Al-Wahidi (al-Basit)Al‑A'raf · 7:150–154

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:150–154

7:150Page 169

وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ غَضۡبَٰنَ أَسِفٗا قَالَ بِئۡسَمَا خَلَفۡتُمُونِي مِنۢ بَعۡدِيٓۖ أَعَجِلۡتُمۡ أَمۡرَ رَبِّكُمۡۖ وَأَلۡقَى ٱلۡأَلۡوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأۡسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُۥٓ إِلَيۡهِۚ قَالَ ٱبۡنَ أُمَّ إِنَّ ٱلۡقَوۡمَ ٱسۡتَضۡعَفُونِي وَكَادُواْ يَقۡتُلُونَنِي فَلَا تُشۡمِتۡ بِيَ ٱلۡأَعۡدَآءَ وَلَا تَجۡعَلۡنِي مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٥٠

And when Moses returned to his people, angry and grieved, he said, "How wretched is that by which you have replaced me after [my departure]. Were you impatient over the matter of your Lord?" And he threw down the tablets and seized his brother by [the hair of] his head, pulling him toward him. [Aaron] said, "O son of my mother, indeed the people overpowered me and were about to kill me, so let not the enemies rejoice over me1 and do not place me among the wrongdoing people."

قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾، اختلفوا في معنى: الأسف؛ فقيل الأسف: الشديد الغضب، وهو قول أبي الدرداء [[أخرجه الطبري 9/ 64 بسند ضعيف، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 197 ب، والبغوي 3/ 284 وابن الجوزي 3/ 263، والرازي 15/ 10، والقرطبي 7/ 286، ابن كثير 2/ 276، والسيوطي في "الدر" 3/ 235.]]، وعطاء عن ابن عباس [[ذكره الرازي 15/ 10.]] واختيار الزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 378 واختاره أكثرهم. انظر: "مجاز القرآن" 1/ 228، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 150، "تفسير الطبري" 9/ 64، و"معاني النحاس" 3/ 82، و"نزهة القلوب" ص 74.]]، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: 55]. أي: أغضبونا، واختاره ابن قتيبة أيضاً فقال: (يقال: آسفني فأسفت أي: أغضبني فغضبت، ومنه قوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [["تفسير غريب القرآن" ص 173.]].

و [[(الواو): ساقطة من (ب).]] قال ابن عباس [[أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1569 من طرق جيدة، وذكره الماوردي في "تفسيره" 2/ 262، والسيوطي في "الدر" 3/ 235.]] والسدي [[أخرجه الطبري 9/ 63 بسند جيد، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 197 ب، والبغوي في "معالم التنزيل" 3/ 284، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 7/ 286 - 287 عن ابن عباس والسدي.]] والحسن [[أخرجه الطبري 9/ 64 بسند جيد، وذكره ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 263 == والرازي 14/ 10 عن ابن عباس والحسن والسدي.]]: (الآسف الحزين)، ونحو ذلك قال الكلبي [["تنوير المقباس" 2/ 128، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 244 عن الكلبي والسدي.]]، والقولان متقاربان [[انظر: "تفسير ابن عطية" 6/ 86، ونقل قول الواحدي، الرازي 15/ 10.]]؛ لأن الغضب من الحزن؛ والحزن من الغضب، فإذا [[في (ب): (وإذا).]] جاءك ما تكره ممن هو دونك غضبت، وإذا جاءك ممن هو فوقك حزنت، يسمى أحدهما: حزنًا، والآخر: غضبًا، وأصلهما أن يصيبك ما تكره.

يدل على هذا ما قاله الليث: (الأسَفُ في حال الحُزن، وفي حال الغَضَب إذا جاءك أمر ممن هو دونك فأنت أسف [أي: غضبان، وقد آسَفَك، وإذا جاءك أمر ممن هو فوقك [[في "العين" 7/ 311: (ممن هو فوقك أو من مثلك فأنت أَسِف)، وفي "تهذيب اللغة" 1/ 161، عن الليث: (وإذا جاءك أمر فحزنت له ولم تطقه ..).]] فحزنت له ولم تطقه فأنت أسف] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] أي: حزين) [["تهذيب اللغة" 1/ 161.]]. ومن هذا قال القائل [["الشاهد" لأبي الطيب المتنبي في "ديوانه" ص 436 وبلا نسبة في "المفردات" ص 75 (أسف)، و"الدر المصون" 5/ 466، و"عمدة الحفاظ" ص 16، و"بصائر ذوي التمييز" للفيروزأبادي 2/ 185 وأوله: (جزاك ربك بالأحزان مغفرة). وانظر شرح البيت في "شرح ديوان" المتنبي للواحدي ص 611.]]:

فحُزْنُ كل أخي حزنٍ أخو الغضب

فبين مقاربة ما بينهما، وعلى هذين المعنيين استعملت العرب الأسف. قال الأعشى: أرى رجلاً منهم أسيفًا كأنما ... يضم إلى كشحيه كفًّا مخضبا [["ديوانه" ص 80، و"مجالس ثعلب" ص 38، و"تهذيب اللغة" 1/ 161، و"مقاييس اللغة" 1/ 103، و"اللسان" 1/ 79، و"الدر المصون" 5/ 466، وفي "الديوان" (رجلاً منكم) بدل (منهم).]]

يقول: كأن يده قطعت واختضبت بدمه فغضب لذلك، فهذا في الغضب، وأما في الحزن فما روى في حديث عائشة -رضي الله عنها [[في: (أ): (عنهما).]] - أنها قالت: إن أبا بكر رجل أسيف [[أخرجه البخاري (664) في الأذان باب: حد المريض أن يشهد الجماعة، وفي باب: من أسمع الناس تكبير الإمام، رقم (712) وفي باب الرجل يأتم بالإمام وبأتم الناس بالمأموم رقم (713)، وفي كتاب: الأنبياء، باب: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: 7]، وأخرجه مسلم رقم (418) كتاب الصلاة، باب: استخلاف الإِمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر وغيرها رقم (3384)، عن عائشة -رضي الله عنهما- قالت: قال النبي ﷺ في مرضه: "مروا أبا بكر فليصل بالناس"، فقلت: (إنه رجل أَسيف ..) الحديث.]].

قال أبو عبيد: (الأسيف: السريع الحزن والكآبة [["تهذيب اللغة" 1/ 161، و"غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 100 قال: (سريع الحزن والبكاء) اهـ.]]، قال: ويقال من هذا كله: أسفت آسف أسفا) [["غريب الحديث" 1/ 100، و"تهذيب اللغة" 1/ 161، وزاد: (والأسف: الغضبان المتلهف على الشيء ومنه قوله تعالى: ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ اهـ. وانظر: "المنجد" ص 108، و"الصحاح" 4/ 1330، و"المجمل" 1/ 95، و"مقاييس اللغة" 1/ 103، و"المفردات" ص 75 (أسف).]]، فعلى هذا كان موسى غضبان على قومه لأجل عبادتهم العجل ﴿أَسِفًا﴾ حزينًا لأن الله فتنهم، وقد كان قال له: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ﴾ [طه: 85].

وقال الكلبي: ﴿أَسِفًا﴾ حزينًا لعبادة العجل [[في النسخ: (إنا قد فتنا)، وهو تحريف.]].

وقوله تعالى: ﴿قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾ [["تنوير المقباس" 2/ 128، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 244.]] [[في (ب) تكرار: (من بعدي).]]. أي: بئسما عملتم بعدي، يقال: خلّفه بما يكره، وخَلَفه بما يحب إذا عمل خلفه ذلك العمل. قال ابن عباس: (يريد: اتخاذهم العجل وكفرهم بالله) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 244.]].

وقوله تعالى: ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾. معنى العَجَلة [[انظر: "العين" 1/ 227، و"الجمهرة" 1/ 482، و"تهذيب اللغة" 3/ 2341، و"الصحاح" 5/ 1759، و"المجمل" 3/ 649، و"مقاييس اللغة" 4/ 237، و"المفردات" ص 548، و"اللسان" 5/ 2821 (عجل).]]: المتقدم بالشيء قبل وقته، ولذلك صارت مذمومة، والسرعة غير مذمومة؛ لأن معناها: عمل الشيء في أقل أوقاته.

قال الفراء [["معاني الفراء" 1/ 393، ومثله قال الطبري 9/ 64.]] والزجاج [["معاني الزجاج" 2/ 378.]]: (يقال: عجلت الشيء إذا سبقته، وأعجلته أي: استحثثته).

ومعنى ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]. قال ابن عباس: (يعني: ميعاد ربكم فلم تصبروا له) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 245، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 264، والرازي 15/ 11.]].

وقال الحسن [[ذكره الماوردي 2/ 263، والواحدي في "الوسيط" 2/ 245، والبغوي 3/ 284، وابن الجوزي 3/ 264، والرازي 15/ 11.]]: (وعد ربكم الذي وعدتم من الأربعين ليلة، وذلك أنهم قدروا أنه مات لما لم يأت على رأس الثلاثين ليلة).

وقال عطاء [[ذكره الرازي 15/ 11.]]: (يريد: تعجلتم سخط ربكم). وقال الكلبي: (أعجلتم بعبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر من ربكم) [["تنوير المقباس" 2/ 228، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 245، والبغوي 3/ 284، والرازي 15/ 11.]].

وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: التي فيها التوراة) [[ذكره أكثرهم بلا نسبة. انظر: "الوسيط" 1/ 245، والبغوي 3/ 284، وابن الجوزي 3/ 264، والرازي 15/ 11.]].

وروي أن النبي ﷺ قال: "يرحم الله أخي موسى ما المُخبَر كالمعاين، لقد أخبره الله بفتنة قومه، فعرف أن ما أخبره ربه حق، وإنه على ذلك لمتمسك بما في يديه، فرجع إلى قومه ورآهم [[في (ب): (ورآلهم) وهو تحريف.]] فألقى الألواح" [[أخرج أحمد في "المسند" 4/ 147 رقم 2446 - تحقيق أحمد شاكر، وابن أبي حاتم 5/ 1570، والحاكم في "المستدرك" 2/ 321 من طرق جيدة عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "ليس الخبر كالمعاينة، إن الله عز وجل أخبر موسى بما صنع قومه في العجل، فلم يلق الألواح، فلما عاين ما صنعوا ألقى الألواح فانكسرت" اهـ. واللفظ لأحمد. وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه)، ووافقه الذهبي في "التلخيص".

وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 235، وزاد نسبته إلى (عبد بن حميد والبزار وابن حبان والطبراني وأبي الشيخ وابن مردويه). == وأخرج أحمد 3/ 254 رقم 1842، والقضاعي في "مسند الشهاب" 2/ 201 - 202 رقم 1182 - 1184، والخطيب في "تاريخ بغداد" 3/ 360 - و8/ 28 من طرق جيدة، عن أنس وأبي هريرة وابن عباس أن النبي ﷺ قال: "ليس الخبر كالمعاينة" اهـ. وانظر: "المفاسد الحسنة" للسخاوي ص 414، و"كشف الخفاء" 2/ 168.]].

وقوله تعالى: ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾. قال الكلبي: (بذؤابة أخيه، وشعره بيده اليمنى، ولحيته باليسرى) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 245.]].

وقال ابن الأنباري: (8) رجع موسى فوجدهم مقيمين على المعصية أكبر ذلك واستعظمه، وأقبل على أخيه هارون بالملامة، ومد يده إلى رأسه لشدةٍ موجدته عليه، إذ لم يلحق به فيعرفه ما جرى بنو إسرائيل إليه من الأمر العظيم ليرجع فيتلافاهم، وهذا بيِّن في قوله: ﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا﴾ [طه: 92]، فأعلمه هارون أنه إنما أقام بين أظهرهم خوفًا على نفسه من القتل، وهذا بيّن في قوله: ﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾، فكان مد موسى يده إلى رأس أخيه عند توهمه أنه قد عصى الله بمقامه وتركه اللحوق به، وتعريفه ما أحدث قومه بعده، فلما سمع [موسى] [[لفظ: (موسى) ساقط من (ب).]] اعتذار هارون، زال عنه ما كان لحقه مما توهمه على أخيه، و ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي﴾ [[لفظ: (﴿وَلِأخَى﴾) ساقط من (أ).]] الآية) [[ذكر الواحدي في "الوسيط" 2/ 245 عن الكلبي نحوه. وذكره ابن الجوزي 3/ 264 بلا نسبة.]].

وقوله تعالى: ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ﴾ قرئ بكسر الميم وفتحها [[قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ﴾ بكسر الميم، وكذلك في آية ﴿يَبْنَؤُمَّ﴾ [طه: 94]، وقرأ الباقون بفتحهما. انظر: "السبعة" ص 295، و"المبسوط" 185، و"التذكرة" 2/ 426، و"التيسير" ص 113، و"النشر" 2/ 272.]]، [فـ] من [[لفظ: (الفاء) ساقط من (ب).]] كسر الميم فقال الزجاج: (فإنه أضاف إلى نفسه بعد أن جعلها [[في (أ): (جعلهما)، وفي "معاني الزجاج" 2/ 278 (جعله).]] اسمًا واحداً)، فعلى هذا قولهم: يا ابن أُمِ، بمنزلة يا غلامِ أقبل، تحذف الياء؛ لأن النداء باب حذف، وتبقى الكسرة دليلًا على المحذوف.

قال الفراء: (وذلك أنه كثر في الكلام، فحذفت العرب منه الياء، ولا يكادون يحذفون الياء إلا من الاسم المنادى يضيفه المنادي إلى نفسه إلا قولهم: يا ابن عمِّ ويا ابن أم، وذلك أنه يكثر استعمالهما [[في (ب): (استعمالهم).]] في كلامهم، فإذا جاء ما لا يستعمل أثبتوا [[في (ب): (بينوا).]] الياء فقالوا: يا ابن أبي، ويا ابن أخي، ويا ابن خالتي) [["معاني الفراء" 1/ 394.]]. انتهى كلامه.

ومعنى هذا: إن الياء لا تحذف إلا من المنادى إذا أضفته إلى نفسك نحو: يا غلام، ولا تحذف من الاسم مع المضاف إليه المنادى إذا أضفته إلى نفسك نحو [[لفظ: (نحو) ساقط من (ب).]]: يا غلام غلامي [[في (ب): (يا غلام يا غلامي).]] لا يجوز حذف الياء هاهنا، وكذلك يا ابن أبي، ويا ابن أخي، وجاز في يا ابن أم، ويا ابن عم لكثرتهما [[في (ب): (لكثرتها).]] في الكلام، فجعل الابن مع الأم والعم اسمًا واحداً وحذفت الياء كما حذفت من يا غلام، وقد جاء يا ابن أمي بإثبات الياء على الأصل كقول أبي زبيد:

يا ابن أمي ويا شُقَيِّقَ نفسي ... أنت خَلَّيْتَني لدهر كؤودِ [["ديوانه" ص 48، و"الكتاب" 2/ 213، و"تفسير الطبري" 9/ 67، و"الأضداد" لابن الأنباري ص 293، و"الحجة" لأبي علي 4/ 90، و"اللسان" 4/ 2301 (شقق)، وبلا نسبة في: "المقتضب" 4/ 250، و"معاني الزجاج" 2/ 379، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 639 - 640، و"إعراب القراءات" 1/ 209، و"التفسير" للماوردي 2/ 264، و"الأمالي" لابن الشجري 2/ 294، وهذه هي رواية النحاة في كتبهم والشاهد: يا ابن أمي، حيث أثبت الياء وهو قليل، والرواية في الديوان:

يا ابن خنساء شق نفسي يا ... لجلاج خليتني لدهر شديد

وهو من قصيدة طويلة يرثى بها ابن أخته لجلاج، انظر: "الاختيارين" للأخفش ص 5418، و"جمهرة أشعار العرب" ص 262.]]

قال سيبويه: (فهذا بمنزلة القصوى الذي استعمل فيه الأصل الذي رفض في غيره) [[هذا نص قول أبي علي الفارسي في "الحجة" 4/ 90، ولم أقف عليه عن سيبويه، وانظر: "الكتاب" 2/ 213 - 214.]].

وهذا الذي ذكرنا قول البصريين والكوفيين بلا اختلاف بينهما.

فأما [[في (ب): (وأما).]] من فتح فقال: ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ فمذهب البصريين [[انظر: "معاني الأخفش" 2/ 310، و"الزجاج" 2/ 278، و"إعراب النحاس" 1/ 460.]] فيه أنهم جعلوا: ابن وأم شيئًا واحداً نحو: خمسة عشر، ومذهب الكوفيين أنهم قالوا: يا ابن أم ويا ابن عم فنصبوا كما ينصب المفرد في بعض الأحوال نحو: يا حسرتا ويا ويلتا، فكأنهم قالوا: يا أماه ويا عماه، وهذا قول الفراء [["معاني الفراء" 1/ 394، وانظر: "تفسير الطبري" 9/ 67 - 68.]]، وعلى هذا الفتحة في (ابن) كالفتحة في المنادي المضاف والفتحة في (أم) كالفتحة في أمّاه وعمّاه، والصحيح قول البصريين، وهو أن الفتحة في ابن كالفتحة في خمسة من قولهم: خمسة عشر، والفتحة في أم كالفتحة [[هنا في: (أ) وقع تكرار وخلط ففيها: (والصحيح قول البصريين وهو أن الفتحة في ابن كالفتحة في خمسة من قولهم خمسة عشر والفتحة في أم كالفتحة في أماه وعماه والصحيح قول البصريين وهو أن الفتحة في ابن كالفتحة في خمسة من قولهم خمسة عشر والفتحة في أم كالفتحة في عشر فإن قيل ..).]] في عشر.

فإن قيل: لما لا يجوز أن يكون المراد يا ابن أمّا فحذف الألف كما حذفت ياء الإضافة في: يا غلام؟ قيل: ليس مثله، ألا ترى أن من حذف الياء من يا غلام أثبتها في يا غلام غلامي فلو كانت الألف مقدرة في يا ابن أم لم تحذف كما لم تحذف في قوله [["الشاهد" لأبي النجم الفضل بن قدامة العجلي في "ديوانه" ص 134، و"الكتاب" 2/ 214، و"النوادر" ص 19، و"الأصول" 1/ 342، و"الجمل" للزجاجي ص 160، و"الصحاح" 5/ 1992 (عمم) "الأمالي" لابن الشجري 2/ 295، و"اللسان" 5/ 3111 (عمم)، وبلا نسبة في "المقتضب" 4/ 252، و"الحجة" لابن خالويه ص 165، و"الحجة" لأبي علي 4/ 91، و"البغداديات" ص 506، و"العسكريات" ص 135، و"معاني الحروف" للروماني ص 148، و"المحتسب" 2/ 238، و"المدخل" للحدادي ص 547، و"رصف المباني" ص 235، و"الدر المصون" 5/ 468، وهو رجز بعده.

لا تسمعيي منك لومًا واسمعي == الشاهد فيه: يا ابنة عما، والأصل يا ابنة عمي فقلب الياء ألفًا كراهة اجتماع الكسرة والياء.]]: يا ابنة عمَّا لا تلومي واهجعي

فالألف لا تحذف حيث تحذف الياء، ألا ترى أن من قال: ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ [الكهف: 64]، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ [الفجر: 4] فحذف الياء من الفواصل لم يكن عنده في نحو ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل: 1 - 2] إلا الإثبات. فإن قيل: فما تقولون [[في (ب): (فما تقول).]] في بيت الكتاب:

رهط مرجوم ورهط ابن المعلّ [[الشاهد: للبيد بن ربيعة في ملحق "ديوانه" ص 199، و"الكتاب" 4/ 188، و"مجاز القرآن" 2/ 160، و"طبقات فحول الشعراء" 2/ 448، و"كتاب الكتاب" لابن درستويه ص 104، و"الحجة" لأبي علي 1/ 141، و"البغداديات" ص 506، و"الخصائص" 2/ 293، و"الأمالي" لابن الشجري 2/ 293، و"اللسان" 3/ 1603 (رجم)، وبلا نسبة في "الجمهرة" 1/ 466، و"العسكريات" ص 133، و"المحتسب" 1/ 342، و"سر صناعة الإعراب" 2/ 522، و"المقرب" 2/ 29، وصدره:

وقبيل من لكيز شاهد

والشاهد: ابن المعل، والأصل المعلى فحذف للضرورة، وقبيل: القبيلة، وشاهد أي حاضر، ولكيز من عبد قيس، ومرجوم: لقب رجلاً من عبد قيس، وابن المعلى هو جد الجارود بن بشير بن عمرو بن المعلى، أفاده عبد السلام هارون -رحمه الله تعالى- في حاشية الكتاب 4/ 188.]]

وهو يريد: المعلى؟

وفيما أنشد أبو الحسن:

فلست بمدرك ما فات مني ... بلهفَ ولا بليتَ ولا لو اني [[لم أعرف قائله وهو في: "معاني الأخفش" 1/ 65، و"الحجة" لأبي علي 4/ 92، == و"العسكريات" ص 134، و"كتاب الشعر" 1/ 282، و"الخصائص" 3/ 135، و"سر صناعة الإعراب" 2/ 521، و"المحتسب" 1/ 277، و"الأمالي" ابن الشجري 2/ 293، و"الإنصاف" 1/ 390، و"المقرب" 1/ 181، و"الممتع" 2/ 622، و"اللسان" 7/ 4087 (لهف).]] يريد: بلهفى، فحذف الألف؟ قال أبو علي الفارسي: (والجواب: أن ذلك يجوز في الشعر [[في (ب): (والجواب أن ذلك يجوز في الاختيار وحال السعة)، وهو تحريف.]] ولا يجوز في الاختيار وحال السعة، ولا ينبغي أن جمل قوله: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ﴾ [["الحجة" لأبي علي 4/ 92، وما قبله منه أيضاً. انظر: "الحجة" 4/ 89 - 93.]] [طه: 94] على هذا) [[أي: بالفتح.]].

وقال أبو علي في هذه المسألة في سورة طه: (من [[في (ب): (ما قال)، وهو تحريف.]] قال: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ﴾ [طه: 94] أراد يا ابن أمَّا فحذف الألف كما يحذف الياء من غلامي في النداء [إذا قال: يا غلام وحذف الياء، من المضاف إليه، وإن كانت لا تحذف من المضاف إليه] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] إذا قال: يا غلام غلامي، كما تحذف من المضاف إذا قال: يا غلام؛ لأن هذا الاسم قد كثر استعماله فيغير عن أحوال النظائر، والفتحة في ﴿ابْنَ﴾ على هذا نصبة كما أنها في قولك: يا غلام أمي، كذلك.

قال: ويجوز أن يكون جعل ابن وأمّ جميعًا بمنزلة اسم واحد فبناهما على الفتح، والفتحة في الأول ليست بنصبة كما كانت في الوجه الأول، ولكنها بمنزلة الفتحة في خمسة من خمسة عشر، والاسمان في موضع ضم بالنداء، فهذان وجهان. ومن قال: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمِ﴾ بالكسر، احتمل أيضًا أمرين: أحدهما: أن يكون أضاف ابنا إلى أم، وحذف الياء من الثاني، وكان الوجه إثباتها مثل: يا غلام غلامي، والآخر: أن يكون جعل الاسم الأول مع الثاني اسمًا واحداً وأضافه إلى نفسه، ثم حذف الياء، كما تحذف من أواخر المفردة نحو: يا غلام) [["الحجة" لأبي علي 5/ 248، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 425، و"إعراب القراءات" 1/ 280، و"الحجة" لابن خالويه ص 164، ولابن زنجلة ص 297، و"الكشف" 1/ 478.]].

قال المفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 68، والسمرقندي 1/ 571، والبغوي 3/ 284.]]: (وكان هارون أخا موسى لأبيه وأمّه، وإنما قال. ﴿يَا ابْنَ أُمَّ﴾ ليستعطفه عليه ويرققه) [[في (ب): (ويرفقه).]].

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي﴾). قال الكلبي: (استذلوني وقهروني) [["تنوير المقباس" 2/ 129، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 246.]]. ﴿وَكَادُوا﴾ وهمّوا أن ﴿يَقْتُلُونَنِي﴾ ﴿فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ﴾ يعني: أصحاب العجل. ﴿وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ الذين عبدوا العجل، أي: في موجدتك [[وَجَدت عليه مَوْجِدَة أي: غضبت، ووجدت عليه أي: حزنت وانظر: "اللسان" 8/ 4770 (وجد).]] عليّ، وعقوبتك لي لا تجعلني معهم [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 69، والسمرقندي 1/ 571.]].

7:151Page 169

قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَلِأَخِي وَأَدۡخِلۡنَا فِي رَحۡمَتِكَۖ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ١٥١

[Moses] said, "My Lord, forgive me and my brother and admit us into Your mercy, for You are the most merciful of the merciful."

قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي﴾. قال الكلبي: (رب اغفر لي ذنبي أي: ما صنعت إلى أخي) [["تنوير المقباس" 2/ 129.]]، يريد: ما أظهرت من الموجدة على هارون وهو بريء مما يوجب العتب عليه؛ لأنه لم يكن منه تقصير في الإنكار على عبدة العجل. إذ بلغ الأمر به أن [[في (أ): (إذا بلغ الأمر به لاهموا) وهو تحريف.]] هموا بقتله لشدة إنكاره.

وقوله تعالى: ﴿وَلِأَخِي﴾. إنما استغفر لأخيه لأنه ظنه مقصرًا في الإنكار على عبدة العجل، وإن لم يقع ذلك التقصير منه، [و] [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] كأنه يقول: اغفر لأخي إن قصر في الإنكار، كذلك [[في (ب): (لذلك)، وهو تحريف.]] قال أهل المعاني [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 69، و"معاني النحاس" 3/ 83، والسمرقندي 1/ 571.]] في استغفار موسى لأخيه هاهنا.

وقوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ﴾. قال عطاء عن ابن عباس [[لم أقف عليه، وفي "تنوير المقباس" 2/ 129: (قال: في جنتك)، وذكر الواحدي في "الوسيط" 2/ 246 عن عطاء قال: (أي: في جنتك) اهـ.]]: (يريد: في سعة جنتك).

وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. إخبار عن موسى أن الله تعالى بهذه الصفة، وهو يدل على قوة طمع الداعي في نجاح طلبته لأن من هو ﴿أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ يُؤمل منه الرحمة.

7:152Page 169

إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلۡعِجۡلَ سَيَنَالُهُمۡ غَضَبٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَذِلَّةٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُفۡتَرِينَ ١٥٢

Indeed, those who took the calf [for worship] will obtain anger from their Lord and humiliation in the life of this world, and thus do We recompense the inventors [of falsehood].

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ الآية، قد ذكرنا [[انظر: "البسيط" البقرة: 51.]] في مواضع أن المفعول الثاني من مفعولي الاتخاذ محذوف على تقدير: اتخذوا العجل إلهًا [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 70، و"معاني الزجاج" 2/ 379 ، والنحاس 3/ 84.]] ومعبودًا، يدل على هذا المحذوف قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ [طه: 88]، وللمفسرين، وأهل المعاني، في هذه الآية طريقان: أحدهما: أن المراد بالذين اتخذوا العجل: الذين باشروا عبادة العجل.

وقوله تعالى: ﴿سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾. قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: في الدنيا) [[لم أقف عليه.]]، يعني: أولئك تيب [[في (ب): (تبت).]] عليهم بقتلهم أنفسهم فلا يلحقهم الغضب في الآخرة، وتفسير هذا الغضب في الدنيا قاله أبو العالية؛ قال: (هو ما أمروا به من قتلهم أنفسهم) [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 198 أ، والبغوي 3/ 285.]].

وقوله تعالى: ﴿وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال الزجاج: (الذلة لحقتهم بأنهم رأوا أنهم قد ضلوا فذلوا) [["معاني الزجاج" 2/ 379، وفيه: (والذلة ما أمروا به من قتل أنفسهم).]]. وعلى هذا معنى قوله: ﴿سَيَنَالُهُمْ﴾ -وقد نالهم الغضب و [الذلة] [[لفظ: (الذلة) ساقط من (أ).]]، وهذه السين للاستقبال- هو أن هذه الآية إخبار [[في (ب): (هو أن هذه الأخبار) وهو تحريف.]] عما أخبر الله به موسى حين أخبره بافتتان قومه واتخاذهم العجل، أخبره أيضًا أن أولئك سينالهم غضب وذلة، ويُحتاج إلى تقدير محذوف كأنه قيل: وقلنا لموسى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ الآية، والقول كثيراً ما يُضمر في الكلام.

الثاني: أن المراد بالذين اتخذوا العجل أبناؤهم الذين كانوا في زمن النبي ﷺ، وهذا مذهب ابن عباس وعطية العوفي، قال ابن عباس: (هم الذين أدركوا النبي وآباؤهم الذين عبدوا العجل) [[ذكره الخازن 2/ 292.]]. وقال في قوله [[في (ب): (في قولهم) وهو تحريف.]]: ﴿سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ﴾: (عذاب في الآخرة)، ﴿وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، قال: (وهي الجزية) [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 198 أ، والبغوي 3/ 285، وابن الجوزي 3/ 265، الخازن 2/ 292.]].

وقال العوفي: (أراد سينال أولادهم الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ غضب وذلة)، قال: (وهو ما أصاب بني قريظة والنضير من القتل والجلاء) [[ذكره الثعلبي 198 أ، والواحدي في "الوسيط" 2/ 248، والبغوي 3/ 285، وابن الجوزي 3/ 266، الخازن 2/ 292.]].

وعلى هذا الطريق تحمل الآية على وجهين:

أحدهما: أن العرب تُعيّر الأبناء بمعاير الآباء وتنسبها إليهم، كما تفعل ذلك في المناقب، وهو كثير في أشعارهم يقولون للأبناء: فعلتم كذا وكذا، وإنما فعل ذلك من مضى من آباءهم، كذلك هاهنا الله تعالى وصف [هؤلاء] [[لفظ: (هؤلاء) سقط من (ب).]] اليهود الذين كانوا في زمن النبي ﷺ باتخاذ العجل وإن كان آباؤهم فعلوا ذلك تعييرًا لهم كعادة [[في (ب): (لعادة).]] العرب.

الوجه الثاني: أن الآية من باب حذف المضاف على ما ذكره عطية العوفي، والمعنى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ الذين باشروا ذلك ﴿سَيَنَالُهُمْ﴾ [[لفظ: (سينالهم) سقط من (أ).]] أي: سينال أولادهم ثم حذف المضاف لدلالة الكلام عليه [[والقول الأول أظهر وهو أن ذلك مختص بالمتخذين للعجل إلهًا لا لمن بعدهم == من ذراريهم، وهو اختيار الجمهور، انظر: "تفسير الطبري" 9/ 69 - 70، و"معاني الزجاج" 2/ 379، و"تفسير ابن عطية" 6/ 90، والقرطبي 7/ 291 - 292، وقال النحاس في "معانيه" 3/ 84: (وهذا القول أصح لأن الجزية لم تؤخذ منهم وإنما أخذت من ذريتهم) اهـ.]].

وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: كذلك أعاقب من اتخذ إلهًا من دوني أو تولى غيري) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 248، وابن الجوزي 3/ 266.]]. وقال أهل المعاني: (كل مفترٍ في دين الله فجزاؤه غضب الله والذلة في الدنيا، يؤكد هذا ما روي عن مالك بن أنس [[مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي أبو عبد الله المدني من تابعي التابعين، إمام حافظ ثقة، ثبت فقيه محدث، إمام دار الهجرة واحد أئمة المذاهب المتبوعة، أجمع العلماء على إمامته وجلالته وعلو مرتبته في الفقه والحديث، وفضله ومناقبه وثناء الأئمة عليه كثير توفي -رحمه الله- سنة 179 هـ، وله 86 سنة انظر: "تهذيب الأسماء واللغات" 2/ 75، و"سير أعلام النبلاء" 8/ 48، و"تذكرة الحفاظ" 1/ 207، و"تهذيب التهذيب" 4/ 8]] [رحمه الله] [[لفظ: (رحمه الله) ساقط من (ب).]] أنه قال: (ما من مبتدع إلا وهو يجد فوق رأسه ذلة، ثم قرأ هذه الآية) [[أخرجه الثعلبي في "تفسيره" ص 198، وذكره ابن الجوزي 3/ 266، والرازي 15/ 13، والقرطبي 7/ 292، والخازن 2/ 293، وأخرج الطبري 9/ 70، وابن أبي حاتم 5/ 1571، من عدة طرق جيدة عن أبي قلابة وسفيان بن عيينة نحوه.]]، والمبتدع مفتر في دين الله.

قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا﴾، قال ابن عباس [[لفظ: (﴿ثُمَّ تَابُوا﴾) ساقط من (أ).]]: (يريد: الشرك، مثل قوله في النساء: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ [النساء: 18]، ﴿ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا﴾ [["تنوير المقباس" 2/ 129، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 248.]] أي: رجعوا عنها وتركوها، قال ابن عباس: (يعني: قبل حلول العذاب وقبل الموت). وقوله: ﴿وَآمَنُوا﴾، قال: (يريد: صدّقوا أنه لا إله غيري ولا شريك معي) [[لم أقف عليه.]].

7:153Page 169

وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِهَا وَءَامَنُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٥٣

But those who committed misdeeds and then repented after them and believed - indeed your Lord, thereafter, is Forgiving and Merciful.

No commentary for this ayah

7:154Page 169

وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلۡغَضَبُ أَخَذَ ٱلۡأَلۡوَاحَۖ وَفِي نُسۡخَتِهَا هُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلَّذِينَ هُمۡ لِرَبِّهِمۡ يَرۡهَبُونَ ١٥٤

And when the anger subsided in Moses, he took up the tablets; and in their inscription was guidance and mercy for those who are fearful of their Lord.

قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾، قال المفسرون [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 229، و"معاني الأخفش" 2/ 311، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 150، و"تفسير غريب القرآن" ص 181، و"تفسير الطبري" 9/ 71، و"نزهة القلوب" ص 264، و"معاني النحاس" 3/ 85، و"تفسير السمرقندي" 1/ 572، و"تفسير المشكل" ص 87]]، وأهل اللغة [[انظر: "العين" 5/ 305، و"الجمهرة" 1/ 398، و"تهذيب اللغة" 2/ 1718، و"الصحاح" 1/ 253، و"المجمل" 2/ 468، و"مقاييس اللغة" 3/ 89، و"المفردات" ص 416، و"اللسان" 4/ 2046 (سكت).]]: (أي: سكن)، والسكوت أصله السكون والإمساك عن الشيء، وإنما يقال: سكت إذا أمسك عن الكلام، وجاز ﴿سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾، ولا يجوز صمت هاهنا؛ لأن ﴿سَكَتَ﴾ بمعنى: سكن وصمت [[انظر: "العين" 7/ 106، و"تهذيب اللغة" 2/ 2051، و"الصحاح" 1/ 256، و"المجمل" 2/ 540، و"معجم المقاييس" 3/ 308، و"اللسان" 4/ 2493 (صمت).]] معناه: سدّ فاه عن الكلام.

قال أصحاب النظر: (وإنما قيل لسكون الغضب: سكوت، وليس الغضب مما يجوز أن يتكلم [[في (ب): (يتكلم به).]] لأنه لما كان بفورته [[في (ب): (لأنه كان نفورته)، وهو تحريف.]] دالًا على ما في النفس للمغضوب عليه، كان بمنزلة الناطق بذلك، فإذا سكنت تلك الفورة كان بمنزلة الساكت عما كان متكلمًا).

وقال عكرمة: (المعنى: سكت موسى عن الغضب) [[ذكره الرازي 15/ 14، والقرطبي 7/ 293.]] فقلب؛ كما قالوا: أدخلت القلنسوة [[القَلَنْسُوة: من ملابس الرؤوس معروفة، انظر: "اللسان" 6/ 3720 (قلس).]] في رأسي، والمعنى: أدخلت رأسي في القلنسوة، قال أبو إسحاق: (والقول الأولى، الذي معناه: سكن، وهو قول أهل العربية) [["معاني الزجاج" 2/ 379، وقال الخازن 2/ 293: (والقول الأول أصح لأنه قول أهل اللغة والتفسير) اهـ. وقال السمين في "الدر" 5/ 472: (القول بالقلب ينبغي أن لا يجوز لعدم الاحتياج إليه مع ما في القلب من الخلاف) اهـ.]].

وقوله تعالى: ﴿أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾؛ لأنه كان قد ألقاها.

وقوله تعالى: ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا﴾. قد ذكرنا معنى النسخ [[انظر: "البسيط" النسخة الزهرية 1/ 78 ب.]] فيما تقدم، وهو: اكتتابك كتابًا عن كتاب حرفًا بحرف، تقول: نَسَخْتُه وانْتَسَخْته، فالأصل نُسْخةٌ، والمكتوب عنه نُسخةٌ؛ لأنه قام مقامه [[هذا قول الأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 3558 (نسخ).]].

قال ابن عباس [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 198 أ، والبغوي 3/ 285، والرازي 15/ 15، والقرطبي 7/ 293، والخازن 2/ 293.]] وعمرو بن دينار [[عمرو بن دينار لعله: عمرو بن دينار الجمحي، أبو محمَّد المكي الأثرم، تقدمت ترجمته.]]: (لما ألقى موسى الألواح تكسرت، فصام أربعين يومًا، فردت عليه، وأعيدت الألواح، وفيها الذي في الأولى) [[ذكره الثعلبي 198 أ، والبغوي 3/ 285، الخازن 2/ 293.]]. فعلى هذا معنى: ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا﴾. أي: فيما [[في (ب): (أي وفيما).]] نسخ منها، وإن كانت الألواح لم تتكسر، وأخذها موسى بعينها بعد ما ألقاها، فمعنى: ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا﴾. أي: وفي المكتوب فيها، وذلك المكتوب انتسخ من أصل فيسمى نسخة.

وقوله تعالى: ﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ﴾. قال ابن عباس [["تنوير المقباس" 2/ 130، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 198 أ، والخازن 2/ 293.]] وغيره [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 71، و"معاني النحاس" 3/ 85، والسمرقندي 1/ 572.]]: (هدى من الضلالة، ورحمة من العذاب). ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾. قال: (يريد: الخائفين من ربهم) [["تنوير المقباس" 2/ 135، وذكره ابن الجوزي 3/ 267، والخازن 2/ 293.]]. واختلفوا في وجه دخول اللام في قوله ﴿لِرَبِّهِمْ﴾؛ فقال الكسائي: (8) تقدم المفعول على الفعل حسنت اللام) [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 198 أ، والبغوي 3/ 286.]]، قال: (وهذا مما مات من الغريب، وقد كان يقال: لك أكرمت، ولك حدثت [[في (ب): (ولك حديث).]]، فمات ولو قلت: (أكرمت لك) تريد: أكرمتك، كان قبيحًا، وهو جائز، كما تقول: هو مكرم لك، وهو ضارب لك، بمعنى: مكرمك وضاربك، فحسن في موضع وقبح في آخر والأصل واحد) [[لم أقف عليه.]].

قال النحويون: (لمّا تقدم المفعول ضعف عمل الفعل فيه، فصار بمنزلة ما لا يتعدى، فأدخل اللام) [[انظر: "اللامات" للزجاجي ص 147، و"الهروي" ص 34، وقال ابن هشام في "المغني" 1/ 217: (هي لام التقوية، وهي المزيدة لتقوية عامل ضعف إما بتأخر نحو ﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ أو بكونه فرعا في العمل) اهـ.]].

وقال أبو علي الفارسي -وهو قول أكثر النحويين-: (قد يزاد بحروف الجر في المفعول، وإن كان الفعل متعديًا، وذلك نحو: قرأت السورة، وقرأت بالسورة [[في (ب): (نحو قرأت السورة وألقى يده، وفي القرآن) وهو تحريف.]]، وألقى يده، وألقى بيده، وفي القرآن ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: 14]، وفي موضع آخر ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ﴾ [النور: 25] [["الإيضاح العضدي" 1/ 197 - 198، وانظر: "المسائل العسكريات" ص 128.]]. فعلى هذا قوله: ﴿لِرَبِّهِمْ﴾ [[في (ب): (﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾).]] اللام صلة وتأكيد كقوله: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: 72].

وقد ذكرنا مثل هذا في قوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: 73]، وقال بعضهم: إنها [[في (ب): (وقال بعضهم ألها لام)، وهو تحريف.]] لام أجلٍ، والمعنى: هم [[في (ب): (والمعنى والذين هم).]] لأجل ربهم [[انظر: "معاني الأخفش" 2/ 311، و"تفسير الطبري" 9/ 71، و"إعراب النحاس" 1/ 641، و"التبيان" ص 391، و"والفريد" 2/ 367، و"الدر المصون" 5/ 472.]] ﴿يَرْهَبُونَ﴾. لا رياء ولا سمعة.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском