسير الطبري" و"الثعلبي".]] عليه العهد في محمد وأمره [[في (ب): وإمره. وهكذا جاءت العبارة: (... وأمره، وأخذ العهد ...) عند المؤلف، والثعلبي، الذي نقل قول الإمام علي، ومن سبق من التابعين، عن كتاب "نظم القرآن" - كما أشار هو إلى ذلك. ولكن عبارة الطبري أصح في المعنى وهي: (ويأمره فيأخذ العهد على قومه).]]، وأخذ العهدَ على قومه لَيُؤمِنُنَّ به، ولَئِن بُعث وهم أحياء لَيُنْصُرُنَّهُ.

وقال ابن عباس: يريد بـ ﴿مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾: عَهْدَهُم؛ ليشهدوا بمحمد ﷺ، بأنه رسول الله.

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾. يريد: محمدًا ﷺ.

﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾، يريد: إن أدركتموه. فالآية [[في (أ)، (ب): بالآية. والمثبت من: (ج).]] عامة في جميع النبيين؛ على قول: سعيد بن جبير ومَن تابَعَهُ، وخاصَّة في النبي ﷺ، على قول: عَلِيٍّ، وابن عباس رضي الله عنهما. وهذا هو الأصح؛ لأن المراد بالآية: التَنْوِيه بذكر محمد ﷺ بما أُخِذ على النبيين مِن التصديق به، واعتماد النصرة له، مع الاحتجاج على أهل الكتاب باتِّبَاع سبيلِ النبيبن فيه [[وقد رجح الطبري القول الآخر؛ أن الآية عامَّة في جميع النبيين بأن يصدِّق بعضهم بعضًا، وأخذ على الأنبياء الميثاق على أممهم وأتباعهم بنحو الذي أخذ عليهم ربهم بتصديق أنبيائه ورسله. انظر: "تفسيره" 3/ 333.]].

وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ﴾ أي: قال الله تعالى للنبيين: أأقررتم بالإيمان به والنصرة له.

و (الإقرار) في اللغة منقول بالألف [[أي: منقول بالهمزة؛ للتعدية.]]، من: (قَرّ الشيءُ، يَقِرُّ) [[في (أ)، (ب): (يقرو). في (ج): (يفرا). وما أثبته هو ما رجحت صوابه. يقال: (قَرَّ بالمكان، يَقَرُّ، ويَقِرُّ) -بالكسر والفتح- وبالكسر أكثر. انظر المصادر التالية.]]: إذا ثبت، ولزم مكانه، و (أَقَرَّهُ غيرهُ). والمُقِرُّ بالشيء: يُقِرُّهُ على نفسه؛ أي: يُثْبِتُهُ [[انظر (مادة: قرر) في "اللسان" 6/ 3579، و"التاج" 7/ 380.]].

وقوله تعالى: ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ أي: قبلتم عهدي [[تفسير (الإصر) بـ (العهد)، قال به ابن عباس، ومحمد بن إسحاق، ومجاهد، والربيع، والسدي، وابن جريج، وقتادة. انظر: "تفسير الطبري" 3/ 334، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 695.]]. والأخذ؛ بمعنى (القَبُول) [[انظر: "تفسير الطبري" 3/ 334.]]، كثيرٌ في الكلام؛ كقوله: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: 48]؛ أي: لا يُقبل فِدْيَةٌ [[انظر: "تفسير البسيط" 863، "تفسير الثعلبي" 3/ 67 أ. انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة: 192، 83، "تفسير الثعلبي" 3/ 76 ب.]]. وقال: ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: 104]، أي: يقبلها.

ومضى الكلام في معنى (الإصْر) [[انظر: "تفسير البسيط" للمؤلف: عند تفسير آية: 286 من سورة البقرة]].

وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَاشْهَدُوا﴾ أي [[من قوله: (أي: ..) إلى (عليكم وعليهم): نقله بنصه عن "تفسير الثعلبي" 3/ 76 ب.]]: قال الله عز وجل للنبيين: فاشهدوا [[(أي قال الله عز وجل للنبيين فاشهدوا): ساقط من: (ج).]] أنتم على أنفسكم، وعلى أتباعكم، وأنا معكم من الشاهدين عليكم وعليهم. وهذا القول، يُروى عن عَلِي - رضي الله عنه - [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 334، "زاد المسير" 1/ 416.]].

وقال الزجاج [[في "معاني القرآن" له، 437. نقله عنه بتصرف يسير.]]: ﴿فَاَشْهَدُوا﴾ أي: فبينوا [[في "معاني القرآن" فتبينوا. وما كتبه المؤلف أصح من ناحية المعنى، وأنسب لما بعده من كلام.]]؛ لأن الشاهد هو الذي يصحح دعوى المدعي، ولبينها، وشهادة الله عز وجل للنبيين: تبيينه [[في (ب)، (ج): (تبينه).]] أمر نبوتهم بالآيات المعجزات [[في (ب): (والمعجزات).]].

وحكي عن سعيد بن المُسَيّب أنه قال [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 76ب، "تفسير البغوي" 3/ 62، "زاد المسير" 1/ 416، "تفسير القرطبي" 4/ 126.]]: هذا الخطاب للملائكة، قال الله تعالى للملائكة) [[(قال الله -تعالى- للملائكة): ساقط من: (ج).]]: اشهدوا عليهم بإقرارهم؛ فيكون خطابًا لمن لم يتقدم ذِكْرُهُ [[في (ج): (لم يتقدم).]].

3:82Page 60

فَمَن تَوَلَّىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٨٢

And whoever turned away after that - they were the defiantly disobedient.

قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ هذا شرط [[ويجوز أن تكون ﴿مَنْ﴾ موصولة، وتكون ﴿تَوَلَّى﴾: صلة، لا محل لها. ويكون ﴿فَأُولَئِكَ﴾ -في هذه الحالة-: في محل رفع؛ لوقوعها خبرًا. انظر: "الدار المصون" 3/ 395.]]؛ وقد ذكرنا أن الفعل الماضي معناه: الاستقبال في الشرط والجزاء، وإنما جاز وقوع الماضي موقع المستقبل في الجزاء؛ لأن حرف [[في (ج): (حروف).]] الجزاء لمّا كان يعمل في الفعل، قوي على نقله من معنى المضي إلى الاسقبال، وذلك إشارة إلى أخذ الميثاق.

قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يريد: فمن أعرض عما جئت به، وأنكر ما عاهد الله عليه.

وقال الزجاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 438. نقله عنه بتصرف]]: فمن تولى؛ أي: أعرض عن الإيمان بعد أخذ الميثاق، وظهور آيات النبي ﷺ.

وقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ دخلت الفاء في (أولئك)؛ لأنه جواب الشرط؛ وإنما تدخل [[في (ج): (يدخل).]] الفاءُ في جواب الشرط؛ لأن الثاني يجب بوجود الأول بلا فصل؛ كقولك: (إنْ تأتِنِي فَلَكَ درهمٌ)، فوجوب الدرهم، بالإتيان عقيبَه بلا فصل؛ فلذلك جاء بالفاء.

و ﴿أُولَئِكَ﴾: ابتداء؛ و [[(الوا) و: زيادة من (ج).]] ﴿هُمُ﴾: ابتداءً ثانٍ، و ﴿الْفَاسِقُونَ﴾: خبره، و ﴿هُمُ﴾ [[من قوله: (وهم ..) إلى (والفاسقون خبره): ساقط من (ج).]] مع خبره: خَبَرُ ﴿أُولَئِكَ﴾، ويصلح أن يكون ﴿أُولَئِكَ﴾: ابتداء؛ و ﴿الْفَاسِقُونَ﴾: خبرَهُ، و ﴿هُمُ﴾: عِمَاد وفَصْلٌ؛ لا موضع له. ومعنى (الفاسقين) ههنا؛ أي: الذين خرجوا عن القصد، وعن جملة الإيمان. قاله الزجاج [[في "معاني القرآن" له: 1/ 438.]].

3:83Page 60

أَفَغَيۡرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبۡغُونَ وَلَهُۥٓ أَسۡلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا وَإِلَيۡهِ يُرۡجَعُونَ ٨٣

So is it other than the religion of Allāh they desire, while to Him have submitted [all] those within the heavens and earth, willingly or by compulsion, and to Him they will be returned?

قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ دخلت الفاءُ في ﴿أَفَغَيْرَ﴾ لأنه عطف جملة على جملة [[على جملة: ساقط من: (ج).]]، وكذلك [[في (ج): (ولذلك).]] لو قيل: (أَوَغَير)، إلّا أَنَّ الفَاءَ تُرتِّبُ [[في (ج): (نزلت).]]؛ كأنه قيل: أَبَعد أَخْذِ الميثاق، غَيرَ دينِ الله يبغون؟.

واختلفوا في الياءِ والتّاءِ، من قوله: ﴿تَبغُون﴾:

فمن قرأ بالتاء [[القراءة بالتاء في ﴿تبغون﴾، لابن كثير، ونافع، وابن عامر، وعاصم -في رواية أبي بكر عنه-، وحمزة، والكسائي.== انظر: "علل القراءات" للأزهري: 1/ 122 - 123، "الحجة" للفارسي: 3/ 69، "التيسير" 89، "التبصرة" 462.]]؛ فلأن ما قبله خطاب؛ كقوله: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ﴾.

ومن قرأ بالياء [[القراءة بالياء في ﴿يَبْغُونَ﴾، لأبي عمرو، وعاصم -برواية حفص-، ويعقوب. انظر المصادر السابقة.]]؛ فوجهه: أن الله تعالى أخبر في الآية السابقة، عن أخذ الميثاق على اليهود والنصارى وغيرهم، فلما كفروا، أخبر عنهم على جهة الاستنكار، فقال [[في (ج): (قال).]]: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾.

وقرأ أبو عمرو: ﴿يَبْغُونَ﴾ بالياء، و ﴿تُرجَعُونَ﴾ بالتاء [[قرأ عاصم -برواية حفص-: ﴿يُرجَعُونَ﴾ -بالياء المضمومة-، وقرأ الباقون: ﴿تُرجَعُونَ﴾ -بالتاء المضمومة-. انظر المصادر السابقة.]]؛ لأن الأول: خاص لليهود [[في (ب): (باليهود).]] وغيرهم [[(باليهود وغيرهم): ساقط من: (ج).]]، والثاني: عامٌّ لجميع المكلفين [[انظر توجيه هذه القراءة في "علل القراءات" للأزهري: 1/ 123، "الحجة" للفارسي: 3/ 69 - 70، "حجة القراءات" لابن زنجلة: 170، "الكشف" لمكي: 1/ 353.]].

وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾.

روى [[في (ج): (وروي).]] أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ، قال في هذه الآية: "الملائكة، أطاعوه في السماء؛ وعبد القيس في الأرض" [[الحديث: أخرجه الديلمي في "مسند الفردوس": 4/ 407، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 68 أ، وأورده -بدون سند- القرطبيُّ في "تفسيره" 4/ 128. وفيه زيادة عندهم "والأنصار وعبد القيس أطاعوه في الأرض". وفي سنده عند الديلمي والثعلبي: == الكُدَيْمي، وهو: محمد بن يونس القرشي.

قال عنه ابن حبان: (كان يضع على الثقات الحديث وضعًا، ولعله قد وضع أكثر من ألف حديث).

وقال عنه الذهبي في "الميزان": (أحد المتروكين)، وقال عنه -في "المغني في الضعفاء"-: (هالك). وعند ابن حجر -في "التقريب"-: (ضعيف).

انظر: "المجروحين" لابن حبان: 2/ 313، "ميزان الاعتدال" 5/ 199، "المغني في الضعفاء" له: 2/ 283، "تقريب التهذيب" ص 515 (6419).

وعبد القيس، قبيلة عربية كبيرة، تنسب إلى عبد القيس بن أفصى بن دُعْمي بن جَديلة بن أسد بن ربيعة بن نِزار بن مَعَدّ بن عدنان. وكان موطنهم بتهامة، ثم خرجوا إلى البحرين واستوطنوها، وقدم وفدهم على النبي ﷺ عام (9 هـ)، وثبتت عبد القيس على إسلامها عندما ارتدت قبائل البحرين عام (11 هـ).

انظر: "جمهرة أنساب العرب" 295 - 296، 469، و"صبح الأعشى" 1/ 337، "معجم قبائل العرب" لكحالة: 2/ 276.]].

وبهذا [[في (ب): (وعلى هذا).]]؛ قال ابن عباس في رواية عطاء [[لم أقف على مصدر هذه الرواية.]]: قال: يريد بأهل السموات: الملائكة. وبأهل الأرض: المهاجرين والأنصار وعبد القيس، طوعًا، والناس كرهًا. وهذا قول الحسن [[قوله في "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 6961، وورد نفس المعنى عن مطر الوراق، أخرجه الطبري في "تفسيره" 3/ 337.]].

وقال قتادة [[قوله في "تفسير الطبري" 3/ 337، "تفسير الثعلبي" 3/ 69 أ.]]: المؤمن، أسلم طائعًا فنفعه [[في (ب): ففقه.]] ذلك، وقبل منه، والكافر، أسلم كَرْهًا في وقت البأس والمعاينة، حين [[(حين): ساقطة من: (ج).]] لا ينفعه ذلك، ولا يُقبَل منه، يدل عليه قولُه: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: 85].

وقال ابن كَيْسان [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 69 أ، "البحر المحيط" 2/ 515.]]، والزجاج [[في "معاني القرآن"، له: 1/ 438. وهذا النص -هنا- له، من: (أي خضعوا ..) إلى (الذي هذه صفته).]]: أي: خضعوا وانقادوا من جهة ما فطرهم عليه، ودَبَّرَهُم به، لا يمتنعُ مُمْتَنِعٌ مِن جِبِلَّةٍ جُبِلَ [[الجِبِلَّةُ: الخليقة، والطبيعة، والغريزة ويقال للخلق: (الجِبِلّة، والجِبِلّ، والجِبُلّ، والجُبُلُ، والجُبُلّ، والجِبْلُ). و (جَبَلَه الله على كذا)؛ أي: فطره عليه. انظر: "الزاهر" 1/ 321، "المجمل" 206 (جبل)، "المصباح المنير" 35 (جبل).]] عليها، ولا يَقدِرُ على تغييرها، أحب تلكَ الجِبِلَّةِ أو كرهها؛ يدل على تصديق هذا القول: قوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ لأن المعنى: أنه بدأكم على إرادته، شئتم أو أبيتم، وهو يبعثكم كما بدأكم، والتأويل: أتبغون دينا غير دين [[في "معاني القرآن": الدين.]]؛ الذي هذه صفته.

وفي قوله: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ وعيد لهم؛ أي: أتبغون غير دين الله، وتزيغون عن الله، مع أن مرجعهم إليه، فيجازيهم على رفضهم دينه، وأخذهم سواه.

وقوله: ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ الطَّوْعُ: الانقياد؛ يقال: (طاعَهُ، يَطُوعُه، طوعًا) [[(طوعا): ساقطة من: (ج).]]: إذا انقاد له، وخضع. فإذا مضى لأمره (فقد أطاعَهُ)، وإذا وافقه، (فقد طاوَعَهُ) [[انظر: (طوع) في "تهذيب اللغة" 3/ 2153، "الصحاح" 3/ 1255، "المقاييس" 3/ 431.]].

وقال ابنُ السِّكِّيت [[في "إصلاح المنطق" 257 - 258 مع اختلاف في العبارة. والعبارة -هنا- تتفق مع ما في "تهذيب اللغة" 3/ 2152 عن ابن السكيت؛ مما يدل على أن المؤلف نقل النص عن "التهذيب".]]: يقال: (طاعَ لهُ، وأطاعَهُ)، سواء، فَمَن قال: (طاعَ)، قال: (يَطَاعُ)، ومن قال: (أطاعَ)، قال: (يُطيعُ). فحصل في (الطَّوْع) لغتان: (طاعً يَطُوعُ)، و (طاعَ يَطاعُ).

وانتصب ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾؛ على أنه مصدرٌ وقع موقع الحال؛ وتقديره: طائعًا [[(طائعًا): ساقطة من: (ب).]] أو كارهًا [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس: 3/ 29، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 167.]]؛ كقولك: (أتاني رَكضًا)؛ أي: راكضا؛ ولا يجوز: (أتاني كلاما)؛ أي: متكلمًا؛ لأن الكلام ليس بِضَرْبٍ للإتْيَانِ.

3:84Page 61

قُلۡ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ٨٤

Say, "We have believed in Allāh and in what was revealed to us and what was revealed to Abraham, Ishmael, Isaac, Jacob, and the Descendants [al-Asbāṭ], and in what was given to Moses and Jesus and to the prophets from their Lord. We make no distinction between any of them, and we are Muslims [submitting] to Him."

قوله تعالى ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الآية. في هذه الآية إنكارٌ [[في (ج): (ان كان).]] على الكفار من اليهود والنصارى، فيما ذهبوا إليه [[إليه: ساقطة من: (ب).]] من الإيمان ببعض النبيين دون بعض، وأمْرٌ للنبي ﷺ، وأمته، أن يقول: آمنا بالله وبجميع الرسل، وما أنزل عليهم: لا نفرق بين جميع الرسل في الإيمان [[في (ب): (بالإيمان).]] بهم، كما فعلت اليهود والنصارى.

وأجرى أوَّلَ الآية على التوحيد، وآخِرَها على الجمع، في قوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ﴾، ﴿وَنَحْنُ﴾ لدخول أمة محمد ﷺ في هذا الإقرار معه.

3:85Page 61

وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٨٥

And whoever desires other than Islām as religion - never will it be accepted from him, and he, in the Hereafter, will be among the losers.

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ الآية.

قال ابن عباس [[من قوله: (قال ابن عباس ..) إلى نهاية (كفروا بعد إيمانهم): ساقطة من: (ج). ولم أقف على مصدر قول ابن عباس.]]: يريد: خَسِرَ [[في (ب): (حسن).]] ثوابَ الله، وصارَ إلى عذابِهِ؛ وخَسِرَ الحُورَ العِيْنِ.

وقال الزجاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 439.]]: يعني: خَسِرَ عَمَلَهُ؛ حيث لم يُجازَ بِهِ [[في (أ)، (ب): (يجازيه). وأثبتُّ ما رأيته صوابًا.]] الجنَّة والثوابَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском