Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:28–32
5:28Page 112
لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقۡتُلَنِي مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٖ يَدِيَ إِلَيۡكَ لِأَقۡتُلَكَۖ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٨
If you should raise your hand toward me to kill me - I shall not raise my hand toward you to kill you. Indeed, I fear Allāh, Lord of the worlds.
قوله تعالى: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ الآية.
يقال في هذا: لِمَ لَمْ يدفع ابن آدم أخاه عن نفسه وإن أدّى إلى قتله؟
قيل: معناه: لئن بدأتني بالقتل فما أنا الذي أبدؤك بالقتل [[انظر: "زاد المسير" 2/ 334.]].
وهذا يُروى عن ابن عباس [[أخرج الطبري في "تفسيره" من طريق العوفي عنه في هذه الآية ما أنا بمنتصر، ولأمسكن يدي عنك. "جامع البيان" 6/ 191 - 192.]] وحُذيفة [[لم أقف عليه.]].
وقال الحسن ومجاهد: إنه كتب عليهم: إذا أراد الرجل قتل رجل تركه، ولم يمتنع منه [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 192، وذكره البغوي في "تفسيره" 3/ 43، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 136.]].
وقال أهل العلم: الدافع عن نفسه يدفع بالأيسر فالأيسر، وليس له أن يقصد القتل، بل يقصد الدفع، ثم إن أتى الدفع على القاتل ولم يمكنه الدفع إلا بقتله جاز ذلك، فمن قصد قتل رجل ظُلمًا فالمقصود إن أراد أن يستسلم للقتل جاز له ذلك [[انظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 136، وقال القرطبي في "تفسيره": وفي وجوب ذلك [أي الدفع] عليه خلاف، والأصح وجوب ذلك، لما فيه من النهي عن المنكر.]].
وكذلك فعل عثمان -رضي الله عنه- [[حينما ترك الدفاع عن نفسه في فتنة قتله -رضي الله عنه- انظر ابن كثير في "تفسيره" 2/ 50.]]، وكذلك أمر رسول الله ﷺ [[الصلاة على النبي ﷺ ليست في (ج).]] محمد بن مسلمة [[هو أبو عبد الرحمن محمد بن مسلمة بن خالد بن عدي الأوسي الأنصاري == صحابي فاضل، شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها إلا تبوك، واعتزل الفتنة بعد قتل عثمان -رضي الله عنه- مات بالمدينة سنة 46 هـ وقيل بعدها. انظر: " الاستيعاب" 3/ 433، "أسد الغابة" 5/ 112، "الإصابة" 3/ 383.]]، فقال له: "أَلْقِ كُمَّك على وجهك وكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل" [[لم أقف عليه عن محمد بن مسلمة -رضي الله عنه- بهذا اللفظ. وقد أخرج معناه عنه ابن الأثير في "أسد الغابة" 5/ 113، وانظر: "الإصابة" 3/ 383.
والحديث له شاهد من حديث خالد بن عرفطة -رضي الله عنه- قال: قال لي رسول الله ﷺ: "يا خالد إنها ستكون بعدي أحداث وفتن واختلاف، فإن استطعت أن تكون عبد الله المقتول لا القاتل فافعل".
أخرجه الإِمام أحمد في "مسنده" 5/ 292، والحاكم في "مستدركه" 4/ 517، وله شاهد آخر من حديث خباب -رضي الله عنه- عند أحمد 5/ 110.]].
وإن أراد أن يدفع القاتل وجب أنْ يَقصد الدفع ولا يقصد القتل، ألا ترى أن ابن آدم قال: ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾، فبان أن بسط اليد لقتل القاصد للقتل لا يجوز.
وقال عبد الله بن عمرو في هذه الآية: والله إن كان المقتول لأشد الرجلين، ولكن منعه التحرج أن يبسط يده لأخيه [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 191، وانظر ابن كثير في "تفسيره" 2/ 50، "الدر المنثور" 2/ 484.]].
5:29Page 112
إِنِّيٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثۡمِي وَإِثۡمِكَ فَتَكُونَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُاْ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٩
Indeed, I want you to obtain [thereby] my sin and your sin so you will be among the companions of the Fire. And that is the recompense of wrongdoers."
قوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾.
قد مضى الكلام في معنى: باء [[عند قوله تعالى: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 61].]].
قال ابن عباس والحسن وقتادة وابن مسعود: تحتمل إثم قتلي وإثمك الذي كان منك قبل قتلي [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 192 - 193، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 30، والبغوي في "تفسيره" 3/ 43، "زاد المسير" 2/ 335.]].
وقال الزجاج: ترجع إلى الله بإثم قتلي وإثمك الذي من أجله لم يتقبل قربانك [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 167، وانظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 137.]].
قال ابن الأنباري: وإنما فصل الإثمين وهما على واحد لاختلاف سببهما [[لم أقف عليه.]].
فإن قيل: كيف قال ابن آدم: إني أريد أن تبوء بالإثمين فجاز أن يريد منه الإثم، وليس للإنسان أن يريد معصية الله من غيره كما ليس له أن يريدها من نفسه؟
والجواب: عن هذا من وجوه: أحدها ما ذكره ابن الأنباري، وهو أن قابيل لما قال لأخيه: ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾، وعظه هابيل وذكره الله واستعطفه، وقال: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ﴾ الآية، فلما رآه هابيل قد صمم وأخذ له الحجارة يرميه بها، قال له عند الضرورة: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ أي إذا قتلتني ولم يندفع قتلك إياي إلا بقتلي إياك فمحبتي أن يلزمك إثم قتلي إذا قتلتني، فكان هذا عدلًا من هابيل [[لم أقف على قول ابن الأنباري، وقد ذكر ابن الجوزي له قولاً خلافه. انظر: "زاد المسير" 2/ 336، 337.]].
وإلى هذا أشار الزجاج فقال: أي إن قتلتني فأنا مريد ذلك [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 167]].
فهذه الإرادة منه بشرط أن يكون قاتلا له، والإنسان إذا تمنى أن يكون إثم دمه على قاتله لم يلم على ذلك [[انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 193، والبغوي في "تفسيره" 3/ 43.]].
وهذا التأويل قال بعضهم معناه: إني أريد أن ترو بعقاب إثمي وإثمك، ثم حذف المضاف، ومن باء بإثم باء بعقاب ذلك الإثم [[انظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 138.]].
وقوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ قال عطاء: يريد إن جهنم جزاء من قتل أخاه وظلمه [[لم أقف عليه.]].
5:30Page 112
فَطَوَّعَتۡ لَهُۥ نَفۡسُهُۥ قَتۡلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٣٠
And his soul permitted to him1 the murder of his brother, so he killed him and became among the losers.
قوله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾.
قال الفراء: فتابعته نفسه وطاوعته [[في "معاني القرآن" 1/ 305: فتابعته، وانظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2153 (طاع)، "زاد المسير" 2/ 337.]].
وقال المبرد: (طوعت [[ما بين القوسين ساقط من (ج).]]) فعّلت، من الطَّوع [["معاني الزجاج" 2/ 167، "تهذيب اللغة" 3/ 2153 (طاع). وانظر: "زاد المسير" 2/ 337.]].
وقال أبو عبيد: قال حدثنا يزيد [[يزيد بن هارون بن زاذان السلمي الواسطي، تقدمت ترجمته.]]، عن ورقاء [[هو أبو بشر ورقاء بن عمر بن كليب اليشكري الكوفي الإِمام الثقة الحافظ العابد المقرئ، قال ابن معين: تفسير ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أحب إلي من تفسير قتادة. مات -رحمه الله- بعد سنة 160 هـ.
انظر: "مشاهير علماء الأمصار" ص 175، "سير أعلام النبلاء" 7/ 419، "غاية النهاية" 2/ 358.]]، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾ قال: شجعته [[الأثر بسنده من "تهذيب اللغة" 3/ 2153 (طاع)، وهو في "تفسير مجاهد" 1/ 193، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 195.]].
قال أبو عبيد: عنى مجاهد أنها أعانته على ذلك وأجابته إليه. ولا أرى أصله إلا من الطواعية [["تهذيب اللغة" 3/ 2153 (طاع).]].
قال الأزهري: والأشبه عندي أن يكون معنى: (طوعت) سمحت وسهّلت له نفسه (قتل أخيه) أي جعلت نفسه قتل أخيه سهلًا وهوّنته [["تهذيب اللغة" 3/ 2153، (طاع)، وانظر البغوي في "تفسيره" 3/ 43.]].
وتقدير الكلام: فصورت له نفسه أن قتل أخيه طوعٌ له سهلٌ عليه، فينتصب القتل على هذا من غير إضمار ولا حذف [[في (ش): (حرف).]] خافض.
واختار الزجاجي هذا الوجه فقال: طوّع فعل من طَاع الشيء يطوع إذا سهُل وانقاد، و ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ أي سهلت الأمر فيه عليه [[لم أقف عليه. انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2153 (طاع)، والبغوي في "تفسيره" 3/ 43.]].
وأما قول [[في (ش): (وأما على قول).]] الفراء والمبرد فانتصاب قوله: ﴿قَتْلَ أَخِيه﴾ على إفضاء الفعل إليه بعد حذف الخافض، كأنه قيل [[في (ش): (قتل).]]: فطوعت له نفسه أن انقادت في قلت أخيه ولقتل أخيه، فحذف الخافض وأفضى الفعل إليه فنصبه [[انظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 138.]]. هذا كلام أهل اللغة.
وأما المفسرون فقال ابن عباس في رواية عطاء: فسولت له نفسه قتل أخيه [[لم أقف عليه.]].
وقال قتادة: زينت له نفسه [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 195، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 429.]].
وقال يمان [[يمان بن رئاب، تقدمت ترجمته.]]: سهلت له ذلك [[انظر: "الوسيط" 3/ 857، والبغوي في "تفسيره" 3/ 43، وهذا اختيار الأزهري كما تقدم، مع أن الأقوال متقاربة من حيث المعنى.]].
وقال عبد العزيز بن يحيى [[لعله عبد العزيز بن يحيى بن عبد العزيز الكناني المكي الذي ناظر بشرًا المريسي في نفي خلق القرآن، وينسب إليه كتاب "الحيدة" في ذلك واستبعد الذهبي هذه النسبة، كان من فقهاء الشافعية، وذكر أنه صَحِب الشافعي مدة ولم يذكر تاريخ وفاته.
انظر: "طبقات الفقهاء" للشيرازي ص 14، "ميزان الاعتدال" 3/ 353، "طبقات الشافعية" للإسنوي 1/ 41.]]: أجابته إلى ذلك [[لم أقف عليه.]].
وقال الكلبي: تابعته نفسه على قتل أخيه [[لم أقف عليه. وقد نسبه ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 337 إلى ابن عباس.]].
وقوله تعالى: ﴿فَقَتَلَهُ﴾.
قال المفسرون: لم يدر قابيل كيف يقتل هابيل، فتمثل له إبليس وأخذ طيرًا فوضع رأسه على حجر ثم شدخ رأسه بحجر آخر، وقابيل ينظر فعلّمه القتل، ثم وجد قابيل أخاه هابيل يومًا نائمًا، فرفع صخرة، فشدخ رأسه فمات [[أخرجه بنحوه عن ابن جريج: الطبري في "تفسيره" 6/ 195، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 429، "النكت والعيون" 2/ 30، والبغوي في "تفسيره" 3/ 43، "زاد المسير" 2/ 337، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 51.]].
وروى مسروق عن عبد الله [[ابن مسعود رضي الله عنه.]] عن رسول الله ﷺ قال: "لا تقتل نفس ظلمًا إلا كان عى ابن آدم كفل من دمها، وذلك أنه أول من سن القتل" [[أخرجه البخاري (3335) كتاب الأنبياء، باب (1): خلق آدم وذريته 4/ 104، ومسلم (1677) كتاب القسامه، باب (7): بيان إثم من سن القتل 3/ 1303 (ح 27) والمؤلف في "الوسيط" 3/ 858.]].
وجاء رجل إلى علي بن أبي طالب فقال: يا أمير المؤمنين من اللذان يقول الله لهما: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [فصلت: 29]؟ فقال علي: هو إبليس وابن آدم الذي قتل أخاه، كانا أول من عمل بالمعصية [[أخرجه بمعناه الطبري في "تفسيره" 6/ 195 (الطبعة غير المحققة)، والحاكم 2/ 312، وصححه ووافقه الذهبي، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 488.]].
وقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: 30].
قال ابن عباس: يريد خسر دنياه وآخرته، أما الدنيا فأسخط والديه وبقي بلا أخ، وأما الآخرة فأسخط ربه وصار إلى النار [[انظر: "الوسيط" 3/ 857، "زاد المسير" 2/ 338، "البحر المحيط" 3/ 465.]].
قال المفسرون: إن قابيل لما قتل أخاه هرب إلى عدن من أرض اليمن، فأتاه إبليس وقال له: إنما أكلت النار قربان هابيل؛ لأنه كان يخدم النار ويعبدها، فانصب أنت أيضًا نارًا تكون لك ولعقبك، فبنى [[في (ج): (فبنا).]] بيت نار، فهو أول من نصب النار وعبدها [[جاء ذلك في أثر طويل رُوي عن ابن عباس. انظر البغوي في "تفسيره" 3/ 45، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 139]].
5:31Page 112
فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابٗا يَبۡحَثُ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُرِيَهُۥ كَيۡفَ يُوَٰرِي سَوۡءَةَ أَخِيهِۚ قَالَ يَٰوَيۡلَتَىٰٓ أَعَجَزۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِثۡلَ هَٰذَا ٱلۡغُرَابِ فَأُوَٰرِيَ سَوۡءَةَ أَخِيۖ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلنَّٰدِمِينَ ٣١
Then Allāh sent a crow searching [i.e., scratching] in the ground to show him how to hide the disgrace1 of his brother. He said, "O woe to me! Have I failed to be like this crow and hide the disgrace [i.e., body] of my brother?" And he became of the regretful.
قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية.
قال المفسرون: إن قابيل لما قتل أخاه تركه بالعراء، ولم يدر ما يصنع؛ لأنه كان أول ميت على وجه الأرض من بني آدم، فقصده السباع، فحمله في جراب على ظهره حتى أَرْوح، فبعث الله غُرابًا يبحث في الأرض [[أخرجه بمعناه عن ابن عباس وغيره: الطبري في "تفسيره" 6/ 197، وانظر البغوي في "تفسيره" 3/ 44، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 52.]].
قال ابن عباس: وكان غرابين اقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه، وقابيل ينظر، ثم بحث في الأرض حتى جعل له حفرة فدفنه فيها، ففعل قابيل مثل ما فعل الغراب [[بمعناه في "تفسيره" ص 176، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 197 من طرق، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 489.]].
قال ابن قتيبة: وهذا مختصر، والتقدير: فبعث الله غُرابًا يبحث في الأرض على غراب ميت [["تأويل مشكل القرآن" ص 231، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 198، "معاني الزجاج" 2/ 167.]].
قال الضحاك: ﴿يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾ يثير التراب من الأرض [[لم أقف عليه، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 198.]].
﴿لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾. أي: جيفته، وقيل: عورة أخيه [[انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 199، "النكت والعيون" 2/ 30، "زاد المسير" 2/ 338.]].
وقوله تعالى: ﴿يَا وَيْلَتَا﴾.
قال الزجاج: المعنى يا ويلتا تعالي، فإنه من إبّانك [[أي من وقتك أو زمن حاجتك.]]، أي: قد لزمني الويل، وكذلك: يا عجبًا، المعنى: يا أيها العجب هذا وقتك. قال: والوقت في غير القرآن: يا ويلتاه [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 167 ، 168 بتصرف.]].
وذكرنا زيادة بيان في قوله: ﴿يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ﴾ [هود: 72].
وقوله تعالى: ﴿فَأُوَارِيَ﴾، عطف على: ﴿أَنْ أَكُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: 31].
حقيقة معنى الندم أنه وضع للزوم، ومنه سمي النديم نديمًا لأنه يلازم المجلس، ويقوي هذا قولهم: نادم سادم، والسدم اللهج بالشيء، يقال: سدم به، إذا أغري به ولزمه، ويقال [[في (ج): (وقال).]] لمن اهتم بالشيء الفائت: نادم سادم؛ لأن هذا الهّم ألزم للقلب من الهّم لأجل الشيء الحادث؛ لأن هذا يزول بزوال ما حدث، والفائت لا سبيل إلى رده [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3543، "اللسان" 7/ 4386 (ندم).]].
قال كثير من المفسرين: ﴿مِنَ النَّادِمِينَ﴾ على حمله والتطواف به [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 430، والبغوي في "تفسيره" 3/ 44، "زاد المسير" 2/ 339.]].
وقال آخرون: ﴿مِنَ النَّادِمِينَ﴾ على ذوات أخيه؛ لأنه لم ينتفع بقتل أخيه، وسخط عليه بسببه أبواه وإخوته، فندم لأجل ذلك، لا لأجل أنه جنى واقترف ذنبًا بقتله، فلم يكن ندمه على الوجه الذي يكون ندم التربة [[انظر: "تفسير الهواري" 1/ 464، "بحر العلوم" 1/ 430، "النكت والعيون" 2/ 31، والبغوي في "تفسيره" 3/ 44، "زاد المسير" 2/ 339.]].
5:32Page 113
مِنۡ أَجۡلِ ذَٰلِكَ كَتَبۡنَا عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا وَمَنۡ أَحۡيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحۡيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعٗاۚ وَلَقَدۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم بَعۡدَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡأَرۡضِ لَمُسۡرِفُونَ ٣٢
Because of that, We decreed upon the Children of Israel that whoever kills a soul unless for a soul1 or for corruption [done] in the land2 - it is as if he had slain mankind entirely. And whoever saves one3 - it is as if he had saved mankind entirely. And Our messengers had certainly come to them with clear proofs. Then indeed many of them, [even] after that, throughout the land, were transgressors.4
قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا﴾ الآية.
الأجل في اللغة: الجناية، يقال: أجَلَ عليهم شرًّا بأجله أجْلًا، إذا جنى عليهم جناية. ذكره ابن السكيت [[انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 125 (أجل).]]، وأبو عبيدة [[في "مجاز القرآن" 1/ 162.]]، والزجاج [[في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 168.]]، وجميع أهل اللغة، وأنشدوا:
وأهلِ خِباءٍ [[في (ش): جناء.]] صالح ذات بينهم ... قد احتَربُوا في عَاجلٍ أنا آجِلُه [[البيت لزُهير بن أبي سُلمى. انظر: "أشعار الستة الجاهليين" ص 303، "الدر المصون" 4/ 247، وينسب لخوات بن جبير كما في "معاني الزجاج" 2/ 168، "تهذيب اللغة" 1/ 125، واستشهد به أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 163، والطبري في "تفسيره" 6/ 200.]]
أي: أنا جانيه [["مجاز القرآن" 1/ 164، "معاني الزجاج" 2/ 168، "تهذيب اللغة" 1/ 125 (أجل)، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 200.]]. وفي هذا المعنى أيضًا يقال: جر عليهم جريرة، ثم يقال: فعلت ذلك من أجلك، أي من جنايتك وجريرتك، كأنه يقول: أنت جررتني إلى ذلك، وأنت جنيت علي هذا [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 162، 164، والطبري في "تفسيره" 6/ 200.]].
قال الزجاج: من جنايته ذلك [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 168.]].
وقال ابن الأنباري: من سبب ذلك. قال: ويقال: فعلت ذلك من أجلك ومن جلالك ومن جلك وجرّاك وجرائك [[لم أقف عليه عن ابن الأنباري، وانظر: "تهذيب اللغة" 1/ 125 (أجل).]].
واختلفوا في قوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾، فقال بعضهم: إنه من صلة النادمين، على معنى: فأصبح من النادمين من أجل ذلك، أي من أجل أنه حين قتل أخاه لم يواره [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 168، "النكت والعيون" 2/ 31، "زاد المسير" 2/ 340، "البحر المحيط" 3/ 468.]].
ويُروَى عن نافع أنه كان يقف على قوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾ ويجعله من تمام الكلام الأول [[انظر: "القطع والائتناف" للنحاس ص 286، والمُكتفى في "الوقف والإبتداء" ص 238، 239.]].
وعامة المفسرين وأصحاب المعاني على أن قوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾ ابتداء كلام، وليس بمتصل بما قبله [[وهذا هو الراجح. انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 200، "معاني الزجاج" 2/ 168، "إيضاح الوقوف والابتداء" 2/ 617، 618، "القطع والائتناف" ص 286، "زاد المسير" 2/ 340، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 146، "البحر المحيط" 3/ 468، "الدر المصون" 4/ 248.]].
واحتج ابن الأنباري لهذا بأن قوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾ رأس آية، ورأس الآية فصل. قال: ولأنه قد تقدم ما كشف علة الندم فاستغنى النادمون عن: (من أجل ذلك). قال: ولأن من (جعله من صلة للندم أسقط العلة للكتابة، ومن [[ما بين القوسين ساقط من (ش).]]) جعله من صلة الكتابة لا يسقط معنى الندم، إذ قد تقدم ما كشف سببه، فكان هذا أولى [[انظر: "إيضاح الوقف والابتداء" 2/ 617، 618.]].
وأما التفسير: فقال ابن عباس في رواية عطاء: بسبب قابيل قضينا على [[في (ج): (إلي).]] بني إسرائيل [[لم أقف عليه، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 113.]].
وقال الكلبي: من أجل ابني آدم حين قتل أحدهما صاحبه فرضنا على بني إسرائيل [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 113، وورد نحوه عن الضحاك، انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 200]].
﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾. قال ابن عباس: بغير قود [[لم أقف عليه بهذا اللفظ، وقد أخرج الطبري عنه في تفسير هذه الآية: يقول من قتل نفسًّا واحدة حرمتها. "جامع البيان" 6/ 200.]].
وقوله تعالى: ﴿أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾ قال الكلبي: أو شرك في الأرض [[انظر: "زاد المسير" 2/ 340، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 113.]].
وقال غيره: يعني بالفساد في الأرض أن يكون محاربًا لله ورسوله، كالذين ذكرهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية [[انظر: "النكت والعيون" 2/ 31، والبغوي في "تفسيره" 3/ 46، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 146.]].
قال الزجاج: ﴿أَوْ فَسَادٍ﴾ منسوق على نفس، المعنى: أو بغير فساد في الأرض [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 168.]].
وقوله تعالى: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
قال مجاهد: من قتل نفسًّا محرمة يَصلى النار بقتلها كما يصلاها لو قتل الناس جميعًا [[أخرجه بنحوه الطبري في "تفسيره" 6/ 202، وذكره بلفظه البغوي في "تفسيره" 3/ 46، وانظر: "زاد المسير" 2/ 340.]].
ونحو هذا قال الكلبي فقال: يعذب عليها كما أنه لو قتل الناس كلهم [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 113.]].
وقال الحسن وابن زيد: يعني أنه يجب عليه من القصاص بقتلها مثل الذي يجب عليه لو قتل الناس جميعًا [[أخرجه عن ابن زيد: الطبري في "تفسيره" 6/ 202 - 203، وذكره عنه الماورد في "النكت والعيون" 2/ 32، أما الحسن فذكره البغوي في "تفسيره" 3/ 47 وانظر: "زاد المسير" 2/ 340، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 54.]].
وحكى الزجاج: عن بعضهم أن المعنى فيه أن المؤمنين كلهم خصماء للقاتل، وقد وَتَرهم وَتر من قصد لقتلهم جميعًا [[انتهى من "معاني الزجاج" 2/ 168، 169 حسب المطبوع، فبقية الكلام يحتمل له أو للمؤلف.]]. وأوصل إليهم من المكروه مثل ما يشبه القتل الذي أوصله إلى المقتول، فأذاه إياهم كأذى رجل قتلهم كلهم.
وهذا اختيار ابن الأنباري، وزاد من عنده وجهًا آخر فقال: المقدار الذي يستحقه قاتل الناس جميعًا معلوم عند الله عز وجل محدود، (فالذي يقتل الواحد يلزمه الله ذلك الإثم المعلوم) [[ما بين القوسين مكرر في (ش).]]، والذي يقتل الاثنين يلزمه الله مثل ذلك [[انظر: "زاد المسير" 2/ 341.]].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
قال الكلبي: من عفا عن رجل قتل رجلاً خطأ وجبت له الجنة، كما لو عفا عن الناس جميعًا، وذلك أنه كتب عليهم في التوراة: أيما رجل قتل رجلاً خطأ فهو له قود إلا أن يشاء الولي أن يعفو [[انظر: "تفسير الهواري" 1/ 465، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 13.]].
وقال الحسن: عفا عن دمها وقد وجب القود عليها [["تفسير الهواري" 1/ 466، وأخرجه بمعناه الطبري في "تفسيره" 6/ 203، وانظر "النكت والعيون" 2/ 32، "زاد المسير" 2/ 243.]].
وهذا كقول الكلبي، وهو قول ابن زيد أيضًا [[أخرج الأثر عنه الطبري في "تفسيره" 6/ 203، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 32، "زاد المسير" 2/ 342.
وقال بهذا أيضًا ابن قتيبة، انظر: "غريب القرآن" ص 140.]].
وقال الزجاج: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ أي من استنقذها من غرق أو حرق أو هدم أو ما يميت لا محالة، أو استنقذها [[في (ج): (واستنقذها)، وما أثبته موافق لما في "معاني الزجاج" 2/ 169، وهو أولى.]] من ضلال ﴿فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ أي أجره على الله عزّ وجلّ أجر من أحياهم أجمعين؛ (لأنه في إسدائه [[عند الزجاج: وجائز أن يكون في إسدائه.]]) إليهم المعروف بإحيائه أخاهم المؤمن بمنزلة من أحيا كل واحد منهم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 169، وذكر نحو هذا القول عن الحسن. انظر: "تفسير الهواري" 1/ 466.]].
وروى ابن الأنباري هذا القول عن مجاهد بإسناد له [[أخرج الطبري في "تفسيره" عن مجاهد أنه قال في هذه الآية: من أنجاها من غرق أو حرق أو هلكة، وفي رواية: من غرق أو حرق أو هدم. "جامع البيان" 6/ 203، وانظر: "زاد المسير" 2/ 342.]].
وقال سعيد بن جبير: في هذه الآية: من استحل قتل نفس فهو كذلك في دماء الناس لا يتحرم لها، ومن أحياها مخافة من الله وتحرجًا من قتلها فكذلك يرى دماء الناس كلهم حرامًا [[أورده المؤلف في "الوسيط" 3/ 862، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 55.]].
وهذا كما يُروى عن قتادة والضحاك أنهما قالا في هذه الآية: عظم الله أجرها وعظم وزرها، فمن استحل قتل مسلم بغير حقه، فكأنما قتل الناس أجمعين؛ لأنهم لا يَسْلمون منه، ومن أحياها فحرمها وتورعّ عن قتلها، فكأنما أحيا الناس جميعاً لسلامتهم منه [[أخرج الأثر بمعناه عنهما الطبري في "تفسيره" 6/ 203 - 204، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 32، والبغوي في "تفسيره" 3/ 47.]].
قال أهل المعاني: قوله: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ على المجاز؛ لأن المعنى: ومن نجا بها من الهلاك، والفاعل للحياة هو الله عزّ وجلّ [[في (ش): (تعالى).]] لا يقدر عليها غيره [[انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 204.]].
وسئل الحسن عن هذه الآية فقيل: أهي كما كانت لبني إسرائيل؟ قال: إي والذي لا إله غيره وما جعل دماء بني إسرائيل (أكرم [[ساقط من (ج).]]) على الله من دمائنا [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 204، وأورده البغوي في "تفسيره" 3/ 47، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 54.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾.
قال ابن عباس: بان لهم صدق ما جاءوهم به من الفرائض والحلال والحرام [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 113.]].
وقال الكلبي: أي بالبيان في أن ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ الآية [[انظر: "زاد المسير" 2/ 342.]].
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ [المائدة: 32].
أي: مجاوزون حد الحق [[انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 205.]].
قال الكلبي: بالشرك [[انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 113.]].
وقال غيره: بالقتل [[انظر: "التفسير الكبير" 11/ 213.]]. وهذا عام في كل ما هو تجاوز عن الحق.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences