Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Az-Zukhruf 43:52–70
43:52Page 493
أَمۡ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡ هَٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٞ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ ٥٢
Or am I [not] better than this one [i.e., Moses] who is insignificant and hardly makes himself clear?1
قوله تعالى: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ﴾ اختلف المفسرون وأهل التأويل في معنى (أم) هاهنا فقال أبو عبيدة: مجازها: بل أنا خير [[انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 204.]]، وعلى هذا تمام الفصل عند قوله: أفلا تبصرون [[انظر: "القطع والاثتناف" للنحاس ص 649، "المكتفى" للداني ص 509.]] ثم ابتدأ فصلاً آخر فقال: (أم أنا خير) على تأويل: أنا خير، وهذا قول مقاتل، قال: ليس باستفهام يعني: بل أنا خير، ونحو هذا قال السدي [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 797، "تفسير الطبري" 13/ 81 فقد أخرج عن السدي.]].
وقال أبو إسحاق: قال سيبويه والخليل: عطف ﴿أَنَا﴾ بأم على ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ كأنه قال: أفلا تبصرون أم تبصرون، قال: لأنهم إذا قالوا له: أنت خير منه، فقد صاروا عنده بصراء، فكأنه قال: أفلا تبصرون أم أنتم بصراء [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 415، "الكتاب" 3/ 173، "الجمل في النحو" للخليل ص 320، "معاني الحروف" للرماني ص 173، 174.]]، وهذا فيه بعض الغموض، ولا يقف عليه إلا من تأمل وتفكر.
وذكر صاحب النظم وجهًا حسنًا وهو: أن يكون تمام الكلام عند قولى: أم، وقوله: (أنا خير) فصل آخر مبتدأ، على تأويل: أفلا تبصرون أم تبصرون، فكيف ذكر (تبصرون) اكتفاء بذكره في قوله: (أفلا تبصرون) كما يقال في الكلام: أتاكل أم لا، فسكت على الاكتفاء بما قبله من ذكر الأكل، وكذلك يكون إذا قدمت النفي فتقول: ألا تأكل أم تأكل، ثم يكف، ذكر تأكل بعد (أم) اكتفاء بذكره في أول الكلام، فكذلك قوله: أفلا تبصرون أم تبصرون، فكف ذكر (تبصرون) عند (أم) لجري ذكره، وهذا معنى قول مجاهد: أم تام يقف، ثم أنا خير أفلا تبصرون أم قد أبصرتم [[انظر: "المكتفى في الوقف والابتدا" للداني ص 508، "تفسير الطبري" 13/ 81.]].
وقوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ﴾ قال مقاتل: أفضل ﴿مِنْ هَذَا﴾ يعني: موسى ﴿الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ يعني: ضعيف ذليل [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 797.]]، وقال الكلبي: ضعيف في بدنه [[انظر: "تنوير المقباس" ص 493.]]، وقال الليث: رجل مهين صغير ضعيف [[انظر: "العين" للخليل (مهن) 4/ 61، "تهذيب اللغة" (مهن) 6/ 329.]].
وقال الزجاج: معنى مهين قليل، يقال: شيء مهين أي: قليل، وهو فعيل من المهانة [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 415.]].
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ قال ابن عباس: لا يبين الكلام [[لم أقف عليه.]]، وقال الكلبي: لا يكاد يبين حجته [[انظر: "تنوير المقباس" ص 493.]]، وقال قتادة والسدي: آفة بلسانه [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 82، "تفسير مقاتل" 3/ 797، "الماوردي" 5/ 230.]]، وقال الزجاج: يعني اللثغة [[قال الأزهري: أخبرني المنذري عن المبرد أنه قال: (اللثغة أن يُعدل بحرف إلى حرف) وقال الليث: الألثغ: الذي يتحول لسانه من السين إلى الثاء والمصدر: اللثغُ واللُّثْغَةُ، وقال أبو زيد: الألثغ: الذي لا يُتم رفع لسانه في الكلام وفيه ثقل. انظر: "تهذيب اللغة" (لثغ) 8/ 92.]] التي كانت بلسان موسى [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 415.]].
فإن قيل: أليس موسى سأل الله أن يذهب الرُّتَّةَ [[قال الليث: (الرُّتَّة: عجلة في الكلام. ورجل أرت). وقال ابن الأعرابي: رترت الرجل إذا تعتع في التاء وغيرها. انظر: "تهذيب اللغة" (رت) 14/ 250، وقال ابن قتيبة عند قوله تعالى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ أي: رَتَّةً كانت في لسانه. انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 278.]] من لسانه بقوله: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: 27 - 28] أعطاه ذلك بقوله: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: 36] فكيف عابه فرعون باللثغة؟ والجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أن فرعون أراد: لا يكاد يبين حجته التي تدل على صدقه فيما يدعي، ولم يرد أنه لا يوضح ما يتكلم به، وهذا كذب من فرعون وعناد بعد ما رأى من الآية، هذا معنى قول مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 797.]].
والجواب الثاني: عابه مما كان عليه أولاً، وذلك أن موسى كان عند فرعون دهرًا وهو ألثغ لا يكاد يبين، فنسبه فرعون إلى ما عهده عليه من الرُّتَّةَ.
ويقوي الجواب الأول قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾ ألا ترى أنه اقترح الآيات، ولم يكتف بما ظهر من معجزته، وليس للأمم أن يقترحوا من الآيات، ما يريدون، بل إذا أتى الرسول بما فيه دلالة على صدقه وجب الإيمان به.
واختلف القراء في ﴿أَسْوِرَةٌ﴾ فقرءوا بوجهين: أسورة وأساورة، فأسورة جمع سوار لأدنى العدد، كقولك: خِمَارٍ وَأَخْمِرَةٍ، وغُرَابٍ وأَغْرِبَة، ومن قال في سوار: أسوار، جمعه أساوير وأساورة، تكون الهاء عوضًا من الياء نحو: بطاريق وبطارقة، وزناديق وزنادقة، وقدادين وقدادنة، فيكون أساورة: جمع أسوار، وإن شئت فجمع أسورة، كما تقول: أساقٍ في جمع أسقية، وأساقي في جمع أسقية، هذا كلام المبرد [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 35 بنحوه، "الدر المصون" 6/ 103 ولم أقف على قول المبرد]].
وقال أبو زيد: هو سوار المرأة وأسوار المرأة، وهما قُلْبان يكونان في يديها [[انظر: "تهذيب اللغة" (سور) 13/ 51.]]، وأسورة جمع سوار مثل: سقاءٍ وأَسْقِيَةٍ، وإزارٍ وآزِرَة، وخوانٍ وأَخوِنَةٍ، وأساورة جمع أسوار، وألحق الهاء في الجمع عوضًا من الياء التي ينبغي أن تلحق في جمع أسوار، على حد إعصار وأعاصير، كذلك أسوار وأساور، ثم يقال: أساورة، ويجوز أن يكون جمع أسورة مثل أسقية وأساق، وهذا كلام أبي علي [[انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 151، "الكشف عن وجوه القراءات" لمكي 2/ 259.]].
وقال مقاتل: يقول فهلا ألقى على موسى إلهه الذي أرسله أسورةً من ذهب إن كان صادقًا أنه رسول [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 798.]]، وقال الكلبي: كان الرجل إذا ارتفع سوّروه [[انظر: "تفسير أبي الليث" 3/ 209، "زاد المسير" 7/ 322 من غير نسبة.]].
وقال مجاهد: كانوا إذا سودُوا رجلاً سوّروه بسوار وطوقوه بطوق من ذهب، يكون ذلك دلالة على سيادته [[انظر: "تفسير البغوي" 7/ 217، "الجامع" للقرطبي 16/ 100 ونسباه لمجاهد.]].
قال أبو إسحاق: كأنه لما وصف نفسه بالملك والرياسة فقال: هلا جاء موسى يلقى عليه أسورة من ذهب، يدل على أنها من عند إلهه الذي يدعوكم إلى توحيده [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 415.]].
43:53Page 493
فَلَوۡلَآ أُلۡقِيَ عَلَيۡهِ أَسۡوِرَةٞ مِّن ذَهَبٍ أَوۡ جَآءَ مَعَهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ مُقۡتَرِنِينَ ٥٣
Then why have there not been placed upon him bracelets of gold or come with him the angels in conjunction?"
قوله: ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ قال قتادة: متتابعين [[أخرج ذلك الطبري 13/ 83 عن قتادة، ونسبه القرطبي 16/ 105 لقتادة.]]، وقال ابن عباس: يعاونونه على من خالفه [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 83، "تفسير الثعلبي" 10/ 87 أ، "البغوي" 7/ 217.]]، وقال مقاتل: يعينونه على أمره الذي بعث له [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 798.]]، وقال الكلبي: مصدقين له بالرسالة [[انظر: "تنوير المقباس" ص 493.]].
وقال أبو إسحاق: أي يمشون معه فيدلون على صحة نبوته [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 415.]]، وقد جمع بين هذه الأقوال كلها لأنه فسر الاقتران وموجبه.
43:54Page 493
فَٱسۡتَخَفَّ قَوۡمَهُۥ فَأَطَاعُوهُۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ٥٤
So he bluffed his people, and they obeyed him. Indeed, they were [themselves] a people defiantly disobedient [of Allāh].
قوله تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ يقال: استخفه الفرح، إذا أزعجه وأقلقه، واستخفه إذا حمله على الجهل [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 101.]]، ومنه قوله: ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: 60] أي [لا يحميك] [[كذا في الأصل، ولعل الصواب (لا يحملنك).]] على الجهل والميل إليهم، قال مقاتل: فاستفز قومه القبط [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 35.]]، وهو قول الفراء: استفزهم [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 35.]]، والمعنى أزعجهم وحملهم على صفة الجهل بكيده وغروره، وقوله لهم: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾ [غافر: 29].
ومن قال هاهنا في تفسير (استخفهم): وجدهم جهالاً خفاف الأحلام [[ذكر ذلك الماوردي في "تفسيره" 5/ 231 وقال: هو معنى قول الكلبي، وذكره البغوي 17/ 27، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 322 بغير نسبة.]]، فليس بالوجه لقوله: ﴿فَأَطَاعُوهُ﴾ وهذا يوجب أنه أمرهم بشيء فيه إزعاجهم فأطاعوه، ولا يقال وجده خفيفًا فأطاعه، لأنك قد تجد إنساناً خفيف العقل فلا يطيعك، لأنك لم تأمره أو لم يرد هو طاعتك، ويحتاج في هذا التفسير إلى إِضْمارٍ لا يجوز، هو أن يكون التقدير: وجده خفيفًا فدعاه إلى الغواية فأطاعه، وإذا قلت: أزعجه فأطاعه، لم يحتج إلى إضمار.
ومعنى ﴿فَأَطَاعُوهُ﴾: قال ابن عباس ومقاتل: على تكذيب موسى [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 798، "تفسير الماوردي" 5/ 231 وقد نسبه لابن زياد.]]، والمعنى أنه حملهم على الجهل فقبلوا قوله وكذبوا موسى.
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ قالا: عاصين لله [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 798، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 101.]].
43:55Page 493
فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا ٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ فَأَغۡرَقۡنَٰهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٥٥
And when they angered Us, We took retribution from them and drowned them all.
قوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: غاظونا، وقال في رواية الكلبي: أغضبونا، وهو قول مقاتل وقتادة ومجاهد وغيرهم [[انظر: المرجعين السابقين، و"تفسير الطبري" 13/ 84، "الماوردي" 5/ 231، "البغوي" 7/ 218، "زاد المسير" 7/ 322.]]، وذكرنا تفسير هذا الحرف عند قوله: ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [الأعراف: 150]، قال عبد الرزاق: غضب ابن جريج في شيء فقيل له: أتغضب يا أبا خالد؟ فقال: قد غضب الذي خلق الأحلام، إن الله تعالى يقول: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ أي أغضبونا.
ونحو هذا روي أن وهب بن منبه كان عند عروة بن الزبير وشكا إليه عامل له فأكثروا عليه [[أي: بالغوا في الشكوى.]] فقالوا: فعل وفعل وثبتت البينة عليه، فلم يملك وهب نفسه، فضربه على يديه بعصا، فإذا دماء يشخب، فضحك عروة واستلقى على قفاه، وقال: يعيب علينا أبو عبيد الله الغضب في حكمته وهو يغضب. فقال وهب: وما لي لا أغضب، وقد غضب خالق الأحلام. إن الله يقول [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 203، "تفسير أبي الليث" 3/ 210.]]: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾.
43:56Page 493
فَجَعَلۡنَٰهُمۡ سَلَفٗا وَمَثَلٗا لِّلۡأٓخِرِينَ ٥٦
And We made them a precedent and an example for the later peoples.
قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ يقال: سلف يسلف، إذا تقدم ومضى، وسلف له عمل صالح، أي: تقدم، والسلف كل شيء قدمته من عمل صالح أو ولد، قرضا وقرض فهو سلف. وهذا وجه واحد، ويقال في جمعه الأسلاف، والسلف أيضًا من تقدم من آبائك وذوي قرابتك، واحدهم سالف، ومنه قول طفيل يرثي قومه: مَضَوْا سلَفًا قَصْدُ السبيلِ عَلَيْهم ... وصَرْفُ المنايا بالرَّجَالِ [سلف] [[كذا في الأصل، ورواية البيت (تقلب). انظر: "ديوانه" ص 40، "تهذيب اللغة" (سلف) 12/ 431، "الدر المصون" 6/ 104، "اللسان" (سلف) 9/ 159، "البحر المحيط" 8/ 23.]]
وذكر الليث: سلُف بضم اللام يسلُفُ سُلُوفًا فهو سليف، أي تقدم [[انظر: "كتاب العين" (سلف) 7/ 258.]]، قال الفراء والزجاج: يقول جعلناهم متقدمين ليتعظ بهم الآخرون [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 36، "معاني القرآن" للزجاج 4/ 416.]].
وقال ابن عباس: يريد مضوا إلى النار [[ذكر ذلك السمرقندي في "تفسيره" 3/ 210 ونسبه لقتادة.]].
وقال مجاهد وقتادة: جعلناهم سلفًا لكفار أمة محمد -ﷺ- إلى النار [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 85، "الماوردي" 5/ 232، "الثعلبي" 10/ 87 ب.]]، وأكثر القراء قرؤوا ﴿سَلَفًا﴾ بالفتح، وهو جمع سالف كما ذكرنا.
قال أبو علي: وفَعَل قد جاء بحروف يراد به الكثرة، وكأنه اسم من أسماء الجمع كقولهم: خادِم وخَدَم، وطالب وطَلَب، وحارِس وحرَس، وحكى أحمد بن يحيى: رائِح وَرَوح.
وقرأ حمزة والكسائي (سُلُفًا) بالضم، وهو جمع سليف من سلُف بضم اللام [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 115.]]. ذكره الفراء والزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 36، "معاني القرآن" للزجاج 4/ 416.]]، وقال المبرد: سُلُف يمكن أن يكون جمع سَلَفٍ كقولك: أَسَد وأُسُد، ووثَن ووُثن، وزاد أبو علي: ومما لحقته هاء التأنيث، من هذا: خشبة وخشب، وبدنة وبدن [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 152، "الدر المصون" 6/ 104.]].
وقوله: ﴿وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾. قال ابن عباس ومقاتل: يريد عظة لمن بقي بعدهم [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 85، "تفسير مقاتل" 3/ 798.]] وآية وعبرة، والمعنى: أن حال غيرهم من المشركين يقاس بحالهم ويجروا مجراهم إذا ماتوا على الطغيان. قال أبو علي: والمثل واحد يراد به الجمع، ومن ثم عطف على سلف، ويدلك على وقوعه أكثر من واحد. قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ﴾ [النحل: 75]، فأوقع لفظ الإفراد على التثنية، وكذلك أفرد في موضع التثنية فيما أنشد سيبويه:
وَسَاقِيَيْنِ مِثْلِ زَيْدٍ وجُعَلْ [[هذا صدر البيت وعجزه:
سقبان ممشوقان مكنوزا العضل
انظر: "الكتاب" 2/ 17، "شرح أبيات" سيبويه ص 95، "الحجة" 6/ 153.]]
وقد جمع المثل في قوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ﴾ [الحشر: 21] وقوله: ﴿ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: 38]، وأفرد في قوله [[انظر: "الحجة" 6/ 153.]]: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: 140].
43:57Page 493
۞ وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوۡمُكَ مِنۡهُ يَصِدُّونَ ٥٧
And when the son of Mary was presented as an example,1 immediately your people laughed aloud.
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد لما ذكر عيسى، وقدرة الله تعالى فيه وخلقه إياه من غير ذكر، وما كان يفعل من إحياء الموتى وغير ذلك إذا قومك منه يصدون يريد: يضجون كضجيج الإبل بالأثقال [[ذكر ذلك القرطبي في "الجامع" 16/ 103.]].
وقال مجاهد في هذه الآية: قالوا إنما يريد محمدٌ أن نعبده كما عبدَ قومُ عيسى عيسى [[أخرج ذلك الطبري عن مجاهد. انظر: 13/ 85، ونسبه الماوردي لمجاهد 5/ 233، ونسبه القرطبي لمجاهد 16/ 102.]].
وقال قتادة: لما ذكر عيسى بن مريم جزعت قريش من ذلك وقالوا: ما يريد محمد إلا أن يصنع به كما صنعت النصارى بعيسى ابن مريم [[انظر: "تفسير الطبري" فقد أخرجه عن قتادة 13/ 85، ونسبه الماوردي لقتادة 5/ 133، وكذلك نسبه القرطبي لقتادة 16/ 102.]]. هذا قول هؤلاء، وأريد بهذا المثل قوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 59]، وهي مذكورة في آل عمران بعد ما ذكرت أحوال عيسى، وما أظهر الله على يده من المعجزات ومعنى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ لما شبه عيسى في إحداث الله إياه من غير فحل بآدم أو خلق من غير أب ولا [آدم] [[كذا رسمها في الأصل، ولعل الصواب (ولا أم).]] إذا قومك منه يصدون، أي يضجون ويقولون: ما يريد محمد إلا أن نعبده [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 85]]، والمعنى على أنهم لما سمعوا ذكر عيسى ظنوا أن محمدًا إنما يذكره بأوصافه ليصنع به قومه ما صنع قوم عيسى بعيسى فلذلك ضجوا.
وفي: ﴿يَصِدُّونَ﴾ قراءتان: ضم الصاد وكسرها. قال الأخفش والكسائي: هما لغتان قريبتان لا تختلفان في المعنى، ونحو ذلك ذكر الفراء، قال الزجاج: ومعناهما جميعًا يضجون [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 690، "معاني القرآن" للفراء 3/ 36، "معاني القرآن" للزجاج 4/ 416، "معاني القرآن" للنحاس 6/ 376.]]. قال: ويجوز أن يكون معنى المضمومة يعرضون [[هذا تابع لقول الزجاج في "معاني القرآن" 4/ 416.]].
قال الأزهري: وإذا كان بمعنى يضجون [[يقال: أضَجَّ القوم اضجاجًا إذا صاحو وجَلَّبُوا، فإذا جزعوا من شيء وغُلِبُوا قيل: ضجُّوا يَضِجُّون. انظر: "تهذيب اللغة" (ضج) 10/ 447.]]، فالوجه الكسر في يصدون، وبه قرأ ابن عباس وفسره يضجون [[انظر: "تهذيب اللغة" (صد) 12/ 104، "حجة القراءات" ص 652.]].
واختاره أبو عبيدة قال: ونرى مَنْ ضمها أراد الصدود عن الحق ولو كان من هذا القبيل [..] [[كذا في الأصل وقد سقط لفظ: (لكان).]] ﴿عَنْهُ﴾ يصدون ولم يكن ﴿مِنْهُ﴾ ولكنه عندنا على ما فسره ابن عباس يضجون.
وقال أبو عبيدة: يصدون يضجون، ومن ضمها أراد يعدلون [[انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 205.]] ويريغون [[قال الليث: الرَّوّاغ: الثعلب، وهو أروَغُ من ثعلب، وطريق رائغ مائل، وراغَ فلانُ إلى فلانٍ إذا مال إليه سرًّا. انظر: كتاب: العين (روغ) 4/ 445، "تهذيب اللغة" (راغ) 8/ 186.]] وأما تعلق أبي عبيدة بقوله: (منه) ولم يقل عنه، فذلك لا يدل على ترجيح الكسر؛ لأن من ذهب في (يصدون) إلى الضم بمعنى: يعدلون، كان المعنى إذا قومك منه، أي: من أجل المثل يصدون، ولم يصل يصد بـ (من) ومن قرأ بالكسر جعل (من) متصلة به كما تقول: ضج من كذا، وذكر ذلك أبو علي [[انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 155.]].
وذكر أكثر المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 86، "الثعلبي" 10/ 87 ب، "تفسير مقاتل" 3/ 799.]] أن هذه الآية نزلت في مجادلة ابن الزبعرى مع النبي -ﷺ- لما نزل قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ [الأنبياء: 98] وقد ذكرنا تلك القصة، وهذا قول ابن عباس في رواية الكلبي ومقاتل [[أخرج ذلك الواحدي في "أسباب النزول" عن ابن عباس، انظر: "أسباب النزول" ص 397، وأورده مقاتل في "تفسيره" بدون سند، انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 798، وأورده السيوطي في "لباب النقول وعزاه" لأحمد والطبراني، انظر: "لباب النقول" ص 189، وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد وعزاه" لأحمد والطبراني قال: وفيه عاصم بن بهدلة وثقه أحمد وغيره وهو سيء الحفظ وبقية رجاله رجال الصحيح، انظر: "مجمع الزوائد" 7/ 104. وملخص القصة: قال ابن عباس: أراد به مناظرة عبد الله بن الزبعرى مع النبي -ﷺ- في شأن عيسى وأن الضارب لهذا المثل هو عبد الله بن الزبعرى السهمي حالة كفره لما قالت له قريش إن محمداً يتلوا: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ الآية، فقال: لو حضرته لرددت عليه. قالوا: وما كنت تقول له، قال: كنت أقول له هذا المسيح تعبده النصارى، واليهود تعبد عزيرًا أفهما من حصب جهنم؟، فعجبت قريش من مقالته ورأوا أنه قد خصم، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ ولو تأمل ابن الزبعرى الآية، ما أعترض عليها؛ لأنه قال: ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ ولم يقل ومن تعبدون. انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 103.]]، وعلى هذا القول: معنى ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ قال مقاتل: ولما وصف ابن مريم شبهًا في العذاب في الآلهة أي: فيما قالوه وعلى زعمهم لأن الله لم يذكر في تلك الآية عيسى ولم يرده بقوله: ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أو إنما أراد أوثانهم ولكنهم ألزموه عيسى جدلاً وعتبًا، ومعنى: (يضجون) على هذا القول صحيح الجدال والمخاصمة أو صحيح السرور، حيث ظنوا أنهم خصموه بتسويتهم بينه وبين آلهتهم، فقد قال بعض المفسرين: يضجون، ولا يتوجه الاعتراض على هذا القول، ويدل على صحة هذا القول الثاني في الآية.
43:58Page 493
وَقَالُوٓاْ ءَأَٰلِهَتُنَا خَيۡرٌ أَمۡ هُوَۚ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلَۢاۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٌ خَصِمُونَ ٥٨
And they said, "Are our gods better, or is he?"1 They did not present it [i.e., the comparison] except for [mere] argument. But, [in fact], they are a people prone to dispute.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ وذلك أنهم قالوا رضينا أن تكون آلهتنا بمنزلة عيسى، فإن كان عيسى في النار بأنه يعبد من دون الله فكذلك آلهتنا، هذا معنى قول مقاتل، فقال الله تعالى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ قال مقاتل: ما وصفوا لك ذكر عيسى إلا ليجادلوك به [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 799.]].
وقال أبو إسحاق: طلب المجادلة لأنهم قد علموا أن المعني في حصب جهنم أصنامهم [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 416.]].
وقال أبو علي: ما ضربوه إلا إرادة للمجادلة؛ لأنهم قد علموا أن المراد لحصب جهنم ما اتخذوه من الموات [[انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 154.]]، وعلى القول الأول في الآية الأولى قوله: ﴿أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ يعنون محمدًا -ﷺ-، قاله قتادة [[أخرج ذلك الطبري عن قتادة. انظر: "تفسيره" 13/ 88، "تفسير الماوردي" 5/ 234، ونسبه القرطبي لقتادة. انظر: "الجامع" 16/ 104.]]. والمعنى: أنهم يقولون: آلهتنا خير أم [[كذا في الأصل، ولعله قد سقط لفظ (محمد).]] فنحن لا ندع عبادتها لعبادة محمد -ﷺ- وهو سؤال تقرير أن آلهتهم خير.
قوله تعالى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ أي ما قالوا لك هذا القول إلا طلبًا للخصومة منه، ثم ذكر أنهم أصحاب خصومة، فقال: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ الخَصِم الشديد الخصومة، وكذلك الجَدِل [[انظر: "تفسير الماوردي" 5/ 234، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 104.]]، والقول الثاني أظهر وسياق الآيات عليه أدل وهو قوله:
43:59Page 493
إِنۡ هُوَ إِلَّا عَبۡدٌ أَنۡعَمۡنَا عَلَيۡهِ وَجَعَلۡنَٰهُ مَثَلٗا لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٥٩
He [i.e., Jesus] was not but a servant upon whom We bestowed favor, and We made him an example for the Children of Israel.
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ قال ابن عباس: يريد ليس بولد ولا إله، إنما هو عبد أنعمنا عليه، خلقته من روحي وكلمتي، وقال مقاتل: أنعمنا عليه بالنبوة [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 799، ولم أقف على قول ابن عباس.]].
﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، قال الكلبي: معتبرًا [[انظر: "تنوير المقباس" ص 793.]].
وقال مقاتل: يعني أنه وغيره ليعتبروا حين [ولده] [[كذا رسمها في الأصل ولعل الصواب (ولد)، انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 799، 800.]] من غير أب.
وقال قتادة: آية لبني إسرائيل [[انظر: "تفسير أبي الليث" 3/ 211، "تفسير مقاتل" 3/ 800، "الطبري" 13/ 89.]].
والمعنى: أنهم يعرفون به قدرة الله فيعلمون أن من قدر على خلق ولد من غير أب قادر على ما يشاء، فهو مثل لهم يشبهون به ما يرون من أعاجيب صنع الله تعالى، ثم [خاطبهم] [[كذا في الأصل، ولعل الصواب (خاطب).]] كفار مكة فقال:
43:60Page 493
وَلَوۡ نَشَآءُ لَجَعَلۡنَا مِنكُم مَّلَٰٓئِكَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَخۡلُفُونَ ٦٠
And if We willed, We could have made [instead] of you angels succeeding [one another]1 on the earth.
﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً﴾ أي لو نشاء لأهلكناكم ولجعلنا بدلكم ملائكة ﴿فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ يكونون خلفًا منكم، قاله الكلبي [[انظر: "تنوير المقباس" ص 493.]]، وقال قتادة: يخلف بعضهم بعضًا مكان ابن آدم، وقال محمد: يعمرون الأرض بدلاً منكم، وقول قتادة معنى قول ابن عباس في رواية عطاء قال: كما جعلت في ولد آدم أمة بعد أمة، وقومًا بعد قوم خلفًا من قوم [[أخرج الطبري قول قتادة، وأخرج القول الثالث عن مجاهد. انظر: "تفسيره" 13/ 89، وأورد الماوردي قول الكلبي ونسبه للسدي. انظر: "تفسيره" 5/ 235، وأورد القرطبي قول قتادة، ونسبه لابن عباس. انظر: "الجامع" 16/ 105.]].
قال الأزهري: و (من) قد يكون للبدل كقوله: لجعلنا منكم، يريد بدلاً منهم [[انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (خلف) 7/ 400.]]، ونحو هذا قال مجاهد وقتادة ومقاتل [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 89، "تفسير مقا تل" 3/ 800، "الماوردي" 5/ 235.]].
43:61Page 494
وَإِنَّهُۥ لَعِلۡمٞ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمۡتَرُنَّ بِهَا وَٱتَّبِعُونِۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٦١
And indeed, he [i.e., Jesus] will be [a sign for] knowledge of the Hour, so be not in doubt of it, and follow Me.1 This is a straight path.
ثم رجع إلى ذكر عيسى فقال قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ قال ابن عباس والمفسرون: يعني نزول عيسى من السماء من أشراط الساعة وأهوالها، ويكون التقدير على هذا ظهوره أو نزوله.
وروي عن الحسن وقتادة أنهما قالا: الكناية في (وإنه) تعود إلى القرآن، يدل على مجيء الساعة، أو به يعلم أحوال الساعة وأهوالها [[أخرج الطبري 13/ 90، 91 القولين، والأول عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي، وأخرج القول الأول الثعلبي 10/ 88 ب، وذكر القولين الماوردي 5/ 235، وأورد القولين القرطبي 16/ 105، ونسب الأول لابن عباس ومجاهد والضحاك والسدي، ونسب الثاني للحسن وقتادة وسعيد بن جبير.]]، وقوله: ﴿لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ قال ابن قتيبة: يُعلم به قرب الساعة [[انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 400.]].
﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ قال ابن عباس: لا تكذبوا بها [[ذكر ذلك البغوي 7/ 220 عن ابن عباس. انظر: "تفسيره" 7/ 220، ونسبه في "الوسيط" 4/ 79 لابن عباس. انظر: 4/ 79.]]، وقال مقاتل: لا تشكوا في الساعة [[انظر: "تفسير البغوي" 7/ 220، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 107 وقد نسب قول ابن عباس للسدي، "تفسير متقاتل" 3/ 800.]]، وقول ابن عباس جيد؛ لأن الامتراء يوصل بفي، يقال: امترى فيه، كقوله: ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: 34]، وهاهنا وصل بالباء لأنه بمعنى التكذيب، ومن شك في شيء فقد كذب به ﴿وَاتَّبِعُونِ﴾، قال مقاتل: على التوحيد [[انظر: "تفسير البغوي" 7/ 220، "زاد المسير" 7/ 326، فقد ذكرا قول مقاتل من غير نسبة ولم أجد هذا القول له في "تفسيره" 3/ 800.]]، ﴿هَذَا﴾ قال ابن عباس: يريد الذي أنا عليه [[ذكر ذلك البغوي ولم ينسبه، وكذلك ذكره في "الوسيط" 4/ 79 ولم ينسبه.]] ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ من دين إبراهيم.
43:62Page 494
وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُۖ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٦٢
And never let Satan avert you. Indeed, he is to you a clear enemy.
No commentary for this ayah
43:63Page 494
وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ قَالَ قَدۡ جِئۡتُكُم بِٱلۡحِكۡمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي تَخۡتَلِفُونَ فِيهِۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ٦٣
And when Jesus brought clear proofs, he said, "I have come to you with wisdom [i.e., prophethood] and to make clear to you some of that over which you differ, so fear Allāh and obey me.
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ قال قتادة ومقاتل: يعني الإنجيل [[أخرج الطبري 13/ 92 قول قتادة، "تفسير الماوردي" 5/ 236، وانظر: "تفسير مقاتل" 3/ 800.]].
﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ مذهب أبي عبيدة أن بعض هاهنا بمعنى الكل [[انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 205، وأورد الطبري 13/ 92 هذا القول قال: وقيل إن معنى البعض في هذا الموضع بمعنى الكل، واستشهد ببيت من الشعر للبيد وهو قوله:
ترَّاك أمكنةٍ إذا لم أرضها ... أو يعتلق بعض النفوس حمامها]]، وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر: 28] وعلى هذا المعنى، ولأبين لكم ما تختلفون فيه، قال ابن عباس: يعني ما تختلفون فيه، يعني أحكام التوراة [[ذكر ذلك في "الوسيط" ونسبه لمجاهد، وذكر عن ابن عباس: ما تختلفون فيه من أمري وأمر دينكم انظر: "الوسيط" 4/ 81.]]، وقال السدي: يعني اختلاف الفرق الذين تحزبوا في أمر عيسى، وقيل: لأبين لكم أمر دينكم دون أمر دنياكم [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 92، "تفسير البغوي"، وقد نسب قول السدي لقتادة 7/ 220 وقال الطبري: (كان بينهم اختلاف كثير في أسباب دينهم ودنياهم)، فقال لهم: أبين لكم بعض ذلك، وهو أمر دينهم دون ما هم فيه مختلفون من أمر دنياهم، فلذلك خص ما أخبرهم أنه يبينه لهم.]]، وعلى هذه الأقوال ليس المراد بالبعض الكل.
وقال مقاتل: هذا كقوله: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: 50] [قد مر] [[كذا في الأصل، ولعله قد سقط حرف الواو.]] فذكر في تفسير هذه الآية ما أحل لهم في الإنجيل مما كان محرمًا عليهم في التوراة كاللحوم من الإبل، والشحوم من كل حيوان، وصيد السمك في يوم السبت [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 800.]].
وقال أبو إسحاق: الذي جاء به عيسى في الإنجيل إنما هو بعض الذي اختلفوا فيه، وبين لهم في غير الإنجيل ما احتاجوا إليه [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 418.]]، وما بعد هذا مفسر فيما مضى [[لعله في سورة مريم عند قوله: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ آية: 37، وفي سورة الأحزاب عند قوله: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ آية: 20.]]، إلى قوله:
43:64Page 494
إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٦٤
Indeed, Allāh is my Lord and your Lord, so worship Him. This is a straight path."
No commentary for this ayah
43:65Page 494
فَٱخۡتَلَفَ ٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَيۡنِهِمۡۖ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡ عَذَابِ يَوۡمٍ أَلِيمٍ ٦٥
But the denominations from among them differed [and separated], so woe to those who have wronged from the punishment of a painful Day.
No commentary for this ayah
43:66–67Page 494
هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأۡتِيَهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٦٦
Are they waiting except for the Hour to come upon them suddenly while they perceive not?
ٱلۡأَخِلَّآءُ يَوۡمَئِذِۭ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلۡمُتَّقِينَ ٦٧
Close friends, that Day, will be enemies to each other, except for the righteous
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ﴾ قال ابن عباس: هل يرتقبون إلا القيامة [[ذكر ذلك في "تفسير الوسيط" 4/ 80 ولم ينسبه.]]. يعني أنها تأتيهم لا محالة بغتة، فكأنهم يرتقبونها وإن كانوا أمواتًا، فهم يرقبونها لأنه من يكفر بالبعث والقيامة إذا مات، علم أنه حق فهو يرتقبها، ولكن لا يدري متى تفجأه فهو قوله: ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (66) الْأَخِلَّاءُ﴾ في الدنيا، ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني في الآخرة ﴿بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يعني أن الخلة إذا كانت على المعصية والكفر صارت عداوة يوم القيامة ﴿إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ يعني الموحدين المؤمنين الذين يخال بعضهم بعضًا على الإيمان والتقوى، فإن خلتهم لا تصير عداوة، وهذا معنى قول المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 94، "الثعلبي" 10/ 89 أ، "الوسيط" 4/ 80.]].
43:68Page 494
يَٰعِبَادِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَ وَلَآ أَنتُمۡ تَحۡزَنُونَ ٦٨
[To whom Allāh will say], "O My servants, no fear will there be concerning you this Day, nor will you grieve,
﴿يَا عِبَادِ﴾ قال مقاتل: إذا وقع الخوف يوم القيامة نادى مناد: يا عبادي ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ﴾ يعني من العذاب. ﴿الْيَوْمَ﴾ فإذا سمع النداء رفع الخلائق رؤسهم فيقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ فينكس أهل الأديان رؤسهم غير المسلمين [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 802.]]،
قال أبو إسحاق: ﴿الَّذِينَ﴾، في موضع نصب على النعت لـ ﴿عِبَادى﴾ لأن [..] [[كذا في الأصل، وقد سقط لفظ ﴿عِبَادِى﴾ وهي كذلك مثبتة عند الزجاج.]] منادى مضاف [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 419.]].
43:69–70Page 494
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ مُسۡلِمِينَ ٦٩
[You] who believed in Our verses and were Muslims.
ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ أَنتُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ تُحۡبَرُونَ ٧٠
Enter Paradise, you and your kinds,1 delighted."
قال النحاس وصاحب النظم وأبو حاتم [[لم أقف على أقوال هؤلاء وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 119، "الدر المصون" 6/ 106.]]: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ابتداء، وخبره مضمر على تقدير يقال لهم: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾، أو يكون الخبر ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾ ويجوز أن يكون التقدير: هم الذين آمنوا بآياتنا.
وقال صاحب النظم: وعلى كلا الوجهين دليل في الفصل، فقوله: ﴿وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ دليل لمن جعل (الذين) منتظمًا بالآية الأولى؛ لأن آخر الكلام وأوله خطاب.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences