Al-Wahidi (al-Basit)Al‑A'raf · 7:27–31

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:27–31

7:27Page 153

يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ لَا يَفۡتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ كَمَآ أَخۡرَجَ أَبَوَيۡكُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ يَنزِعُ عَنۡهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوۡءَٰتِهِمَآۚ إِنَّهُۥ يَرَىٰكُمۡ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنۡ حَيۡثُ لَا تَرَوۡنَهُمۡۗ إِنَّا جَعَلۡنَا ٱلشَّيَٰطِينَ أَوۡلِيَآءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ ٢٧

O children of Adam, let not Satan tempt you as he removed your parents from Paradise, stripping them of their clothing1 to show them their private parts. Indeed, he sees you, he and his tribe, from where you do not see them. Indeed, We have made the devils allies to those who do not believe.

قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾، قال ابن عباس: (يريد: لا يخدعنكم)، وعنه أيضًا: (لا يضلنكم) [[ذكرهما الواحدي في "الوسيط" 1/ 170.]].

وقوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ﴾، المعنى: كما فتن أبويكم، لكنه ذكر معنى فتنة الأبوين وهو إخراجهما من الجنة دون لفظ الفتنة.

وقوله تعالى: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾، أضاف نزع اللباس إلى الشيطان وإن لم يتول ذلك لأنه كان بسبب منه فأسند إليه، كما تقول: أنت فعلت هذا لمن حصل منه ذلك الفعل بسبب وإن لم يباشره، كذلك لما كان نزع لباسهما بوسوسة الشيطان وغروره أُسند إليه [[انظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 476، وابن الجوزي 3/ 184.]].

وقوله تعالى: ﴿لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾، قال ابن عباس: (يرى آدم سوءة حواء، وترى حواء سوءة آدم) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 53، وفي "تنوير المقباس" 2/ 87 نحوه.]] واللام في ﴿لِيُرِيَهُمَا﴾ لام المصير [[انظر: "إعراب النحاس" 1/ 607.]] كما ذكرنا في قوله: ﴿لِيُبْدِىَ لَهُمَا﴾ [الأعراف:20].

وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ﴾ يعني: إبليس ﴿هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾ أعاد الكناية ليحسن العطف [[ذكر قول الواحدي السمين في "الدر" 5/ 292، وقال: (لا حاجة إلى التأكيد في مثل هذه الصورة لصحة العطف إذ الفاصل هنا موجود، وهو كاف في صحة العطف، فليس نظير ﴿اُسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ﴾) اهـ.]] كقوله ﴿اُسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ﴾ [البقرة:35] وقد مضت هذه المسألة [[انظر: "البسيط" البقرة: 35.]] في مواضع. وأما القبيل فقال أبو عبيد عن أبي زيد: (القَبِيل [["تهذيب اللغة" 3/ 2876، وانظر: "الجمهرة" 1/ 372، و"المنجد" لكراع ص 303، و"الصحاح" 5/ 1797، و"المجمل" 2/ 741 (قبل).]] الجماعة يكونون من الثلاثة فصاعدًا من قوم شتى، وجمعه: قُبُل، والقبيلة: بنو أب واحد) [[قال ابن فارس في "مقاييس اللغة" 5/ 53، وابن منظور في "اللسان" 6/ 3519 (قبل): (وربما كان القبيل من أب واحد كالقبيلة) اهـ. وقال الراغب في "المفردات" ص 654: (القبيل جمع قبيلة، وهي الجماعة المجتمعة التي يقبل بعضها على بعض) اهـ.]].

وقال ابن قتيبة: (﴿وَقَبِيلُهُ﴾: أصحابه وجنده) [["تفسير غريب القرآن" ص 177، ونحوه قال مقاتل في "تفسيره" 2/ 33، والنحاس في "معانيه" 3/ 24، وقال أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 213، والبخاري في "صحيحه" 5/ 195: (﴿وَقَبِيلُهُ﴾ جيله الذي هو منه) اهـ، ونحوه ذكر السجستاني في "نزهة القلوب" ص 366.]]، وقال الليث: (﴿هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾ أي: هو ومن كان من نسله) [["تهذيب اللغة" 3/ 2876، وانظر: "العين" 5/ 167.]]، [وكذا قال المفسرون، قال ابن عباس: (هو وولده) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 170، والبغوي في "تفسيره" 3/ 223، و"الخازن" 2/ 221.]]، وقال ابن زيد [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 153، وابن أبي حاتم 5/ 1460 بسند جيد.]]: (نسله)] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]

وقال قطرب: (جموعه) [[لم أقف عليه.]] وقال المبرد: (أشياعه) [[لم أقف عليه، وقال اليزيدي في "غريب القرآن" ص 145: (﴿وَقَبِيلُهُ﴾ شيعته وأمته) اهـ. وقال الماوردي في "تفسيره" 2/ 215: (﴿وَقَبِيلُهُ﴾ قومه وهو قول الجمهور) اهـ. والمعاني متقاربة، والأظهر ولده ونسله وجنده.

انظر: "تفسير الطبري" 8/ 153، والسمرقندي 1/ 536، والبغوي 3/ 223، وابن عطية 5/ 441.]].

وقوله تعالى: ﴿مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾، قال أبو إسحاق: (ما بعد ﴿حَيْثُ﴾ صلة لها ، وليست بمضاف إليه) [["معاني القرآن" 2/ 329، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 607، 608.]].

قال أبو علي: (هذا غير مستقيم، ولا يجوز أن يكون ما بعد ﴿حَيْثُ﴾ صلة لها ، لأنه إذا كان صلة له وجب أن يكون للموصول فيه ذكر كما أن في سائر صلات الموصولة [[في "الإغفال" ص 765 (الموصولات).]] ذكرًا من الموصول، فخلو هذه الجملة المتصلة بـ (حيث) من ذكر يعود منها إلى (حيث) دلالة على أنها ليست بصلة، وإذا لم تكن صلة كانت إضافة.

فإن قيل: نقدر العائد في هذا كما نقدر في غيره من الصلات، كما تقول: الذي ضربت زيد تريد ضربته، كذلك تقدر العائد في قولك: رأيتك حيث قام زيد. كأنك قلت: حيث زيد قائمه، أي قائم فيه، وحيث قام عمرو [[في "الإغفال" ص 767: (حيث زيد قائم، وحيث قام عمرو كأنه قال: حيث زيد قائمه أي: قام فيه، وحيث قامه عمرو أي: قام فيه ...) اهـ.]] أي قامه عمرو أي قام فيه، ثم اتسع فحذف الحرف فوصل الفعل، ثم حذف الراجع على هذا الحد، قيل: لو كان هكذا [لكان] [[لفظ: (لكان) ساقط من (أ).]] مستعملًا في كلامهم؛ ألا ترى أن جميع الموصولات إذا وقع في صلاتها حذف واتساع فإن ذلك الأصل الذي عنه وقع الحذف والاتساع مطرد في كلامهم [مستعمل] [[لفظ. (مستعمل) ساقط من (أ).]]، فلو كان الأصل في هذا أيضًا ما ذكرته لوجب أن يستعمل الأصل، فتركهم لذلك يدلك على أنه ليس بموصول، على أنا لم نعلم أحدًا قال في (حيث) الذي قاله) [[هذا بعض ما ذكره أبو علي في "الإغفال" ص 764 - 768، وانظر: "غرائب == الكرماني" 1/ 401، وقال السمين في "الدر" 5/ 294: (أبو إسحاق لم يعتقد كونها موصولة بمعنى (الذي) لا يقول بذلك أحد، وإنما يزعم أنها ليست مضافة للجملة بعدها فصارت كالصلة لها أي الزيادة، وهو كلام متهافت، فالرد عليه من هذه الحيثية لا من حيثية اعتقاده لكونها موصولة، ويحتمل أن يكون مراده أن الجملة لما كانت من تمام معناها بمعنى أنها مفتقرة إليها كافتقار الموصول لصلته أطلق عليها هذه العبارة، ويدل على ما قلته أن مكيًا ذكر في علة بنائها فقال: (ولأن ما بعدها من تمامها كالصلة والموصول) إلا أنه يرى أنها مضافة لما بعدها) اهـ. وانظر: "المشكل" 1/ 287، و"البيان" 1/ 358 - 389.]].

فأما التفسير، فقال ابن عباس في قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾: (وذلك أن الله تعالى جعلهم يجرون من بني آدم مجرى الدم، وصدور بني آدم مساكن لهم إلا من عصم الله، كما قال: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس: 5] فهم يرون بني آدم، وبنو آدم لا يرونهم) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 171، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 184، وقال الخازن 2/ 221، وصديق خان 4/ 326: (حكى الواحدي وابن الجوزي عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال ذلك) وقد أخرج مسلم في "صحيحه" كتاب السلام، باب: بيان أنه يستحب لمن رئى خاليا بامرأة ... إلخ، حديث رقم (2175)، عن صفية بنت حُيَيَّ أن النبي ﷺ: "إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم" اهـ. وقال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في "الفتاوى" 15/ 7: (الذي في القرآن أنهم يرون الإنس من حيث لا يراهم الإنس وهذا حق يقتضي أنهم يرون الإنس في حال لا يراهم الإنس فيها ، وليس فيه أنهم لا يراهم أحد من الإنس بحال؛ بل قد يراهم الصالحون وغير الصالحين أيضًا لكن لا يرونهم في كل حال) اهـ، وانظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 477، والقرطبي 7/ 176، و"البحر المحيط" 4/ 284.]].

وقال مجاهد: (قال إبليس: جُعل لنا أربع: نرى، ولا نُرى، ونخرج من تحت الثرى، ويعود شيخنا فتى) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 189 أ، والرازي في "تفسيره" 14/ 54، و"الخازن" 2/ 221، والسيوطي في "الدر" 3/ 142، وصديق خان في "تفسيره" 4/ 326.]].

وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، قال أبو إسحاق: (معنى هذا على ضربين: أحدهما: أن يكون الكفار عوقبوا بأن سلطت عليهم الشياطين تزيدهم في غيهم [[في "معاني الزجاج" 2/ 329 (تزيدهم في غيهم عقوبة على كفرهم ...).]]؛ كما قال: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ الآية [مريم: 83].

والثاني: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: سوينا بين الشياطين وبين الكافرين في الذهاب عن الله عز وجل) [["معاني الزجاج" 2/ 329 - 330. وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 153، والسمرقندي 1/ 536، والبغوي 3/ 223، وابن عطية 5/ 477.

قال الطبري: (يقول: جعلنا الشياطين نُصراء الكفار الذين لا يوحدون الله ولا يصدقون رسله) اهـ.]].

قوله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾، قال ابن عباس: (يريد: الشرك) [[لم أقف عليه عن ابن عباس، وأكثر المفسرين ذكروه عن عطاء والحسن. ومنهم الماوردي 5/ 216، والواحدي في "الوسيط" 1/ 171، والبغوي 3/ 223، وابن الجوزي 3/ 185.]].

وقال مجاهد: (يعني: طوافهم بالبيت عُريا الرجال والنساء) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 154 من عدة طرق جيدة عن مجاهد وسعيد بن جبير والشعبي والسدي، وأخرجه عن ابن زيد ومحمد بن كعب القرظي، وهذا هو قول أكثر المفسرين. انظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 537، والماوردي 2/ 216، والقرطبي 7/ 187.]].

وقال الزجاج: (الفاحشة: ما يشتد قبحه من الذنوب) [["معاني القرآن" 2/ 330، وهذا هو الظاهر فيدخل في العموم الشرك، وكشف العورة في الطواف، ويحمل ما ذكر على التمثيل. انظر: "تفسير الطبري" 8/ 154، والبغوي 3/ 223، وابن عطية 5/ 477.]].

7:28Page 153

وَإِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةٗ قَالُواْ وَجَدۡنَا عَلَيۡهَآ ءَابَآءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَاۗ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٢٨

And when they commit an immorality, they say, "We found our fathers doing it, and Allāh has ordered us to do it." Say, "Indeed, Allāh does not order immorality. Do you say about Allāh that which you do not know?"

No commentary for this ayah

7:29Page 153

قُلۡ أَمَرَ رَبِّي بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ وَٱدۡعُوهُ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَۚ كَمَا بَدَأَكُمۡ تَعُودُونَ ٢٩

Say, [O Muḥammad], "My Lord has ordered justice and that you direct yourselves [to the Qiblah] at every place [or time] of prostration, and invoke Him, sincere to Him in religion." Just as He originated you, you will return [to life] -

قوله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾، قال ابن عباس: (بلا إله إلا الله) [["تنوير المقباس" 2/ 88، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 189 أ، والواحدي في "الوسيط" 1/ 172، والبغوي 3/ 223، والرازي 14/ 57، والقرطبي 7/ 188، و"الخازن" 2/ 222.]]، ونحوه قال الضحاك (بالتوحيد) [[ذكره الثعلبي 189 أ، والواحدي 1/ 172، والبغوي 3/ 223.]].

وقال عطاء [[ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 57، وأبو حيان في "البحر" 4/ 287.]] والسدي [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 155 بسند جيد عن مجاهد والسدي، وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1462 بسند ضعيف عن ابن عباس، وقال: (روي عن مجاهد والسدي وقتادة مثل ذلك) وهو قول الطبري والزجاج في "معانيه" 2/ 330، والنحاس 3/ 25، والمعاني متقاربة، فالقسط العدل والحق والاستقامة فيحمل ما ذى على التمثيل. انظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 478، وابن كثير 2/ 133.]]: (بالعدل).

قال الزجاج: (هذا رد لقولهم: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ في الآية الأولى) [[انظر: "معاني الزجاج" 2/ 330، و"الفتاوى" 15/ 8 - 9، و"بدائع التفسير" 2/ 203 - 204.]].

وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، قال أبو علي الجرجاني: (نسق الأمر على الخبر [[ذكره السمين في "الدر" 5/ 296 - 297 عن الجرجاني صاحب النظم، وفيه: (نسق الأمر على الجر) بدل لفظ (الخبر)، والأمر ﴿وَأَقِيمُوا﴾ والجر ﴿بِالْقِسْطِ﴾.]]، وجاز ذلك لأن قوله ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي﴾ قول؛ لأن الأمر لا يكون إلا كلامًا، والكلام قول فكأنه قال: قل يقول ربي أقسطوا ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ﴾) [[في "الدر المصون": (أقسطوا وأقيموا) يعني أنه عطف على المعنى) اهـ. واختار أبو حيان في "البحر" 4/ 287، والسمين في "الدر" 5/ 295 - 297، أنه معطوف على الأمر المقدر الذي ينحل إليه المصدر وهو ﴿بِالْقِسْطِ﴾ وذلك أن القسط == مصدر فهو ينحل لحرف مصدري وفعل والتقدير: قل أمر ربي بأن أقسطوا وأقيموا. وانظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 75، وابن عطية 5/ 478، والرازي 14/ 57، و"التبيان" ص 372، و"الفريد" 2/ 288.]] ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، أي: وجهوا وجوهكم [[في (ب): (وجهوا لوجوهكم)، وهو تحريف.]] حيث ما كنتم في الصلاة إلى الكعبة، قال [[في (ب): (قال)، وهو تحريف.]] مجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 234. وأخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 155، وابن أبي حاتم 5/ 1462 من عدة طرق جيدة، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 143.]] والسدي وابن زيد [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 155 من عدة طرق جيدة عن السدي، وابن زيد، وذكره الثعلبي 189 أ، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 185 عن مجاهد والسدي وابن زيد، وهو قول مقاتل في "تفسيره" 2/ 33، والقرطبي 7/ 188.]].

وقال عطاء عن ابن عباس: (صلوا لله وحده في كل مسجد) [[ذكره ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 185، والرازي 14/ 58، وأبو حيان في "البحر" 4/ 287.]]، وبيان هذا القول ما قاله الضحاك، وهو أنه قال: (إذا حضرت الصلاة وأنتم عند مسجد فصلوا فيه، ولا يقولن أحدكم: أصلي في مسجدي) [[ذكره الثعلبي في "الكشف" 189 أ، والبغوي 3/ 223، وابن الجوزي 3/ 185، و"الخازن" 2/ 222، وأبو حيان في "البحر" 4/ 287.]]. ونحو هذا قال الفراء؛ يقول [[هنا وقع اضطراب في ترتيب نسخة: (ب)، فتقدم تفسير بعض الآيات.]]: (إذا أدركتك الصلاة وأنت عند مسجد فصل فيه، ولا تقولن: آتي مسجد قومي) [["معاني الفراء" 2/ 376، وهو قول الكلبي كما ذكره السمرقندي في "تفسيره" 1/ 537، واختاره ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" ص 177.]].

وقال أبو إسحاق: (أي [[في (أ): (أي في وقت).]]: وقت كل صلاة اقصدوه بصلاتكم) [["معاني الزجاج" 2/ 330، والظاهر أن المعنى: اقصدوا عبادته وحده وتوجهوا إليه في صلاتكم إلى القبلة في أي وقت ومسجد، وهو ظاهر كلام الطبري في "تفسيره" 8/ 155، وأخرجه بسند جيد عن الربيع بن أنس، وانظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 479، وابن كثير 2/ 233، و"بدائع التفسير" 2/ 203 - 204، و"فتح البيان" لصديق خان 4/ 329.]] ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ يريد: وحدوه ولا تشركوا به شيئًا [[قال الزجاج في "معانيه" 2/ 331: (أي: مخلصين له الطاعة) اهـ. والمعنى: اعبدوه وحده حال كونكم مخلصين العبادة والدعاء له لا لغيره، وهو ظاهر كلام الطبري في "تفسيره" 8/ 155، والسمرقندي 1/ 537، وصديق خان 4/ 329.]].

وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾، قال ابن عباس: (إن الله تعالى بدأ خلق ابن آدم مؤمنًا و [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] كافرًا، كما قال جل ثناؤه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: 2]، ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم مؤمنًا وكافرًا، فيبعث المؤمن مؤمنًا والكافر كافرًا) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 156، وابن أبي حاتم 5/ 1462 بسند جيد.]]، وهذا قول أكثر المفسرين [[ومنهم مجاهد في "تفسيره" 1/ 235، وأخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 225 - 226 بسند جيد عن مجاهد والكلبي، وأخرجه الطبري 8/ 156، 157 من عدة طرق جيدة عن مجاهد وسعيد بن جبير وأبي العالية والسدي وأخرجه بسند ضعيف عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1463 من عدة طرق جيدة عن مجاهد وأبي العالية، وذكره عن أبي رزين وإبراهيم النخعي وسعيد ابن جبير، وهو قول مقاتل في "تفسيره" 2/ 34، وأخرجه الثوري في "تفسيره" ص 112 بسند جيد عن مجاهد.]]، واختيار الفراء [["معاني القرآن" 1/ 376.]].

قال عطاء: (يريد: من خلقه للجنة يعود في البعث إلى الجنة، ومن خلقه للنار يعود في البعث إلى النار) [[لم أقف عليه.]].

وقال القرظي [[القرظي: هو محمد بن كعب، إمام. تقدمت ترجمته.]]: (من ابتدأ الله خلقه على [[في (أ): (إلي).]] الشقوة، صار إلى ما ابتدأ عليه خلقه، [وإن عمل بأعمال أهل السعادة، ومن ابتدأ خلقه على السعادة صار إلى ما ابتدأ عليه خلقه] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]، وإن عمل بأعمال [أهل] [[لفظ: (أهل) ساقط من (أ).]] الشقاء؛ كإبليس والسحرة) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 157، وابن أبي حاتم 5/ 1463 بسند ضعيف، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 144.]].

وقال الفراء: (يقول بدأكم [[في (ب): (كما بداكم).]] في الخلق شقيًا وسعيدًا، فكذلك تعودون على الشقاء والسعادة) [["معاني الفراء" 1/ 376.]]، وهذه أقوال معناها واحد.

وقال الحسن ومجاهد: (كما بدأكم فخلقكم في الدنيا، ولم تكونوا شيئًا، كذلك تعودون يوم القيامة أحياء) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 157 بسند جيد عن مجاهد والحسن وقتادة وابن زيد، وأخرجه عن ابن عباس بسند ضعيف، وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1463 بسند جيد عن السدي، وأخرجه عن ابن عباس بسند ضعيف.]]، وهذا المعنى اختيار الزجاج؛ لأنه قال: (ثم احتج عليهم بإنكارهم البعث فقال: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ أي: فليس بعثكم بأشد من ابتدائكم) [["معاني القرآن" 2/ 331، وهو اختيار الطبري في "تفسيره" 8/ 158، 159، == والزمخشرى في "الكشاف" 2/ 75 - 76، والقرطبي 7/ 188 والظاهر الجمع بين القولين، وأن الآية إعلام بالبعث، أي: كما خلقكم يعيدكم بعد الموت على ما سبق لكم في علم الله تعالى من سعادة أو شقاوة، فمن سبق له العلم بأنه سعيد صار إلى السعادة، ومن سبق له العلم بأنه شقي صار إلى الشقاوة، والآيات الدالة على ذلك كثيرّةً جدَّا، ومنها قوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف:30]. وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: 104] وغيرها من الآيات التي يحتج الله سبحانه فيها على النشأة الثانية بالأولى، وعلى المعاد بالمبدأ، فجاء باحتجاج في غاية الاختصار والبيان ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾. وأخرج البخاري في "صحيحه" رقم (4625) في كتاب التفسير آخر تفسير سورة المائدة، ومسلم رقم (2860) كتاب الجنة ونعيمها، باب: متاع الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة. عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: (خطب رسول الله ﷺ فقال: "يا أيها الناس إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غُرلاً" ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: 104]) اهـ.

وأخرج مسلم رقم (2878) كتاب الجنة ونعيمها، باب: الأمر بحسن الظن. عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أن النبي -ﷺ- قال: "يبعث كل عبد على ما مات عليه" اهـ قال الشنقيطي في "أضواء البيان" 2/ 297 - 298: (في هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير كل واحد منهما حق ويشهد له القرآن) اهـ. ثم حكى نحو ما ذكره الواحدي. وانظر: "معاني النحاس" 3/ 26، و"تفسير السمرقندي" 1/ 537، والماوردي 2/ 217، والبغوي 3/ 223 - 224، وابن عطية 5/ 479، وابن الجوزي 3/ 185 - 186، والرازي 14/ 58، و"بدائع التفسير" 2/ 204 - 206، و"البحر المحيط" 4/ 288.]].

قال ابن الأنباري: (موضع الكاف في ﴿كَمَا﴾ نصب بـ ﴿تَعُودُونَ﴾ وهو على مذهب العرب في تقديم مفعول الفعل [[لفظ: (الفعل) ساقط من (أ) وملحق بالهامش.]] عليه أي: تعودون كما ابتدأ خلقكم) [[ذكره السمين في "الدر" 5/ 297.]].

وقال أبو علي الفارسي: (قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾، ليس معنى الكلام على الظاهر؛ لأن الظاهر (تعودون كالبدء) [[في (أ): (على البدء). وفي "الحجة" لأبي علي 5/ 263: (تعودون كالبدء).]]، وليس المعنى على تشبيههم بالبدء، إنما المعنى على إعادة الخلق كما ابتدئ فتقدير ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (كما بدأ خلقكم) أي: يعود خلقكم عودًا كبدئه [[في (ب): (عودًا لبدئه). وفي "الحجة" 5/ 263: (فتقدير ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ كما بدأ خلقكم يعود خلقكم أي: يعود خلقكم عودًا كبدئه) اهـ.]]، فكما أنه لم يُعْنَ بالبدء ظاهره من غير حذف المضاف إليه، [كذلك لم يعن بالعود من غير حذف المضاف الذي هو الخلق، فلما حذف قام المضاف إليه] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] مقام الفاعل [فصار الفاعلون] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] مخاطبين، كما أنه لما حذف المضاف من قوله: كما بدأ خلقكم صار المخاطبون مفعولين في اللفظ)، ومثل هذه الآية في المعنى قوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: 104] [["الحجة" لأبي علي 5/ 263 وفيه: (فكما أنه لم يُعْنَ بالبدء ظاهره من غير حذف المضاف إليه منه، كذلك لا يعني بالعود من غير حذف المضاف إليه منه فَحُذِف المضافُ الذي هو الخلق فلما حذف قام المضاف إليه مقام الفاعل وصار الفاعلون مخاطبين كما أنه لما حُذف المضاف من قوله: (كما بدأ خلقكم) صار المخاطبون مفعولين في اللفظ ومثل ذلك في المعنى ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ والخلق هنا اسم الحدث لا الذي يراد به المخلوق) اهـ.

وذكره السمين في "الدر" 5/ 297، وقال: (يعني: أن الأصل كما بدأ خلقكم يعود خلقكم فحذف الخلق في الموضعين فصار المخاطبون في الأول مفعولين بعد أن كانوا مجرورين بالإضافة، وفيِ الثاني صاروا فاعلين بعد أن كانوا مجرورين بالإضافة أيضًا، وقوله ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ﴾ الكاف في محل نصب نعتًا لمصدر محذوف تقديره: تعودون عودًا مثل ما بدأكم، وهذا أليق بلفظ الآية الكريمة) اهـ. وانظر: == "إعراب النحاس" 1/ 608، و"المشكل" 1/ 287، و"البيان" 1/ 359، و"التبيان" ص 372، و"الفريد" 2/ 288.]].

7:30Page 153

فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلضَّلَٰلَةُۚ إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُواْ ٱلشَّيَٰطِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُم مُّهۡتَدُونَ ٣٠

A group [of you] He guided, and a group deserved [to be in] error. Indeed, they [i.e., the latter] had taken the devils as allies instead of Allāh while they thought that they were guided.

قوله تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾، قال أبو بكر: (نصب [[لفظ: (نصب) غير واضح في (أ).]] ﴿فَرِيقًا﴾، ﴿وَفَرِيقًا﴾ على الحال من الضمير الذي في ﴿تَعُودُونَ﴾، يريد: تعودون كما ابتدأ خلقكم مختلفين؛ بعضكم سعداء، وبعضكم أشقياء، فاتصل (فريق) وهو نكرة بالضمير الذي في ﴿تَعُودُونَ﴾، وهو معرفة فانقطع من لفظه، وعطف الثاني عليه، قال: ويجوز أن يكون الأول منصوبًا على الحال من الضمير، والثاني: منصوبًا بـ (حق عليهم الضلالة)؛ لأنه بمعنى: أضلهم كما يقول القائل: عبدًا لله أكرمته وزيدًا أحسنت إليه، فتنصب زيدًا بأحسنت إليه، بمعنى [[في (ب): (إذا كان بمعنى نفعته).]]: نفعته.

وأنشد [[الشاهد لجرير في "ديوانه" ص 59، و"الكتاب" 1/ 101 - 102، و"مجاز القرآن" 2/ 175، و"الجمهرة" 1/ 290، و"الصحاح" 1/ 120 (خشب)، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 79 وبلا نسبة في "تأويل المشكل" ص 544، و"الدر المصون" 5/ 300، (وثعلبة ورياح) بنو يربوع بن حنظلة من تميم قوم جرير، (وعدلت): سويت، (وطهية، والخشاب)، بنو مالك بن حنظلة من تميم وطهية امرأة مالك، والخشاب أولاد مالك من غير طهية.

انظر: "نهاية الأرب" ص 185 - 247، 296، والشاهد: ثعلبة الفوارس حيث نصب الاسم الواقع بعد همزة الاستفهام بفعل محذوف دل عليه (عدلت بهم) تقديره أهنت أو أظلمت.]]:

أثَعْلَبَةَ الفَوَارِسِ أمْ [[في "الديوان" وأكثر المراجع: (أو) بدل: (أم). وانظر: "الخزانة" 11/ 69.]] رِياحًا ... عَدَلْتَ بهم طُهَيَّةَ والخِشَابَا فنصب (ثعلبة) بعدلت بهم طهية، لأنه بمعنى: أهنتهم إذ [[في (أ): (إذا عدلت بهم).]] عدلت بهم من دونهم.

وقال آخر:

يا ليت ضيفَكُم الزبيرَ وجارَكم ... إيايَ لبَّس حبَله بحبالي [[لم أهتد إلى قائله، وهو في "الدر المصون" 5/ 300.]]

فنصب (إياي) بقوله: لبَّس حبله بحبالي؛ إذ كان معناه خالطني وقصدني.

قال: وفي قراءة أبي [[ذكرها أكثرهم. انظر: "معاني الفراء" 1/ 376، و"إعراب النحاس" 1/ 608، و"القطع والائتناف" للنحاس 1/ 250، و"المشكل" 1/ 288، و"تفسير ابن عطية" 5/ 480، و"البيان" 1/ 359، و"التبيان" ص 373، و"الفريد" 2/ 289، والقرطبي 7/ 188، و"البحر" 4/ 288، ونسب هذه القراءة الكرماني في "غرائبه" 1/ 401 إلى عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-.]] (تعودون فريقين فريقًا [هدى وفريقًا حق] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] عليهم الضلالة) [[ذكره السمين في "الدر" 5/ 300، وهو في "الإيضاح" 2/ 653 - 654، و"زاد المسير" 3/ 186 مختصرًا.]].

قال الفراء: (وقد يكون الفريق الأول منصوبًا بوقوع (هدى) عليه، ويكون الثاني منصوبًا بما وقع على عائد ذكره من الفعل كقوله: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾) [الإنسان: 31] [["معاني الفراء" 1/ 376، وقد ذكر هذه الأوجه كل المراجع السابقة وخلاصتها أن (فريقًا) الأول منصوب على أنه مفعول به مقدم لـ (هدى) أو حال من فاعل تعودون، و (فريقًا) الثاني منصوب بتقدير فعل دل عليه ما بعده أي: وأضل فريقا == أو حال من فاعل تعودون، وأكثرهم على أن الأول منصوب بهدى، والثاني بفعل مقدر.

انظر: "الكتاب" 1/ 89، و"تفسير الطبري" 8/ 159، و"الدر المصون" 5/ 299 - 300.]].

فأما التفسير، فقال ابن عباس: (﴿فَرِيقًا﴾ أرشد إلى دينه وهم أولياؤه ﴿وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ يريد: أضلهم وهم أولياء الشيطان يخذلهم الله فصاروا أولياء لإبليس) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 173 - 174.]].

وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، يدل كلام ابن عباس (على أنهم إنما فعلوا ذلك بخذلان الله إياهم).

وقوله تعالى: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: ما سن [[في النسخ: (ما بين)، ثم صحح في (أ) إلى (ما سن).]] لهم عمرو بن لحي) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 59، وقال: (هذا بعيد؛ بل هو محمول على عمومه). وهذا وأمثاله عن السلف -رضي الله عنهم- محمول على التمثيل وأنه داخل في المعنى.]].

قال أصحابنا: قوله: ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ (يعني: بالكلمة الأزلية والإرادة [[انظر: "تفسير الطبري" 8/ 159، و"معاني الزجاج" 2/ 331، و"زاد المسير" 3/ 186، وقال القرطبي في "تفسيره" 7/ 188: (في هذه الآية رد واضح على القدرية ومن تابعهم) اهـ.

وقال ابن القيم كما في "بدائع التفسير" 2/ 205 - 206: (أخبر الله سبحانه وتعالى عن القدر الذي هو نظام التوحيد فقال: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ فتضمنت الآية الإيمان بالقدر، والشرع، والمبدأ، والمعاد، والأمر بالعدل، والإخلاص، ثم ختم الآية بذكر حال من لم يصدق هذا الخبر، ولم يطع هذا الأمر بأنه قد والى الشيطان دون ربه، وأنه على ضلال، وهو يحسب أنه على هدى. والله أعلم) اهـ.]] السابقة).

7:31Page 154

۞ يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ٣١

O children of Adam, take your adornment [i.e., wear your clothing] at every masjid,1 and eat and drink, but be not excessive. Indeed, He likes not those who commit excess.

قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الآية، قال ابن عباس: (كانوا يطوفون بالبيت عراة، فأمرهم الله أن يلبسوا ثيابهم ولا يتعروا) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 159، 160، وابن أبي حاتم 5/ 1464 بسند جيد، وأخرج مسلم في "صحيحه" رقم (3028) كتاب التفسير، باب: في قوله: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾، والنسائي في "سننه" 5/ 233 - 334 كتاب مناسك الحج، وفي "التفسير" 1/ 496، والطبري 8/ 159، 160، وابن أبي حاتم 5/ 1464، والحاكم وصححه 2/ 319 - 320، والواحدي في "الوسيط" 1/ 174، وفي "أسباب النزول" ص 228، 229 من عدة طرق عن ابن عباس قال: (كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة وتقول:

الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أو كُلُّهُ ... وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلاَ أُحِلُّهُ

فنزلت هذه الآية ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31]، وعند الحاكم، فنزلت هذه الآية: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ [الأعراف:32]، فلعل الآيتين نزلتا معًا لهذا السبب، والله أعلم. وأخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 160، وابن أبي حاتم 5/ 1464 من عدة طرق جيدة عن ابن عباس مثله.]].

قال الكلبي [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 174، والبغوي 3/ 225، و"الخازن" 3/ 223.]]: (والزينة ما وارى العورة، ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ لصلاة أو طواف).

وقال مجاهد [[أخرجه الطبري 8/ 161، وابن أبي حاتم 3/ 143 أبسند جيد.]] وعطاء [[أخرجه الطبري 8/ 160، 161 من عدة طرق جيدة عن عطاء وسعيد بن جبير وطاوس وإبراهيم النخعي والزهري وقتادة والضحاك وابن زيد قالوا: (كانوا يطوفون بالبيت عراة فأمروا أن يلبسوا الثياب). وقال الرازي في "تفسيره" 14/ 61: (أجمع المفسرون على أن المراد بالزينة هاهنا لبس الثوب الذي يستر العورة) اهـ. والظاهر حمل الآية على العموم، وهو ما يتجمل ويتزين به عند الصلاة، وستر العورة واجب مأمور به مطلقًا، وهذا ظاهر كلام الجمهور. قال ابن كثير في == "تفسيره" 2/ 235: (لهذه الآية وما ورد في معناها من السنة يستحب التجمل عند الصلاة ولا سيما الجمعة ويوم العيد والطيب؛ لأنه من الزينة والسواك؛ لأنه من تمام ذلك، ومن أفضل اللباس البياض) ونحوه قال ابن عطية 7/ 45، وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 160، 161، والسمرقندي 1/ 538، و"أحكام القرآن" للكيا الهراسي 3/ 359، 360، ولابن العربي 2/ 779، والقرطبي 7/ 189، و"البحر المحيط" 4/ 290.]]: (ما يستر به عورته ولو عباءة).

قال الفراء والزجاج [["معاني القرآن" للزجاج 2/ 223، والنص منه.]]: (كانت الجاهلية تطوف بالبيت عراة، ويقولون: لا نطوف في ثياب قد أذنبنا فيها، وكانت المرأة تطوف عريانة أيضًا إلا أنها كانت تلبس شيئًا من سيور مقطعة، تسمي ذلك العرب الرهط [[الرَّهْط، بفتح الراء وسكون الهاء: جلد يشق من أسفله أو جلد يشق سيورًا ليمكن المشي فيه يلبسه الصغار والحائض. انظر: "اللسان" 3/ 1753 (رهط).]]).

قال الفراء (وهو شبيه بالحوف [[الحوف، بفتح الحاء وسكون الواو: هو الرهط السابق. انظر: "اللسان" 2/ 1053 (حوف)]] يواريها بعض المواراة، قالت امرأة تطوف وعليها رهط [["معاني الفراء" 1/ 377.]]:

الْيَوَمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أو كُلُّهُ ... وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلاَ أُحِلُّهُ [[البيت نسبه الفراء إلى العامرية، وهي ضباعة بنت عامر بن قرط العامرية، كما ذكره ابن العربي في "أحكام القرآن" 2/ 777، والقرطبي 7/ 889، والذهبي في "تجريد أسماء الصحابة" 2/ 284، وابن حجر في "الإصابة" 4/ 353 - 354، ونسبه ابن حجر في 4/ 232 إلى أسماء بنت مخربة بن جند التميمية.]]

تعني: الفرج؛ لأن تلك السيور لا تستر سترًا تامًّا).

قال أصحابنا [[قال الفقهاء: ستر العورة عن العيون واجب بالإجماع، حكاه النووي في "المجموع" 3/ 366 وهي شرط لصحة الصلاة عند الجمهور الشافعي وأحمد وأصحاب الرأي. انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي 2/ 778، و"المغني" 2/ 283، و"روضة الطالبين" 1/ 388، و"الفتاوى" 22/ 109، و"نيل الأوطار" 2/ 73.]]. وهذه الآية دليل على وجوب ستر العورة للصلاة والطواف بالبيت، والطواف صلاة، قال رسول الله ﷺ: "الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أباح فيه الكلام" [[الحديث أخرجه أحمد في "المسند" 3/ 414، 4/ 64، 5/ 377، والنسائي في "سننه" في كتاب المناسك، باب: إباحة الكلام في الطواف 5/ 222 عن الحسن ابن مسلم المكي عن طاوس عن رجل أدرك النبي ﷺ، وأخرجه الدارمي 2/ 1165 (1889) في كتاب المناسك: باب: الكلام في الطواف، والترمذي رقم (960) كتاب المناسك، باب: الكلام في الطواف، وابن خزيمة 4/ 222 (2739)، والبيهقي 5/ 85 من عدة طرق عن عطاء بن السائب عن طاوس عن ابن عباس عن النبي ﷺ، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" 2/ 266 - 267 من طرق عن عطاء بن السائب، والقاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ.

قال الحاكم: (حيث صحيح على شرط مسلم) ووافقه الذهبي في "التلخيص"، وقد روي الحديث مرفوعًا تارة وموقوفًا أخرى، ورجح جماعة وقفه كالترمذي وغيره، وقد صححه الألباني في الإرواء 1/ 154 - 158. واستقصى طرقه، ثم قال: (وبالجملة الحديث مرفوع صحيح، ووروده أحيانًا موقوفًا لا يعله) اهـ.

وقال شيخ الإسلام في "الفتاوى" 21/ 273 - 274، 26/ 126 - 193، 211: (لا يشترط للطواف شروط الصلاة، وهذا قول أكثر السلف، وهو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وهذا القول هو الصواب، فإن المشترطين ليس معهم حجة إلا قوله ﷺ: "الطواف بالبيت صلاة" وهذا حديث يروى موقوفًا ومرفوعًا، وأهل المعرفة بالحديث لا يصححونه إلا موقوفًا ويجعلونه من كلام ابن عباس لا يثبتون رفعه، وبكل حال فلا حجة فيه والأدلة الشرعية تدل على خلاف ذلك، والذين أوجبوا الوضوء للطواف ليس معهم حجة أصلاً فإنه لم ينقل أحد عن النبي ﷺ لا بإسناد صحيح ولا ضعيف أنه أمر بالوضوء للطواف ..) اهـ. ملخصًا.]].

وقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾، قال أكثر المفسرون: (كان أهل الجاهلية لا يأكلون من الطعام في أيام حجهم إلا قوتًا، ولا يأكلون دسمًا، يعظمون بذلك حجهم، فقال المسلمون: نحن أحق أن نفعل، فأنزل الله تعالى [[لفظ: (تعالى) ساقط من (ب).]]: ﴿وَكُلُوا﴾ يعني: اللحم والدسم، ﴿وَاشْرَبُوا﴾) [[انظر: "تفسير الطبري" 8/ 162، والسمرقندي 1/ 538، والماوردي 2/ 218، وحكاه الواحدي في "أسباب النزول" ص 230 عن الكلبي.]]، وهذا القول اختيار الفراء [["معاني الفراء" 1/ 277.]].

وقال عطاء عن ابن عباس: (﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ يريد: حلالًا) [[أخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 162، وابن أبي حاتم 5/ 1465 بسند جيد عن ابن عباس قال: (أحل الله الأكل والشرب ما لم يكن سَرَفًا أو مَخِيلة).]]، وهذا القول اختيار الزجاج، وبينه فقال: (إنهم ادعوا [[في (ب): (إنهم دعو)، وهو تحريف.]] أن الله حرم عليهم شيئاً مما في بطون الأنعام، وحرم عليهم البحيرة والسائبة، وأمرهم الله عز وجل أن يأكلوا ما [[في (ب): (مما زعموا).]] زعموا أن الله حرمه مما لم يحرمه، وأن يشربوا مما زعموا أن الله حرمه؛ لأن ألبان البحيرة [والسائبة [[ما بين المعقوفين ساقط من أصل (أ)، وملحق بالهامش.]] كانت عندهم حرامًا) [["معاني الزجاج" 2/ 332 - 333.]]].

وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [[الآية ساقطة من أصل (أ) وملحقة بالهامش.]] معناه على القول الأول: لا تسرفوا حتى يبلغ بكم ذلك تحريم ما أحللت [[في (أ): (ما أحلت)، وهو تحريف.]] لكم. أي: لا تسرفوا بحظركم على أنفسكم ما قد أحللته لكم، أي: من اللحم والدسم، وهذا معنى قول الفراء [["معاني الفراء" 1/ 337.]].

وقال الزجاج: (الإسراف أن يأكل ما لا يحل أكله مما حرم الله عز وجل؛ أن يؤكل منه شيء، أو يأكل ما أحل الله فوق مقدار الحاجة، فأعلم الله أنه لا يحب من أسرف، ومن لم يحببه الله فهو في النار) [["معاني الزجاج" 2/ 333، وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 162، والسمرقندي 1/ 538، والماوردي 2/ 218، والآية عامة في أكل وشرب ما أحله الله تعالى ورسوله ﷺ ونهى عن السرف مطلقًا ويدخل فيه من حلل حرامًا أو حرم حلال، وهذا قول عامة أهل العلم. انظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 482، والرازي 14/ 62، والقرطبي 7/ 191 - 195، وابن كثير 2/ 236.]].

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском