Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Ya-Sin 36:57–78
36:57Page 444
لَهُمۡ فِيهَا فَٰكِهَةٞ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ ٥٧
For them therein is fruit, and for them is whatever they request [or wish]
وقوله: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ قال أبو عبيدة: ما يتمنون، تقول العرب: ادع على ما شئت، أي: تمن [["مجاز القرآن" 2/ 164.]]، ونحو هذا قال ابن قتيبة [["تفسير غريب القرآن" ص 367.]]. والزجاج قال: هو مأخوذ من الدعا، المعنى: كل ما يدعونه أهل الجنة يأتيهم [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 292.]].
قال ابن عباس: يريد ما يتمنون وما يشتهون [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف 372.]]. وهو قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 108 أ.]].
وقال الكلبي: يسألون، من التحف والتمني [[لم أقف عليه عن الكلبي، وقد ذكر الماوردي 5/ 26 نحوه عن أبي عبيدة.]]. والسؤال معنى وليس بتفسير. وحقيقة تفسيره ما ذكره الزجاج: أي ما يدعونه أهل الجنة فهو لهم؛ لأن الادعا افتعال من الدعا، فيدعون بمعنى يدعون [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 292.]].
وقوله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا﴾. قال أبو إسحاق: سلام بدل من ما، المعنى: لهم سلام بقوله عز وجل ﴿قَوْلًا﴾ [[المصدر السابق.]]. وهذا الذي ذكره الزجاج معنى قول أبي عبيدة: سلام رفع على لهم عملت فيه، وقولًا خرجت مخرج المصدر الذي يخرج من غير لفظ فعله [["مجاز القرآن" 2/ 164.]]. أي: يقولون ذلك قولًا. ونحو هذا قال الفراء والكسائي [["معاني القرآن" 2/ 380، ولم أقف على قول الكسائي.]].
قال ابن عباس: يرسل الرحيم إليهم بالسلام [[ذكر نحوه أبو حيان في "البحر المحيط" 7/ 327 عن ابن عباس.]].
وقال الكلبي: يرسل إليهم ربهم الملائكة في جناتهم بالتحف من عنده وبالسلام [[لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: "تفسير هود بن محكم" 3/ 438، "مجمع البيان" 8/ 671 فقد ذُكر نحو هذا القول غير منسوب.]].
وقال مقاتل: إن الملائكة يدخلون على أهل الجنة من كل باب، يقولون سلام عليكم يا أهل الجنة من ربكم الرحيم [["تفسير مقاتل" 108 أ.]]. فهؤلاء قالوا: إن الله يرسل إليهم بالسلام.
وروى جابر عن النبي -ﷺ-: "إن الله يشرف على أهل الجنة فيقول: السلام عليكم يا أهل الجنة". فذلك قوله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [[رواه ابن ماجه في "سننه" باب: ما أنكرت الجهمية 1/ 36 رقم 172. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 98: رواه البزار، وفيه الفضل بن عيسى الرقاشي، وهو ضعيف.]]. وهو قول كعب القرظي [[انظر: "الطبري" 23/ 21، وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 66، وزاد نسبته لأبي نصر السجزي في "الإبانة".]].
36:59Page 444
وَٱمۡتَٰزُواْ ٱلۡيَوۡمَ أَيُّهَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٥٩
[Then He will say], "But stand apart today, you criminals.1
وقوله: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (59)﴾ أي: انقطعوا وتميزوا منهم، يقال: أمزت الشيء من الشيء أميزه، إذا عزلته عنه، فانماز وامتاز، وميزته فتميز [[انظر: "تهذيب اللغة" 13/ 272 (ماز)، "اللسان" 5/ 412 (ميز).]].
وقال ابن عباس: يقول تنحوا أيها المشركون [[لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد ذكر الماوردي نحوه 5/ 26 عن الكلبي، وذكره هود بن محكم 3/ 438 ولم ينسبه.]].
وقال مقاتل: اعتزلوا اليوم -يعني: في الآخرة- من الصالحين [["تفسير مقاتل" 108 أ.]].
وقال السدي: كونوا على حده [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 517. وانظر: "البغوي" 4/ 16، "مجمع البيان" 8/ 671.]]. وهذا قول أكثر المفسرين [[المصادر السابقة. وانظر كذلك: "بحر العلوم" 3/ 104، "زاد المسير" 7/ 30.]]، واختيار أبي إسحاق قال: معناه: انفردوا عن المؤمنين [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 292.]].
وقال الضحاك: هم يفرد كل واحد من أهل النار بيتاً ويرد بابه، فيكون فيه أبدًا، لا يَرى ولا يُرى. وعلى هذا امتيازهم: أن يمتازوا بعضهم من بعض [[انظر: "الماوردي" 5/ 26، "البغوي" 4/ 16، "القرطبي" 15/ 46.]].
36:60Page 444
۞ أَلَمۡ أَعۡهَدۡ إِلَيۡكُمۡ يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ أَن لَّا تَعۡبُدُواْ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٦٠
Did I not enjoin upon you, O children of Adam, that you not worship Satan - [for] indeed, he is to you a clear enemy -
وقوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ أي: ألم آمر ولم أوص، كقوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ﴾ [طه: 115] وقد مر.
قال ابن عباس: ألم أقدم إليكم [["تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 372.]].
وقال الزجاج: ألم أتقدم إليكم، يعني على لسان الرسل [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 292.]]. ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ قال مقاتل: يعني الذين أمروا بالاعتزال [["تفسير مقاتل" 108 أ.]].
﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ أي: لا يطيعوا إبليس في الشرك. ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ من العداوة إخراج أبويكم من الجنة. قاله ابن عباس [[لم أقف عليه.]]. قال سعيد بن جبير والكلبي: من أطاع الشيطان فقد عبده [[لم أقف عليه عنهما. وذكره السمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 104 ونسبه لابن عباس.]].
36:61Page 444
وَأَنِ ٱعۡبُدُونِيۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٦١
And that you worship [only] Me? This is a straight path.
﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ يعني: ألم أعهد إليكم أن اعبدوني. قال ابن عباس: أطيعوني [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: "بحر العلوم" 3/ 104، "زاد المسير" 7/ 30، "البغوي" 4/ 17.]]. وقال مقاتل: وحدوني [["تفسير مقاتل" 108 أ.]]. ﴿هَذَا﴾ يريد الذي جاء به محمد -ﷺ-. ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [[قوله: (مستقيم) غير مثبت في (ب).]] يعني: دين الإسلام. ثم ذكر عداوته لبني آدم فقال: [..] [[في (أ): زيادة (قوله تعالى) وهو هنا زائد لا يحتاج السياق.]]
36:62Page 444
وَلَقَدۡ أَضَلَّ مِنكُمۡ جِبِلّٗا كَثِيرًاۖ أَفَلَمۡ تَكُونُواْ تَعۡقِلُونَ ٦٢
And he had already led astray from among you much of creation, so did you not use reason?
﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾ أي: عن الهدى. ﴿جِبِلًّا كَثِيرًا﴾ فيه وجوه من القراءة: جُبُلًا وجُبْلَّا بالضم وتشديد اللام قال: وجبل وجِبِلَّة لغات كلها [["الحجة" 6/ 44 - 45، "الحجة في القراءات السبع" ص 299، "علل القراءات" 2/ 567.]]. ونحو هذا قال أبو عبيدة، قال: ومعناها: الخلق والجماعة [["مجاز القرآن" 2/ 164.]].
وقال الليث: الجبلة الخلق خلقهم الله فهم مجبولون، وأنشد: بحيث شد الجبابل المجابلا [[شطر بيت لم أقف على تمامه ولا قائله، وهو في "تهذيب اللغة" 11/ 96، "اللسان" 11/ 98.]].
أي: حيث شد أسر خلقه [[انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 96 (جبل)، "اللسان" 11/ 98 (جبل).]]. وجبل الإنسان على هذا الأمر، أي: طبع، فهو مجبول عليه.
قال ابن عباس ومجاهد والمفسرون: خلقًا كثيرًا [["تفسير ابن عباس" بهاش المصحف ص 372، "تفسير مجاهد" ص 536. وانظر: "البغوي" 23/ 23، "الماوردي" 5/ 27، "بحر العلوم" 3/ 104.]].
قوله: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾. قال ابن عباس: يريد ما رأيتم من الأمم قبلكم ألم تعقلوا فتعتبروا بما رأيتم من الأمم قبلكم [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: "الوسيط" 3/ 517، "بحر العلوم" 3/ 104، "البغوى" 4/ 17، "زاد المسير" 7/ 31.]].
36:63Page 444
هَٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ ٦٣
This is the Hellfire which you were promised.
قال مقاتل: فلما دنوا من النار، قال لهم خزنتها: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ بها في الدنيا فتكذبون [["تفسير مقاتل" 108 أ.]].
36:64Page 444
ٱصۡلَوۡهَا ٱلۡيَوۡمَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ٦٤
[Enter to] burn therein today for what you used to deny."1
﴿اصْلَوْهَا﴾: قاسوا حرها وشدتها. ﴿الْيَوْمَ﴾ يعني: في الآخرة. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ بكفرهم بما كان في الدنيا.
36:65Page 444
ٱلۡيَوۡمَ نَخۡتِمُ عَلَىٰٓ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَتُكَلِّمُنَآ أَيۡدِيهِمۡ وَتَشۡهَدُ أَرۡجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٦٥
That Day, We will seal over their mouths, and their hands will speak to Us, and their feet will testify about what they used to earn.
وقوله: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ﴾. قال مقاتل والكلبي: وذلك أنهم أنكروا الشرك والتكذيب، فيختم الله على أفواههم، وتكلمت جوارحهم بإذن لها في الكلام، فشهدت عليهم بما عملوا [[المصدر السابق، ولم أقف عليه عن الكلبي.]].
36:66Page 444
وَلَوۡ نَشَآءُ لَطَمَسۡنَا عَلَىٰٓ أَعۡيُنِهِمۡ فَٱسۡتَبَقُواْ ٱلصِّرَٰطَ فَأَنَّىٰ يُبۡصِرُونَ ٦٦
And if We willed, We could have obliterated their eyes, and they would race to [find] the path, and how could they see?1
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ ذكرنا معنى الطمس في سورة النساء ويونس [[في سورة النساء: الآية 47، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ الآية، وهذه الآية مع آية أخرى ناقصة من المخطوط.
وفي سورة يونس: آية 88 قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ وقال المؤلف هناك بعد أن أحال على آية النساء. قال الزجاج: تأويل طمس الشيء: إذهابه عن صورته والانتفاع به على الحال الأولى التي كانت عليها.]]. قال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 2/ 165.]] والمبرد [[لم أقف على هذا القول عن المبرد.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 293.]] في هذه الآية: يقال: عين طمس ومطموس، وهو الذي لا يرى شق عينه ولا يتبين جفنه. وذكرنا في تفسير هذه الآية قولين. قال مقاتل: يقول: لو نشاء لحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى فأبصروا طريق الهدى، ثم قال: ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾ يقول: فمن أين يبصرون طريق الهدى، ولم أعم عليهم طريق الكفر؟ [["تفسير مقاتل" 108 أ.]]. ونحو هذا قال الكلبي [[انظر: "بحر العلوم" 3/ 104، ونسبه بعض المفسرين لقتادة القائل. انظر: "البغوي" 4/ 36، "زاد المسير" 7/ 32، "القرطبي" 15/ 49.]].
القول الثاني: أن معنى الآية لو نشاء لأعميناهم وتركناهم عميًا يترددون، وكيف يبصرون الطريق حينئذ؟ وهذا قول الحسن وقتادة والسدي [[انظر: "الطبري" 23/ 25، "الماوردي" 5/ 29، "البغوي" 4/ 36.]]. وهو الاختيار لأن الله تعالى يهددهم بهذه الآية كالتي بعدها كما قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ [البقرة: 25] يقول: كما أعمينا قلوبهم لو شئنا أعمينا أبصارهم الظاهرة. وهذا القول اختيار المبرد والزجاج.
قال المبرد: تأويل الآية قال: راموا الاستباق إلى المنهاج، فمن أين لهم أبصار؟ [[لم أقف على قول المبرد.]].
وقال الزجاج: أي لو [[في (ب): (ولو نشاء).]] نشاء لأعميناهم فعدلوا عن الطريق، فمن أين [[في (أ) كرر قول الزجاج ولكنه قال في آخر مرة: فمن أين لهم أبصار، وقال في الأخرى: فمن أين يبصرون. كما أثبته وكما هو في "معاني الزجاج" 4/ 193.]] يبصرون؟.
وذكرنا معنى الاستباق عند قوله: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ [يوسف: 25]. والاستباق هاهنا معناه غير معنى ما تقدم. قال الأزهري: ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾ فجازوا الصراط وخلفوه، وهذا الاستباق من واحد والذي في سورة يوسف من اثنين؛ لأن هذا بمعنى سبقوا، والأول بمعنى المسابقة [["تهذيب اللغة" 8/ 418 (شق).]] هذا كلامه ويدل على صحته قول أبي إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 193.]]: عدلوا عن الطريق [في هذه الآية] [[ما بين المعقوفين زيادة من (أ).]] ومعنى عدلوا عن الطريق ما ذكره الأزهري: جازوا الصراط وخلفوه.
ويدل على صحة القول الثاني ما ذكره عطاء عن ابن عباس في هذه الآية قال: إن الأسود بن عبد الأسود أخذ حجرًا وجماعة من بني مخزوم معه ليطرحوه على رسول الله -ﷺ- وهو يصلي، فطمس الله بصره وألصق الحجر بيده، فما أبصر ولا اهتدى [[انظر: "القرطبي" 15/ 50.]]. ومعنى الاستباق في هذا القول ما ذكروا في القول الأول معناه: فاهتدوا الطريق.
قال الكلبي: فاستبقوا إلى الصراط المستقيم [[لم أقف عليه عن الكلبي، وقد ذكر القرطبي نحوه عن ابن عباس 15/ 49، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 32 وقال: روى عن جماعة منهم مقاتل.]]. وفي هذا القول عدول عن الظاهر؛ لأن قوله: ﴿لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ يقتضي طمس الأعين الظاهرة مع أنه ليس يليق بما بعده، وهو قوله [[في (ب): (واو) زائدة، (وقوله)، وهو خطأ.]]:
36:67Page 444
وَلَوۡ نَشَآءُ لَمَسَخۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمۡ فَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ مُضِيّٗا وَلَا يَرۡجِعُونَ ٦٧
And if We willed, We could have deformed them, [paralyzing them] in their places so they would not be able to proceed, nor could they return.1
﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا﴾. قال ابن عباس: يريد لمسخت أبا جهل وكل من معه، على مكانتهم: يريد بالموضع الذي كانوا فيه قعودًا [[انظر: "الطبري" 23/ 29، "الماوردي" 5/ 26، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 514.]].
قال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 2/ 165.]] والزجاج [["مجاز القرآن وإعرابه" 4/ 293.]]: المكانة والمكان واحد. وهذا مما تقدم القول فيه.
وقال مقاتل: لو شئت لمسختهم حجارة في منازلهم ليس فيها أرواح.
﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾ قال: يقول لا يتقدمون ولا يتأخرون [["تفسير مقاتل" 108 أ.]]. وقال ابن عباس: لم يتقدموا ولم يتأخروا [["تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 373، "زاد المسير" 7/ 33. وانظر: "الطبري" 23/ 26، "الماوردي" 5/ 29.]].
وقال أبو إسحاق: أي لم يقدروا على ذهاب ولا مجيء [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 293.]]. هذا الذي ذكرنا هو الصحيح في تفسير الآية، وقال قتادة: يقول لو نشاء لجعلناهم كسحا لا يقومون [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 461، "المحرر الوجيز" 4/ 145، "زاد المسير" 7/ 33.]]. والكسح جمع الأكسح، وهو المقعد. والقول هو الأول؛ لأن معنى المسخ تحويل الصورة إلى صورة ذي روح كالقرد والخنزير، ولم يصح عنده هذا المسخ في الآية مع قوله: ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا﴾ فعدل إلى المسخ بالإقعاد، وليس كما ظن فإنه؛ يقال: مسخه الله حجرًا، وقد أوضح ذلك مقاتل.
36:68Page 444
وَمَن نُّعَمِّرۡهُ نُنَكِّسۡهُ فِي ٱلۡخَلۡقِۚ أَفَلَا يَعۡقِلُونَ ٦٨
And he to whom We grant long life We reverse in creation;1 so will they not understand?
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ وقرئ: نُنَكَّسه، بالتشديد، يقال: نَكسته [[في (ب): (نكسه).]] أنكسه وأنكسه، ونكسته أنكسه [[انظر: "الطبري" 23/ 27، "الحجة" 6/ 45.]]. وقد ذكرنا معنى النكس عند قوله: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا﴾ [الأنبياء. 65] [[انظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 3/ 246 أ.]]. قال الأخفش: ننكسه هو كلام العرب، ولا يكادون يقولون: نكسته، إلا لما يقلب فيجعل [[في (ب): (فنجعل).]] رأسه أسفله [[انظر: "الحجة" 6/ 45، "الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها" 2/ 220.]]. قال مقاتل: يعني أدرك العمر [[لم أقف على قول مقاتل، وليس هو في "تفسيره".]].
وقال أبو إسحاق: من أطلنا عمره نكسنا خلقه، فصار بدل القوة ضعفًا وبدل الشباب هرمًا [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 293.]]. وهذا معنى قول قتادة: هو الهرم يتغير بصره وقوته، كما رأيت قوله في رواية معمر [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 145،"الطبري" 23/ 26، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 514.]]. وهذا عام في كل من يهرم، تتراجع قوته ويتغير عما كان عليه في شبابه.
وقال الكلبي [[لم أقف على قول الكلبي. وذكر ابن أبي حاتم في "تفسيره" 10/ 3200 نحوه عن قتادة.]]: من نعمره حتى يدركه الهرم يرده في الخلق الأول الذي كان لا يعقل فيه شيئًا. وروي ذلك عن قتادة [[انظر: "مجمع البيان" 8/ 674، "القرطبي" 15/ 51.]] قال: ننكسه في الخلق لكي لا يعلم بعد علم شيئًا، يعني: الهرم. وهذا لا يعم؛ لأنه ليس كل من عمر صار إلى الفند، على أن ابن عباس خص الآية بالكافر فقال في رواية عطاء: ومن نعمره يريد المشركين، نرده إلى ذهاب العقل، كما قال ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: 5] يريد الكافرين من ولد آدم [[لم أقف عليه.]]. فالنكس على هذا القول ردّه من حالة العلم إلى حالة الجهل، وعلى القول الأول من القوة إلى الضعف ومن الشباب إلى الشيب، ومن الزيادة إلى النقصان.
وقوله: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ أي: فليس لهم عقل فيعتبروا فيعلموا أن الذي قدر على هذا من تصريف أحوال الإنسان، قدر على البعث بعد الموت، ومن قرأ بالتاء، فلقوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾.
36:69Page 444
وَمَا عَلَّمۡنَٰهُ ٱلشِّعۡرَ وَمَا يَنۢبَغِي لَهُۥٓۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ وَقُرۡءَانٞ مُّبِينٞ ٦٩
And We did not give him [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] knowledge of poetry, nor is it befitting for him. It is not but a message and a clear Qur’ān
قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ قال الكلبي [[لم أقف عليه.]] ومقاتل [["تفسير مقاتل" 108 ب، "البغوي" 4/ 18، "زاد المسير" 7/ 34.]]: نزلت في مشركي مكة، حين قالوا: إن القرآن شعر، وإن محمدًا شاعر ساحر كذاب، فقال الله تكذيبًا لهم: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾. قال ابن عباس: يريد ما [[في (ب): (وما).]] ينبغي له الشعر، ما كان يروي بيت شعر ولا يقومه مستقيماً [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: "الطبري" 27/ 23، "بحر العلوم" 3/ 105. البغوي 4/ 18، "مجمع البيان" 8/ 674.]]. قال أبو إسحاق: وما يتسهل ذلك [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 293.]].
وأصل (ينبغي) من قولهم: بغيت الشيء أبغيه، أي: طلبته، فابتغى لي ذلك الشيء أن تسهل وحصل، كما تقول: كسرته فانكسر [[انظر: "تهذيب اللغة" 8/ 212 (بغي)، "اللسان" 14/ 76 (بغا).]]. وكان النبي -ﷺ- بالصفة التي وصفه الله بها ما كان يقرن له بيت شعر، حتى إنه إذا تمثل بيت شعر جرى على لسانه منكسراً، فقد روي أنه كان يتمثل بقول العباس بن مرداس فيقول:
أتجعل نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة [[البيت من المتقارب وصحته: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع. وهو في "ديوان العباس" 84، "لسان العرب" 1/ 774 (نهب)، "تاج العروس" 4/ 319 (نهب)، "خزانة الأدب" 1/ 153. وذكر هذا الأثر القرطبي في "تفسيره" 15/ 52.]]
وكان يتمثل بقول عبد بني الحسحاس [[عبد بني الحسحاس، اسمه سحيم، وكان عبداً أسود نوبياً أعجميًا، وهو من المخضرمين، أدرك الجاهلية والإسلام ولا يعرف له صحبة قُتل في خلافة عثمان -رضي الله عنه-، قتله بنو الحسحاس لأنه أحبَّ امرأة منهم وطفق يتغزل فيها، فقتلوه خشية العار.
انظر: "الخزانة" 2/ 102، "الأغاني" 22/ 305، "الشعر والشعراء" ص 241.]] يقول:
كلي [[هكذا في النسخ، وهو خطأ، والصواب: كفى.]] الإسلام والشيب للمرء ناهيًا [[البيت من الطويل، وصحته:
عميرة ودع إن تجهزت غازيًا ... كفى الشيبُ والإسلام للمرء ناهياً
وهو لسحيم في: "البيان والتبيين" 1/ 71، "الكامل" 1/ 285، "الخزانة" 1/ 267، 2/ 102، "الأغاني" 22/ 307، "سر صناعة الإعراب" 1/ 141.
وذكر هذا الأثر الإمام محمد بن يوسف الصالحين الشامي في "سبل الهدى والرشاد في سيرة خبر العباد" 9/ 352، وقال: أخرجه ابن سعد عن الحسن البصري، والقرطبي في "تفسيره" 15/ 52.]]
وكان يتكلم ببيت طرفة فيقول:
ويأتيك من لم تزود بالأخبار [[البيت من الطويل، وصحته: == ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود
وهو لطرفة بن العبد في معلقته المشهورة في: "ديوانه" ص 41، "أشعار الشعراء الستة الجاهلين" 2/ 57،"لسان العرب" 2/ 8 (تبت)، "تاج العروس" 15/ 150.]] فيعاد عليه مستويًا فيقول: إني "لست بشاعر ولا ينبغي لي" [[رواه الإمام أحمد في "مسنده" 6/ 31، 146، والنسائي في "عمل اليوم واليلة" ص 549، والترمذي في "سننه" أبواب الآداب، ما جاء في إنشاد الشعر 4/ 218 رقم 3006. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 8/ 128: رواه الترمذي عن عائشة، ورواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، ورواه البزار، والطبراني، عن ابن عباس، ورجالهما رجال الصحيح.]]. والمفسرون ذهبوا إلى أنه ما كان يتسهل له أن يأتي ببيت موزون؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾. وما روي عنه من الأراجز كقوله: "هل أنت إلا أصبع دميت" [[هذا الحديث أخرجه الإمام البخاري في "صحيحه" "كتاب الجهاد"، باب من ينكب في سبيل الله 3/ 1031 رقم 2648، وفي "كتاب الأدب"، باب ما يجوز من الشعر 5/ 2276 رقم 5794 من حديث جندب بن سفيان. والإمام مسلم في "صحيحه" كتاب الجهاد، باب ما لقي النبي -ﷺ- من أذى المشركين والمنافقين 3/ 1421 رقم 1796 من حديث جندب بن سفيان.]].
وقوله: "لبيك إن العيش عيش الآخرة" [[أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الجهاد"، باب التحريض على القتال 3/ 1043 رقم 2679، وفي باب البيعة في الحرب ألا يفروا 3/ 1081 رقم 2801 عن أنس، وفي "كتاب الرقاق"، باب ما جاء في الصحة والفراغ وأن لا عيش إلا عيش الآخرة 5/ 2357 رقم 6050 عن أنس، ورقم 6051 عن سهل بن سعد الساعدي. وأخرجه الإمام مسلم في "صحيحه" "كتاب الجهاد" باب غزوة الأحزاب 3/ 1431 رقم 1804 من حديث أنس.]].
فالرجز جنس من الكلام ليس بشعر [[ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله في "فتح الباري" 8/ 38 في شرحه لقول النبي -ﷺ-: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب". قال: وقد أجيب عن مقالته -ﷺ- هذا الرجز بأجوبة: أحدها: أنه نظمه غيره وأنه كان فيه: أنت النبي لا كذب أنت عبد المطلب، فذكره بلفظ أنا في الموضعين. ثانيها: أن هذا رجز وليس من أقسام الشعر، وهذا مردود. ثالتها: أنه لا يكون شعراً حتى يتم قِطْعَة. وهذه كلمات يسيرة لا تسمى شعرًا. رابعها: أنه خرج موزونًا ولم يقصد به الشعر، وهذا أعدل الأجوبة.
وقال الإمام القرطبي في "تفسيره" 15/ 52: وإصابته -ﷺ- الوزن أحياناً لا يوجب أنه يعلم الشعر، وكذلك ما يأتي أحيانًا من نثر كلامه ما يدخل في وزن ... فقد يأتي مثل ذلك في آيات القرآن وفي كل كلام وليس ذلك شعراً ولا في معناه.
وانظر للاستزادة في الموضوع: "فتح الباري" 8/ 38 ، 10/ 660، "الجامع لأحكام القرآن" 15/ 51، "الشعر الإسلامي في صدر الإسلام" ص 24 وما بعدها.]].
وقال أبو إسحاق: (ليس يوجب هذا أن يكون النبي -ﷺ- لم يتمثل ببيت شعر قط، وإنما يوجب هذا أنه ليس بشاعر، وأن يكون القرآن أتى به مباينًا لكلام المخلوقين وأوزان أشعار العرب) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 294.]]. وعلى ما ذكر قوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ معناه: وما يسهل له إنشاء الشعر من قبل نفسه.
قوله: ﴿إِنْ هُوَ﴾ قال مقاتل: القرآن [["تفسير مقاتل" 108 ب.]]. ﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾ قال ابن عباس: موعظة. ﴿وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ قال: يريد فيه الفرائض والحدود والأحكام [["تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 373. وانظر: "البغوي" 4/ 19، "زاد المسير" 7/ 33.]].
36:70Page 444
لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّٗا وَيَحِقَّ ٱلۡقَوۡلُ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧٠
To warn whoever is alive1 and justify the word [i.e., decree] against the disbelievers.
﴿لِيُنْذِرَ﴾ أي: القرآن، ومن قرأ بالتاء فهو خطاب للنبي -ﷺ- أي: لتنذر يا محمد بما في القرآن من الوعيد [[انظر: "الحجة" 6/ 47، "الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها" 2/ 220.]]. ﴿مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ قال ابن عباس: يريد مؤمنًا [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: "الماوردي" 5/ 30، "زاد المسير" 7/ 37.]].
وقال مقاتل: من كان مهتديًا في علم الله [["تفسير مقاتل" 108 ب.]].
وقال أبو إسحاق: أي من يعقل ما يخاطب به، فإن الكافر كالميت، وإنه لا يتدبر [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 294.]].
وقال أبو علي الفارسي: (يعني المؤمنين؛ لأن الكفار أموات كما قال ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ ﴿النحل: 26﴾. وقال: ﴿أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا لِيُنْذِرَ﴾ [الأنعام: 122]) [["الحجة" 6/ 47.]].
وقوله: ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ﴾ أي: ويجب الحجة بالقرآن على الكافرين، ثم وعظهم ليعتبروا فقال: [..] [[في (أ): زيادة (قوله)، وهي زيادة لا يحتاجها السياق.]]
36:71Page 445
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا خَلَقۡنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتۡ أَيۡدِينَآ أَنۡعَٰمٗا فَهُمۡ لَهَا مَٰلِكُونَ ٧١
Do they not see that We have created for them from what Our hands1 have made, grazing livestock, and [then] they are their owners?
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ أي: مما تولينا خلقه.
﴿أَيْدِينَا﴾ بإبداعنا وإنشائنا واختراعنا، لم نشارك في خلقه ولا خلقناه بإعانة معين ولا إرشاد دليل. وذكر الأيدي هاهنا يدل هذه المعاني التي [[في (ب): (الذي).]] ذكرنا وإنما خاطبنا بما نعقل، والألفاظ التي تستعمل نستعملها في مخاطبتنا، والواحد منا إذا قال: عملت هذا بيدي، دل ذلك على توليته بعمله وانفراده به [[سبق أن يينا خطأ المؤلف رحمه الله في تفسير مثل هذه الآية، حيث إنه يؤول بعض الصفات وأهل السنة والجماعة يثبتون لله جل وعلا ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله -ﷺ-، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل.]].
وأراد بالأنعام: الإبل والبقر والغنم. وقال المفسرون في قوله: ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾: عملناه.
قوله تعالى: ﴿فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ قال مقاتل: يعني لضابطين [["تفسير مقاتل" 108 ب.]]. وقال الزجاج: (مالكون ضابطون؛ لأن القصد إلى أنها ذليلة لهم، ألا ترى إلى قوله:
36:72Page 445
وَذَلَّلۡنَٰهَا لَهُمۡ فَمِنۡهَا رَكُوبُهُمۡ وَمِنۡهَا يَأۡكُلُونَ ٧٢
And We have tamed them for them, so some of them they ride, and some of them they eat.
﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾، ومثله قول الشاعر:
أصبحت لا أحمل السلاح ولا ... أملك رأس البعير ان نفرا [[البيت من المنسوخ وهو للربيع بن ضبع الفزاري في: "الخزانة" 7/ 384، "الكتاب" 1/ 89، "لسان العرب" 13/ 259 (ضمن).]]
أي: لا أضبط رأس البعير) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 294.]].
وقوله: ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾. قال الليث: الركوب بفتح الراء كل دابة نركب، والركوبة اسم يجمع ما يركب، كالحمولة والركوبة والحلوبة [[انظر:"تهذيب اللغة" 8/ 218 (ركب).]].
وقال أبو عبيدة: ركوبهم ما ركبوا، والحلوبة ما حلبوا [["مجاز القرآن" 2/ 165.]].
قال الأزهري [["تهذيب اللغة" 8/ 216.]]: فعول أكثر ما يجيء الفاعل كالمغفور والشكور، ويجيء بمعنى مفعول كالركوب والحلوب، وربما أدخلوا الهاء في هذا الباب، وقد يجيء اسمًا لا صفة كالذنوب، وهو النصيب أو الدلو، وقد يجيء مصدرًا كالقبول والولوغ والزروع [والوزوع] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]].
قال مقاتل: (فمنها ركوبهم، يعني: حلوبتهم الإبل والبقر، ومنها يأكلون: الغنم) [["تفسير مقاتل" 108 ب.]].
36:73Page 445
وَلَهُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ وَمَشَارِبُۚ أَفَلَا يَشۡكُرُونَ ٧٣
And for them therein are [other] benefits and drinks, so will they not be grateful?
﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ قال ابن عباس والكلبي: يعني بالركوب والحمل والأصواف والأوبار والأشعار والسحال [[السحال: جمع سحليل، وهو الناقة العظيمة الضرع التي ليس في الإبل مثلها، فتلك ناقة سحليل. وأما الفصلان: جمع فصيل، وهو ولد الناقة إذا فصل عن أمه، وأكثر ما يطلق في الإبل، وقد يقال في البقر (فصل) "اللسان" 11/ 522.]] والفصلان ومنافع كسبها وظهورها [[لم أقف عليه عنهما، وقد أورده بعض المفسرين غير منسوب. انظر: "القرطبي" 15/ 56، "زاد المسير" 7/ 39.]]. ﴿وَمَشَارِبُ﴾ من ألبانها. ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ رب هذه النعم فيوحدونه.
36:74Page 445
وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةٗ لَّعَلَّهُمۡ يُنصَرُونَ ٧٤
But they have taken besides Allāh [false] deities that perhaps they would be helped.
ثم ذكر جهلهم وغرتهم [[لعله من التَّغرير، وهو حمل النفس على الغَرَرِ، والغُرور: بالضم الأباطيل. "اللسان" / 12 (غرر).]] فقال: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [[قوله: (آلهة) غير مثبت في النسخ، وهو خطأ.]] أي: لعلهم يمنعون من العذاب باتخاذ الآلهة.
36:75Page 445
لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَهُمۡ وَهُمۡ لَهُمۡ جُندٞ مُّحۡضَرُونَ ٧٥
They are not able to help them, and they [themselves] are for them soldiers in attendance.1
ثم بين أن الأمر ليس على ما يقدرون فقال: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾.
قال ابن عباس: يريد أن الأصنام لا تقدر على نصرهم [["تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 373، وانظر: "الوسيط" 9/ 513، "البغوي" 4/ 20.]].
وقال مقاتل: لا تقدر الآلهة أن تمنعهم من العذاب [["تفسير مقاتل" 108 ب.]]. ﴿وَهُمْ﴾ يعني: الكفار. ﴿لَهُمْ﴾ الآلهة. ﴿جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾.
وقال ابن عباس ومقاتل: وهم لهم جند يغضبون لهم ويحضرونهم في الدنيا [[انظر لم أقف عليه منسوبًا لابن عباس، وهو في "تفسير مقاتل" 108 ب.]]. وهذا قول قتادة والحسن، واختيار أبي إسحاق.
قال قتادة: يغضبون للآلهة في الدنيا، وهي لا تسوق إليهم [[في (ب): (لهم).]] خيرًا ولا تدفع عنهم شرًّا إنما هي أصنام [[انظر: "الطبري" 23/ 29، "بحر العلوم" 3/ 106، "زاد المسير" 7/ 39.]].
وقال الحسن: محضرون لآلهتهم يدفعون عنهم ويمنعونهم [[انظر: "القرطبي" 15/ 290.]].
وقال أبو إسحاق: أي هم للأصنام ينتصرون، والأصنام لا تستطيع نصرهم [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 295.]]. وهذا القول هو الاختيار [[وهو ما رجحه الإمام الطبري 23/ 30.]]. وفيه قول آخر، وهو أن المعنى: والآلهة جند للعابدين محضرون معهم في النار، يريد أن العابدين والمعبودين كلهم مجتمعون في النار، فلا يدفع بعضهم عن بعض ولا ينتفع الكفار بعبادتهم ورجائهم نصرتهم. وهذا معنى قول الكلبي، [[انظر: "زاد المسير" 7/ 39.]] ورواية معمر عن الحسن [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 146، "زاد المسير" 7/ 39.]]. وعلى هذا القول ﴿هُمْ﴾ كناية عن الآلهة، والكناية في هم الكفار والخلق لفظ للجند على الآلهة بزعمهم، وعلى ما كانوا يقدرون من أنها لهم جند تمنعهم، فقيل: إنهم لهم جند محضرون معهم النار. ثم عزى نبيه -ﷺ- فقال: [..] [[في (أ): زيادة (وقوله تعالى) وهي زيادة لا يحتاجها السياق.]]
36:76Page 445
فَلَا يَحۡزُنكَ قَوۡلُهُمۡۘ إِنَّا نَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَ ٧٦
So let not their speech grieve you. Indeed, We know what they conceal and what they declare.
﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ في ضمائرهم من الشرك والتكذيب. ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ بألسنتهم. ومعنى أنا نعلم ذلك، ثم إذا علم أثاب نبيه على صبره على أذاهم وجازاهم بسوء صنيعهم، وكأنه قال: لا يحزنك ما يقولون، فإنا نثيبك ونجازيهم.
36:77Page 445
أَوَلَمۡ يَرَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقۡنَٰهُ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ ٧٧
Does man not consider that We created him from a [mere] sperm-drop - then at once1 he is a clear adversary?
وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء [[انظر: "بحر العلوم" 3/ 107، وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 39 وعزاه لابن مردويه عن ابن عباس.]]: يريد أبي ابن خلف. وهو قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 108 ب.]]، والأكثرين [[فقد قال به مجاهد وقتادة والسدي وعكرمة والكلبي. انظر: "الطبري" 23/ 30، "الماوردي" 5/ 33، "بحر العلوم" 3/ 107. وقال ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 41: وبه قال الجمهور. وعليه المفسرون.]].
وقال سعيد بن جبير [[انظر: "الطبري" 23/ 30، "زاد المسير" 7/ 40، "القرطبي" 15/ 70.]]: هو العاص بن وائل.
وقال الحسن [[انظر: "مجمع البيان" 8/ 678، "زاد المسير" 7/ 41، "فتح القدير" 4/ 383.]]: هو أمية بن خلف، خاصم النبي -ﷺ- في إنكار البعث، وأتاه بعظم حائل ففته بين يديه، وقال [[في (ب): (فقال).]]: أيحي هذه الله بعدما رم [[في (ب): (ورمى).]] وبلي فأنزل الله [وقوله] [[ما بين المعقوفين غير مثبت في (أ).]]: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ يعني: ألا يرى أنه مخلوق من نطفة ثم هو يخاصم، وهذا تعجب من جهله وإنكار عليه خصومته، أي: كيف لا يتفكر في بدء خلقه حتى يدع خصومته [[هذه الأقوال التي ذكرها المؤلف رحمه الله فيمن نزلت هذه الآية هي بعض مقاله المفسرون. وقد قال ابن كثير رحمه الله في "تفسيره" 3/ 581 بعد أن ذكر الأقوال: وعلى كل تقدير سواء كانت هذه الآيات قد نزلت في أبي بن خلف أو العاص بن وائل أو فيهما، فهي عامه في كل من أنكر البعث، والألف واللام في قولى تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ﴾ للجنس، فيعم كل منكر للبعث. اهـ.]]. وهذا كقوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل: 4]. وقد مر تفسيره.
36:78Page 445
وَضَرَبَ لَنَا مَثَلٗا وَنَسِيَ خَلۡقَهُۥۖ قَالَ مَن يُحۡيِ ٱلۡعِظَٰمَ وَهِيَ رَمِيمٞ ٧٨
And he presents for Us an example1 and forgets his [own] creation. He says, "Who will give life to bones while they are disintegrated?"
ثم أكد الإنكار عليه بقوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾. قال مقاتل [["تفسير مقاتل" 109 أ.]]: وصف لنا شبها، يعني: أنه ضرب المثل في إنكار البعث بالعظم الحائل، ففته وبذره وينكر إحيائه بعد بلائه ويتعجب ممن يقول: إن الله يحييه. فهذا معنى ضرب المثل هاهنا، وهو أنه بين بما فعله إنكار البعث واعتقداه في استحالة الإعادة، وكان ذلك ضرب مثل الله. أي: فإن قدر على الإحياء والإعادة فليحي هذا العظم.
قوله تعالى: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾. قال مقاتل: يقول: وترك النظر في خلق نفسه ءأذا خلق من نطفة ولم يك قبل ذلك شيئاً [[المصدر السابق.]]. ثم بين أيش [[أصل الكلمة: أي شيء.]] كان ذلك المثل بقوله [..] [[في (أ): زياد: ﴿قَوْلُهُ﴾ وهي زيادة لا يحتاجها السياق.]]: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾. قال أبو عبيد: الرميم مثل الرمة، يقال منه: رم العظم، وهو يرم رما، وهو رميم [[انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 191 (رمم).]]. وقال ابن الأعرابي: رمت عظامه وأرمت إذا بليت [[انظر: "اللسان" 12/ 253 (رمم).]].
وقال أبو عبيدة: الرميم الرفات [["مجاز القرآن" 2/ 165.]]. وإنما قال رميم بغير هاء، وهو صفة العظام؛ لأنه منقول عن فاعل، فهو غير مبني على الفعل، وإذا لم يبن على الفعل لم يدخله عليه علامة التأنيث.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences