Al-Wahidi (al-Basit)Al‑Ahzab · 33:37–49

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Al-Ahzab 33:37–49

33:37Page 423

وَإِذۡ تَقُولُ لِلَّذِيٓ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَأَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِ أَمۡسِكۡ عَلَيۡكَ زَوۡجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخۡفِي فِي نَفۡسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبۡدِيهِ وَتَخۡشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَىٰهُۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيۡدٞ مِّنۡهَا وَطَرٗا زَوَّجۡنَٰكَهَا لِكَيۡ لَا يَكُونَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ حَرَجٞ فِيٓ أَزۡوَٰجِ أَدۡعِيَآئِهِمۡ إِذَا قَضَوۡاْ مِنۡهُنَّ وَطَرٗاۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ مَفۡعُولٗا ٣٧

And [remember, O Muḥammad], when you said to the one on whom Allāh bestowed favor and you bestowed favor,1 "Keep your wife and fear Allāh," while you concealed within yourself that which Allāh is to disclose.2 And you feared the people,3 while Allāh has more right that you fear Him.4 So when Zayd had no longer any need for her, We married her to you in order that there not be upon the believers any discomfort [i.e., guilt] concerning the wives of their claimed [i.e., adopted] sons when they no longer have need of them. And ever is the command [i.e., decree] of Allāh accomplished.

﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أي: الهداية للإسلام.

﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بأن أعتقته من الرق قاله جميع المفسرين، قالوا: وكان زيد من سبي الجاهلية، فاشتراه رسول الله -ﷺ- بعكاظ في الجاهلية وأعتقه وتبناه [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 250 ب، "تفسير السمرقندي" 3/ 52، "الدر المنثور" 6/ 616 وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة.]]، ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ في أمرها فلا تطلقها.

قال أبو إسحاق: (أمره بالتمسك بزينب وكان يحب أن يتزوجها، إلا أنه أمره بما يجب من الأمر بالمعروف، فقال: "أمسك عليك زوجك واتق الله" [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 229.]]. ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ﴾، وتستر وتضمر في قلبك من إرادة تزوجها، قاله الكلبي [[انظر: "تفسير هود بن محكم" 3/ 370.]]: وقال قتادة: ود أنه طلقها [[انظر: "معاني القرآن" للنحاس 5/ 351، "زاد المسير" 6/ 388.]]، ﴿مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾، قال ابن عباس: مظهره لاْصحابك وغيرهم [[لم أقف عليه عن ابن عباس، وذكره هود بن محكم في "تفسيره" 3/ 370 ولم ينسبه.]].

وقال مقاتل: مظهره عليك حين ينزل به قرآنًا [[انظر: "تفسير مقاتل" 92 ب.]]، والمعنى: أن النبي -ﷺ- كتم حبها، وأراد تزوجها، وأمر زيدًا بإمساكها وفي قلبه خلاف ذلك، فأظهر الله عليه ما أخفاه بأن قضى طلاقها وزوجها منه، وأنزل في ذلك القرآن، ولهذا قال عمر وابن مسعود وعائشة والحسن: ما نزلت علي رسول الله آية هي أشد عليه من هذه الآية.

قالت عائشة: لو كتم النبي -ﷺ- شيئًا من الوحي لكتم هذه الآية [[أخرجه البخاري في كتاب: التوحيد، باب: وكان عرشه على الماء 6/ 2699، رقم الحديث 6985، عن أنس، ومسلم في كتاب: الإيمان، باب في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ 1/ 160، رقم الحديث 288 عن عائشة.]]: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾.

وقوله: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ قال مقاتل: تكره قالة الناس في أمر زينب [[انظر: "تفسير مقاتل" 92/ ب.]]. يعني: تخاف لائمتهم أن يقولوا: أمر رجلاً بطلاق امرأته ثم نكحها حين طلقها، وكان النبي -ﷺ- يريد أن يصوب رأي زيد في طلاقها من حيث ميل النفس وهوى القلب، ولكنه خاف قالة الناس فذلك قوله: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾، وقيل: الخشية هاهنا بمعنى الاستحياء، يعني تستحي من الناس أن تأمر رجلاً بطلاق زوجته ثم تتزوجها. والاستحياء قول ابن عباس والحسن والفراء [[انظر: "تفسير البغوي" 3/ 531، "معاني القرآن" للفراء 2/ 343.]].

وقال عطاء عن ابن عباس: والمراد بالناس هاهنا اليهود، وكانوا يعيبون المؤمنين فخشي النبي -ﷺ- في تزوجها أن يقولوا تزوج محمد امرأة ابنه [[انظر: "زاد المسير" 6/ 387.]].

وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾. وقال ابن عباس: يريد [..] [[في جميع النسخ قدر كلمة غير واضحة، ولعلها: تخشاه.]] وتخافه [[لم أقف عليه]].

وروي عن علي بن الحسين أنه قال في هذه الآية: كان الله -عز وجل- قد أعلم نبيه أن زينب ستكون من أزواجه، وأن زيدًا سيطلقها [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 201 أ، "تفسير البغوي" 3/ 532. "مجمع البيان" 8/ 564.]]. وعلى هذا جوز أن يكون النبي -ﷺ- معاتبًا [[في (أ): (بناها).]] على قوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ مع علمه بأنها ستكون زوجته، وكتمانه ما أخبره الله به، ويكون قوله: ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ في كتمان ما أخبرك به وإنما كتم النبي -ﷺ- ذلك؛ لأنه استحيا واستبشع أن يقول: إن زوجتك ستكون امرأتي [[هذه الروايات التي أوردها المؤلف رحمه الله من أن زينب رضي الله عنها وقعت في قلب النبي -ﷺ-، وأنه أحبها وتمنى تطليق زيد لها، أو أنه قال حين رآها: "سبحان مصرف القلوب". أقول: كل ذلك مما ينبغي أن ينزه عنه المصطف -ﷺ-، فزينب ابنة عمته وكان يعرفها قبل أن يزوجها من زيد.

يقول: القشيري فيما نقله عنه القاضي عياض في "الشفا في التعريف بحقوق المصطفى" 2/ 880: وهذا إقدام عظيم من قائله وقلة معرفة بحق النبي -ﷺ- وبفضله.

ثم قال القاضي عياض: وكيف يقال: رآها فأعجبته وهي بنت عمته ولم يزل يراها منذ ولدت؟ ولا كان النساء يحتجبن منه -ﷺ- وهو زوجها لزيد، وإنما جعل الله == طلاق زيد لها وتزويج النبي -ﷺ- إياها لإزالة حرمة التبني وإبطال سنته كما قال: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ وقال: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ أهـ.

انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 99 ب، "تفسير البغوي" 3/ 530، 672.

وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح" بعد أن ذكر هذه الأقوال: وقد أخرج ابن أبي حاتم هذه القصة من طريق السدي فساقها سياقًا واضحًا حسنًا ولفظه: بلغنا أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش وكانت أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله -ﷺ-، وكان رسول الله -ﷺ- أراد أن يزوجها زيد بن حارثة مولاه فكرهت ذلك، ثم إنها رضيت بما صنع رسول الله -ﷺ- فزوجها إياه، ثم أعلم الله نبيه -ﷺ- بعد أنها من أزواجه، فكان يستحي أن يأمر بطلاقها، وكان لا يزال يكون بين زيد وزينب ما يكون من الناس، فأمره رسول الله -ﷺ- أن يمسك عليه زوجه، وأن يتقي الله، وكان يخشى الناس أن يعيبوا عليه ويقولوا: تزوج امرأة ابنه وكان قد تبني زيدًا قال: بعد أن ذكر بعض الروايات التي استحسنها بعض العلماء، قال عن هذه الرواية وسندها: وهو أوضح سياقًا وأصح إسنادًا. ثم قال: وقد وردت آثار أخرى أخرجها ابن أبي حاتم والطبري، ونقلها كثير من المفسرين لا ينبغي التشاغل بها، والذي أوردته منها هو المعتمد، والحاصل أن الذي كان يخفيه النبي -ﷺ- هو إخبار الله إياه أنها ستصير زوجته، والذي كان يحمله على إخفاء ذلك خشية قول الناس تزوج امرأة ابنه، وأراد الله إبطال ما كان أهل الجاهلية عليه من أحكام التبني بأمر لا أبلغ في الإبطال منه، وهو تزوج امرأة الذي يدعى ابنا، ووقوع ذلك من إمام المسلمين؛ ليكون أدعى لقبولهم، وإنما وقع الخبط في تأويل معلق الخشية والله أعلم. أ. هـ.

وللوقوف على كلام أهل العلم أكثر مما أثبته حول هذه القصة انظر: "الشفا" لعياض 2/ 880 وما بعدها، "فتح الباري" 8/ 671 وما بعدها، "محاسن التأويل" للقاسمي 8/ 266 وما بعدها، "أضواء البيان" 6/ 580 وما بعدها.]].

قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ قال الليث: الوطر: كل حاجة كان لصاحبها فيها همة، ولم أسمع لها فعلا، وجمعه أوطار [[انظر: "تهذيب اللغة" 14/ 10 (وطر).]].

وقال أبو عبيدة: الوطر كالأرب، وأنشد للربيع بن ضبع: [[هو: الربيع بن ضبع بن وهب بن بغيض الفزاري الذبياني، شاعر جاهلي معمر من الفرسان، أدرك النبي -ﷺ- ولم يلقه كان أحكم العرب في زمانه ومن أشعرهم وأخطبهم، قيل: إنه عاش أكثر من مائتي عام.

انظر: "سمط اللآلي" ص 802، "الخزانة"، "تفسير ابن عباس" ص 383، "الأعلام" 3/ 15.]]

ودعني قبل أن أودعه ... لما قضى من شبابها الوطرا [[البيت من المنسرح وهو للربيع بن ضبع في "الكتاب" 1/ 89، "لسان العرب" 13/ 259 ضمن، "أمالي المرتضى" 1/ 255.]]

وقال المبرد [[انظر: "الدر المصون" 9/ 126، "روح المعاني" 22/ 25.]]: الوطر الشهوة والمحبة، يقال: ما قضيت من لقائك وطرًا، أي ما استمتعت بك حتى تنتهى، وأنشد:

وكيف ثوائي بالمدينة بعد ما ... قضى وطرا منها جميل من معمر [[البيت من الطويل، ولم أهتد إلى قائله، وهو في "الكامل" 1/ 397، "الدر المصون"، "البحر المحيط" 3/ 211، غير منسوب.]]

قال ابن عباس في قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ أي لذته ونهمته [[لم أقف عليه.]]. وقال مقاتل: يعني الجماع [[انظر: "تفسير مقاتل" 93 أ.]].

وقال مقاتل: يعني حاجة وطلقها [[لم أقف عليه عن مقاتل، وانظر: "تفسير هود بن محكم" 3/ 371.]]. وقال قتادة: طلقها [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 406، "تفسير القرطبي" 14/ 194.]].

ومعنى قضى الوطر في اللغة: بلوغ منتهى ما في النفس من الشيء، فمعنى قضى وطرًا منها بلغ ما أراد من حاجته فيها. ويجوز أن يكون عبارة عن الطلاق، فإن الرجل إنما يطلق امرأته إذا لم يبق له فيها حاجة، فيقول: قضيت وطري منها، أي خليتها حيث لم يبق له فيها مراد، فيجوز أن يكون المراد بهذا اللفظ الطلاق مع بلوغ المراد منها، ويجوز أن يكون عبارة عن بلوغ المراد من نكاحها ثم يضمر الطلاق، ودل عليه [[في (أ): (وقوله)، زيادة واو وهو خطأ.]] قوله: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾؛ لأن تزويجها من النبي -ﷺ- يوجب طلاق زيد إياها، وقد قال المفسرون [["تفسير ابن أبي حاتم" 9/ 3135، "تفسير البغوي" 3/ 532، وأورده السيوطي في "الدر" 6/ 612، وزاد نسبته لابن سعد وأحمد وأبي يعلى والطبراني وابن مردويه عن أنس.]]: طلقها زيد فلما انقضت عدتها تزوجها النبي -ﷺ-.

وروى ثابت عن أنس قال: لما انقضت عدة زينب قال رسول الله -ﷺ-: "اذهب فاذكرها علي". قال: فانطلقت فقلت يا زينب أبشري، أرسلني رسول الله -ﷺ- يذكرك، ونزل القرآن، وجاء رسول الله -ﷺ- حتى دخل عليها بغير إذن [[أخرجه الإمام مسلم في النكاح، باب زواج زينب بنت جحش ونزول الحجاب 2/ 1048 رقم (1428)، وأخرجه الإمام أحمد 3/ 195 عن ثابت عن أنس، والنسائي في "سننه" كتاب: النكاح، باب: صلاة المرأة إذا خطبت واستخارتها 6/ 79 عن ثابت عن أنس. وأورد السيوطي في "الدر" 6/ 612 وعزاه لابن سعد وأحمد والنسائي وأبي يعلى وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أنس.]].

قال أصحابنا: وهذه الآية دليل على أن كل امرأة أراد رسول الله نكاحها فهو مستغن عن الولي والشهود، وذلك أنه لما نزل قوله ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ دخل عليها رسول الله -ﷺ-، ولهذا كانت زينب تفاخر نساء النبي -ﷺ- وتقول: زوجكن أقاربكن وزوجني الله -عز وجل- [[أخرجه البخاري في التوحيد، باب: وكان عرشه على الماء 6/ 2699 رقم الحديث (6984، 6985)، وأخرج الترمذي في "سننه" كتاب التفسير، تفسير سورة الأحزاب 5/ 33 رقم الحديث (3265)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.]].

وذكر قضاء الوطر هنا بيانًا أن امرأة المتبنى تحل وإن وطئها المتبنى وهو قوله [[(يقوله) مكررة في (أ).]]: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾، أي: زوجناك زينب وهي امرأة زيد الذي تبنيته لكي [[هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: لكيلا.]] تظن أنه من تُبُنِّيَ لم تحل امرأته للمتبني. قاله الزجاج [[انظر: "معاني القرآن واعرابه" 4/ 229.]]، وهو قول جميع المفسرين [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 201 أ، "تفسير الطبري" 22/ 14، "تفسير الماوردي" 4/ 407، "تفسير البغوي" 3/ 533.]].

قوله تعالى: ﴿إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ أي: جامعوهن وطلقوهن، قال الحسن: كانت العرب تظن أن حرمة المتبني مشتبكة كاشتباك الرحم، فبين الله تعالى أن حلائل الأدعياء غير محرمة على المتبنين وإن أصابوهن، بخلاف ابن الصلب فإن امرأته تحرم بنفس العقد، وامرأة المتبني لا تحرم وإن وطئها [[لم أقف عليه.]].

قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ قال مقاتل: يقول تزوج النبي زينب كائنًا لابد [[انظر: "تفسير مقاتل" 93 أ.]]. وإنما يعني بذلك أن قضاء الله في زينب أن يتزوجها رسول الله -ﷺ- كان ماضيًا مفعولًا.

33:38Page 423

مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنۡ حَرَجٖ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُۥۖ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلُۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ قَدَرٗا مَّقۡدُورًا ٣٨

There is not to be upon the Prophet any discomfort concerning that which Allāh has imposed upon him.1 [This is] the established way of Allāh with those [prophets] who have passed on before. And ever is the command of Allāh a destiny decreed.

قال مقاتل: ثم بين أنه لم يكن عليه حرج في هذا النكاح [[انظر: "تفسير مقاتل" 93 أ.]] في قوله: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾. قال ابن عباس والمفسرون: أحل الله له، أي: لا حرج عليه فيما أحل الله له [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 201 أ، "الطبري" 22/ 14، "الماوردي" 4/ 407.]].

قوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: سن الله لمحمد -عليه السلام- في التوسعة عليه في إباحة النكاح كسننه في الأنبياء الماضين، وهذا قول ابن عباس [[ذكره القرطبي 14/ 195 بمعناه غير منسوب لأحد، وكذا ابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 392، وذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 474 عن ابن عباس والكلبي والمقاتلين.]].

واختار الفراء والزجاج قالوا: عني كثرة أزواج داود وسليمان [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 344، "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 230.]].

وقال مقاتل: يعني داود النبي حين هوى المرأة التي فتن بها، فجمع الله بينه وبينها، يقول: كذلك أجمع بين محمد وزينب إذ هويها كما فعلت بداود. ونحو هذا مقاتل بن حيان سواء [[انظر: "تفسير مقاتل" 93 أ، انظر: "الثعلبي" 3/ 201 أ، "البغوي" 3/ 533.

ولعل هذه الأقوال التي أوردها المؤلف لا تصح، بل هي فاسدة؛ لأنه مناف لمقام النبوة.]].

وقال عبد الله بن مسلم: أي لا حرج على أحد فيما لم يحرم عليه [[انظر: "غريب القرآن" ص 351.]]. وعلى هذا ﴿الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ [[كذا في المخطوط! ولعل الصواب: كل.]]، كان من تقدمه ممن قد مضى ولا يختص بالنبيين وهو الأليق بظاهر الآية لولا الآية الثانية، فإنها دلت على أن المراد بالذين خلوا: الأنبياء، قال أبو إسحاق: سنة الله منصوب على المصدر؛ لأن معنى ما كان على النبي من حرج سنة [[كذا في المخطوط! والذي في "معاني القرآن" للزجاج: سن الله له.]] الله له سنة واسعة لا حرج فيها [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 230.]].

قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾. قال الكلبي: قضاء مقضيا، وكان من قدره أن يولد سليمان من تلك المرأة التي هويها داود ويملك من بعده [[ذكر هذا القول الثعلبي 3/ 201 ب ونسبه لابن عباس. ولم أقف على من نسبه للكلبي.]].

وقال مقاتل: قدر الله لداود ولمحمد تزويجها [[انظر: "تفسير مقاتل" 93 أ.]] [[هكذا في النسخ! والذي في تفسير مقاتل: تزويجهما.]].

وقال ابن حيان: أخبر الله أن امرأة [[هكذا في النسخ! ولعل الصواب: أن نكاح زينب.]] زينب كان من حكم الله وقدره وفرضه [[لم أقف عليه.]].

33:39Page 423

ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَٰلَٰتِ ٱللَّهِ وَيَخۡشَوۡنَهُۥ وَلَا يَخۡشَوۡنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا ٣٩

[Allāh praises] those who convey the messages of Allāh1 and fear Him and do not fear anyone but Allāh. And sufficient is Allāh as Accountant.

قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ﴾ قال أبو إسحاق: يجوز أن يكون (الذين) في موضع خفض نعت، لقوله: ﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْا﴾. ويجوز أن يكون نعتًا على المدح، المعنى: هم الذين. ويجوز أن يكون نصبًا على معنى أعني الذين [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 230.]].

﴿وَيَخْشَوْنَهُ﴾ قال سعيد بن جبير: الخشية من الله أن تخشاه حتى تكون خشيتك [[هكذا في المخطوط! لعل الصواب: حتى تحول خشيتك بينك وبين معصيته.]] وبينه وبين معصيته [[لم أقف على قول سعيد بن جبير.]]. والمعنى على هذا: ولا تعصونه. ﴿وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ أي: لا يخشون قالة الناس ولائمتهم فيما أحل لهم. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ أي: مجازيًا لمن يخشاه. قاله ابن عباس [[لم أقف عليه.]].

33:40Page 423

مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٖ مِّن رِّجَالِكُمۡ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـۧنَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا ٤٠

Muḥammad is not the father of [any] one of your men, but [he is] the Messenger of Allāh and seal [i.e., last] of the prophets. And ever is Allāh, of all things, Knowing.

قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ قالت عائشة رضي الله عنها: لما تزوج رسول الله -ﷺ- زينب قال الناس: إن محمدًا تزوج امرأة ابنه، فأنزل الله هذه الآية [[رواه الترمذي حديث رقم (3260) عن عائشة، وابن أبي حاتم، وأورده السيوطي في "الدر" 6/ 613 وعزاه لسعيد بن منصور وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن عائشة.]]. يعني أنه ليس بأب لزيد فتحرم [[في (أ): (فيحرم).]] عليه زوجته. قال ابن عباس: يريد لم يكن في قضائي وقدري أن له ابنا يعيش حتى يصير رجلاً [[انظر: "تفسير البغوي" 3/ 534.]].

وقال المفسرون: لم يكن أبا أحد لم يلده، وقد ولد له ذكور: إبراهيم والقاسم والطيب والمطهر [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 201 ب، "تفسير الطبري" 22/ 16، "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 4/ 229.]]. وقال مقاتل: لما نزلت هذه الآية قال النبي -ﷺ- لزيد: لست لك بأب، فقال زيد: يا رسول الله أنا زيد بن حارثة بن مروة بن شراحيل الكلبي معروف نسبي [[انظر: "تفسير مقاتل" 93 ب.]].

قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ هو يعني: آخر النبيين فلا نبي بعده، قال: يريد لو لم أختم به لجعلت له ولدًا يكون بعده نبيًا. قال مقاتل: لو كان لمحمد ولد لكان نبيًا رسولاً، فمن ثم قال: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [لم يسمع أحدًا] [[هكذا في النسخ! ولعله زيادة من الناسخ خطأ.]] والمعنى أنه لما ختم النبيين دل على أنه لم يبق ولدًا بعده. وقراءة العامة بكسر التاء، وقرأ عاصم بفتح التاء [[في (أ): (الهاء).]] [[انظر: "الكشف عن وجوه القراءات السبع" 2/ 199، "النشر" 2/ 348.]].

قال أبو عبيد: الوجه الكسر؛ لأن التأويل أنه ختمهم، فهو خاتمهم [[لم أقف على اختيار أبي عبيد.]].

وكذلك روي عنه في صفة نفسه أنه قال: "أنا حاتم النبيين" [[الحديث متفق عليه عن أبي هريرة، وهو جزء من حديث أخرجه البخاري في المناقب، باب: خاتم النيين -ﷺ-" 3/ 1300 رقم (3342)، ومسلم في الفضائل، باب: كونه -ﷺ- خاتم النبيين 4/ 1790 رقم (2286).]]. لم يسمع أحد من فقهائنا يرويه إلا بكسر التاء، قال الفراء: ويدل عليه قراءة عبد الله: ختم النبيين، ومن قرأ بفتح التاء فمعناه: آخر النبيين، وخاتم النبيين [[هكذا في النسخ! ولعل الصواب: آخرهم.]] آخره، ومنه قوله ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [["معاني القرآن" 2/ 344.]].

وقال الحسن: الخاتم الذي ختم به [[انظر: "الوسيط" 3/ 474، "الحجة" 5/ 477.]].

وقال أهل اللغة: الخاتم بالكسر الفاعل، والخاتم بالفتح ما يوضع على الطينة، وهو اسم مثل العالم، يدل على هذا قولهم عند زيادة الحرف خاتام، فدلت زيادة الألف على أن التاء مفتوح في الخاتم [[انظر: "تهذيب اللغة" (ختم)، "اللسان" 12/ 163 (ختم).]].

قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ قال ابن عباس: يريد علم ما يكون قبل أن يكون [[لم أقف عليه.]].

33:41Page 423

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكۡرٗا كَثِيرٗا ٤١

O you who have believed, remember Allāh with much remembrance

وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ قال الكلبي ومقاتل: ذكرًا كثيرًا باللسان [[انظر: "تفسير مقاتل" 93 ب، ولم أقف على من نسبه للكلبي.]]. وقال مجاهد: هو ألا ينساه أبدًا [[انظر: "تفسير البغوي" 3/ 534، "مجمع البيان" 8/ 568.]]. وقال الكلبي: ويعني ذكرًا كثيرًا بالصلوات الخمس [[انظر: "الوسيط" 3/ 475، "زاد المسير" 6/ 396.]].

وقال ابن حيان: هو التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير على كل حال وهو أن يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر [[انظر: "مجمع البيان" 8/ 568، "زاد المسير" 6/ 396.]]. وبلغنا أن هؤلاء الكلمات يتكلم بهن صاحب الجنابة والغائط والحدث [[ذكر ابن قدامة في "المغنى" 1/ 134 بأنه لا خلاف في أن للحائض والجنب ومن في حكمهما ذكر الله -سبحانه وتعالى-، وهذه الألفاظ من الذكر.]].

33:42Page 423

وَسَبِّحُوهُ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلًا ٤٢

And exalt Him morning and afternoon.

وقوله: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ أي: صلوا لله صلاة الفجر والعصر. قاله مقاتل وقتادة [[انظر: "تفسير مقاتل" 93 ب، "تفسير الماوردي" 4/ 409، "الطبري" 22/ 17.]]. وقال ابن حيان: صلوا لله بالغداة والعشي [[لم أقف عليه عن ابن حيان، وانظر: "القرطبي" 014/ 198، " تفسير هود" 3/ 372.]]. قال الكلبي: فصلاة الفجر، وأما أصيلاً: فصلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء [[انظر: "تفسير الماوردي" 9/ 409، "مجمع البيان" 8/ 397، "زاد المسير" 6/ 568.]]. ومضى الكلام في تفسير الأصيل عند قوله: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [[عند قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الأعراف: 205]]].

33:43Page 423

هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيۡكُمۡ وَمَلَٰٓئِكَتُهُۥ لِيُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَكَانَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَحِيمٗا ٤٣

It is He who confers blessing upon you,1 and His angels [ask Him to do so] that He may bring you out from darknesses into the light. And ever is He, to the believers, Merciful.

قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ﴾ قال ابن عباس: لما نزل على رسول الله -ﷺ-: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ جاء المهاجرون والأنصار إلى رسول الله -ﷺ- يهنئونه، فقال أبو بكر: يا رسول الله أهذا لك خاصة ليس لنا فيه شيء، فأنزل الله هذه الآية [[ذكر هذا الأثر السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 622، وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد، وذكره البغوي في "تفسيره" 3/ 534 عن أنس، وذكره القرطبي 14/ 198 عن ابن عباس.]]. قال المفسرون وأهل المعاني كلهم: ﴿يُصَلِّي﴾ [[في (أ): زيادة واو (ويصلي عليكم).]]: يرحمكم ويغفر لكم [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 202/ أ، "تفسير الطبري" 22/ 17، "معاني القرآن" للفراء 2/ 345، "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 4/ 231، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 357.]]، ومضى الكلام في تفسير الصلاة من الله عند قوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: 157].

قوله: ﴿وَمَلَائِكَتُهُ﴾ قال ابن عباس: وملائكته تدعوا الله لكم [[انظر: "مجمع البيان" 8/ 568.]].

وقال المقاتلان: ويأمر الملائكة بالاستغفار لكم [[انظر: "تفسير مقاتل" 93 ب، "تفسير الماوردي" 4/ 398، "زاد المسير" 6/ 410.]].

قال الكلبي: صلاة الله على العباد مغفرته، فإذا رضي على العبد قال للملائكة: إني قد غفرت لعبدي فلان فاستغفروا له، وصلاة الملائكة: الاستغفار [[لم أقف عليه.]].

قوله -عز وجل-: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ قالوا: من الشرك إلى الإيمان، يعني: أنه برحمته وهدايته ودعاء الملائكة لكم أخرجوكم من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان بسبب توحيدكلم وتصديقكم رحمته ودعاء ملائكته [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 17، "بحر العلوم" 3/ 54، "تفسير البغوي" 3/ 537.]].

33:44Page 424

تَحِيَّتُهُمۡ يَوۡمَ يَلۡقَوۡنَهُۥ سَلَٰمٞۚ وَأَعَدَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَرِيمٗا ٤٤

Their greeting the Day they meet Him will be, "Peace." And He has prepared for them a noble reward.

قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ قال مقاتل: يعني تسليم الملائكة عليهم يوم يلقون الرب [[انظر: "تفسير مقاتل" 93/ ب.]]. وقال الكلبي: تحييهم الملائكة على أبواب [[في (ب): (باب).]] الجنة بالسلام، فإذا دخلوها حيا بعضهم بعضا بالسلام، وتحية الرب إياهم حين يرسل إليهم بالسلام [[انظر: "بحر العلوم" 3/ 54.]]. والكناية في قوله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾ يجوز أن تكون عن الملائكة، فيكون المصدر مضافًا إلى الفاعل. ويجوز أن تكون عن المؤمنين، فيكون المصدر مضافًا إلى الفاعلين؛ لأن المؤمنين يحيون بالسلام ويحيى بعضهم بعضًا. قال ابن عباس في قوله: {يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ}: يريد عندما يدخلهم الجنة [[لم أقف عليه.]].

ومعنى الكلام في معنى لقاء الله في مواضع. وروي عن البراء بن عازب أنه قال في هذه الآية قال: "يوم يلقون ملك الموت لا يقبض روح مؤمن إلا سلم عليه" [[أخرجه الحاكم في المستدرك كتاب التفسير، "تفسير سورة إبراهيم -عليه السلام-" 2/ 351، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وأخرجه ابن أبي حاتم في "التفسير" واْورده السيوطي في "الدرر" 6/ 623 وزاد نسبته لابن أبي شيبة في "المصنف" وابن أبي الدنيا في "ذكر الموت" وعبد بن حميد وأبي يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في "الشعب".]]. والكناية على هذا في قوله ﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾ للمؤمنين، أي: تحيتهم من ملك الموت يوم يلقونه. والكناية في يلقونه لملك الموت وقد سبق ذكره في قوله: ﴿وَمَلَائِكَتُهُ﴾.

وقوله: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ أي: ثوابًا عظيمًا ورزقًا حسنًا في الجنة.

33:45Page 424

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ شَٰهِدٗا وَمُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ٤٥

O Prophet, indeed We have sent you as a witness and a bringer of good tidings and a warner

قوله -عز وجل-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ قال ابن عباس: يريد على أمتك وجميع الأمم [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 410، "الدر المنثور" 6/ 624، وقال: أخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والخطيب وابن عساكر عن ابن عباس.]].

وقال مقاتل: شاهدًا على هذه الأمة بتبليغ الرسالة، ومبشرًا بالجنة والنصر في الدنيا لمن صدقك وآمن بك [[انظر: "تفسير مقاتل" 93 ب.]].

﴿وَنَذِيرًا﴾: ومنذرًا بالنار لمن كفر بك وكذبك.

33:46Page 424

وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذۡنِهِۦ وَسِرَاجٗا مُّنِيرٗا ٤٦

And one who invites to Allāh, by His permission, and an illuminating lamp.

﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾: إلى توحيد الله وطاعته وما يقرب منه ﴿بِإِذْنِهِ﴾ قال مقاتل: يعني بأمره [[المصدر السابق.]]. يريد أنه أمرك بهذا لا أنك تفعله من قبل.

قوله تعالى: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ يجوز أن يكون هذا من صة النبي -ﷺ-، يكون المعنى من اتبعه اهتدى به كالسراج في الظلمة يستضاء به، وهذا معنى قول ابن عباس [[انظر: قول ابن عباس في "تنوير المقباس" ص 355.]].

وقال المبرد: هذا تمثيل، والمعنى أن ضياء الهدى منه قد شمل القلوب كما شمل ضياء السراج الأبصار [[لم أقف على قول المبرد.]]. ويجوز أن يكون المراد بالسراج المنير: القرآن وهو قول ابن عباس قال: وكتابًا مبينًا [[انظر: "تفسير الماوردي" 4/ 411، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 624، وعزاه لابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والخطيب وابن عساكر.]].

واختاره الزجاج فقال: (والمعنى وذا سراج منير أي: ذا كتاب نير قال: وإن شئت كان المعنى وداعيًا إلى الله وتاليًا كتابًا بينًا) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 211.]].

33:47Page 424

وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَضۡلٗا كَبِيرٗا ٤٧

And give good tidings to the believers that they will have from Allāh great bounty.

﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾، قال مقاتل: يعني الجنة [[انظر: "تفسير مقاتل" 93 ب.]].

33:48Page 424

وَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَدَعۡ أَذَىٰهُمۡ وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا ٤٨

And do not obey the disbelievers and the hypocrites and disregard their annoyance, and rely upon Allāh. And sufficient is Allāh as Disposer of affairs.

وقوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ أي إن دعوك إلى تقصر [[هكذا في النسخ! ولعل الصواب: إلى أن تقصر.]] في بلاغ ما أرسلت به. قال ابن عباس: يريد الكافرين من أهل مكة والمنافقين من أهل المدينة [[انظر: "تفسير ابن عباس" ص 350.]]. وذكرنا تفسير هذا في أول السورة.

﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ قال ابن عباس وقتادة: يريد اصبر على أذاهم [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 19، "تفسير البغوي" 3/ 535، "الدر المنثور" 6/ 625، وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة.]].

قال ابن عباس: هذا منسوخ نسخه السيف [[انظر: "تفسير القرطبي" 14/ 202، "زاد المسير" 6/ 402، "قبضة البيان في ناسخ ومنسوخ القرآن" ص 20، "الناسخ والمنسوخ من كتاب الله" ص 144، "ناسخ القرآن ومنسوخه" ص 45.]].

قال أبو إسحاق: (تأويل ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ لا تجازيهم عليه إلا أن تؤمر فيهم بأمر) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 231.]] وعلى هذا التقدير دع مكافأة أذاهم، ولهذا صار المعنى: اصبر على أذاهم.

وقال مجاهد: دع أذاهم: أعرض عنهم [["تفسير مجاهد" ص 518، وانظر: "تفسير الطبري" 22/ 19، "تفسير ابن أبي حاتم" 10/ 3141.]]. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ فإني أكفيك [[في (أ): (أكفيكم).]] إذا توكلت علي.

33:49Page 424

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نَكَحۡتُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ ثُمَّ طَلَّقۡتُمُوهُنَّ مِن قَبۡلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمۡ عَلَيۡهِنَّ مِنۡ عِدَّةٖ تَعۡتَدُّونَهَاۖ فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحٗا جَمِيلٗا ٤٩

O you who have believed, when you marry believing women and then divorce them before you have touched them [i.e., consummated the marriage], then there is not for you any waiting period to count concerning them. So provide for them and give them a gracious release.

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أي: تجامعوهن. وقرئ: تماسوهن [[انظر: "الحجة" 5/ 477 "إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 203.]]. ومعنى الكلام في القراءتين في البقرة [: 246].

قوله -عز وجل-: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ قال أبو إسحاق: (أسقط الله العدة عن التي [[في (أ): (النبي)، وهو خطأ.]] لم يدخل بها؛ لأن العدة في الأصل استبراء [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 232.]] الولد، فإن لم يدخل بها فهي بمنزلة الأمة التي لم يقربها مالكها فليس عليها استبراء. قال مقاتل: إن شاءت تزوجت من يومها [[انظر: "تفسير مقاتل" 93 ب.]].

وقوله: ﴿تَعْتَدُّونَهَا﴾ أي: تحصون العدة عليهن [[في (ب): (عليها).]] بالأقراء والأشهر وقال صاحب النظم: معنى الاعتداد هاهنا استبقاء العدة منهن؛ لأنها حق للأزواج على النساء استبراء من أن يلحق بهن [[هكذا في النسخ! ولعل الصواب: بهم؛ لأن الضمير يعود للأزواج.]] من ليس منهم، ولانقطاع الأمر في النفقة والسكنى، يقال: عددته ألف درهم فاعتدها أي: استوفاها، وكذلك وزنته حقه فاتزنه، وكلته فاكتاله، أي: استوفاه وزنا وكيلا. كذلك هاهنا: استوفاها عددا.

وروى ابن أبي بزة [[هو: مقرئ مكة ومؤذن المسجد الحرام أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن أبي بزة المخزومي مولاهم الفارسي الأصل، كان مولده سنة 170 وهو أستاذ محقق ضابط متقن، قرأ على أبيه وعلى عبد الله بن زياد وعكرمة بن سليمان، وعليه قرأ إسحاق بن محمد الخزاعي والحسن بن الحباب وغيرهم، روى عنه القراءة قنبل، توفي -رحمه الله- 250 وعمره ثمانون سنة.

انظر: "غاية النهاية" 1/ 119، "السير" 12/ 50، "معرفة القراء الكبار" 1/ 54.]] عن ابن كثير: تعتدونها مخففة، قال قنبل والقواس [[هو: أبو الحسن أحمد بن محمد بن علقمة بن نافع بن عمر بن صح بن عون المكى النبال المعروف بالقواس، قرأ على ابن كثير وأبي الإخريط وهب بن واضح == وغيرهما، وقرأ عليه البزى. وقنبل.

انظر: "النشر" 1/ 120.]]: وهذا مما وهم فيه ثم رجع عنه، وكذلك وهم في تخفيف قوله: ﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ﴾ [إبراهيم: 17]، وقوله: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ [التكوير: 4]. قال أبو علي: ولا وجه للتخفيف في مثل هذا، نحو: تشتدونها وترتدونها، وليس كل المضاعف يبدل من حروف التضعيف فيه، إنما يبدل فيما سمع [[انظر:: "الحجة" 5/ 477 - 478.]]. قال قتادة: فإن شئت قلت: قد جاء في التنزيل في هذا النحو الأمران كقوله: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: 282]، وقال: ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً﴾ [الفرقان: 5]، قال: وإن شئت جعلته من عدوت الشيء إذا جاوزته، أي: مالكم عليهن من وقت عدة يلزمكم أن تجاوزوا عدده فلا تنكحوا أختها ولا أربعًا سواها حتى تنقضي العدة [[ذكر قول قتادة أبو علي في "الحجة" 5/ 478 ولم ينسبه لقتادة، "البحر المحيط" 8/ 490.]].

قوله تعالى: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ اختلفوا في هذه المتعة قال ابن عباس: هذا إذا لم يكن سمى لها صداقًا، فإذا فرض لها صداقًا فلها نصفه [[انظر "الطبري" 22/ 19، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 625 وعزاه لابن جرير المنذر وإبن أبي حاتم عن ابن عباس.]]، هذا هو الأصح من مذهب الشافعي، وهو أن المطلقة قبل المسيس لا تستحق المتعة مع نصف المهر؛ لأن الله لم يذكر المتعة مع نصف المهر في سورة البقرة، وهو قوله: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: 237] [[انظر: "الأم" 5/ 54، "المغني" 10/ 142.]].

وروى نافع عن ابن عمر قال: لكل مطلقة متاع إلا التي تطلق قبل أن يدخل بها وقد فرض لها، فإن لها نصف الصداق فلا متعة [[لم أقف عليه.]].

قال قتادة: نسخت هذه الآية التي قبلها في البقرة وهو قوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 37] [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 20، "تفسير زاد المسير" 6/ 402، "الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" ص 348.]]. فدلت هذه الأقوال على أنها لا تستحق المتعة إذا طلقت قبل المسيس وبعد القرض، وإن طلقت قبلهما استحقت المتعة. روي أن شريحًا أخبر رجلاً طلق امرأته ولم يكن لها فرض ولم يدخل بها [[الكلام هنا ناقص لم يتم، والأسلوب غير مستقيم يبدو أن فيه سقطًا ولم أستطع الوقوف عليه.]]، وهو مذهب الزهري.

وقال مقاتل: فمتعوهن بنصف [[لم أقف على قول مقاتل.]]، فجعل هذه المتعة بما تستحق من نصف المهر، وهذا إنما يكون إذا كان قد فرض لها، فأما إذا لم يفرض لها فإنها تستحق المتعة واجبة لها على قول أكثر الناس، وبعضهم يقول نسخت ذلك ولا تجب في قوله: ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 19، "الماوردي" 4/ 412، "زاد المسير" 6/ 402.]] قال مقاتل: يعني: حسنًا في غير ضرر [[انظر: "تفسير مقاتل" 93 ب.]].

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском