Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Al-Ahzab 33:19–27
33:19Page 420
أَشِحَّةً عَلَيۡكُمۡۖ فَإِذَا جَآءَ ٱلۡخَوۡفُ رَأَيۡتَهُمۡ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ تَدُورُ أَعۡيُنُهُمۡ كَٱلَّذِي يُغۡشَىٰ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ فَإِذَا ذَهَبَ ٱلۡخَوۡفُ سَلَقُوكُم بِأَلۡسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى ٱلۡخَيۡرِۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَمۡ يُؤۡمِنُواْ فَأَحۡبَطَ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا ١٩
Indisposed1 toward you. And when fear comes, you see them looking at you, their eyes revolving like one being overcome by death. But when fear departs, they lash you with sharp tongues, indisposed toward [any] good. Those have not believed, so Allāh has rendered their deeds worthless, and ever is that, for Allāh, easy.
قوله: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ منصوب على الحال، المعنى: يأتون العرب بخلا عليكم، قاله الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 220.]]. وأشحة: جمع شحيح، مثل دليل وأدلة، وعزيز وأعزة. قال الفراء: (ويجوز أن يكون حالًا من ﴿الْمُعَوِّقِينَ﴾ المعنى: يعوقون أشحة، وإن شئت من ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾ أي: وهم هكذا. قال: ويجوز أن يكون نصبًا على الذم كما ينصب على المدح، مثل قوله: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا﴾ [الأحزاب: 61]) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 338 مع اختلاف في العبارة.]]. قال مجاهد وقتادة والكلبي: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ بالغنيمة والخير والمنفعة في سبيل الله [[انظر: "الدر المنثور" 6/ 581، وقال: أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد، وابن أبي حاتم عن السدي، وابن أبي حاتم عن قتادة. وانظر: "تفسير مقاتل" 90 أ، "مجمع البيان" 8/ 546، "ابن أبي حاتم" 9/ 3121.]].
قال ابن عباس: يريد بالنصر [[لم أجد من نسبه لابن عباس فيما لدى من مراجع.]] والمعنى: لا ينصرونكم، ثم أخبر عن حالهم [[في (أ): (حكيم)، وهو خطأ.]] عند الخوف، فقال: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ﴾ قال مقاتل: يعني القتال [["تفسير مقاتل" 90 أ.]]. ﴿رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾. قال ابن عباس: يريد نظر المغشي عليه من الموت، يريد كما تدور عين الذي في السياق [["تفسير ابن عباس" ص 352.]] هذا كلامه.
ولقوله: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ [[في (أ) زيادة: (إليك بالصفة التي ذكر تدور أعينهم)، وهو خطأ.]] تأويلان: أحدهما: أنهم يلوذون بك من الخوف فلا يرفعون بصرهم عنك، والثاني: أن معناه: بيان حالتهم عد الخوف، يقال: ينظرون إليك بالصفة التي ذكر تدور أعينهم، ليس معنى الدوران هاهنا الاضطراب والحركة؛ لأن عين الخائف لا توصف بذلك، وإنما توصف بالشخوص والحيرة، يؤكد هذا أنه شبه أعينهم بعين الذي يغشى عليه من الموت، وعينه تشخص فلا تطرف، ويقال للميت: دارت عينه ودارت حماليق عينه إذا شخص بصره فلم يطرف، وكذلك فعل الفزع الواجد ينظر إلى الشيء شاخص البصر لذهوله بالخوف.
قوله تعالى: ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ يعني: كعين الذي يغشى عليه من الموت، وهو الذي قرب من حالة الخوف وغشيته أسباب الموت، يقال: غشي عليه فهو مغشي عليه، وهو الغشية، وكذلك غشية الموت، والذي يغشي عليه من الموت هو الذي يذهل ويذهب عقله [[انظر: "اللسان" 7/ 45 (شخص)، "الصحاح" 3/ 1042 (شخص).]].
وقوله: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾ أي: زال وجاء الأمن والغنيمة. ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ قال الليث: (يقال: سلقته باللسان، أي: أسمعته فأكثرت، ولسان مسلق: حديد ذلق) [["تهذيب اللغة" 8/ 403، (سلق).]]. قال أبو عبيدة: (ويقال: سلق، أي: رفع صوته، ومنه قوله -ﷺ-: "ليس منَّا مَنْ حلق أو سلق" [[الحديث أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه" كتاب: الإيمان، باب: تحريم ضرب الخدود وشق الجيوب والدعاء بدعوى الجاهلية 1/ 100 عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله -ﷺ- قال: "أنا برئ ممن حلق وسلق وخرق" والإمام أحمد في "مسنده" 4/ 396، وأبو داود في "سننه" كتاب: الجنائز، باب: في النوح 3/ 194 كلهم عن أبي موسى.
قال في "المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود" 8/ 285: ومعنى قوله: "ليس منا" أي: ليس من أهل سنتنا وطريقتا الكاملة، وقوله: "من حلق" أي حلق شعره عند المصيبة، "وسلق" بالسين المهملة، ويروى بالصاد المهملة، أي: رفع صوته بالبكاء، "وخرق" أي: شق ثوبه، وكان ذلك من صنيع أهل الجاهلية. أهـ.]] أي: رفع صوته عند المصيبة، ومنه قيل: خطيب مسلق ومسلاق وسلاق.
قال الأعشى:
فيهم الحزم والسماحة والنجدة ... فيهم والخاطب السلاق [["مجاز القرآن" 2/ 135 مع اختلاف في العبارة. وانظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد 97/ 1.]] [[البيت من الخفيف، وهو للأعشي في "ديوانه" ص 265، "تهذيب اللغة" 8/ 402، "اللسان" 10/ 160 (سلق).]]
ويروى: المسلاق. وقال الفراء: معناه: عصوكم وآذوكم بالكلام في الأمن بألسنة سليطة ذرية [["معاني القرآن" 2/ 339. وانظر: "تهذيب اللغة" 8/ 403.]].
وقال المبرد [[لم أقف على قول المبرد. وانظر:"تفسير القرطبي" 14/ 153، "زاد المسير" 6/ 366.]]: يقال: سلق فلان بلسانه، إذا غلظ في القول مجاهرًا، وخطيب سلاق إذا كان ماضيًا في خطبته معلنًا، ويقال للمرأة البدنة: قد سلقت، إذ رفعت صوتها، وأنشد قول الأعشى. قال أبو إسحاق: (معنى سلقوكم: خاطبوكم أشد مخاطبة وأبلغها) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 221.]].
وقال ابن قتيبة مثل قول الفراء، ثم قال: وأصل السلق الضرب [["تفسير غريب القرآن" ص 349.]].
قال ابن عباس: أي: استقبلوكم بالأذى [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 141، "تفسير ابن أبي حاتم" 9/ 3122، وأورده السيوطي في "الدر" 6/ 581، وزاد نسبته لابن المنذر.]].
وقال ابن زيد: كلموكم بألسنة ذرية، أي: آذوكم بالكلام [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 141.]].
وقال قتادة: يعني بسطوا ألسنتهم فيكم وقت قسمة الغنيمة، يقولون: أعطونا أعطونا فلستم بأحق فيها منا، فأما عند الغنيمة فأشح قوم وأسوأ قوم، وأما عند البأس فأجبن قوم وأخذلهم للحق، وهذا قول المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 141، "تفسير ابن أبي حاتم" 9/ 3122 عن قتادة، "مجمع البيان" 8/ 546.]].
وروى عطاء عن ابن عباس قال: يريد يتناولونكم بألسنة حداد، يريد بنعون فيكم وينتقصونكم ويغتابونكم [["تفسير ابن عباس" 352، "تفسير البغوي" 3/ 518.]]. فعلى القول الأول سلقهم [[في (أ): (سلقتم)، وهو خطأ.]] خصومتهم ورفعهم الصوت في طلب الغنيمة. وعلى القول الثاني: سلقهم تنقصهم وبسطهم [[في (اْ): (بسطتهم).]] اللسان بالغيبة.
وقوله: ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْر﴾ أي: بخلاء بالغنيمة يشاحون المؤمنين عند القسمة، هذا قول المفسرين.
وقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿عَلَى الْخَيْرِ﴾ يريد على المال، لا ينفقون في سبيل الله [[ذكر هذا القول الماوردي 4/ 386 ونسبه للسدي، والقرطبي 14/ 154 ونسبه للسدي كذلك، وانظر: "تفسير ابن عباس" ص 352.]]. وانتصب (أشحة) على الحال من قوله: سلقوكم، أي: خاطبوكم، وهم أشحة على المال والغنيمة. ثم أخبر أنهم غير مؤمنين وإن أظهروا كلمة الإيمان.
قوله: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾. قال أبو إسحاق: (أي: هم وإن أظهروا كلمة الإيمان ونافقدا فليسوا بمؤمنين) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 221.]]. وقال مقاتل: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ أي: لم يصدقوا بتوحيد الله [["تفسير مقاتل" 90 أ.]]. ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾. قال مقاتل: أبطل الله جهادهم؛ لأن أعمالهم الحسنة وجهادهم لم يكن في إيمان [[المرجع السابق.]].
﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾ يعني: إحباط أعمالهم. ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ قال ابن عباس: يريد سهلًا أن يحبط أعمالهم ويعذبهم على النفاق [["تفسير ابن عباس" ص 352.]].
33:20Page 420
يَحۡسَبُونَ ٱلۡأَحۡزَابَ لَمۡ يَذۡهَبُواْۖ وَإِن يَأۡتِ ٱلۡأَحۡزَابُ يَوَدُّواْ لَوۡ أَنَّهُم بَادُونَ فِي ٱلۡأَعۡرَابِ يَسۡـَٔلُونَ عَنۡ أَنۢبَآئِكُمۡۖ وَلَوۡ كَانُواْ فِيكُم مَّا قَٰتَلُوٓاْ إِلَّا قَلِيلٗا ٢٠
They think the companies have not [yet] withdrawn.1 And if the companies should come [again], they would wish they were in the desert among the bedouins, inquiring [from afar] about your news. And if they should be among you, they would not fight except for a little.
ثم أخبر بما دل عليه جبنهم بقوله: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ الأحزاب: الجماعات، واحدها حزب، وهم كل طائفة هواهم واحد، فالمؤمنون حزب الله، والكافرون حزب الشيطان، وكل قوم تشاكلت قلوبهم وأعمالهم فهم أحزاب، وإن لم يلق بعضهم بعضًا بمنزلة عاد وثمود وفرعون أولئك الأحزاب، وتحزب القوم: إذا تجمعوا فصاروا أحزابًا، وحزب فلان أحزابًا، أي: جمعهم.
قال ابن عباس: يقول بحسب هؤلاء المنافقين أن الأحزاب [[في (ب): (الآخرة)، وهو خطأ.]] معسكرون مقيمون [[لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد أخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 9/ 3122 نحوه عن مجاهد قال: يحسبونهم قريبًا لم يبعدوا.]].
وقال مقاتل: من الخوف والرعب الذي نزل بهم يحسبون الأحزاب لم يذهبوا إلى مكة [[" تفسير مقاتل" 2/ 273.]]. قال أبو إسحاق: (أي: يحسبون الأحزاب بعد انهزامهم وذهابهم لم يذهبوا، لجبنهم وخوفهم منهم) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 221.]].
وقوله ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ﴾ يقول: وإن يرجع الأحزاب إليهم للقتال.
﴿يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾ قال ابن عباس: يريد: يتمنى المنافقون لو كانوا في البادية [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: "تفسير هود بن محكم" 3/ 361، "تفسير القرطبي" 14/ 154.]].
وقال الكلبي: يقول: خارجون في الأعراب من الرهبة [[لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: المصدرين السابقين.]]. والبادون خلاف الحاضرين، ويقال: بدا يبدو إذا خرج إلى البادية، وهي البَداوة والبداوة، ويقال للقوم البادين: بادية، وللموضع الذي بدوا إليه: بادية، وأصل هذا من البدو الذي هو الظهور والبروز، ومعنى الآية: ودوا أنهم خارجون إلى البدو في جملة الأعراب خوفًا من الأحزاب.
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾. الأظهر أن قوله: (يسألون) صفة للنكرة التي هي بادون بتقدير: بادون سائلون عن أنبائكم أي: ودوا أنهم بالبعد منكم وهم يسألون عن أخباركم يقولون: ما فعل محمد وأصحابه فيعرفون حالهم [[هكذا في النسخ! ولعل الصواب: حالكم. حتى يستقيم السياق.]] وما أنتم فيه بالاستخبار لا بالمشاهدة، وهذا معنى قول المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 142، "مجمع البيان" 8/ 547، "القرطبي" 14/ 155]].
وقال الكلبي: يسألون عن خبر المؤمنين ساعة بعد ساعة، فزعًا وفرقًا من القتال [[لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: "القرطبي" 14/ 155.]]. وعلى هذا القول (يسألون) ابتداء كلام وخبر عنهم، والمعنى: أنهم لجبنهم أبدًا يسألون عن أخبار المؤمنين هل قصدهم عدو وأضلتهم حرب، وذلك أنهم يحتاجون أن يشاهدوا معهم القتال، وإن كرهوا ذلك فلذلك يكثر سؤالهم عن حالهم حتى إن لم يقصدهم عدو ولم يعرض لهم حرب فرحوا، هذا معنى ما ذكره الكلبي. ويجوز أن يكون سؤالهم عن أنبائهم؛ لأنهم يتربصون بهم الدوائر فيهم [[هكذا في النسخ! ولعل الصواب: فهم.]] أبدًا يفحصون عن حالهم شماتة بهم إذا أصابتهم نكاية أو عرض لهم عارض شر، والصحيح ما ذكرنا أولاً، وهو أن قوله: ﴿يَسْأَلُونَ﴾ متصل بما قبله؛ لقوله: {وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا}، وهذا يدل على أن الكلام متصل.
قال الكلبي: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ رميًا بالحجارة [[ذكر هذا القول ابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 367، ونسبه لابن السائب.]]. ولو كان ذلك القليل لله كان كثيرًا.
وقال مقاتل: يعني ما قاتلوا إلا رياء وسمعة من غير خشية [["تفسير مقاتل" 90 أ.]].
33:21Page 420
لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا ٢١
There has certainly been for you in the Messenger of Allāh an excellent pattern1 for anyone whose hope is in Allāh and the Last Day and [who] remembers Allāh often.
ثم عاتب من تخلف بالمدينة عن رسول الله -ﷺ- بقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ قال المفسرون [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 191 أ، "تفسير الطبري" 21/ 143.]]: قدوة صالحة. يقال: فلان أسوتك في هذا الأمر أي: مثلك [[في (أ) زيادة: (أي [حللتم فيه] مثلك)، وهو خطأ.]]، وفلان يأتسي فلان [[هكذا في النسخ! ولعل الصواب: يأتسي بفلان.]] أي: يرضى لنفسه ما رضي، ويقتدي به وكان في مثل حاله، والقوم أسوة في هذا الأمر أي: حالتهم [[في (ب): (حاللتم).]] فيه واحدة.
قال الليث: والتأسي في [[في (ب): (من).]] الأمور من الأسوة [["تهذيب اللغة" 13/ 140 (أسى).]]. وفيها لغتان: أسوة وإسوة، ويقال: لي في فلان أسوة أي: لي به اقتداء، والأسوة من الاتساء كالقدوة من الاقتداء، اسم يوضع موضع المصدر.
قال ابن عباس: يريد يقتدون به حيث خرج بنفسه [[لم أجد من نسب هذا القول لابن عباس.]].
ومعنى الآية على ما ذكره أهل التفسير: أن الله يقول: كان لكم رسول الله اقتداء لو اقتديتم به في نصرته ومؤازرته، والشد على يده بالصبر معه في مواطن القتال، كما فعل هو بيوم أحد، إذ كسرت رباعيته وشج فوق حاجبه، وقتل عمه، وأوذي بضروب الأذى، فواساكم مع ذلك بنفسه، فهلا فعلتم مثل ما فعل واستنيتم بسنته [["تفسير الثعلبي" 3/ 191 أ، وذكر السمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 44 قريبًا من هذا المعنى.]].
قوله: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. قال الفراء: خص الله بها المؤمنين [["معاني القرآن" 2/ 339.]]. يعني قوله بمن [[في (ب): (ممن)، وكلاهما لا يتضح به الكلام، وإنما هي كما جاءت في القرآن: لمن.]] بدل من قوله لكم، وهو تخصيص بعد التعميم للمؤمنين بالأسوة.
قال ابن عباس: يرجو ما عند الله من الثواب والنعيم [[انظر: "تفسير البغوي" 3/ 519، "زاد المسير" 6/ 368، "مجمع البيان" 8/ 548.]]. ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ أي: ذكراً كثيرًا باللسان [[في (أ): (ذكر)، أسقط الألف، وهو خطأ.]]، وذلك أن ذاكر الله هو الذي يأتمر لأوامره بخلاف الغافل عن ذكر الله.
33:22Page 420
وَلَمَّا رَءَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡأَحۡزَابَ قَالُواْ هَٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥۚ وَمَا زَادَهُمۡ إِلَّآ إِيمَٰنٗا وَتَسۡلِيمٗا ٢٢
And when the believers saw the companies, they said, "This is what Allāh and His Messenger had promised us, and Allāh and His Messenger spoke the truth." And it increased them only in faith and acceptance.
ثم ذكر المؤمنين ووصف حالهم بقوله: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ﴾ يعني: أبا سفيان وأصحابه. ﴿قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ قال قتادة ومقاتل: كان الله وعدهم في ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ إلى قوله ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214]. فأخبرهم بما سيكون من الشدة التي تلحقهم من عدوهم، فلما رأوا يوم الأحزاب ما أصابهم من الشدة والبلاء قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ وتصديقًا بوعد الله وتسليمًا لأمره [[في" تفسير مقاتل" 90 ب، وذكره الماوردي 4/ 388، والطبري 21/ 144 عن قتادة، وزاد الطبري نسبة هذا القول لابن عباس.]]. ومعنى التسليم هاهنا أن يسلم الأمر لمالكه من غير إعراض فيه، وهو أن يدعه له سالمًا لا يدعي لنفسه فيه شيئاً، ولعل هذا فيما سبق البيان فيه.
قال أبو إسحاق في هذه الآية: وصف الله تعالى حال المنافقين في حرب الكافرين وحال المؤمنين، وصف المنافقين بالفشل والجبن والروغان والمسارعة إلى الفتنة، ووصف المؤمنين بالثبوت عند الخوف [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 222.]]. والتصديق بما وعد الله ورسوله من النصر عند شدة الأمر، وذلك أنهم لما [[في (ب): (كما).]] زلزلوا زلزالًا شديدًا أعلموا أن النصر وجب له [[هكذا في جميع النسخ! ولعل الصواب: لهم.]]؛ لأن الله كان قد أنزل عليهم في الآية التي وصف بها ما أصاب أصحاب الأنبياء قبلهم من الشدة قوله: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214]. هذا معنى ما ذكره وبعض لفظه.
قال الفراء: كان النبي -ﷺ- أخبر أصحابه بمسير الأحزاب إليهم فذلك قوله: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا﴾ أي ما زادهم النظر إلى الأحزاب إلا إيمانًا، قال: ولو كان ما زادوهم إلا إيمانًا يريد الأحزاب كان جائزًا كما قال في سورة أخرى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة: 47] ولو كانت ما زادكم إلا خبالا كان [[في (ب): (لكان)، وهو خطأ.]] صوابًا، يريد ما آذاكم خروجهم، وهذا من سعة العربية [["معاني القرآن" 2/ 340 مع اختلاف في العبارة.]].
وهذا الذي ذكره الفراء هو قول الكلبي، قال: إن النبي -ﷺ- قال لأصحابه: إن الأحزاب قد خرجوا إليكم وهم سائرون إليكم تسعًا تسعًا أو عشرًا، فلما رأوهم قد قدموا للميعاد قال المؤمنون: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ للميعاد وذلك لعدة الأيام التي قال لهم [[لم أجد من نسب هذا القول للكلبي، وقد ذكره أبو حيان في "البحر المحيط" 7/ 216، ونسبه لابن عباس، وكذلك هو في "تفسير ابن عباس" ص 352.]].
وقال المبرد [[لم أقف عليه.]]: وفي قوله: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا﴾ أي ما زادهم رؤيتهم إلا إيمانًا لدلالة الفعل عليه، وهو قول أي المؤمنين ومثله كثير: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ﴾ [آل عمران: 180] أي البخل، يكنى عن المصدر لدلالة الفعل عليه.
33:23Page 421
مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن يَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُواْ تَبۡدِيلٗا ٢٣
Among the believers are men true to what they promised Allāh. Among them is he who has fulfilled his vow [to the death], and among them is he who awaits [his chance]. And they did not alter [the terms of their commitment] by any alteration -
قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ قال مقاتل: المعنى ليلة العقبة [[انظر: "تفسير مقاتل" 990 ب.]]. قال أبو إسحاق: موضع (ما) نصب بصدقوا كما تقول صدقتك الحديث، والمعنى: عاهدوا على الإسلام فأقاموا على عهدهم [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 222.]] بخلاف من كذب في عهده، وخان الرسول بقلبه وهم المنافقون. ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ النَّحْب في اللغة هو: النذر [[في النسخ: (البدر)، وهو خطأ، إذ الصحيح النذر، فليس من معاني نَحْب بدر كما ذكر أهل اللغة.]]، والنحب: الموت، والنخب: الخطر العظيم، قال جرير [[في النسخ: (حرب) وهو خطأ، والصواب جرير، كما في "ديوانه" ص 632، "تهذيب اللغة" 5/ 115، "اللسان" 1/ 750 (نحب)، "مجاز القرآن" 2/ 135.]]:
بطفخة جالدنا الملوك وخيلنا ... عشية بسطام جرين على نحب
أي: على خطر عظيم، ويقال: سافر فلان على نحب أي: سار واجتهد في السير، ومنه يقال [[في (ب): (قول).]]: نحب القوم إذا جدوا في عملهم، وسار سيرًا منحباً قاصدًا لا يريد غيره، كأنه جعل ذلك نذرًا على نفسه لا يريد غيره، قال الكميت:
يحدن لها عرض الفلاة وطولها ... كما سار عن يمنى يديه المنحب [[البيت من الطويل، وهو للكميت بن زيد في "ديوانه" 1/ 96، "تهذيب اللغة" 5/ 116، "اللسان" 1/ 751، "تاج العروس" 4/ 245. ومعنى البيت كما فسره ثعلب كما في "تاج العروس" 4/ 245: هذا الرجل حلف إن لم أغلب قطعت يدي، كأنه ذهب به إلى معنى النذر- يعني النحب.]]
أي يقول: إن لم أبلغ مكان كذا ذلك يميني، وقال لبيد:
ألا تسألان المرء ماذا يحاول ... أنحب فيقضي أم ضلال وباطل [[البيت من الطويل، وهو للبيد بن ربيعة في "ديوانه" ص 254، "خزانة الأدب" 2/ 252 - 253، 6/ 145، "الكتاب" 2/ 417، "اللسان" 1/ 751 (نحب).]]
يقول: عليه نذر في طول سيره، هذا كلام الأزهري في تفسير النحب [["تهذيب اللغة" 5/ 115 (نحب) مع اختلاف يسير في العبارة.]].
وقال الفراء: قضى نحبه أي أجله [["معاني القرآن" 2/ 240.]]. ونحو ذلك قال الزجاج [["معانىِ القرآن وإعرابه" 4/ 222.]].
وقال أبو عبيدة: قضى نحبه أي مات، والنحب النفس، وأنشد قول ذي الرمة:
عشية فر الحارثيون بعد ما ... قضى نحبه في ملتقى الخيل هوبر [["مجاز القرآن" 2/ 135.]] [[البيت من الطويل، وهو لذي الرمة في "ديوانه" 2/ 647، "خزانة الأدب" 4/ 371، "لسان العرب" 5/ 248 (هبر)، وأراد بهوبر ابن هوبر، وهو رجل.]]
قال المفسرون: هذا في حمزة وأصحابه الذين قتلوا بأحد [[انظر: "تفسير مقاتل" 90 ب، البغوي 3/ 519، "مجمع البيان" 8/ 549.]]. قال ابن عباس: ممن قضى نحبه حمزة بن عبد المطلب ومن قتل معه، وأنس بن النضر [[هو: أنس بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن النجار الخزرجي الأنصاري، عم أنس بن مالك خادم رسول الله -ﷺ-، غاب عن قتال بدر فأقسم إن شهد قتالًا لا يفر منه فحضر أحدًا، فلما انهزم المسلمون قال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع هؤلاء، فقاتل حتى قتل شهيدًا -رضي الله عنه-.
انظر: "الاستيعاب بهامش الإصابة" 1/ 43، "الإصابة" 1/ 86، "أسد الغابة" 1/ 131.]] وأصحابه.
روى حميد عن أنس قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، وشق عليه لما قدم، وقال [غبت] [[طمس في كل النسخ، والتصحيح من "تفسير الثعلبي" 3/ 191 ب.]] عن أول مشهد شهده رسول الله -ﷺ-، والله لئن أشهدني قتالا ليرين ما أصنع، فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع هؤلاء ومشى بسيفه فقاتل حتى قتل.
قال أنس: فوجدناه بين القتلى به بضع وثمانون جراحة، فما عرفناه حتى عرفته أخته بثناياه، ونزلت هذه الآية: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا﴾. قال: وكنا نقول: أنزلت هذه الآية فيه وفي أصحابه [["تفسير الثعلبي" 3/ 191 ب، "تفسير الطبري" 21/ 147. وأخرجه البخاري في "صحيحه" كتاب التفسير، باب ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ 4/ 1795 رقم 4505، والترمذي في التفسير، سورة الأحزاب 5/ 28، وقال: هذا حديث حسن صحيح.]].
وقال مقاتل: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ يعني: أجله مات أو قتل على الوفاء، يعني حمزة وأصحابه [["تفسير مقاتل" 90 ب.]].
وقال الليث: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ قتلوا في سبيل الله فأدركوا ما تمنوا فذلك قضاء النحب [[انظر: "تهذيب اللغة" 5/ 115 (نحب)، وذكره صاحب "تاج العروس" 4/ 243 غير منسوب لأحد.]].
وقال محمد بن إسحاق: فرغ من عمله ورجع إلى ربه يعني: من استشهد يوم أحد [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 145، "تهذيب اللغة" 5/ 116 (نحب)، و"اللسان" 1/ 750 (نحب).]].
وقال الحسن: قضى أجله على الوفاء والصدق [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 114، "مجمع البيان" 8/ 549.]].
وقال مجاهد: قضى عهده بقتل أو بصدق في لقائه [[انظر: "الطبري" 21/ 146، "البحر المحيط" 7/ 217، "تفسير مجاهد" ص 517.]].
وروى عكرمة عن ابن عباس: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ قال: الموت [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 389، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 338.]].
وقال المبرد: النحب في كلامهم الخطر الذي يخطر به، فيقال على ذلك للذي عزم عزمًا فمضى عليه حتى مات قضى نحبه أي: أخطر به [[لم أفف عليه. وانظر: "الدر المصون" 5/ 411.]].
وقال ابن قتيبة: قضى نحبه أي قتل، وأصل النحب النذر، كان قومًا نذروا أن يلقوا [[هكذا في النسخ، وفي "تفسير غريب القرآن": إن لقوا، وهو المناسب للسياق.]] العدو وأن يقاتلوا حتى يقتلوا أو يفتح الله، فقتلوا فقيل: فلان قضى نحبه إذا قتل [["تفسير غريب للقرآن" ص 349.]].
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ أجله على الوفاء. قال مجاهد: ينتظر يومًا في جهاد فيقضى عهده فيقتل [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 390، "تفسير الطبري" 21/ 145.]]. وقال مقاتل: من المؤمنين من ينتظر أجله بالوفاء بالعهد [[انظر: "تفسير مقاتل" 90 ب.]].
﴿وَمَا بَدَّلُوا﴾ العهد ﴿تَبْدِيلًا﴾ كما بدل المنافقون، والمعنى: ما غيروا العهد الذي عاهدوا ربهم كما غير المنافقون.
33:24Page 421
لِّيَجۡزِيَ ٱللَّهُ ٱلصَّٰدِقِينَ بِصِدۡقِهِمۡ وَيُعَذِّبَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ إِن شَآءَ أَوۡ يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٢٤
That Allāh may reward the truthful for their truth and punish the hypocrites if He wills or accept their repentance. Indeed, Allāh is ever Forgiving and Merciful.
قوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ فهذه اللام تتعلق بما فيها قبل من فعل المنافقين والمؤمنين عند رؤية الأحزاب، كأنه قيل: صدق المؤمنون في عهودهم ليجزيهم الله بصدقهم ويعذب المنافقين بنقض العهد إن شاء.
قال السدي: يمتهم على نفاقهم إن شاء فيوجب لهم العذاب أو يتوب عليهم، أي: وأن ينقلهم من النفاق إلى الإيمان [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 390، "الوسيط" 3/ 466.]].
وقال قتادة: يعذبهم إن شاء لا يخرجهم من النفاق إلى الإيمان [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 148، "الدر المنثور" 6/ 589.]].
فمعني شرط المشيئة في عذاب المنافقين إماتتهم على النفاق إن شاء ثم يعذبهم أو يتوب عليهم [ليس أنه] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ب).]] فيغفر لهم، ليس أنه يجوز أن لا شاء تعذيبهم إذا ماتوا على النفاق.
وقال بعضهم: الله تعالى إذا عذب عذب بمشيثته [[في (ب): (لمشيئته).]]، وإذا عما عفا بمشيئته، ليس لأحد عليه حكم ولا يجب عليه أن يعاقب الكفار ولا أن يرحم المؤمنين بخلاف ما زعمت القدرية، لكنه إذا وعد لم يخلف الميعاد، فعلى قوله: (إن شاء) بيان أنه يعذب بمشيئته لا بأن ذلك واجب عليه. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قال ابن عباس: غفورًا لمن تاب رحيمًا به [[انظر: "تفسير ابن عباس" ص 352.]].
33:25Page 421
وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيۡظِهِمۡ لَمۡ يَنَالُواْ خَيۡرٗاۚ وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلۡقِتَالَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزٗا ٢٥
And Allāh repelled those who disbelieved, in their rage, not having obtained any good. And sufficient was Allāh for the believers in battle, and ever is Allāh Powerful and Exalted in Might.
وقوله: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾ أي: صدهم ومنعهم عن المسلمين وعن الظفر بهم، يعني الاْحزاب بغيظهم، أي لم يشف صدورهم بنيل المراد وردهم فيهم غيظهم على المسلمين، والباء في (بغيظهم) بمعنى مع كما يقال: خرج بثيابه وركب الأمير بسلاحه.
قوله تعالى: ﴿لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ قال ابن عباس: يريد ما كانوا يؤمنون [[هكذا في النسخ! ولعل الأصوب: يؤملون.]] من الظفر والمال [[لم أقف عليه.]].
قال أبو إسحاق: أي لم يظفروا بالمسلمين، وذلك عندهم خير فخوطبوا على استعمالهم [[لم أقف عليه عن أبي إسحاق، وقد ذكره الطبرسي في "مجمع البيان" 8/ 550، ولم ينسبه لأحد.]].
﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ بالريح والملائكة التي أرسلت إليهم [[هكذا في النسخ! والظاهر أن "إليهم" زائدة.]] عليهم. ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا﴾ في ملكه. ﴿عَزِيزًا﴾ في قدرته. قاله ابن عباس [[لم أقف عليه.]]. ثم ذكر ما ليهود [[في (ب): (باليهود).]] بني قريظة بقوله:
33:26Page 421
وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَٰهَرُوهُم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مِن صَيَاصِيهِمۡ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَ فَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ وَتَأۡسِرُونَ فَرِيقٗا ٢٦
And He brought down those who supported them among the People of the Scripture1 from their fortresses and cast terror into their hearts [so that] a party [i.e., their men] you killed, and you took captive a party [i.e., the women and children].
﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ﴾ أي: وازروا الأحزاب وأعانوهم على رسول الله -ﷺ-، يعني قريظة، وذلك أنهم نقضوا العهد، وصاروا يدًا واحدة مع المشركين على رسول الله -ﷺ- والمؤمنين، فلما هزم الله المشركين بالريح والملائكة أمر رسول الله بالمسير إلى قريظة فسار إليهم وحاصرهم عشرين ليلة ثم نزلوا [[في (ب): (ثم حاصروهم)، وهو خطأ.]] على حكم سعد بن معاذ فحكم فيهم سعد أن يقتل مقاتليهم ويسبى ذراريهم [[ذكره الطبري 21/ 151، والماوردي 4/ 392.]]، فذلك قوله: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾. قال ابن عباس وعكرمة ومقاتل: من حصونهم [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 151، "زاد المسير" 6/ 374، "معاني القرآن الكريم" للنحاس 5/ 340، "تفسير مقاتل" 90 ب.]].
وقال مجاهد: من قصورهم [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 150، "الدر المنثور" 6/ 591، وقال: أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد.]].
قال أبو إسحاق: معنى (الصياصي) كل ما يمتنع به، و (الصياصي) هاهنا الحصون وقيل: القصور؛ لأنه يتحصن فيها والصياصي قرون البقر والظباء، وكل قرن صيصة؛ لأن ذوات القرون تتحصن بقرونها وتمتنع بها، وصيصة الديك شوكته؛ لأنه يتحصن بها أيضًا [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 223.]].
وقال أبو عبيدة: الصيصة القرون [["مجاز القرآن" 2/ 136.]]، وأنشد:
وسادة قومي حتى بقيت فريدًا كصيصة الأعصب [[لم أقف على تمام البيت وقائله، وهكذا ورد في النسخ، والذي يظهر لي والله أعلم أنه خطأ، فقد بحثت وكررت البحث حسب طاقتي وجهدي فلم أقف على هذا الشعر، والله أعلم.]].
ثم تسمى شوكة الديك وشوكة الحائك: صيصة، تشبيهًا بالقرن، ومنه قول دريد [[هو: دريد بن الصمة بن الحارث بن معاوية بن جداعة، فارس مشهور، شاعر جاهلي، كان سيد قومه وفارسهم وقائدهم، أدرك الإسلام ولم يسلم، قتل في حنين سنة 8 هـ.
انظر: "الشعر والشعراء" ص 506، "تهذيب الأسماء واللغات" 1/ 185، "معجم الشعراء" ص 114.]]:
كوقع الصياصي في النسيج الممد [[عجز بيت وصدره:
فجئت إليه والرماح تنوشه
وهو من الطويل لدريد بن الصمة في "ديوانه" ص 63، "تهذيب اللغة" 12/ 266، (صيص)، "لسان العرب" 6/ 361 (نوش)، 7/ 52 (صيص)، 10/ 193 (شيق)، 14/ 473 (صيا)، كتاب "العين" 7/ 176.]] ثم يسمى كل ما يمنع به حصن وقصر صيصة لامتناع ذوات القرون بقرونها [[انظر: "تهذيب اللغة" 12/ 266، "اللسان" 7/ 52. "التاج" 18/ 27.]].
قوله تعالى: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾. قال ابن عباس: ألقى في قلوبهم الخوف [["تفسير ابن عباس" ص 352، مع اختلاف في العبارة.]]. ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ يعني: المقاتلة. قال مقاتل: منهم أربعمائة وخمسون رجلاً. ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ وتسبون طائفة يعني الذراري. قال مقاتل: سبعمائة وخمسين [["تفسير مقاتل" 91 أ.]].
33:27Page 421
وَأَوۡرَثَكُمۡ أَرۡضَهُمۡ وَدِيَٰرَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُمۡ وَأَرۡضٗا لَّمۡ تَطَـُٔوهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٗا ٢٧
And He caused you to inherit their land and their homes and their properties and a land which you have not trodden.1 And ever is Allāh, over all things, competent.
قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾. قال المفسرون: عقارهم ونخلهم ومنازلهم وأموالهم من الذهب والفضة والحلي والعبيد والإماء. قال: فجعل النبي -ﷺ- أرضهم وديارهم للمهاجرين؛ لأنهم لم يكونوا ذوي عقار [[انظر: "تفسير الطبري" 21/ 150، "الدر المنثور" 6/ 591، وقال: أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة.]].
قوله تعالى: ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾. قال الكلبي: لم تملوكها، والمعنى لم تطئوها بعد بأقدامكم، وهي مما سيفتحها الله عليكم [[ذكر هذا القول أكثر المفسرين، ولم أجد من نسبه للكلبي. انظر: "الطبري" 21/ 150 وما بعدها، "زاد المسير" 6/ 375.]].
قال مقاتل والكلبي وابن زيد: يعني خيبر فتحها الله عليهم بعد [[في (ب): (يعني).]] بني قريظة [[انظر: "تفسير مقاتل" 91 أ، "الطبري" 21/ 155، "الماوردي" 4/ 393.]]. واختار الفراء هذا القول وقال: عني خيبر، ولم يكونوا نالوها فوعدهم الله إياها [["معاني القرآن" 2/ 341.]].
وقال قتادة: مكة [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 393، "زاد المسير" 6/ 375.]]. وقال الحسن: هي الروم وفارس [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 393، "تفسير الطبري" 21/ 155.]].
وقال عكرمة: كل أرض لم يظهر عليها المسلمون إلى يوم القيامة [[انظر: "الماوردي" 4/ 393، "زاد المسير" 6/ 375.]]. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ من العفو والانتقام (قديرًا). وقال مقاتل: من القرى يفتحها [[في (ب): (وفتحها).]] على المسلمين [["تفسير مقاتل" 91 أ.]].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences