Al-Wahidi (al-Basit)Saba · 34:21–36

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Saba 34:21–36

34:21Page 430

وَمَا كَانَ لَهُۥ عَلَيۡهِم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن يُؤۡمِنُ بِٱلۡأٓخِرَةِ مِمَّنۡ هُوَ مِنۡهَا فِي شَكّٖۗ وَرَبُّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ حَفِيظٞ ٢١

And he had over them no authority except [it was decreed] that We might make evident who believes in the Hereafter from who is thereof in doubt. And your Lord, over all things, is Guardian.1

وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ﴾ قال أبو إسحاق: المعنى ما امتحنا بإبليس إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة إلا لنعلم ذلك علم وقوعه منهم، وهو الذي يجازون عليه [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 252.]]. وشرح ابن قتيبة الآيتين شرحًا شافيًا فقال: إن إبليس لما سأل الله النظرة فأنظره قال: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ﴾ الآية. وقال: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [[قال تعالى في سورة النساء: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾.

وقال في سورة الحجر: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ الآية: 39.]] وليس هو في وقت هذه المقالة مستيقنًا أن ما قرره فيهم يتم، وإنما قاله ظانا، فلما اتبعوه وأطاعوه صدق عليهم ما ظنه فيهم، ثم قال: وما كان تسليطنا إياه [[في (ب): (إلا إياه) وهو خطأ.]] إلا لنعلم المؤمنين من الشاكين، يعني: نعلمهم موجودين ظاهرين فيحق القول ويقع الجزاء، فأراد جل وعز: ما سلطناه عليهم إلا لنعلم إيمان المؤمن ظاهرًا، وكفر الكافر ظاهرًا موجودًا كقوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: 142] [["تأويل مشكل القرآن": ص 311 - 312.]]، وقد مر الكلام فيه [[عند تفسير الآية 142 من آل عمران.]]. وهذا معنى قول ابن عباس ومقاتل والكلبي وجميع المفسرين في هاتين الآيتين [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 87، "تفسير الماوردي" 4/ 447، "مجمع البيان" 8/ 608، "زاد المسير" 6/ 449، "تفسير مقاتل" 99 أ.]]. قوله: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ قال مقاتل: كل شيء من الإيمان والشك رقيب [[انظر: "تفسير مقاتل" 99 أ.]].

34:22Page 430

قُلِ ٱدۡعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمۡلِكُونَ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا لَهُمۡ فِيهِمَا مِن شِرۡكٖ وَمَا لَهُۥ مِنۡهُم مِّن ظَهِيرٖ ٢٢

Say, [O Muḥammad], "Invoke those you claim [as deities] besides Allāh." They do not possess an atom's weight [of ability] in the heavens or on the earth, and they do not have therein any partnership [with Him], nor is there for Him from among them any assistant.

قوله: ﴿قُلِ﴾ أي: لكفار مكة. ﴿ادْعُوا﴾ استنصروا، واستعينوا كقوله: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾ [البقرة: 23]. وقوله: ﴿تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ﴾ [الأعراف: 197].

وقوله: ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أي: الذين زعمتم أنهم آلهة وأنهم ينصرونكم، فأضمر مفعول الزعم، قال المفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 22/ 88، "بحر العلوم" 3/ 72، "تفسير القرطبي" 14/ 295، "زاد المسير" 6/ 451.]]: يعني الشركاء والملائكة وجميع من عبدوهم من دون الله.

قال مقاتل: يقول: ادعوهم فليكشفوا عنكم التفسير الذي نزل بكم في سني الجوع [[انظر: "تفسير مقاتل" 99 أ.]]. ثم وصفهم وأخبر عنهم فقال: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: من خير وشر ونفع وضر. ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ يريد: ما شاركونا في شيء من خلقهما. ﴿وَمَا لَهُ﴾ وما لله. ﴿مِنْهُمْ﴾ من الشركاء والمعبودين. ﴿مِنْ ظَهِيرٍ﴾ من معين على شيء. قال مقاتل: ثم ذكر الملائكة الذين يرجون شفاعتهم.

34:23Page 431

وَلَا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ عِندَهُۥٓ إِلَّا لِمَنۡ أَذِنَ لَهُۥۚ حَتَّىٰٓ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمۡ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمۡۖ قَالُواْ ٱلۡحَقَّۖ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ ٢٣

And intercession does not benefit with Him except for one whom He permits. [And those wait] until, when terror is removed from their hearts,1 they will say [to one another], "What has your Lord said?" They will say, "The truth." And He is the Most High, the Grand.

وقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾ يعني: شفاعة الملائكة. ﴿عِنْدَهُ﴾ عند الله [[انظر: "تفسير مقاتل" 99 أ.]]. ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ قرئ: بضم الهمزة وفتحها، فمن فتح بني الفعل للفاعل، وأسنده إلى ضمير اسم الله؛ لقوله تعالى: ﴿لَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾، ومن ضم الهمزة بني الفعل للمفعول وهو يريد هذا المعنى [[انظر: "علل القراءات" 2/ 553، "حجة القراءات" ص 589.]]. والآذن في القراءتين هو الله تعالى، كقوله: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ والمجازي في الوجهين هو الله تعالى. قال الفراء: أي لا تنفع شفاعة ملك مقرب ولا نبي حتى يؤذن له في الشفاعة، ويقال: حتى يؤذن له فيمن يشفع، فيكون (من) للمشفوع له [["معاني القرآن" 2/ 361.]].

وذكر أبو إسحاق أيضًا الوحهين جميعًا فقال: ويجوز أن يكون [من] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] في قوله: ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ للشافعين؛ لأنه كنى عنهم بقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ والذين فزع عن قلوبهم هاهنا الملائكة، هذا كلامه. وتقدير الوجهين: إلا لمن أذن له في أن يشفع إذا كان (من) للشافع، وإن جعلت (من) للمشفوع فالتقدير: إلا لمن أذن له في أن يشفع له [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 252.]].

وكلام المفسرين في هذه الآية يدل على أن (من) للمشفوع له؛ قال ابن عباس: يريد لا تشفع الملائكة إلا لمن وحد الله [[انظر: "الوسيط" 3/ 294، "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 431.]] كقوله في الأنبياء ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: 28]. وقال مقاتل: لا تنفع شفاعة الملائكة عنده لأحد إلا لمن أذن له أن يشفعوا له من أهل التوحيد. قال: ثم أخبر عن خوف الملائكة [[انظر: "تفسير مقاتل" 99 أ.]] فقال: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ وقُرِئ: فَزَع، بفتح الفاء والزاي.

قال أبو عبيدة: ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾: نفس عنها [["مجاز القرآن" 2/ 147.]].

وقال الفراء وأبو إسحاق: فزع: كشف الفزع عن قلوبهم، وفزع: كشف الله الفزع عن قلوبهم [["معاني القرآن" 2/ 361، "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 253.]]. ومعنى القراءتين سواء كما ذكرنا في أذن وأذن [[سورة الحج: الآية 27. قال: معنى التأذين: النداء والتصويت للإعلام، ثم أحال على قوله ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾، وقوله: ﴿أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾.]].

والتفزيع يريد المعنيين: أحدهما: إزالة التفزيع بالتمريض [[في "الوسيط": والتفزيع إزالة الفزع كالتمريض. فلعل ما أثبت هنا خطأ، والصواب ما بينته من الوسيط.]]، وقد جاء مثل هذا في أفعل، قالوا: أشكاه [[في (ب): (مشكاه).]] إذا أزال عنه ما يشكوه، ويقال: فزعه وأفزعه، إذا روعه. قال ابن عباس: يريد سوى عن قلوبهم [[ذكر بعض المفسرين قول ابن عباس: جلي عن قلوبهم. انظر: "الماوردي" 4/ 484، "القرطبي" 14/ 295.]].

وقال قتادة والكلبي: جلي عن قلوبهم [[لم قف عليه منسوبًا لهما،، وقد نسبه الطبري 22/ 90 لابن عباس.]]. وقال مقاتل: انجلى الفزع من قلوبهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 99 أ.]]. وهو معنى وليس بتفسير. وأما معنى الآية روي عن أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قال: "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنه سلسلة على صفوان فـ ﴿إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ الآية" [[الحديث أخرجه البخاري في "صحيحه" كتاب: التفسير: تفسير سورة سبأ 4/ 1804 رقم الحديث (4522) وتمامه: "فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع" الحديث، وأخرجه الترمذي في "سننه" كتاب التفسير: تفسير سورة سبأ 5/ 40، رقم الحديث (3276)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.]].

وروي عن أنس بن سمعان [[هكذا ورد في (أ)، وفي (ب): (أنس سمعان)، وهو خطأ، والصواب هو: النواس بن سمعان، فهو راوي هذا الأثر، ولم أجد فيما عندي من مراجع راويا لهذا الحديث بهذا الاسم.

والنواس بن سمعان هو: النواس بن سمعان بن خالد بن عمرو بن قرط العامري الكلابي، ويقال: الأنصاري، له صحبة، روى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه جبير بن نفير الخضرمي وأبو إدريس الخولاني. يقال: إن أباه سمعان وفد على النبي -ﷺ- وأهدى إليه نعليه فقبلهما وزوج أخته من النبي -ﷺ-، ويقال: إنه لما دخل بها تعوذت منه فتركها، وهي الكلابية، والله أعلم.

انظر: "الاستيعاب" 3/ 539، "الإصابة" 3/ 549، "أسد الغابة" 5/ 45]] أنه قال: إذا تكلم الله بالوحي أخذت السموات منه رعدة شديدة خوفًا من الله، فإذا سمع ذلك أهل السموات صعقوا [[في (ب): (ضعفوا).]] وخروا لله سجدا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله بما أراد من وحيه، فيمضي به جبريل على الملائكة سماء سماء، كلما مر بأهل سماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل. فيقول: الحق [[أورده الثعلبي في "تفسيره" 3/ 219.]].

وروى الزهري عن أبي إدريس [[هو: أبو إدريس عائذ الله بن عبد الله، ويقال فيه: عيذ الله بن إدريس بن عائذ الخولاني، تقدمت ترجمته.]] قال: إذا تكلم الله جل ثناؤه وجدت السموات ومن فيهن رجفة، حتى إذا ذهب ذلك عنها نادى بعضهم بعضًا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، فذلك قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [[لم أقف عليه عن أبي إدريس من طريق الزهري. وقد أورد الثعلبي في "تفسيره" 3/ 219 أ، هذا الأثر من طريق الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عبد الله.]].

وقال ابن عباس: إذا تكلم الله بالوحي، يسمع أهل السموات صوتا كصوت الحديد على الصفا، فيخرون سجدًا لذلك، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا ... [[أورده السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 697، وعزاه لابن أبي حاتم عن ابن عباس.]] الآية. ونحو هذا قال ابن مسعود [[الأثر المروي عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أخرجه بو داود في "سننه" كتاب: السنة، باب: في القرآن 4/ 235، رقم الحديث (4738)، و"الطبري" 22/ 90. وأورده السيوطي في "الدر" (6/ 699) وزاد نسبته لسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي.]].

وقال قتادة والكلبي: لما كانت الفترة التي بين عيسى ومحمد عليهما السلام وبعث الله محمدًا، أنزل الله جبريل بالوحي، فلما نزل، ظنت الملائكة أنه نزل بشيء من الساعة فصعقوا لذلك، فجعل جبريل يمر بكل سماء ويكشف عنهم الفزع يرفعوا رؤوسهم [[هكذا جاء الكلام في النسخ! وفيه اضطراب، والصواب: فيرفعون رؤوسهم ويقول بعضهم لبعض. انظر: "تفسير القرطبي" 14/ 197.]]، وقال بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، يعني الوحي [[ذكره النحاس في "معاني القرآن" 5/ 417، وابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 453، و"القرطبي" 14/ 297.]]. ونحو هذا قال مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 99 أ.]] سواء. وعلى هذا إنما يكون فزعهم من هول قيام الساعة. وهو اختيار الفراء، والزجاج [["معاني القرآن" 2/ 361، "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 253.]]. وعلى ما ذكرنا أولاً إنما فزعوا للوحي. هذا مذهب المفسرين في هذه الآية.

ويبقى إشكال في النظم، وهو أن قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ كيف يليق بما تقدم من الكلام، وأين الخبر عن فزعهم حتى يذكر زوال الفزع؟ قال صاحب النظم: لا يكاد يكون حتى إلا متصلة بخبر قبلها، ولم يتقدم هاهنا في الظاهر شيء تكون هي معطوفة عليه فهي في الظاهر منقطعة مما قبلها ومبتدأة، وهي في الباطن متصلة بمعنى متقدم مضمر، ومعنى فزع عن قلوبهم قد جاء في التفسير أخرج منها الفزع، فهذا دليل على أنه يصيبهم فزع شديد من شيء يحدث عليهم من أقدار الله -عز وجل-، ولم يقل الله حتى إذا فزع عن قلوبهم إلا وهم يفزعون. هذا كلامه. وشرح هذا أن حتى هاهنا منقطع في اللفظ عما قبله، وقد ذكرنا جواز هذا عند قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ [[سورة يونس: الآية 110.]]، وهو في المعنى متصل بمضمر دل عليه الظاهر، وذلك أن فزع معناه: أخرج الفزع، وإخراج الفزع يدل على حصوله وحدوثه، فكأنه قد ذكر فزعهم من الوحي أو من هول قيام الساعة على ما ذكر المفسرون حتى إذا أزيل ذلك الفزع قالوا: ماذا قال ربكم. ومعنى الآية: أن الله أعلمهم أن الملائكة الذين يعبدونهم بهذه الحال من الخوف والفزع، كيف يعبدون من هو بهذه الصفة. أفلا يعبدون من تخافه الملائكة؟!

ومذهب مجاهد والحسن وابن زيد في هذه الآية: أن الكناية في قوله: ﴿عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ للمشركين، يقول: حتى إذا كشف الفزع عن قلوبهم في الآخرة إقامة الحجة عليهم، قالت الملائكة لهم: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ في الدنيا ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾ فأقروا حين لا ينفعهم [[انظر: "تفسير مجاهد" ص 527، "الطبري" 22/ 92، "الماوردي" 4/ 438، "القرطبي" 14/ 297.]]. وعلى هذا القول أيضًا وجه النظم ما ذكر.

وقوله: ﴿الْحَقَّ﴾ قال الزجاج وأبو علي: التقدير: قالوا: قال الحق [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 253]]. ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، قال مقاتل: يعني الرفيع الذي فوق خلقه، الكبير العظيم فلا شيء أعظم منه [[انظر: "تفسير مقاتل" 99 أ.]].

34:24Page 431

۞ قُلۡ مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُلِ ٱللَّهُۖ وَإِنَّآ أَوۡ إِيَّاكُمۡ لَعَلَىٰ هُدًى أَوۡ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٢٤

Say, "Who provides for you from the heavens and the earth?" Say, "Allāh. And indeed, we or you are either upon guidance or in clear error."

قوله: ﴿قُلْ﴾ أي: لكفار مكة. ﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ تقدم تفسيره في سورة يونس [[آية 31.]]. وهذا احتجاج عليهم بأن الله الذي يرزق هو المستحق للعبادة لا غيره مما لا يرزق، وأخبر عنهم في سورة يونس أنهم يعتقدون بأن الرزاق هو الله، وهو قوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾. وهاهنا أمر النبي -ﷺ- بأن يقول: الرزاق هو الله، هو قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ والمعنى: استفهم عن الرزاق، ثم أخبر أني أنا الرزاق، وذلك أنه إذا استفهم لم يمكنهم أن يثبتوا رازقًا غير الله، فثبت الحجة عليهم بقوله -ﷺ-، أي: هو الله. وقال صاحب النظم: هذا محمول على أنه لما أمر بقوله: ﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ﴾ بعد الأمر قل لهم ذلك، فقالوا له: فمن يرزقنا، فأجابهم الله بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ وتم الكلام، ثم أمره بأن يخبرهم أنهم على الضلال بعبادة غير الله بقوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ﴾ الآية، على تقدير: ثم قل: وإنا أو إياكم.

روى عطاء عن ابن عباس في هذه الآية: الألف صلة للكلام يريد ألف أو [[لم أقف عليه منسوبًا لابن عباس، وقد ذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 494، ولم ينسبه لأحد.]]. وشرح صاحب النظم هذا فقال: أو هاهنا بمنزلة واو النسق، وتأويلهما مبتدآن مجموعان لها جوابان مجموعان، فيرد إلى كل واحد منهما ما يقتضي، وهو أن يكون الهدى لقوله: ﴿وَإِنَّا﴾، والضلال لقوله: ﴿إِيَّاكُمْ﴾، قلنا في أشباهه مثل قوله: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص: 73] فابتغاء الفضل بالنهار والسكون بالليل، ومنه قول امرئ القيس:

كأن قلوب الطير رطبا ويابسًا لدي ... [ذكراها] [[هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: وكرها.]] العناب والحشف البالي [[البيت من الطويل، وهو لامرئ القيس في "ديوانه" ص 38، "الكامل" 2/ 740، "شرح شواهد المغني" 1/ 342، 2/ 595، 819.

يقول: كأن قلوب الطير رطبا: العناب، ويابسًا: الحثشف البالي. انظر: "شرح ديوان امرئ القيس" 166.]]

وهذا الذي ذكره صاحب النظم، هو معنى قول أبي عبيدة قال: معناه إنا لعلى هدى، وإنكم لفي ضلال مبين [["مجاز القرآن" 2/ 148.]]. وهو معنى قول مقاتل: نحن وأنتم أمر واحد أن أحد الفريقين لعلى هدى، يعني: النبي نفسه وأصحابه، وإنكم لفي ضلال مبين، يعني: كفار مكة [[انظر: "تفسير مقاتل" 99 ب.]]. وعلى هذا القول يجب أن يكون أو في، قوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ﴾ وقوله: ﴿أَوْ فِي ضَلَالٍ﴾ يعني واو النسق، وهو مذهب المفسرين. قال الفراء: (معنى " أو" معنى الواو عند المفسرين، والعربية على غير ذلك، لا تكون "أو" بمنزلة الواو كما تقول: خذ درهمًا أو اثنين، فله [[في (ب): (قيله).]] أن يأخذ واحداً أو اثنين، وليس له أن يأخذ الثلاثة، وفي قول من لا يبصر العربية ويجعل "أو" بمنزلة الواو يجوز له أن يأخذ الثلاثة؛ لأنه في قولهم بمنزلة: خذ درهمًا واثنين.

والمعنى في ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ﴾: إنا لضالون أو مهتدون، وهو تعالى يعلم أن رسوله المهتدي وأن غيره الضال، وأنت تقول في الكلام للرجل: والله إن أحدنا لكاذب، نكذبته كذبًا غير مكشوف، وهو في القرآن وكلام العرب كثير أن يوجه الكلام إلى أحسن مذاهبه إذا عرف، كقولك لمن قال فلان وهو كاذب في ذلك قل: إن شاء الله، أو قل: فيما أظن، فتكذبه بأحسن من صريح التكذيب) [["معاني القرآن" 2/ 362.]]. ونحو هذا قال الكسائي والأخفش والمبرد، قالوا: ليس معنى أو هاهنا الشك، وقد يتكلم بمثل هذا من لا يشك، كقول القائل: أنا اختار كذا ويختار ابن [[هكذا في النسخ! ولعل الصواب: فلان.]] كذا وأحدنا مخطئ، وليس يشك في خطأ صاحبه، وأنشدوا لأبي الأسود.

يقول الأرذلون بني [[هكذا في (أ)، وفي (ب): (بين)، وهو خطأ، والصواب: بنو؛ لأنه بدل.]] قشير ... طوال الدهر ما ننسى عليا

بنو عم النبي وأقربوه ... أحب الناس كلهم إليا

فإن يك حبهم رشدًا أصبه ... ولست بمخطئ إن كان غيا [[الأبيات من الوافر، لأبي الأسود الدؤلي، وهي من ديوانه ص 176 - 177، وانظرها منسوبة إليه في: "مجاز القرآن" 2/ 148، "الكامل" 3/ 936، "مجمع البيان" 8/ 610، "روح المعاني" 22/ 140.]]

فقاله عن غير شك، وقد أيقن أنه ليس بغي، ولكنه استظهار في الحجاج [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 445، وذكر القول ونسبه للمبرد: "تفسير القرطبي" 14/ 299، ولم أقف على قول الكسائي.]].

وقال أبو إسحاق: في التفسير وأنا على هدى وإنكم إلى ضلال، وهذا في اللغة غير جائز لكنه يؤول إلى هذا المعنى، والمعنى: إنا لعلى هدى أو في ضلال، وهذا كما يقول القائل: إذا كانت الحال تدل على أن أحدنا صادق أو كاذب ويؤول معنى الآية إلى: إنا لما أقمنا من البرهان لعلى هدى، وإنكم لفي ضلال مبين هذا كلامه [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 253.]]. وهو موافق لقول الفراء [["معاني القرآن" 2/ 362.]]. وتلخيص الآية: أن أو ظاهرة للشك وليس المعنى على ذلك، والمفسرون راعوا حقيقة المعنى، ولذلك جعلوا أو بمنزلة الواو.

34:25Page 431

قُل لَّا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّآ أَجۡرَمۡنَا وَلَا نُسۡـَٔلُ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٢٥

Say, "You will not be asked about what we committed, and we will not be asked about what you do."

قوله تعالى: ﴿قُلْ﴾ أي: لقومك. ﴿لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا﴾ قال ابن عباس: لا تؤاخذون بجرمنا، ولا نسأل عن كفركم وتكذيبكم، وهذا على التبري منهم ومن أعمالهم [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 431، وذكر هذا المعنى أكثر المفسرين، ولم ينسبوه لابن عباس.]] كقوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]. وهذا مما نزل قبل السيف [[وبهذا القول -وهو أن هذه الآية منسوخة بآية السيف- قال بعض العلماء، ومنهم: ابن القاسم البذوري في "قبضة البيان في ناسخ ومنسوخ القرآن" ص 20، هبة الله بن سلامة المقري في "الناسخ والمنسوخ من كتاب الله -عز وجل-" ص 145، وابن البارزي في "ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه" ص 45. ومن العلماء من لا يرى النسخ في هذا الموضع، وإنما فيه بيان أن كل أحد مؤاخذ بعمله، فلا تظلم نفس شيئًا. وممن قال بعدم النسخ: مكي بن أبي طالب في "الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" ص 388، وابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 455. ولعل هذا هو الراجح؛ لإمكانية الجمع بين الآيتين دون الحاجة إلى القول بالنسخ، إذ لا تعارض بينهما.]].

34:26Page 431

قُلۡ يَجۡمَعُ بَيۡنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفۡتَحُ بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَهُوَ ٱلۡفَتَّاحُ ٱلۡعَلِيمُ ٢٦

Say, "Our Lord will bring us together; then He will judge between us in truth. And He is the Knowing Judge."1

﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا﴾ يعني بعد البعث في الآخرة يوم القيامة. ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾ ثم يقضى ويحكم بيننا بالعدل. ﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ﴾ القاضي. ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما يقضى.

34:27Page 431

قُلۡ أَرُونِيَ ٱلَّذِينَ أَلۡحَقۡتُم بِهِۦ شُرَكَآءَۖ كـَلَّاۚ بَلۡ هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٧

Say, "Show me those whom you have attached to Him as partners. No! Rather, He [alone] is Allāh, the Exalted in Might, the Wise."

قوله: ﴿قُلْ﴾ للكفار ﴿أَرُونِيَ﴾ أعلموني. ﴿الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ﴾ أي: ألحقتموهم بالله في العبادة معه شركاء، وهو نصب على الحال، وفي الآية محذوف به يتم المعاني [[هكذا في (ب)، وفي (أ): (المعالي)، وهو تصحيف، إذ الصواب: المعنى.]] بتقدير: هل يرزقون ويخلقون وينفعون ويضرون، ثم قال: ﴿كَلَّا﴾ [قال أبو إسحاق: معنى كلا] [[ما بين المعقوفين يظهر أنه زائد؛ لأن كلام أبي إسحاق ذكر بعد سطر.]] قالوا لما قال لهم: ﴿أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ﴾ هم [[(هم) ساقط في (ب).]] هذه الأصنام أو ما أشبه ذلك من الكلام، فرد الله عليهم بقوله: ﴿كَلَّا﴾.

قال أبو إسحاق: (معنى كلا ردع وتنبيه، المعنى: ارتدعوا عن هذا القول وانتهوا عن ضلالكم) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 254.]]. وهذا يدل على أنهم أجابوا النبي -ﷺ- بما يوجب زجرهم وردعهم. قوله: ﴿بَلْ﴾ أي: ليس الأمر على ما ذكرتم إلحاق الشركاء [[هكذا جاءت العبارهَ، والذي يظهر أنه خطأ، فقد جاءت العبارة في الوسيط: أي ليس الأمر على ما أنتم عليه من إلحاق الشركاء الوسيط 3/ 495.]] به الذي يضر وينفع ويخلق ويرزق. ﴿هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ﴾ في ملكه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أمره.

34:28Page 431

وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٢٨

And We have not sent you except comprehensively1 to mankind as a bringer of good tidings and a warner. But most of the people do not know.

قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ قال ابن عباس: يريد لجميع الخلق [[انظر: "الماوردي" 4/ 450، وذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 495.]]. وقال مقاتل: يعني عامة [[انظر: "تفسير مقاتل" 99 ب.]]. وهو قول أبي عبيدة وابن قتيبة [["مجاز القرآن" 2/ 149، "تفسير غريب القرآن" ص 357.]]. وعلى هذا يجب أن يكون التقدير: إلا للناس كافة، كقوله: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾، وقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾، فيكون المعنى: وما أرسلناك إلا للناس كلها عامة أحمرهم وأسودهم [[ويزيد هذا القول ويدل عليه الحديث الذي يرويه جابر بن عبد الله، أخرج مسلم في "صحيحه" 1/ 370 كتاب المساجد ومواضع الصلاة، رقم الحديث (521)، قال جابر -رضي الله عنه-: قال رسول الله -ﷺ-:" أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي، كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود" الحديث.]]. وذكرنا معنى الكافة [[لعله عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: 208] قال: وقوله (كافة) يجوز أن يكون معناه: ادخلوا جميعًا، ويجوز أن يكون معناه: في السلم كافة، أي في جميع شرائعه.]] فيما تقدم.

وقال أبو إسحاق: (المعنى: أرسلناك جامعًا للناس بالإنذار والإبلاغ) [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 254.]].

والكافة على هذا معناه: الجامع الذي يمنع أن يشذوا [[هكذا جاءت العبارة، ولعل المراد يمنع الناس أن يشذوا، كما تفسره العبارة التالية.]]، النبي -ﷺ- جامع للناس كلهم في الإنذار والتبشير [جامع] [[هذه الكلمة زيادة من (ب)، وليست مثبتة في (أ).]] مانع من أن يشذ واحد عن حكم رسالته.

والهاء في الكافة تكون للمبالغة، ويجوز أن يكون الكافة مصدرًا على فاعلة، كالخاينة والكاذبة واللاعنة، ويكون [[(يكون) ساقطة من (ب).]] التقدير على حذف المضاف بمعنى: إلا ذا كافة للناس، أي: ذا منع لهم من أن يشذوا عن تبليغك. وهذا الوجه يقوي قول من ذهب في معنى الآية إلى أنه بعث ليكف الناس عما هم عليه من الكفر. ولا يحتاج في هذا القول إلى تقدير التقديم والتأخير، وقوله: ﴿أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قال مقاتل: يعني كفار مكة [[انظر: "تفسير مقاتل" 99 ب]].

34:29Page 431

وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٩

And they say, "When is this promise, if you should be truthful?"

وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ يعنون بالوعد [[في (ب): (بالولد)، وهو تصحيف.]] للعذاب الذي ينزل بهم بعد الموت في قول ابن عباس [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص431، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 456، ولم ينسب لابن عباس.]]. وإنما قالوا هذا؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث. وقيل: يعنون العذاب النازل بهم في الدنيا. وهو قول الربيع [[لم أقف عليه عن الربيع. وقد ذكره القرطبي 14/ 301 نحو هذا القول، ولم ينسبه.]].

34:30Page 431

قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوۡمٖ لَّا تَسۡتَـٔۡخِرُونَ عَنۡهُ سَاعَةٗ وَلَا تَسۡتَقۡدِمُونَ ٣٠

Say, "For you is the appointment of a Day [when] you will not remain thereafter an hour, nor will you precede [it]."

فقال الله: ﴿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ﴾ الآية. قال ابن عباس: يريد يوم القيامة [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 431، ولم أقف عليه منسوبًا لابن عباس عند أحد من المفسرين.]].

وقال الضحاك: يوم النزع والسياق. وعلى قول الربيع هو يوم بدر؛ لأن ذلك اليوم كان ميعاد عذابهم في الدنيا [[انظر: "الوسيط" 3/ 495، "زاد المسير" 6/ 456.]].

34:31Page 431

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤۡمِنَ بِهَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ وَلَا بِٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِۗ وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ مَوۡقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمۡ يَرۡجِعُ بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٍ ٱلۡقَوۡلَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ لَوۡلَآ أَنتُمۡ لَكُنَّا مُؤۡمِنِينَ ٣١

And those who disbelieve say, "We will never believe in this Qur’ān nor in that before it." But if you could see when the wrongdoers are made to stand before their Lord, refuting each others' words...1 Those who were oppressed will say to those who were arrogant, "If not for you, we would have been believers."

قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: مشركي مكة. ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: يعني التوراة والإنجيل [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 341، وذكره "تفسير الطبري" 22/ 97 وعزاه لقتادة، و"تفسير الماوردي" 4/ 451 وعزاه للسدي.]].

قال الفراء: لما قال أهل الكتاب صفة محمد -ﷺ- في كتابنا، كفر أهل مكة بكتابهم [["معاني القرآن" 2/ 362.]].

ثم أخبر الله عن حالهم في الآخرة بقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ قال مقاتل: يعني: مشركي مكة [[انظر: "تفسير مقاتل" 99 ب.]].

﴿مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ قال ابن عباس: يريد يوم القيامة.

﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ قال: يجادل بعضهم بعضًا [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 431.]].

وقال مقاتل: يرد بعضهم على بعض القول [[انظر: "تفسير مقاتل" 99 ب.]].

ثم أخبر عن جدالهم وما يجري بينهم فقال: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ وهم الأتباع. ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ يعني: الذين تكبروا عن الإيمان، وهم الأشراف القادة. ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ﴾ معشر الكبراء. ﴿لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ مصدقين بتوحيد الله.

34:32Page 432

قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُوٓاْ أَنَحۡنُ صَدَدۡنَٰكُمۡ عَنِ ٱلۡهُدَىٰ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَكُمۖ بَلۡ كُنتُم مُّجۡرِمِينَ ٣٢

Those who were arrogant will say to those who were oppressed, "Did we avert you from guidance after it had come to you? Rather, you were criminals."

No commentary for this ayah

34:33Page 432

وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ بَلۡ مَكۡرُ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ إِذۡ تَأۡمُرُونَنَآ أَن نَّكۡفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجۡعَلَ لَهُۥٓ أَندَادٗاۚ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۚ وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَغۡلَٰلَ فِيٓ أَعۡنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۖ هَلۡ يُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٣٣

Those who were oppressed will say to those who were arrogant, "Rather, [it was your] conspiracy of night and day when you were ordering us to disbelieve in Allāh and attribute to Him equals." But they will [all] confide regret when they see the punishment; and We will put shackles on the necks of those who disbelieved. Will they be recompensed except for what they used to do?

وقوله: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾، قال قتادة: بل مكركم بالليل والنهار [[انظر: "معاني القرآن" للنحاس 5/ 419 "تفسير القرطبي" 14/ 302.]].

وقال الكلبي ومقاتل: بل قولكم لنا بالليل والنهار [[انظر: "تفسير هود بن محكم" 3/ 401، فقد نسب القول للكلبي، ولم أقف عليه منسوبًا لمقاتل وليس في تفسيره.]].

قال الأخفش: الليل والنهار لا يمكران لأحد، ولكن يمكر فيهما، كقوله [[في (أ): (كقولك)، وهو تصحيف.]]: ﴿مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: 13] وهذا من سعة العربية [["معاني القرآن" 2/ 363.]].

وقال المبرد: (أي بل مكركم بالليل والنهار، كما تقول العرب: نهاره صائم وليله قائم، أي: هو قائم في ليله صائم في نهاره.

وقال جرير:

لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ... ونمت وما ليل المطي بنائم) [[البيت من الطويل، وهو لجرير في "ديوانه" ص 993، "الكتاب" 1/ 165، "لسان العرب" 2/ 442 (ربح)، "خزانة الأدب" 1/ 465، 8/ 202.

والشاهد فيه: وصف الليل بالنوم اتساعًا ومجازًا.]] [["الكامل" 1/ 188، 3/ 1170.]] وأنشد سيبويه:

قيام لي ويحل هي .. [[هكذا جاء في النسخ! وهو تصحيف، والصواب: فنام ليلي وتقضى همي. وهو رجز لرؤبة في "ديوانه" ص 142، "المحتسب" 2/ 184.

والشاهد فيه قوله: فنام ليلي، يريد نمت في ليلي، فنسب الفعل إلى الليل للملابسة التي بين الشاعر وبيته.]]

أي: نمت فيه، ونحو هذا قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 363.]] والزجاج [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 254.]]. وذكر في مكر الليل والنهار قولان آخران، كلاهما غير سائغ في اللغة والتأويل فتركتهما، وذكرنا معنى قوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾ [يونس: 54] [[آية 54.]].

قوله: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال ابن عباس: غلو بها في النيران والشركاء، وهم من الشياطين [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: "القرطبي" 14/ 355.]].

وقوله: ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ استفهام معناه التوبيخ، والتقدير: إلا جزاء ما كانوا يعملون. قال مقاتل: من الشرك في الدنيا [[انظر: "تفسير مقاتل" 100 أ.]].

34:34Page 432

وَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتۡرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ٣٤

And We did not send into a city any warner except that its affluent said, "Indeed we, in that with which you were sent, are disbelievers."

وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ﴾ أي: نبي ينذر أهل تلك القرية ﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ قال ابن عباس: الملوك وأهل الغنى [[لم أقف عليه عن ابن عباس، وذكره أكثر المفسرين. انظر: "الطبري" 22/ 99، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 419، "الماوردي" 4/ 452.]]. وقال مقاتل: أغنياؤها وجبابرتها [[انظر: "تفسير مقاتل" 100 أ.]]. وقال أبو إسحاق: أو [[هكذا في النسخ! ولعل الصواب: أولوا، كما في "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج.]] الترفه وهم رؤساؤها [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 255]]. ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ وهو التوحيد ﴿كَافِرُونَ﴾.

34:35Page 432

وَقَالُواْ نَحۡنُ أَكۡثَرُ أَمۡوَٰلٗا وَأَوۡلَٰدٗا وَمَا نَحۡنُ بِمُعَذَّبِينَ ٣٥

And they1 said, "We are more [than the believers] in wealth and children, and we are not to be punished."

قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾ قال ابن عباس: يعني مشركي [مكة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]]، افتخروا على رسول الله -ﷺ- وعلى المؤمنين بأموالهم وأولادهم، وظنوا أن الله تعالى إنما خولهم بالمال والولد الكرامة لهم عنده فقالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أي: أن الله قد أحسن إلينا بالمال والولد فلا يعذبنا، فقال ابن عباس [[لم أقف عليه. وانظر: "تفسير القرطبي" 14/ 305، "تفسير الماوردي" 4/ 452.]]: أنكروا البعث والقيامة، فقال الله تعالى لنبيه:

34:36Page 432

قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٦

Say, "Indeed, my Lord extends provision for whom He wills and restricts [it], but most of the people do not know."

﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ يعني: أن بسط الرزق وتضييقه من الله تعالى يفعله ابتلاء وامتحانًا، وليس شيء منه يدل على ما في العواقب، فلا البسط يدل على رضا الله، ولا التضييق يدل على سخطه.

﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يعني: أهل مكة. ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك حيث ظنوا أن أموالهم وأولادهم دليل على كرامة لهم عند الله.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском