Al-Wahidi (al-Basit)Al‑A'raf · 7:115–129

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:115–129

7:115Page 164

قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلۡقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحۡنُ ٱلۡمُلۡقِينَ ١١٥

They said, "O Moses, either you throw [your staff], or we will be the ones to throw [first]."

قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾.

روى أبو العباس [[أبو العباس: هو ثعلب أحمد بن يحيى، إمام، تقدمت ترجمته.]] عن سلمة [[سلمة بن عاصم البغدادي، صاحب الفراء، إمام، تقدمت ترجمته.]] عن الفراء قال: (قال الكسائي في باب إِمَّا وأَمَّا: إذا كنت آمراً أو ناهياً أو مخبراً فهي مفتوحة، وإذا كنت [[في (ب): (وإذا كان)، وهو تحريف.]] مشترطاً أو شاكاً أو مخيراً فهي مكسورة، تقول من ذلك في المفتوحة: أَمَّا الله فاعبد [[في (أ): (فاعبدوا).]]، وأما الخمر فلا تشربها، وأما زيد فقد خرج، وتقول [[في (ب): (فتقول).]] في النوع الثاني إذا كنت مشترطاً: إِمَّا تعطينّ زيداً فإنه يشكرك، قال الله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ﴾ [الأنفال: 57].

وتقول في الشك: لا أدري من قام إمَّا زيد وامَّا عمرو.

وتقول في التخيير [[في "تهذيب اللغة" 1/ 207: ذكر (إذا كنت مخيرًا أو مختارًا فهي المكسورة تقول في التخيير: تعلم إما الفقه وإما النحو، وتقول في المختار: لي بالكوفة دار وأنا خارج إليها فإما أن أسكنها وإما أن أبيعها).]]: لي بالكوفة دار فإما أن أسكنها وإما أن أبيعها) [["تهذيب اللغة" 1/ 207، (إما، وأما)، وذكره الرازي 14/ 202، عن الفراء والكسائي.]]، والفرق بين (إما) إذا كانت للشك وبين (أو) إنك إذا قلت: جاءني زيد أو عمرو فقد يجوز أن يكون بنيت كلامك على اليقين، ثم أدركك الشك فقلت: أو عمرو. فصار الشك فيهما جميعاً.

فأول الاسمين [[في (أ): (فالأول أسمين)، وهو تحريف.]] في (أو) يجوز أن يكون خبراً يحسن السكوت عليه، ثم يعترض الشك فيستدرك بالاسم الآخر، ألا ترى أنك تقول: قام أخوك، وتسكت، ثم تشك فتقول: أو أبوك، وإذا ذكرت (إمّا) فإنما تبني كلامك على الشك من أوله فليس يجوز أن تقول: ضربت إما [[في (ب): (أبا)، وهو تحريف.]] عبد الله وتسكت [[ما تقدم هو قول الفراء في "معانيه" 1/ 389، وانظر: "الكتاب" 1/ 95 و142، و3/ 332، و4/ 235، و"حروف المعاني" ص 63 - 64، و"معاني الحروف" 129 - 131، و"الصاحبي" ص206، و"المغني" لابن هشام 1/ 55، 61.]]، وأما [[في (ب): (في أما).]] دخول (أن) في قوله: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ﴾ [الأعراف:115] وسقوطها من قوله: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 106]، قال الفراء: (أدخل ﴿أَنْ﴾ في ﴿إِمَّا﴾ في هذه الآية لأنه في موضع أمر بالاختيار وهي في موضع نصب كقول القائل: اختر ذا أو ذا. كأنهم قالوا: اختر أن تُلقي أو نلقي، وقوله تعالى: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ ليس [[لفظ: (ليس) ساقط من (ب)، قال الهمداني في "الفريد" 2/ 341: (دخلت أن في آية الأعراف لأنه أمر كأنه قيل: اختر إما أن تلقي أنت وإما نحن، والأمر مستقبل و (أن) عَلَم للاستقبال فدخلت لتحقيق هذا المعنى، ولم تدخل في آية التوبة لأنه خبر والخبر لم يحتج إلى أن) اهـ. ملخصًا.]] فيه أمر بالتخيير؛ ألا ترى أن الأمر لا يصلح هاهنا فلذلك لم يكن فيه أن) [["معاني الفراء" 1/ 389، وقال السمين في "الدر" 5/ 415 - 416: (إنما أتى هنا بأن المصدرية بخلاف آية التوبة؛ لأن أن وما بعدها هنا إما مفعول وإما مبتدًا والمفعول به والمبتدأ لا يكونان فعلاً صريحًا بل لا بد أن ينضم إليه حرف مصدري يجعله في تأويل اسم وأما آية التوبة فالفعل بعد إما، إما خبر ثان لآخرون وإما صفة له، والخبر والصفة يقعان جملة فعلية من غير حرف مصدري) اهـ.]].

وأما التفسير فقوله: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ﴾، فقال ابن عباس: (يريد: عصاه، ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ أي: ما معنا من الحبال والعصي) [[أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1535 بسند جيد.]]، فمفعول الإلقاء محذوف من الموضعين جميعاً [[انظر: "إعراب النحاس" 1/ 631، وقال السمين في "الدر" 5/ 416: (حذف مفعول الإلقاء للعلم به والتقدير: إما أن تلقي حبالك وعصيك لأنهم كانوا يعتقدون أن يفعل كفعلهم، أو نلقي حبالنا وعصينا) اهـ.]].

7:116Page 164

قَالَ أَلۡقُواْۖ فَلَمَّآ أَلۡقَوۡاْ سَحَرُوٓاْ أَعۡيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسۡتَرۡهَبُوهُمۡ وَجَآءُو بِسِحۡرٍ عَظِيمٖ ١١٦

He said, "Throw," and when they threw, they bewitched the eyes of the people and struck terror into them, and they presented a great [feat of] magic.1

قوله تعالى: ﴿قَالَ أَلْقُوا﴾، يقال على هذا: لم جاز أن يأمرهم موسى بالإلقاء، وهو كفر منهم؟

والجواب: إن معناه: ألقوا إن كنتم محقين، وألقوا على ما يصح، ويجوز دون ما يفسد [[في (أ): (ما يفسده)، وهو تحريف.]] ولا يجوز [[وقيل: إن هذا تهديد أي: ابتدئوا بالإلقاء فسترون ما يحل بكم من الافتضاح، وقيل: أمرهم بذلك ليبين كذبهم وتمويههم، انظر: "تفسير الرازي" 14/ 203، والقرطبي 7/ 259.]].

وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا﴾، يعني: تلك العصي والحبال، وهي مذكررة في قوله: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ﴾ [طه: 66] في سورة طه.

وقوله تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾. قال ابن عباس: (يريد: حيث رأوها حيات) [[لم أقف عليه]]، قال العلماء من أصحاب المعاني [[لفظ: (المعاني) ساقط من (ب).]]: (﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ أي: قلبوها عن صحة إدراكها بما تخيل من الأمور المموهة بلطف الحيلة التي تجري مجرى الخفّة والشعبذة مما لا يرجع إلى حقيقة، والمُحدث في العين ذلك التخيل هو الله عز وجل عندما أظهروا من تلك المخاريق، إلا أنه منسوب إليهم لأنهم عرضوها بما لو لم يعملوه لم يقع، كمن جعل طفلاً تحت الثلج فهو القاتل له في الحكم، والله خلق الموت فيه وأماته) [[انظر: "تفسير الرازي" 14/ 203، وفيه قال: (قال الواحدي: بل المراد ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ أي: قلبوها عن صحة إدراكها بسبب تلك التمويهات) اهـ.]].

وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾. قال المبرد: (أرهبوهم، والسين زائدة) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 218، والرازي 14/ 203، والسمين في "الدر" 5/ 416.]]. وكذلك قال المؤرج: (أفزعوهم) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 218.]].

وقال الزجاج: (أي استدعوا رهبة الناس حتى رهبهم الناس) [["معاني الزجاج" 2/ 366، ومثله ذكر النحاس في "معانيه" 3/ 63، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 225، و"تفسير غريب القرآن" 1/ 179.]].

وقوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾. قال أهل التفسير: (وذلك أنهم ألقوا حبالاً غلاظاً وخشباً طوالاً، فإذا هي حيات قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضاً) [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 20، وأخرج عن السدي وابن إسحاق والقاسم بن أبي بزة بسند جيد نحوه.

وانظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 560.]].

قال أهل المعاني: (قوله: ﴿بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾، أي: عظيم الشأن عند من يراه من الناس بما يملأ الصدر بهوله ويوفي على غيره من السحر ببعد مرام الحيلة فيه وشدة التمويه به فهو لذلك عظيم).

7:117Page 164

۞ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَلۡقِ عَصَاكَۖ فَإِذَا هِيَ تَلۡقَفُ مَا يَأۡفِكُونَ ١١٧

And We inspired to Moses, "Throw your staff," and at once it devoured what they were falsifying.

قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: وألهمنا موسى ﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [[ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 204، عن الواحدي عن ابن عباس.]]، ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ﴾ أي: فألقاها ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ﴾، وقرأ حفص [[قرأ حفص عن عاصم: ﴿تَلْقَفُ﴾ بإسكان اللام وتخفيف القاف، وقرأ الباقون بفتح اللام وتشديد القاف. انظر: "السبعة" ص 290، و"المبسوط" ص 148، و"التذكرة" 2/ 423، و"التيسير" ص 112، و"النشر" 2/ 271، وانظر في توجيه القراءات: "معاني القراءات" 1/ 418، و"إعراب القراءات" 1/ 200، و"الحجة" لابن زنجلة ص 292، و"الكشف" 1/ 473.]]: ﴿تَلْقَفُ﴾ مخففاً.

قال ابن السكيت: (اللقف [[انظر: "جمهرة اللغة" 2/ 966، و"الصحاح" 4/ 1428، و"المجمل" 3/ 812، و"المفردات" ص 744، و"اللسان" 7/ 4062 (لقف).]] مصدر لقفْت الشيء ألقفه لقفًا إذا أخذته فأكلته أو ابتلعته، ورجل ثقف لقف سريع الأخذ) [["تهذيب اللغة" 4/ 3288، وفيه: (ويقال: رجل ثقف لقف إذا كان ضابطًا لما يحويه قائمًا به) اهـ. وانظر: "إصلاح المنطق" ص 64.]].

وقال اللحياني: (ومثله ثقْف لَقْفُ، وثَقِف [[في (أ): (وثقف ولقف)، وهو تحريف.]] لقف، وثقيف لقيف بين الثقافة واللقافة) [[في "تهذيب اللغة" 1/ 489: (روى أبو عبيد عن الأحمر، إنه لثَقْف لقْف، وثَقِف لَقِف، وثقيف لقيف بين الثقافة واللقافة) اهـ. وذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 204، عن اللحياني.]]. قال الفراء: (لقِفت الشيء ألقفه لقفاً ولقفاناً). قال: (وهو في التفسير يبتلع) [["معاني الفراء" 1/ 390، و"تهذيب اللغة" 7/ 4062.]].

وقال الليث: (لقفني تلقيفاً فلقفته والتقفته وتلقفته) [["تهذيب اللغة" 7/ 4062 وفيه: (لقَّفَني تلقِيفًا فلقفْتُه والتَقفْتُه) اهـ، وفي "العين" 5/ 164: (لقفني تلقيفًا فلقفته وتلَقَّفْتُه والتَقَفْتُه أعم) اهـ.]].

وقال أبو عبيدة: (تلقف وتلقم واحد) [["الحجة" لأبي علي 4/ 66، وفي "مجاز القرآن" 1/ 225: (أي: تلهم ما يسحرون ويكذبون. أي: تلقمه) اهـ.]] وأنشد:

أنت عَصَا موسى التي لم تَزَلْ ... تلقف ما يأْفِكُه السَّاحرُ [[لم أقف على قائله وهو في "معاني الزجاج" 2/ 366، و"تفسير الماوردي" 2/ 246، والقرطبي 7/ 260، و"الدر المصون" 5/ 417.]]

قال ابن عباس في قوله: ﴿تَلْقَفُ﴾ (يريد: تبتلع) [[أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1536 بسند جيد.]].

قال المفسرون: (لما ألقى موسى العصا صارت حية عظيمة حتى سدت الأفق، ثم فتحت فاها ثمانين ذراعاً وابتلعت ما ألقوا من حبالهم وعصيهم) [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 21. وقد أخرج عن قتادة والسدي وابن إسحاق، والقاسم بن أبي بزة، وابن عباس نحوه.]].

وقوله تعالى: ﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾. معنى الإفك في اللغة: قلب الشيء عن وجهه، ومنه قيل للكذب: إفك؛ لأنه مقلوب عن وجهه [[انظر: "العين" 5/ 416، و"تهذيب اللغة" 1/ 174، و"الصحاح" 4/ 1572، و"المجمل" 1/ 99، و"مقاييس اللغة" 1/ 118، و"المفردات" ص 79، و"اللسان" 1/ 97 (إفك).]]. قال ابن عباس: ﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾ [[لفظ: (ما) ساقط من (ب).]] (يريد: يكذبون) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 204.]].

وقال الزجاج: (معنى ﴿يَأْفِكُونَ﴾: يأتون بالإفك [[في (ب): (يأتون في الأفك).]]: وهو الكذب، وذلك أنهم زعموا أن عصيهم وحبالهم حيات، وكذبوا في ذلك، إنما جعلوا فيها الزئبق وصوروها يصور الحيات، فاضطرب الزئبق لأنه لا يستقر. قال الله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾) [["معاني الزجاج" 2/ 366.]] [طه: 66].

7:118Page 164

فَوَقَعَ ٱلۡحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١١٨

So the truth was established, and abolished was what they were doing.

قوله تعالى: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾. قال مجاهد: (ظهر) [["تفسير مجاهد" 1/ 242، وأخرجه الطبري 9/ 22 من عدة طرق جيدة.]]، وهو قول الحسن [[ذكره الماوردي في "تفسيره" 2/ 246، والواحدي في "الوسيط" 1/ 219، والبغوي 3/ 265، والرازي 14/ 205، عن مجاهد والحسن.]] وغيره [[أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1536 بسند جيد عن ابن عباس.]]، وقال الفراء: (فتبين الحق من السحر) [["معاني الفراء" 1/ 391.]].

قال أهل المعاني: (الوقوع: ظهور الشيء بوجوده نارلاً إلى مستقره) [[انظر: "تفسير الرازي" 14/ 205.]].

قال المفسرون: (وذلك أن السحرة قالوا: لو كان ما صنع موسى سحراً لبقيت حبالنا وعصينا وعادت إلى حالها الأولى ولم تُفقد، فلما فُقدت علموا أن ذلك أمر من أمر الله تعالى، فذلك قوله: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [[هذا قول الفراء في "معانيه" 1/ 391.]]. ﴿مَا﴾ يجوز أن يكون بمعنى (الذي)، فيكون المعنى: بطل الحبال والعصي الذي عملوا به السحر، أي: زال وذهب بفقدانها، ويجوز أن يكون بمعنى المصدر كأنه قيل: بطل عملهم [[انظر: "الفريد" 2/ 342، و"الدر" للسمين 5/ 417، ونقل قول الواحدي الرازي في "تفسيره" 14/ 205.]].

7:119Page 164

فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَٱنقَلَبُواْ صَٰغِرِينَ ١١٩

And they [i.e., Pharaoh and his people] were overcome right there and became debased.

قوله تعالى: ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ﴾، قال ابن عباس: (يريد: فرعون وملأه وجيشه) [[أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1536 بسند جيد.]]، ومعنى ﴿هُنَالِكَ﴾ أي: عند ذلك المجمع، وهو ظرف مبهم، و (هنا) و (هناك) و (هنالك) كقولك: (ذا) و (ذاك) و (ذلك) [[انظر: "الكتاب" 2/ 78، وقال السمين في "الدر" 5/ 418: (هنالك يجوز أن يكون مكانًا أي: غلبوا في المكان الذي وقع فيه سحرهم، وهذا هو الظاهر. قيل: ويجوز أن يكون زمانًا، وهذا ليس أصله، وقد أثبت له بعضهم هذا المعنى ..) اهـ. ملخصًا.]]، ودخلت اللام في (هنالك) للدلالة على بعد المكان المشار إليه، كما دخلت في (ذلك) لبعد المشار إليه، فـ (هناك) لما بعد قليلاً، و (هنالك) لما كان أشد بعداً، والكاف للمخاطبة.

وقوله تعالى: ﴿وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾، أي: انصرفوا ذليلين، والصاغر: الذليل من الصغر والصَغار، وقد ذكرنا ذلك [[سورة الأنعام، الآية: 124.]].

7:120Page 164

وَأُلۡقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَٰجِدِينَ ١٢٠

And the magicians fell down in prostration [to Allāh].

قوله تعالى: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: خروا لله عابدين سامعين مطيعين) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 219.]].

وقال مقاتل: (ألقاهم الله ساجدين) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 6/ 6 ب، والبغوي 3/ 266، وفي "تفسير مقاتل" 2/ 54: قال: (﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ لله) اهـ.]].

وقال الأخفش: (من سرعة ما سجدوا كأنهم أُلقوا؛ لأنهم لم يتمالكوا أن وقعوا ساجدين، وكأن ملقياً ألقاهم) [[ذكره السمرقندي في "تفسيره" 1/ 561، والثعلبي 6/ 6 ب، والبغوي 3/ 266، ولم أقف عليه في "معانيه".]].

وقال غيره [[هذا قول الطبري في "تفسيره" 9/ 22، وانظر: "تفسير الماوردي" 2/ 246.]]: (ألقاهم ما رأوا من عظيم آيات الله عز وجل؛ بأن دعاهم إلى السجود له).

7:121Page 165

قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٢١

They said, "We have believed in the Lord of the worlds,

قوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قيل في التفسير: (إن موسى قال للسحرة: أتؤمنون بي إن غلبتكم؟ فقالوا: لنأتين اليوم بسحر لا يغلبه سحر، ولئن غلبتنا لنؤمنن بك، فلما غلبهم ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 9/ 22، عن ابن عباس، وابن مسعود وناس من أصحاب رسول الله ﷺ.]].

7:122Page 165

رَبِّ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ١٢٢

The Lord of Moses and Aaron."

قوله تعالى: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾. إنما خصهما بالذكر بعد دخولهما في جملة العالمين؛ لأن فيه معنى الذي دعى إلى الإيمان به موسى وهارون، وقيل: خصهما بالذكر تفضيلاً وتشريفاً كقوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: 98].

وقيل في التفسير: (إنهم لما ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال لهم فرعون: إياي يعنون. قالوا: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [[ذكره السمرقندي في "تفسيره" 1/ 561، والثعلبي 6/ 6 ب، والبغوي 3/ 266.]].

7:123Page 165

قَالَ فِرۡعَوۡنُ ءَامَنتُم بِهِۦ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّ هَٰذَا لَمَكۡرٞ مَّكَرۡتُمُوهُ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لِتُخۡرِجُواْ مِنۡهَآ أَهۡلَهَاۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ١٢٣

Said Pharaoh, "You believed in him1 before I gave you permission. Indeed, this is a conspiracy which you conspired in the city to expel therefrom its people. But you are going to know.

قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾. قال الكلبي: (يقول: صدقتم بموسى من قبل أمري إياكم) [["تنوير المقباس" 2/ 118، وهو قول مقاتل في "تفسيره" 2/ 45، وذكره عن مقاتل الثعلبي 6/ 7 أ، والبغوي 3/ 266.]]. ونحو ذلك قال الفراء [["معاني الفراء" 1/ 391.]].

وفي: ﴿آمَنْتُمْ﴾ ثلاثة أوجه من القراءة [[قرأ حفص عن عاصم: ﴿آمَنْتُمْ﴾ بهمزة واحدة غير ممدودة على لفظ الخبر، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: ﴿أءامنتم﴾ بهمزتين، وقرأ الباقون: ﴿ءَآمَنْتُمْ﴾ بهمزة واحدة ممدودة. انظر: "السبعة" ص290، و"المبسوط" ص 184، و"التذكرة" 2/ 423، و"التيسير" ص 112، و"النشر" 1/ 368.]]: إحداها: تحقيق الهمزتين وهو مذهب أهل الكوفة، وأصل ﴿آمَنْتُمْ﴾ أآمنتم على (أفعلتم) إحدى الهمزتين للإفعال، والثانية ألفان فخففت الثانية فدخلت هاهنا همزة الاستفهام واجتمعت مع همزة أفعل فحققهما الكوفيون، وقرأ أبو عمرو ونافع بهمزة بعدها ألف ممدودة تكون في التقدير ألفين، فالهمزة همزة الاستفهام، والألفان الأولى منهما الهمزة التي هي في [[لفظ: (في) ساقط من (ب).]] أفعلتم خففت، والثانية [[في: (أ): (والثالثة)، وهو تحريف.]] المنقلبة عن فاء الفعل.

وقرأ حفص ﴿أامنتم﴾ بلفظ الخبر من غير مد، ووجه [[في (ب): (ولفظ الخبر).]] الخبر أنه يخبرهم بإيمانهم على وجه التقريع لهم [[لفظ: (لهم) ساقط من (ب).]]، والإنكار عليهم، وكذلك أيضاً وجه الاستفهام يوبخهم به وينكره عليهم [[هذا قول أبي علي في "الحجة" 4/ 68 - 71. وانظر: "معاني القراءات" 1/ 419، و"إعراب القراءات" 1/ 201، و"الحجة" لابن خالويه ص 161، ولابن زنجلة ص 293، و"الكشف" 1/ 473.]].

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ﴾. قال الكلبي: (لصنيع صنعتموه فيما بينكم وبين موسى في مصر قبل خروجكم إلى هذا الموضع) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 219، وابن الجوزي 3/ 243.]]، أي: أنكم تواطأتم على هذا الأمر لتستولوا على مصر فتخرجوا منها أهلها وتتغلبوا عليها بسحركم.

وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، قال ابن عباس: (يريد تهدداً [[في (ب): (يريد تهديدًا).]] منه للذين آمنوا بالله) [[لم أقف عليه.]].

قال أهل المعاني: (معنى التهديد في هذا اللفظ: أن فيه معنى أقدمتم بالجهل على سبب الشر، ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ما [[في (ب): (من).]] يظهر لكم مما [[في (ب): (ما).]] يؤدي إليه إقدامكم على ما فعلتم، وهذا أبلغ من الإفصاح به) [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 23.]].

7:124Page 165

لَأُقَطِّعَنَّ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَٰفٖ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمۡ أَجۡمَعِينَ ١٢٤

I will surely cut off your hands and your feet on opposite sides; then I will surely crucify you all."

قوله تعالى: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ﴾ الآية. استعمل لفظ التقطيع هاهنا لمكان الأيدي وهي جمع.

وقوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾. قال عبد العزيز بن يحيى: (على مخالفة، وهو أن يقطع من كل شق طرف كاليد اليمنى مع الرجل اليسرى) [[لم أقف عليه.]]. قال سعيد بن جبير: (وفرعون أول من فعل ذلك) [[أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1537 بسند جيد، وذكره الثعلبي 7/ 6 أ، وأخرجه الطبري 9/ 23 بسند لا بأس به عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.]].

7:125Page 165

قَالُوٓاْ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ١٢٥

They said, "Indeed, to our Lord we will return.

قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾. هذا جواب السحرة لفرعون لما توعدهم بالقطع والصلب. قال ابن عباس في هذه الآية: (يريد: راجعون إلى ربنا بالتوحيد والإخلاص) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 220.]].

وقال غيره [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 24، والسمرقندي 1/ 561.]]: (راجعون إلى ثواب ربنا وجنته، ولكنه فخم بالإضافة إلى لله، وهذا يدل على أنهم صبروا على وعيده بما توقعوا من الله تعالى من عظيم الثواب).

7:126Page 165

وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلَّآ أَنۡ ءَامَنَّا بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتۡنَاۚ رَبَّنَآ أَفۡرِغۡ عَلَيۡنَا صَبۡرٗا وَتَوَفَّنَا مُسۡلِمِينَ ١٢٦

And you do not resent us except because we believed in the signs of our Lord when they came to us. Our Lord, pour upon us patience1 and let us die as Muslims [in submission to You]."

قوله [[في: (ب) (وقوله).]] تعالى: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا﴾. يقال: نقمتُ أنقِم إذا بالغت في كراهية الشيء، وقد مرّ عند قوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا﴾ [المائدة: 59].

قال [[في: (ب) (وقال).]] عطاء عن ابن عباس: (يريد: ما لنا عندك من ذنب ولا ركبنا منك مكروهاً تعذبنا عليه ﴿إِلَّا أَنْ آمَنَّا﴾ [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 220، والرازي 14/ 209، وذكره الثعلبي في "الكشف" 6/ 7 أ، والبغوي 3/ 266 من قول عطاء فقط.]].

وقال الضحاك: وما تطعن علينا [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 6/ 7 أ، والبغوي 3/ 266.]] ﴿إِلَّا أَنْ آمَنَّا﴾، أي. إلا إيماننا ﴿بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾. يعنون: ما أتى به موسى من الآيات في العصا واليد، آمنوا بها أنها من عند الله لا يقدر على مثلها إلا الله تعالى [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 24، والسمرقندي 1/ 561.]].

قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾، معنى الإفراغ في اللغة: الصّب، يقال: درهم مُفْرَغ إذا كان مصبوباً في قالب ليس بمضروب، وأصله من إفراغ الإناء؛ وهو صب ما فيه أجمع حتى يخلو الإناء، وهو من الفراغ، فاستعمل في الصب على التشبيه بحال إفراغ الإناء [[انظر: "العين" 4/ 408، و"تهذيب اللغة" 3/ 2777، و"الصحاح" 4/ 1324، و"مقاييس اللغة" 4/ 493، و"المفردات" ص 632، و"اللسان" 6/ 3396 (فرغ).]].

قال مجاهد: (اصبب علينا الصبر عند الصلب والقطع حتى لا نرجع كفاراً) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 220، وابن الجوزي 3/ 243، والرازي 4/ 209.]].

وقال الزجاج: (أي: أنزل علينا صبراً يشتمل علينا) [["معاني الزجاج" 2/ 367، ومثله ذكر النحاس في "معانيه" 3/ 64.]]، وإنما ذكر لفظ الاشتمال لمعنى [[في (ب): (بمعنى).]] الإفراغ وهو أنك إذا صببت شيئاً على شيء شمله وعمّه.

وقوله تعالى: ﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾. قال مجاهد: (مخلصين بالعبادة) [[لم أقف عليه.]]

وقال ابن كيسان: (أي: على دين موسى) [[لم أقف عليه.]].

7:127Page 165

وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِ فِرۡعَوۡنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوۡمَهُۥ لِيُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبۡنَآءَهُمۡ وَنَسۡتَحۡيِۦ نِسَآءَهُمۡ وَإِنَّا فَوۡقَهُمۡ قَٰهِرُونَ ١٢٧

And the eminent among the people of Pharaoh said, "Will you leave Moses and his people to cause corruption in the land and abandon you and your gods?" [Pharaoh] said, "We will kill their sons and keep their women alive; and indeed, we are subjugators over them."

قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية. هذا إغراء من الملأ وتحريض لفرعون على موسى، وإنكار أن يتركه مقيماً على مخالفته.

قال سعيد بن جبير: (كان فرعون قد ملئ رعباً من موسى، وكان إذا رآه بال كما يبول الحمار، ولم يعلم قوم فرعون ذلك الرعب من فرعون، فأنكروا عليه خلاف عادة الملوك في السطوة لمن خالف عليهم، وشقِّ العصّا ولم يعلموا أنه غير قادر على قهره) [[لم أقف عليه.]].

وقوله تعالى: ﴿لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾. قال ابن عباس: (يريد: يعبدوا الله ويوحدوه) [["تنوير المقباس" 2/ 119.]].

وقال غيره: (أراد بالإفساد في الأرض دعاؤهم الناس إلى مخالفة فرعون في عبادته وتجهيلهم إياه) [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 24، 25، والسمرقندي 1/ 562، والماوردي 2/ 248.]]، وهذا راجع إلى ما قاله ابن عباس؛ لأن عبادة الله وتوحيده تتضمن مخالفة فرعون وتجهيله.

وقوله تعالى: ﴿وَيَذَرَكَ﴾. قال ابن الأنباري: (إنه ينتصب على الصرف [[واو الصرف: هي واو المعية عند الكوفين. انظر: "معجم المصطلحات النحوية والصرفية" ص 125.]] عن الأول، يراد به ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ وقد ترك أن يطيعك وأن يعبد ألهتك). وهذا قول الفراء [[انظر: "معاني الفراء" 1/ 391، وهو قول الطبري في "تفسيره" 9/ 25.]]، واحتج على هذا بقراءة أبيّ: (أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض وقد تركوا أن يعبدوك) [[ذكر القراءة أيضًا عن أبي: أبو عبيد في "فضائل القرآن" ص 127، والطبري في "تفسيره" 9/ 25، والنحاس في "إعراب القرآن" 1/ 632، وابن عطية 6/ 42، والقرطبي 7/ 262، وأبو حيان في "البحر" 4/ 367، وجاء عند الجميع إلا النحاس: (وقد تركوك أن يعبدوك).]].

قال أبو بكر: (وقال بعض النحويين: الواو نائبة عن الفاء، والتقدير: فيذرك وآلهتك) [[انظر: "الإيضاح" لابن الأنباري 2/ 663، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 221، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 419 - 420.]]، وهذا قول أبي إسحاق، قال: (نصب ﴿وَيَذَرَكَ﴾ على جواب الاستفهام بالواو، والمعنى: أيكون منك أن تذر موسى وأن يذرك موسى) [["معاني الزجاج" 2/ 367، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 632.]]. قال أبو بكر: (وحمله بعض الناس على إعراب (يُفسدوا)، وفي هذا بُعدٌ؛ لأن توحيده مع جمع (يفسدوا) يدل على انقطاعه منه) [[قال ابن الأنباري في "الإيضاح" 2/ 663: (قال اليزيدي: ﴿وَيَذَرَكَ﴾ منصوب على معنى: ﴿لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ وليذرك وآلهتك) اهـ. وقال السمين في "الدر" 5/ 423: (في النصب وجهان: أظهرهما أنه على العطف على ﴿لِيُفْسِدُوا﴾، والثاني: النصب على جواب الاستفهام) اهـ.]].

وقوله تعالى: ﴿وَآلِهَتَكَ﴾. قال أبو بكر: (كان ابن عباس ينكر قراءة العامة ويقرأ: (وإلاهتك) أي: عبادتك، ويقول: [[أخرج الطبري 9/ 25، 26، وابن أبي حاتم 5/ 1538 من طرق جيدة عن ابن عباس أنه قرأ: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ بكسر الألف، وقال: (إنما كان فرعون يُعْبدَ ولا يَعْبُد) == اهـ وأخرج أبو عبيد في "فضائل القرآن" ص 172، القراءة بسند جيد، وانظر: "الدر المنثور" 3/ 200.]] إن فرعون كان يُعبد ولا يَعبد) [[ذكره عن ابن الأنباري السمين في "الدر" 5/ 424، وانظر: "تفسير الرازي" 14/ 211.]]، وبه قرأ الضحاك وابن مسعود والشعبي وابن أبي إسحاق [[ذكرها الثعلبي في "الكشف" 6/ 7 ب، 6/ 8 أعن ابن مسعود وابن عباس وابن أبي إسحاق والضحاك والشعبي، وذكرها البغوي 3/ 267، و"الخازن" 2/ 273، عن ابن مسعود وابن عباس والشعبي والضحاك وذكرها عن ابن مسعود وابن عباس أكثرهم. انظر: "مختصر الشواذ" ص 55، و"المحتسب" 1/ 256، وابن عطية 6/ 43، وابن الجوزي 3/ 244، و"البحر" 4/ 367 وهي قراءة مجاهد كما أخرجه الطبري 9/ 26 بسند جيد.]].

قال الزجاج: (والمعنى: ويذرك وربوبيتك فـ (إلاهتك) بمنزلة ربوبيتك) [[لم أقف عليه في "معانيه"، وذكره عن الزجاج ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 244.]]. وقرأ العامة ﴿وَآلِهَتَكَ﴾ على جمع إله مثل إزار وآزرة، وقد مرّ مستقصًى شرحه في أول الكتاب [[انظر: "البسيط" تفسير البسملة من الفاتحة.]]، وعلى هذه القراءة فقد روي عن ابن عباس أنه قال: (كان فرعون صنع لقومه أصناماً صغاراً، وأمرهم بعبادتها، وقال: أنا ربكم ورب هذه الأصنام، فذلك قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 6/ 7 ب، وابن الجوزي 3/ 244، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 221 من رواية الكلبي عن ابن عباس.]] [النازعات: 24]، ونحو ذلك قال الزجاج، فقال: (إن فرعون كان له أصنام يعبدها قومه تقرباً إليه) [["معاني الزجاج" 2/ 367.]].

وقال الحسن: (كان فرعون يعبد الأصنام) [[أخرجه الطبري 9/ 25، وابن أبي حاتم 5/ 1538 من عدة طرق جيدة، وذكره الثعلبي 6/ 7 ب، والماوردي 2/ 248، والبغوي 3/ 267.]]، فعلى هذا كان يَعبد ويُعبد. وقال السدي: (كان يعبد ما يستحسن من البقر، وكانوا إذا رأوا بقرة حسناء، أمر قومه أن يعبدوها، وعلى ذلك أخرج السامري عجلاً) [[أخرجه الطبري 9/ 25 بسند جيد.]]، ونحو هذا روي عن سليمان التيمي [[أخرج ابن أبي حاتم 5/ 1538 بسند جيد، وذكره النحاس في "معانيه" 3/ 65.]].

وقوله تعالى: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾. قال ابن عباس: (كان فرعون قد ترك قتل أبناء بني إسرائيل، فلما أتاه موسى بالرسالة -وكان من أمره ما كان- أمر بإعادة القتل عليهم، فذلك قوله: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 6/ 8 أ، والواحدي في "الوسيط" 1/ 221، والبغوي 3/ 267.]].

قال أهل المعاني: (إنما دعي فرعون إلى قتل موسى، لكنه لم يطمع في ذلك لما رأى من قوة أمره وعلوّ شأنه، فعدل عن ذلك إلى إضعاف بني إسرائيل بقتل أبنائهم واستحياء نساءهم للمهنة والخدمة) [[انظر: "تفسير الماوردي" 2/ 248، والرازي 14/ 211، 212.]].

وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾، قال ابن عباس: (يريد: وإنا على ذلك قادرون) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 221.]].

7:128Page 165

قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِ ٱسۡتَعِينُواْ بِٱللَّهِ وَٱصۡبِرُوٓاْۖ إِنَّ ٱلۡأَرۡضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ ١٢٨

Said Moses to his people, "Seek help through Allāh and be patient. Indeed, the earth belongs to Allāh. He causes to inherit it whom He wills of His servants. And the [best] outcome is for the righteous."

قوله تعالى: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾، وهم الذين اتبعوه وآمنوا به. قال ابن عباس: (لما آمنت السحرة اتبع موسى ستمائة ألف من بني إسرائيل)، ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾ (وذلك أنهم شكوا إلى موسى إعادة قتل أبنائهم، فقال موسى: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾ على ما يفعل بكم). قاله ابن عباس [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 6/ 8 أ، والبغوي 3/ 267 - 268، وأخرج الطبري 9/ 27 بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (لما آمنت السحرة اتبع موسى ستمائة ألف من بني إسرائيل) اهـ.]].

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾. هذا إطماع من موسى قومه في أن يورثهم الله أرض فرعون وقومه، أي: يعطيهم بعد إهلاكهم، وذلك معنى الإرث، وهو جعل الشيء للخلف بعد السلف.

وقوله تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. قال ابن عباس: (أي: الجنة لمن اتقى الله في الآخرة) [["تنوير المقباس" 2/ 119، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 221.]].

وقال غيره: (العاقبة [[في: (ب) (وقال غيره معنى العاقبة)، وهو تحريف.]] هاهنا النصر والظفر) [[هذا قول الثعلبي في "الكشف" 6/ 8 أ، والبغوي 3/ 267، وانظر: "الماوردي" 2/ 249، والظاهر من الآية مجموع الأمرين النصر والظفر والجنة.]]، ومعنى العاقبة: ما تؤدي إليه البادئة [[في: (ب) (التادية).]] من خير أو شر، إلا أنه إذا قيل: العاقبة له فهو في الخير [[انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2504، و"اللسان" 5/ 3022 (عقب)، وقال الراغب في "المفردات" ص 575: (العاقبة إطلاقها يختص بالثواب وبالإضافة قد تستعمل في العُقوبة) اهـ.]].

7:129Page 165

قَالُوٓاْ أُوذِينَا مِن قَبۡلِ أَن تَأۡتِيَنَا وَمِنۢ بَعۡدِ مَا جِئۡتَنَاۚ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يُهۡلِكَ عَدُوَّكُمۡ وَيَسۡتَخۡلِفَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرَ كَيۡفَ تَعۡمَلُونَ ١٢٩

They said, "We have been harmed before you came to us and after you have come to us." He said, "Perhaps your Lord will destroy your enemy and grant you succession in the land and see how you will do."

قوله تعالى: ﴿قَالُوا أُوذِينَا﴾. قال ابن عباس: (أي: بالقتل الأول، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا﴾ بالرسالة، ﴿وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ بإعادة القتل عليهم والإتعاب في العمل). ﴿قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ﴾، قال [[لفظ: (قال) ساقط من (ب).]]: (وعسى من الله واجب) [["تنوير المقباس" 2/ 120، وأخرج البيهقي في "سننه" 9/ 13 بسند جيد عنه قال: (كل عسى في القرآن فهي واجبة) اهـ. وذكره السيوطي في "الإتقان" 2/ 241.]]، قال سيبويه: (عسى [[في (ب): (وعسى).]] طمع وإشفاق) [["الكتاب" 4/ 233.]]. قال الزجاج: (وما طمع الله عز وجل فيه فهو واجب، وهو معنى قول المفسرين: عسى من الله واجب) [["معاني الزجاج" 2/ 367، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 225.]].

وقوله تعالى: ﴿أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾، يعني: فرعون وقومه. ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، قال ابن عباس: (يملككم ما كان يملك فرعون) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 222 بلا نسبة، ونقل ابن الجوزي 3/ 246 عن ابن عباس أنه قال: (أرض مصر) اهـ.]].

وقوله تعالى: ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾. قال أبو إسحاق: (أي: يرى ذلك بوقوع ذلك منكم؛ لأن الله لا [[لفظ: (لا) ساقط من (ب).]] يجازيهم على ما يعلمه منهم، إنما يجازيهم على ما يقع منهم) [["معاني الزجاج" 2/ 367.]]، وهذه الآية تسلية من موسى لقومه بما وعدهم عن ربه من إهلاك فرعون وقومه وجعلهم بدلاً منهم ليعملوا بطاعته، ثم حقق الله ذلك، فغرق فرعون وقومه واستخلفهم في ديارهم وأموالهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском