Al-Wahidi (al-Basit)Al‑Qamar · 54:1–23

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

القمر

Al-Qamar

The Moon · Meccan · 55 ayahs

54:1Page 528

ٱقۡتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلۡقَمَرُ ١

The Hour has come near, and the moon has split [in two].1

﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ قال ابن عباس: اجتمع المشركون إلى رسول الله -ﷺ- فقالوا: إن كنت صادقًا فشق لنا القمر فرقتين، نصف على أبي قبيس، ونصف على قعيقعان، فقال لهم رسول الله -ﷺ-: إن فعلت ذلك تؤمنون؟ قالوا: نعم، وكانت ليلة بدر [[مراد المؤلف (بليلة بدر) أن القمر انشق ليلة أربع عشرة كما ورد في بعض الروايات.]]، فسأل رسول الله -ﷺ- ربه أن يعطيه ما قالوا فانشق القمر فرقتين، ورسول الله -ﷺ- ينادي المشركين يا فلان يا فلان اشهدوا [[أخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس بلفظ أقرب من هذا. انظر: "الدر" 6/ 133.]]، ونحن على هذا، قاله عامة المفسرين، إلا ما روى عثمان بن عطاء [[في (ك): (عطية) والصواب ما أثبته. وهو عثمان بن عطاء بن أبي مسلم. أبو مسعود المقدسي، ضعيف، مات سنة (155 هـ). انظر: "تقريب التهذيب" 2/ 12.]] عن أبيه أنه قال: معناه وسينشق القمر [[انظر: "الكشف والبيان"، 12/ 21 ب، و"الوسيط" 4/ 27.]]، وهو محجوج بإجماع المفسرين على خلافه، وبالأخبار المتظاهرة في انشقاق القمر، فقد روى جبير بن مطعم، وأنس، وابن عباس، وحذيفة، وابن مسعود، وهؤلاء الخمسة [[قال ابن كثير رحمه الله قد كان هذا زمان رسول الله -ﷺ- كما ورد ذلك في الأحاديث == المتواترة بالأسانيد الصحيحة، وهذا أمر متفق عليه بين العلماء أن انشقاق القمر قد وقع في زمان النبي -ﷺ-، وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات. "تفسير القرآن العظيم" 5/ 261، وانظر: "فتح القدير" 5/ 12، و"روح المعاني" 27/ 74 - 75.]] رووا أن القمر انشق على عهد رسول الله -ﷺ-: قال عبد الله: فرأيت الجبل بين فلقتيه، إحداهما خلف الجبل، والأخرى فوقه [[انظر: "صحيح البخاري"، كتاب: التفسير، سورة القمر، باب: وانشق القمر، وإن يروا آية يعرضوا 6/ 178، "صحيح مسلم"، كتاب: صفة القيامة والجنة والنار، باب: انشقاق القمر، و"مسند الإمام أحمد" 1/ 377، و"المستدرك"، كتاب: التفسير، سورة القمر، و"سنن الترمذي"، كتاب: "التفسير" 5/ 37 (3285).]].

ولأن قوله ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ يدل على أن هذا قد مضى وتقدم، وإنما ذكر اقتراب الساعة مع انشقاق القمر؛ لأن انشقاقه من علامات نبوة محمد -ﷺ-، ونبوته وزمانه من أشراط اقتراب الساعة، قال أبو إسحاق منكرًا لقول عطاء: زعم قوم عَندوا عَنِ القصد وما عليه أهل العلم أن تأويله أن القمر ينشق يوم القيامة، والأمر بين في اللفظ، وإجماع [[في (ك): (والإجماع) والصواب ما أثبته.]] أهل العلم؛ لأن قوله:

54:2Page 528

وَإِن يَرَوۡاْ ءَايَةٗ يُعۡرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحۡرٞ مُّسۡتَمِرّٞ ٢

And if they see a sign [i.e., miracle], they turn away and say, "Passing magic."1

﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ فكيف يكون هذا في القيامة [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 81]]. قال المفسرون: لما انشق القمر قال المشركون: سحرنا محمد، فقال الله تعالى ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً﴾ [[انظر: "الوسيط" 4/ 27، و"معالم التنزيل" 4/ 258، و"فتح القدير" 5/ 12.]] يعني انشقاق القمر ﴿يُعْرِضُواْ﴾، أي: عن التصديق والإيمان بها.

﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ فيه قولان:

أحدهما: ذاهب، وهو قول أنس، ومجاهد، ومقاتل، والكلبي، وقتادة، واختيار الفراء والزجاج [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 635، و"تفسير مقاتل" 132 ب، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 257، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 14، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 82.]]، وأصله من قوله: مر الشيء على وجهه واستمر، أي: ذهب.

القول الثاني: أن معنى المستمر: القوي الشديد، وهو معنى قول ابن عباس: يريد يعلو كل سحر، وهو قول أبي العالية، والضحاك، ورواية شيبان، عن قتادة، قالوا: محكم شديد غالمب قوي [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 22 ب، 23 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 258، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 127.]]، واختاره أبو عبيدة، والمبرد وابن قتيبة، فقال أبو عبيدة: (مستمر) شديد [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 24.]]، وقال المبرد: هو من قولك: ذو مرة أي: قوة، ومنه أمررت الحبل إذا شددت فتله، واستمر فلان على كذا إذا قوي واستحكم معرفته، قال: ومر فلان، هو من هذا، لأن معناه على الحقيقة بَعُد ولم يرتدع، كقولك: مر السهم [[انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 195، و"اللسان" 3/ 466 (مرر) ولم أجده منسوبًا للمبرد.]]، ونحو هذا ذكر ابن قتيبة [[انظر: "تفسير غريب القرآن" 431.]]، وقول الربيع بن أنس، ويمان بن رباب: نافذ ماضٍ [[انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 196، ولم ينسبه لقائل، و"الجامع لآحكام القرآن" 17/ 127.]] يعود إلى هذا؛ لأن نفوذه ومضاءه من قوته.

54:3Page 528

وَكَذَّبُواْ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُمۡۚ وَكُلُّ أَمۡرٖ مُّسۡتَقِرّٞ ٣

And they denied and followed their inclinations. But for every matter is a [time of] settlement.

ثم ذكر تكذيبهم فقال ﴿وَكَذَّبُوا﴾ قال ابن عباس: كذبوا النبي -ﷺ- وما عاينوا من عظمة الله وقدرته.

﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ قال: ما زين لهم الشيطان من الباطل الذي هم عليه [[انظر: "الوسيط" 4/ 27، و"معالم التنزيل" 4/ 258.]]، وقال الكلبي: يعني عبادة الأوثان [[لم أجده.]].

﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ قال الكلبي: لكل أمر حقيقة، ما كان منه في الدنيا فسيظهر، وما كان منه في الآخرة فسيعرف [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 258، و"فتح القدير" 5/ 121.]]. ومعنى هذا ما ذكره مقاتل قال: هذا وعيد لهم. يقول: لكل حديث منتهى، يعني العذاب بعضه يقع بهم ببدر، وبعضه في الآخرة [[انظر: "تفسير مقاتل" 132 ب.]]. وعلى هذا معنى الآية: وكل أمر مما قضاه الله من العذاب يستقر بهم في الوقت الذي قضاه، وقال قتادة: ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ فالخير [[كذا في (ك) وفيه سقط، وصوابه: أي بأهل الخير الخير وبأهل الشر الشر. وقال الفراء: يقول فالخير. انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 14، جامع البيان 27/ 52، و"الوسيط" 4/ 27.]] يستقر قرار تكذيبهم، وقرار قول المصدقين حتى يعفروا حقيقته بالثواب والعقاب.

54:4Page 528

وَلَقَدۡ جَآءَهُم مِّنَ ٱلۡأَنۢبَآءِ مَا فِيهِ مُزۡدَجَرٌ ٤

And there has already come to them of information that in which there is deterrence.

وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ﴾ يعني أهل مكة ﴿مِنَ الْأَنْبَاءِ﴾ أي: من أخبار الأمم المكذبة في القرآن ﴿مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ يقال: زجرته وأزدجرته وهو كالنهي عن السوء للإنسان، ومنه قوله (وازدجر) وقد يوضع الازدجار موضع الازجار فيكون لازمًا، والدال في ازدجر مقلوب عن التاء وذلك أن الدال أقرب إلى الزاي من التاء لأنهما مجهوران والتاء مهموس.

قال أبو الفتح الموصلي: فالافتعال إذا كان زايًا قلبت التاء دالًا نحو ازْدَجَرَ، وازْدهى، وازدار، وازدان، وازدلف، ونحو ذلك، وأصل هذا كله التاء ولكن الزاي لما كانت مجهورة، وكانت التاء مهموسة، وكانت الدال [[في (ك): (الدال).]] أخت التاء في المخرج وأخت الزاي في الجهر قربوا بعض الصوت من بعض فأبدلوا من التاء أشبه الحروف من موضعها بالزاي وهي الدال فقالوا: ازدجر [[انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 185 - 186.]].

والمزدَجَر هاهنا بمعنى الازدجار الواقع في المعنى ما فيه ازدجار لهم ووعظ ونهي، وليس بمعنى الانزجار، لأنه لو كان لهم فيه انزجار لكانوا قد انزجروا واتعظوا.

قال مقاتل: يعني موعظة لهم وهو النهي عن المعاصي [[انظر: تفسير مقاتل 132 ب.]]، وقال السدي: ما فيه عظة [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 259.]].

وجماعة من أهل التفسير والمعاني حملوا المزدجر هاهنا على المطاوع لأنهم قالوا في تفسيره منتهي ومتناهي ومتعظ، وهو قول الكلبي، ومجاهد، والفراء، والزجاج [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 636، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 14، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 85.]]، وعلى هذا لابد من تقدير محذوف كأنه قيل ما فيه انزجار لهم لو انزجروا، ومنتهى لو انتهوا.

54:5Page 528

حِكۡمَةُۢ بَٰلِغَةٞۖ فَمَا تُغۡنِ ٱلنُّذُرُ ٥

Extensive wisdom - but warning does not avail [them].

ثم قال: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ قال مقاتل، والكلبي: يعني القرآن [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 34، "تفسير مقاتل" 132 ب.]].

قال أبو إسحاق: رفعت حكمة بدلاً من (ما) في قوله ﴿مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾، المعنى: ولقد جاءهم حكمة بالغة، وإن شئت رفعت بإضمار هو ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 85.]]، أي تامة قد بلغت الغاية في كل ما توصف به.

قوله ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ ذكر الفراء، والزجاج أن (ما) يجوز أن تكون نفيًا على معنى، فليست تغني النذر، ويجوز أن يكون استفهامًا بمعنى التوبيخ ويكون المعنى فأي شيء تغني النذر إذا لم تؤمنوا [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 15، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 85.]]، وهذا كقول ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: 101] فإن قدرت ما استفهاما كان في موضع النصب بتغني.

54:6Page 528

فَتَوَلَّ عَنۡهُمۡۘ يَوۡمَ يَدۡعُ ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَيۡءٖ نُّكُرٍ ٦

So leave them, [O Muḥammad]. The Day the Caller1 calls to something forbidding,

ثم أمره بالإعراض عنهم فقال ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ وهذا مما نسخ [[انظر: "الكشف والبيان"، 12/ 23 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 259، و"فتح القدير" 5/ 121. قال مكي: وليس في سورة القمر، وسورة الرحمن، والواقعة شيء، وكذلك الحديد الإيضاح: 424، وقال ابن الجوزي: وقد زعم قوم أن هذا التولي منسوخ بآية السيف، وقد تكلمنا على نظائره وبينا أنه ليس بمنسوخ. "نواسخ القرآن": 234.]]، وهاهنا وقف التمام [[اننطر: "المكتفى": 545، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 86، و"زاد المسير" 8/ 9.]].

قوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ قال الزجاج: يوم منصوب بقوله ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ آلأجْدَاثِ﴾ [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 86.]] وقال المبرد: (يوم) ظرف لقوله ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ * يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 129، و"البحرالمحيط" 8/ 174.]] قال مقاتل: هو إسرافيل ينفخ قائمًا على صخرة بيت المقدس [[انظر: "تفسير مقاتل" 132 ب.]] ﴿إِلَى شَىْءٍ نُّكُرٍ﴾ قال إلى أمر فظيع.

قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد يوم القيامة ﴿إِلَى شَىْءٍ نُّكُرٍ﴾ شدة العذاب وفظاعته [[في (ك): (فظاطته) ولم أجد الرواية عن ابن عباس، ولعل وضوح المعاني حال دون نسبة التفسير لقائل.]].

وقال الكلبي: يعني حين يدعى أهل النار إلى النار [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 34.]].

و (نكر) معناه منكر، وهو الذي تأباه النفس من جهة نفور الطبع، وذلك أنهم لم يروا مثله قط فينكرونه استعظامًا له، وهو صفة على فُعُل، مثل: جُنب، وجُزر، وأُحد، ويجوز فيه التخفيف [[يشير المؤلف بقوله هذا إلى قراءة ابن كثير (نُكْر) بإسكان الكاف، والباقون بضمها انظر: "حجة القراءات" ص 688، و"الحجة للقراء السبعة" 6/ 241، و"النشر" 2/ 38، و"الإتحاف" ص 44.]]، وإنما وصف بأنه نكر لغلظه على النفس.

54:7Page 529

خُشَّعًا أَبۡصَٰرُهُمۡ يَخۡرُجُونَ مِنَ ٱلۡأَجۡدَاثِ كَأَنَّهُمۡ جَرَادٞ مُّنتَشِرٞ ٧

Their eyes humbled, they will emerge from the graves as if they were locusts spreading,

قوله تعالى ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُم﴾ وقرئ خاشعًا [[قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف ﴿خَاشِعًا﴾ بفتح الخاء وألف بعدها وكسر الشين مخففة بالإفراد، وقرأ الباقون ﴿خُشَّعًا﴾ بضم الخاء وفتح الشين مشددة من غير ألف. انظر: "حجة القراءات" ص 688، و"النشر" 2/ 38، و"الإتحاف" ص 44.]]، قال الفراء والزجاج: يجوز في أسماء الفاعلين إذا تقدمت على الجماعة التوحيد نحو (خاشعًا أبصارهم) والتأنيث نحو ﴿خَشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ وهو قراءة عبد الله، والجمع نحو ﴿خُشَّعًا أَبْصَرُهُمْ﴾، ويقول: مررت بشباب حسن أوجههم، وحسان أوجههم، وحسنة أوجههم، وأنشدا:

وشباب حسن أوجههم ... من إياد بن نزار بن معد [[البيت للحرث بن دوس الأنصاري، ويروى لأبي دؤاد الأنصاري. == انظر: ديوان أبي دؤاد ص 35، و"اللسان" (خشع)، و"البحر المحيط" 8/ 175، و"المحرر" 15/ 296، و"شرح الأبيات" للفارسي ص 398.]] وأنشد الفراء:

يرمي الفجاج بها الركبان معترضًا ... أعناق بُزَّلها مُرْخَى لها الجُدُلُ

فلو قال معترضات أو معترضة ومرخاة أو مرخيات كان صوابا [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 15، 16، و"جامع البيان" 27/ 53، و"البحر المحيط" 8/ 175، والجدُل: جمع الجديل وهو الزمام. ولم أجد البيت منسوبًا لقائل.]].

قال أبو إسحاق: و (خشعًا) منصوب على الحال، المعنى: يخرجون من الأجداث خشعًا أبصارهم [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 86.]].

قال المفسرون: يعني ذليلة خاضعة أبصارهم عند معاينة العذاب [[انظر: "جامع البيان" 27/ 53، و"معالم التنزيل" 4/ 53.]].

وقال أهل المعاني: وصفت الأبصار بالخشوع؛ لأن ذلة الذليل وعزة العزيز تتبين في نظره [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 129، و"فتح القدير" 5/ 122.]] كما قال عز ذكره: ﴿يَنُظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِىِ﴾ [الشورى: 45].

قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ اَلأَجْدَاثِ﴾ هو قال المفسرون: يريد القبول واحدها جدث، وبنو تميم [[بنو تميم: قبيلة عظيمة من العدنانية، تنتسب إلى تميم بن مرة، منازلهم بأرض نجد، تمتاز هذه القبيلة بتاريخها الحربي في الجاهلية والإسلام. انظر: "معجم قبائل العرب" 1/ 127، و"نهاية الأرب" ص 177.]] تقول بالفاء جدف [[انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 634، و"اللسان" 1/ 412 (جدث).]].

قوله تعالى ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ تفسير الجراد قد تقدم في سورة الأعراف [[عند تفسيره الآية 133 من سورة الأعراف.]].

قال مقاتل: فيكثرون من الكثرة كأنهم جراد حين انتشر من موضعه [[انظر: "تفسير مقاتل" 132 ب.]].

وقال الكلبي: ينبث بعضهم في بعض [[انظر: "الوسيط" 4/ 28، و"معالم التنزيل" 4/ 259.]].

قال أهل المعاني: المعنى أنهم يخرجون فزعين لا يهتدون فيدخل بعضهم في بعض لا جهة لأحد منهم يقصدها، فشبههم في هذا الوقت بالجراد؛ لأن الجراد لا جهة لها فتكون أبدًا مختلفة بعضها في بعض [[انظر: "الوسيط" 4/ 28، و"البحر المحيط" 8/ 176، و"روح المعاني" 8/ 27]].

54:8Page 529

مُّهۡطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِۖ يَقُولُ ٱلۡكَٰفِرُونَ هَٰذَا يَوۡمٌ عَسِرٞ ٨

Racing ahead toward the Caller. The disbelievers will say, "This is a difficult Day."

قوله تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ قال ابن عباس: مقبلين إلى الصوت، وقال مقاتل: مقبلين سراعًا إلى صوت إسرافيل [[انظر: "تفسير مقاتل" 132 ب، و"الكشف" 23 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 26.]].

وذكر في تفسير مهطعين قولان: أحدهما: مسرعين. والآخر: ناظرين مديمي النظر [[انظر: "جامع البيان" 27/ 53، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 13، و"تهذيب اللغة" 1/ 134، و"اللسان" 3/ 811.]]، وقد ذكرنا ما فيه عند قوله ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ [إبراهيم: 43].

قوله تعالى: ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ قال ابن عباس: يوم القيامة عسر على الكافرين، وعلى المؤمنين سهل يسير [[انظر: "الوسيط" 4/ 28.]].

قال مقاتل: يهون على المؤمنين الحشر، والكفار ينكبون على وجوههم فلا يقومون مقامًا إلا عسر عليهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 132 ب.]]، ويقال: عَسِرَ يَعْسَر عُسْرًا فهو عَسيرٌ، وهذا كقوله ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: 9، 10].

54:9Page 529

۞ كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ فَكَذَّبُواْ عَبۡدَنَا وَقَالُواْ مَجۡنُونٞ وَٱزۡدُجِرَ ٩

The people of Noah denied before them, and they denied Our servant and said, "A madman," and he was repelled.

قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ ظاهر إلى قوله (وازدجر) قال ابن عباس: وانتهر، وقال الكلبي: زجر عن مقالته، وقالوا: مستطار الفؤاد [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 35، و"معالم التنزيل" 4/ 26.]]. يعني أنهم اتهموه بالجنون وقالوا: إنه لا عقل له، وزجروه عن دعوته.

قال ابن زيد: توعدوه بالقتل [[انظر: "حامع البيان" 27/ 54.]]، وقال الفراء: زجروه بالشتم [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 16.]]. وتفسير الازدجار قد مر قبيل.

والأفعال في هذه الآية مسندة إلى الفاعلين وبني ازدجر للمفعول لوفاق الفواصل، وإن كان للفاعلين الذين جرى ذكرهم.

قوله ﴿مُّنْهَمِرٍ﴾ يقال: همر الماء وانهمر فهو هامر منهمر إذا سأل وانصب، قال المفسرون: منصب انصبابًا شديدًا لم ينقطع أربعين يومًا [[انظر: "تفسير مقاتل" 133 أ، و"الكشف والبيان" 12/ 24 أ، ونسبه لابن عباس والقرطبي، و"معالم التنزيل" 4/ 26.]].

54:10Page 529

فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَغۡلُوبٞ فَٱنتَصِرۡ ١٠

So he invoked his Lord, "Indeed, I am overpowered, so help."

No commentary for this ayah

54:11Page 529

فَفَتَحۡنَآ أَبۡوَٰبَ ٱلسَّمَآءِ بِمَآءٖ مُّنۡهَمِرٖ ١١

Then We opened the gates of the heaven with rain pouring down

No commentary for this ayah

54:12Page 529

وَفَجَّرۡنَا ٱلۡأَرۡضَ عُيُونٗا فَٱلۡتَقَى ٱلۡمَآءُ عَلَىٰٓ أَمۡرٖ قَدۡ قُدِرَ ١٢

And caused the earth to burst with springs, and the waters met for a matter already predestined.

قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ﴾ قال المفسرون: يعني ماء الأرض وماء السماء، قال الفراء: ولا يجوز التقى إلا للاثنين فما زاد، وإنما جاز في الماء لأنه يكون جمعًا وواحدًا [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 16.]]. يعني أنه اسم الجنس فهو يجمع ماء الأرض وماء السماء.

قوله تعالى ﴿عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ فيه قولان. قال الكلبي: على أمر قد مضى عليهم [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 35.]]، وهو قول محمد بن كعب قال: كان القدر قبل النبلاء [[انظر: "جامع البيان" 27/ 55، و"الكشف والبيان" 12/ 24 ب.]]. وقال مقاتل: إن ماء السماء وماء الأرض قدرهما الله تعالى أن يكونا سواء فذلك قوله ﴿عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [[انظر: "تفسير مقاتل" 133 أ.]]، والقولان ذكرهما الفراء، والزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 16، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 87]].

54:13Page 529

وَحَمَلۡنَٰهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلۡوَٰحٖ وَدُسُرٖ ١٣

And We carried him on a [construction of] planks and nails,

قوله تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ يعني على سفينة ذات ألواح وهي خشباتها العريضة التي منها هيئت وجبت.

وقوله ﴿وَدُسُرٍ﴾ معنى الدَّسْر في اللغة: الدفع الشديد، يقال دَسَرَه بالرمح ودسر جاريته بهنها عند النكاح، ومنه قول ابن عباس في العنبر: إنما هي شيء دسره البحر [[انظر: "الكشف والبيان"، 12/ 24 ب، و"تهذيب اللغة" 12/ 355، و"اللسان" 1/ 976 (دسر).]]، أي: دفعه.

وقال أبو إسحاق: الدُّسُر: المسامير والشروط [[الشروط: جمع شريطة وهي حبال يُربط بها.]] التي تشد بها الألواح، وكل شيء كان نحو السَّمْرُ وإدخال شيء في شيء بقوة وشدة فهو الدُّسُر، يقال: دَسّرْت [[في (ك): (جرست) والصواب ما أثبته.]] المسمار في الخشبة أدْسُرُه وأدسِرُه دَسْرًا، والدُّسُرُ واحدها دِسَار، نحو حِمَار وحُمُر [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 87 ، 88.]].

قال ابن عباس ومقاتل والكلبي وجماعة المفسرين: يعني المسامير والشروط، وكل ما شدت به السفينة [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 35، و"تفسير مقاتل" 133 أ، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 16، و"جامع البيان" 27/ 55.]].

وذُكِر في الدسر قولان آخران.

أحدهما: أن الدسر هو دفعها الماء بكلكلها [[الكْلكْل: الصدر من كل شيء، وقيل: هو ما بين التَّرْقُوَتَيْن، وقيل: هو باطن الزَّرْرِ. "اللسان" 3/ 29 (كلل).]]، حكاه أحمد بن يحيى، ورواه معمر عن الحسن، قال: تدسر الماء بصدرها [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 258، و"تهذيب اللغة" 12/ 355 (دسر).]]. والدسر على هذا يجب أن يكون مصدرًا.

والثاني: أن الدسر هو صدرها الذي ترفع به الماء وتدسر وهو جؤجؤها [[الجؤجؤ: عظام الصدر وجمعه الجآجئ، وجُؤْجُؤ السفينة والطائر: صدرهما. اللسان (جأجأ).]]. وهذا القول يروى عن شهر بن حوشب، ورواه عطيه عن ابن عباس [[انظر: "جامع البيان" 27/ 55، و"الكشف والبيان" 12/ 24 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 26.]]. والقول هو الأول [[قال ابن كثير: قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والقرظى، وقتادة، وابن زيد: هي المسامير، واختاره ابن جرير ... "تفسير القرآن العظيم" 4/ 264.]].

54:14Page 529

تَجۡرِي بِأَعۡيُنِنَا جَزَآءٗ لِّمَن كَانَ كُفِرَ ١٤

Sailing under Our observation as reward for he who had been denied.

قوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾. قال المفسرون وأهل المعاني: بمنظر ومرأى منا وحفظ. وهذا كقوله ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود: 37] وقد مر.

قوله تعالى: ﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ قال مقاتل: يعني نوحا؛ لأنه المكفور به [[انظر: "تفسير مقاتل" 133 أ.]].

قال الفراء: يقول فعلنا به وبهم ما فعلنا من إنجائه وإغراقهم لما صنع بنوح، قال: وفي (لمن) معنى ما، ألا ترى أنك تقول: غرقوا لنوح ولما صنع بنوح [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 17.]]، هذا كلامه، والمعنى: فعلنا ذلك ثوابًا لمن كفر به وجحد أمره، وهو نوح -عليه السلام-.

54:15Page 529

وَلَقَد تَّرَكۡنَٰهَآ ءَايَةٗ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ ١٥

And We left it as a sign, so is there any who will remember?

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً﴾ ذكر في الضمير في (تركناها) قولان:

أحدهما: أنها للسفينة المذكورة في قوله ﴿ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾؛ لأن المراد بها السفينة، وهو قول قتادة، قال: أبقى الله سفينة نوح على الجودي حتى أدركتها أوائل هذه الأمة. [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 258.]]

الثاني: قال أبو إسحاق: المعنى تركنا هذه الفعلة وأمر سفينة نوح آية، أي علامة ليعتبر بها [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 88.]]، يدل على صحة هذا المعنى قوله ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (11) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [الحاقة: 11، 12]، والتذكير يكون بالحمل في الجارية، والمعنى: لنجعل تلك الفعلة التي فعلنا.

قوله تعالى ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ قال مقاتل: فهل من متذكر يعلم أن ذلك حق فيعتبر ويخاف. [[انظر: "تفسير مقاتل" 133 أ.]]

قال أبو إسحاق: وأصله مُذْتَكِر، ولكن التاء أبدل منها الدال، والذال من موضع التاء، وهي أشبه بالدال من التاء، وأدغمت الذال في الدال [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 88، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 187، 188.]]. هذا كلامه، وإنما فُعل ذلك؛ لأن التاء مهموس، والدال مجهور، وهي من مخرج التاء، والدال أيضًا مجهور، والمجهور بالمجهور أشبه، فصار كما ذكرنا في (مزدجر).

قال أبو علي الفارسي: وقالوا الذكر بالذال، حكاه سيبويه، وكط ك روي بيت ابن مقبل: من بعض ما يعتري قلبي من الذَّكر. [[انظر: "الكتاب " 4/ 421، و"ديوان ابن مقبل" ص 81، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 188، و"الخصائص" 1/ 315، و"المنصف" 3/ 14.]]

وذلك لما كثر تصرف الكلمة بالدال نحو ادَّكر، وهل من مدكر أشبهت تقوى وتقية وتقاة.

54:16Page 529

فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ١٦

And how [severe] were My punishment and warning.1

قوله تعالى ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ كيف استفهام عن تلك الحالية، ومعناه التعظيم لذلك العذاب. والتعجب منه للسامعين.

قوله تعالى: ﴿وَنُذُر﴾ النذر اسم من الإنذار يقوم مقام المصدر، قال الفراء: النذر هاهنا مصدر معناه: فكيف كان إنذاري [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 17.]].

وقال أبو علي: النذر والنذير مثل المنكر والنكير وهي جميعاً مصدران، ومنه قوله ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [[انظر: "الحجة" 6/ 363، و"البسيط" 116 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 134.]] [المرسلات: 6] ونذكر الكلام هناك إن شاء الله، والمعنى: كيف كان إنذاري إياهم، إذ دعاهم نوح إلى الإيمان فلم يؤمنوا، وفي هذا تخويف للمشركين.

54:17Page 529

وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ ١٧

And We have certainly made the Qur’ān easy for remembrance, so is there any who will remember?

قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ اختلفوا في هذا على قولين:

أحدهما: أن المراد بالذكر هاهنا الحفظ والقراءة، وهو قول سعيد بن جُبير، وليس من كتب الله كتاب يقرأ كله ظاهراً إلا القرآن [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 25 أ، و"الوسيط" 4/ 29، و"معالم التنزيل" 4/ 261، و"زاد المسير" 8/ 94.]].

وقال مقاتل: لولا أن الله يسر القرآن ما استطاع أحد أن يتكلم بكلام الله، ولكن الله يسره على خلقه [[انظر: "تفسير مقاتل" 133 أ، ورواه البيهقي في "الأسماء والصفات" 2/ 8، عن ابن عباس بسند ضعيف.]].

وقال الزجاج: قيل: إن كتب أهل الأديان نحو التوراة والإنجيل إنما يتلوها أهلها نظرًا، ولا يكادون يحفظون كتبهم من أولها إلى آخرها كما يحفظ القرآن [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 88.]].

وعلى هذا القول معنى قوله ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أي هل من ذاكر يذكره، وقارئ يقرأه، ومعناه الحث على قراءة القرآن ودرسه وتعلمه وتفهم معانيه، وهذا معنى قول مطر الوراق: هل من طالب علم فيعان عليه [[انظر: "جامع البيان" 27/ 57، و"الكشف والبيان"، 12/ 25 أ، و"الدر" 6/ 135.]].

القول الثاني: أن معنى الذكر هاهنا الاعتبار والتفكر، قال مقاتل: يعني ليتذكروا ما فيه [[انظر: "تفسير مقاتل" 133 أ.]]، والمعنى: هونّاه بأن جعلنا ألفاظه سهلة مفهومة لا صعبة متعقدة كما قال ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: 195]، وبينا فيه المواعظ والمزاجر، فهذا معنى ﴿يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾.

وقوله ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أي من متعظ معتبر خائف، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء، قال: يريد سهلنا القرآن لكل متعظ [[لم أجد هذا القول منسوبًا. وانظر: "الكشف والبيان" 12/ 25 أ.]].

54:18Page 529

كَذَّبَتۡ عَادٞ فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ١٨

ʿAad denied; and how [severe] were My punishment and warning.

No commentary for this ayah

54:19Page 529

إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا صَرۡصَرٗا فِي يَوۡمِ نَحۡسٖ مُّسۡتَمِرّٖ ١٩

Indeed, We sent upon them a screaming wind on a day of continuous misfortune,

قوله تعالى ﴿رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ ذكرنا تفسيره في قوله ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت: 16]. قال ابن عباس: كانوا يتشاءمون بذلك اليوم [[انظر: "الوسيط" 4/ 21، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 135.]].

وقال الكلبي: كان شؤم ذلك اليوم عليهم [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 37.]].

قال أبو إسحق: قيل في يوم أربعاء في آخر الشهر لا يدور [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 89، قال الألوسي: على معنى أن ابتداء إرسال الرياح كان فيه فلا ينافي آيتي فصلت، والحاقة. "روح المعاني" 27/ 85.]]، ومعنى مستمر دائم الشؤم.

قال الفراء: استمر عليهم بنحوسته [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 18 قال ابن كثير: ومن قال إن اليوم النحس المستمر هو يوم الأربعاء وتشاءم به لهذا اللهم فقد أخطأ وخالف القرآن، فإنه قال في الآية الأخرى ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ ومعلوم أنها ثمانية أيام متتابعات فلو كانت نحسات في أنفسها لكانت جميع الأيام السبعة المندرجة فيها مشؤومة. وهذا لا يقوله أحد، وإنما المراد في أيام نحسات أي عليهم. انظر: البداية والنهاية 1/ 128.]]، وتفسير المستمر قد مر في هذه السورة [[ذكر المؤلف معنين لقوله تعالى ﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾، أحدهما: ذاهب، والآخر: قوي شديد، وهذا المعنى يفسر به الاستمرار هنا دون الأول، والله أعلم.]].

ومعنى ﴿نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ قوي يأتي عليهم فيهلكهم حتى لا يبقى منهم أحداً.

وروي عن قتادة أنه قال: استمر بهم إلى نار جهنم [[انظر: "جامع البيان" 27/ 58، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 264، و"روح المعاني" 27/ 83 - 84، وفيه زيادة بيان وإيضاخ.]]، وفي هذا نحتاج إلى تقدير محذوف.

54:20Page 529

تَنزِعُ ٱلنَّاسَ كَأَنَّهُمۡ أَعۡجَازُ نَخۡلٖ مُّنقَعِرٖ ٢٠

Extracting the people1 as if they were trunks of palm trees uprooted.

قوله تعالى ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ﴾ أي تقلعهم، قال ابن عباس: اقتلعتهم الريح من تحت أقدامهم [[انظر: "الوسيط" 4/ 21، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 136.]]، وقال السدي: تنزع الناس من البيوت [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 136، و"فتح القدير" 5/ 125.]].

وروي عن النبي -صلي الله عليه وسلم - أنه قال: "انتزعت الريح الناس من قبورهم" [[وأورده الثعلبي في "تفسيره" 25 ب، والقرطبي في "جامعه" 17/ 136 وقال الشوكاني في "تفسيره" 5/ 125 "وقيل من قبورهم لأنهم حفروا حفائر ودخلوها".]].

قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ على تقدير فتتركهم كأنهم أعجاز نخل، وذلك أنهم إنما أشبهوا أعجاز النخل عند سقوطهم لا عند نزعهم، وقال الزجاج: كأنهم هاهنا في موضع الحال، والمعنى تنزع الناس مشبهين النخل المنقعر وهو المقطوع من أصوله [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 89.]]، وعلى ما ذكر لا إضمار في الآية.

وأعجاز جمع عَجُز، وهو مؤخر الشيء، وشبههم بأعجاز النخل؛ لأن الريح قلعت رؤوسهم أولا ثم كبتهم لوجوههم [[انظر: "جامع البيان" 58/ 27 - 59، عن قتادة، ومجاهد، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 264.]].

وقوله: ﴿مُنْقَعِرٍ﴾ قال ابن السكيت: يقال: قعرت النخلة: إذا قلعتها من أصلها حتى تسقط، وقوإنقعرت هي أي: انقلعت وسقطت [[انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 228 (قعر).]]، قال الفراء: يقول أسَافِلَ نخل مصرع [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 18.]]، وقال أبو عبيدة: منقلع [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 241.]]، قال مجاهد: سقطت رؤوسهم أمثال الأخبية وتفردت أعناقهم، فشبههم بأعجاز نخل منقعر [[انظر: "جامع البيان" 27/ 59.]].

قال المفسرون: شبههم لطول قاماتهم حين صرعتهم الريح وكبتهم على وجوههم بالنخيل الساقطة على الأرض التي ليست لها رؤوس [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 25 ب، و"الوسيط" 4/ 21، و"معالم التنزيل" 4/ 216، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 137.]]، والعرب تشبه الرجال إذا انكبوا على وجوههم على الأرض بالنخيل الساقطة، ومنه قول الشاعر يزيد بن عمرو [[لم أجد له ترجمة.]] يرثي قومه:

ألا من رأى قومي كأن رجالهم ... نخيل أتاها عاضد فأمالها [[انظر: "الحماسة" لأبي تمام 2/ 473، وفيها: (قومي) بدلا من قوماً. و (عاضد) بدلا من (عاصف).]]

وتذكير المنقعر للفظ النخل وهو من الجمع الذي يذكر ويؤنث، وتأنيثه قد جاء في قوله عز ذكره ﴿نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: 7].

54:21Page 529

فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ٢١

And how [severe] were My punishment and warning.

No commentary for this ayah

54:22Page 529

وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ ٢٢

And We have certainly made the Qur’ān easy for remembrance, so is there any who will remember?

No commentary for this ayah

54:23Page 529

كَذَّبَتۡ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ ٢٣

Thamūd denied the warning.

﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ قال ابن عباس: يريد ما جاءهم به صالح [[ذكره المفسرون لبيان المعنى ولم ينسب لقائل.]]، وعلى هذا معنى النذر: الإنذار، كما ذكرنا في قوله ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ وقال مقاتل: يعني بالرسل [[انظر: "تفسير مقاتل" 133 ب.]]، وعلى هذا النذر: جمع نذير، وتكذيبهم صالحًا تكذيب لجميع الرسل؛ لأن الإيمان بالجميع واجب.

ثم أنكروا أن يكونوا تبعًا لواحد منهم، وهو قوله:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском