Al-Wahidi (al-Basit)Al‑A'raf · 7:32–37

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:32–37

7:32Page 154

قُلۡ مَنۡ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِۚ قُلۡ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا خَالِصَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٣٢

Say, "Who has forbidden the adornment of [i.e., from] Allāh which He has produced for His servants and the good [lawful] things of provision?" Say, "They are for those who believed during the life of this world, exclusively [for them] on the Day of Resurrection." Thus do We detail the verses for a people who know.

قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾. قال ابن عباس [[سبق تخريجه.]] والمفسرون [[ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 63، وقال: (المراد بالزينة اللباس الذي تستر به العورة، وهو قول ابن عباس وكثير من المفسرين) اهـ.]]: (يريد: اللباس يستر به العورة).

قال أبو إسحاق: (أي: من حرم أن تلبسوا في طوافكم ما يستركم) [["معاني القرآن" 2/ 333.]].

وقوله تعالى: ﴿وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ أي: الحلالات من الرزق، يعني ما حرموه على أنفسهم من البحائر والسوائب، قاله ابن عباس [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 189 ب، والبغوي 3/ 225، وابن الجوزي 3/ 189 عن ابن عباس وقتادة، وذكره الماوردي 2/ 24 عن الحسن وقتادة.]]، وقتادة [[أخرجه الطبري 8/ 164، وابن أبي حاتم 5/ 1467 بسند جيد.]].

وقال الآخرون [[أخرجه الطبري 8/ 163 من عدة طرق جيدة عن السدي، وابن زيد، وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1467 من عدة طرق جيدة عن السدي، وسعيد بن جبير. وانظر: "الدر المنثور" 3/ 150.]]: (يعني: ما كانوا يحرمونه على أنفسهم أيام حجهم من اللحم والدسم)، وهذا كالاختلاف في قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [الأعراف: 31] في الآية الأولى [[والآية عامة في كل ما يتزين به من ملبوس أو غيره، وفي الطيبات من المآكل والمشارب التي أباحها الله تعالى ورسوله ﷺ وإنكار عام على كل من أحل ما حرم الله أو حرم ما أحل الله، ومنها ما فعله أهل الجاهلية. قال الطبري في "تفسيره" 8/ 163: (يقول الله تعالى ذكره لنبيه ﷺ قل لهؤلاء من حرم عليكم زينة الله التي خلقها لعباده؛ أن تتزينوا بها وتتجملوا بلباسها والحلال من رزق الله الذي رزقه خلقه لمطاعمهم ومشاربهم، وقد أجمعوا على أن الزينة ما قلنا) اهـ. ملخصًا.

وانظر: "تفسير بن عطية" 5/ 482، 483، والقرطبي 7/ 195.]].

وقوله تعالى: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾

قال الفراء: (نصب ﴿خَالِصَةً﴾ على القطع [[يعني بالقطع الحال، أفاده السمين في "الدر" 5/ 302، وانظر: "معجم المصطلحات النحوية" ص 188.]] وجعلت خبر (هي [[في "معاني الفراء" 1/ 377: (وجعلت الخبر في اللام التي في الذين ..) اهـ.]]) في اللام التي في قوله ﴿لِلَّذِينَ﴾ والخالصة ليست بقطع من هذه اللام، ولكنها قطع من لام أخرى مضمرة، والمعنى والله أعلم: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ مشتركة وهي لهم في الآخرة ﴿خَالِصَةً﴾ على القطع) [["معاني الفراء" 1/ 377.]].

قال أبو علي: (قوله: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يحتمل أن يكون ظرفًا لـ (هي)، وخبرها قوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ والتقدير: هي في الحياة الدنيا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] للمؤمنين مقدرًا خلوصها يوم القيامة، ويحتمل أن يكون قوله: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ متصلًا بالصلة التي هي [[في (أ): (التي هي للذين آمنوا في حياتهم، أي: للذين لم يكفروا ..).]] (آمنوا)، والمعنى ﴿هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ في حياتهم -أي: الذين لم يكفروا فيها- ﴿خَالِصَةً﴾، فموضع (في) على هذا نصب بآمنوا، والعامل في الحال معنى اللام في: ﴿لِلَّذِينَ﴾، والمعنى: هي تثبت وتستقر ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً﴾.

قال: ويجوز أن يكون قوله: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ في موضع حال [[في (ب): قال: (وصاحب الحال).]]، وصاحب الحال هو (هي) والعامل في الحال معنى الفعل في ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، كما بينا، والمعنى: قل: هي تثبت لهم [[في (ب): (قل هي يثبت ويستقر للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة).]] مستقرة ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [أي: هي ثابتة للذين آمنوا في حال خلوصها يوم القيامة) [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]] [[هذا ملخص من "الإغفال" ص 771 - 772، و"الحجة" 4/ 15 - 17.]].

وقرأ نافع [[قرأ نافع: في ﴿خَالِصَةً﴾ بالرفع، وقرأ الباقون بالنصب. انظر: "السبعة" ص 280، و"المبسوط" ص 180، و"التذكرة" 2/ 418، و"التيسير" ص 109، و"النشر" 2/ 269.]]: ﴿خَالِصَةً﴾ رفعًا، قال الزجاج: (ورفعها على أنه خبر بعد خبر كما تقول: زيد عاقل لبيب، والمعنى: قل هي ثابتة للمؤمنين ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [["معاني القرآن" 2/ 333.]].

قال أبو علي: (قوله: رفعها على أنه خبر بعد خبر جائز حسن، ويجوز أيضاً عندي أن لا يكون خبرًا بعد خبر، ولكن تكون ﴿خَالِصَةً﴾ خبر الابتداء كأنه في التقدير: قل هي خالصة للذين آمنوا في الحياة الدنيا، فيكون ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ متعلقاً بخالصة، وفي موضع نصب به، والمعنى: هي تخلص للذين آمنوا يوم القيامة وإن شركهم غيرهم من الكافرين [في الدنيا)] [[لفظ: (في الدنيا) ساقط من (أ)، والنص من "الإغفال" ص 771، و"الحجة" 4/ 14 - 16، وانظر: في "توجيه القراءات وإعرابها"، و"تفسير الطبري" 8/ 165، و"إعراب النحاس" 1/ 609، و"معاني القراءات" 1/ 404، و"إعراب القراءات" 1/ 180، و"الحجة" لابن خالويه ص 154، ولابن زنجلة ص 281، و"الكشف" 1/ 461 - 462، و"المشكل" 1/ 288 - 290.]].

قال ابن عباس: (شارك المسلمين المشركون في الطيبات في الحياة الدنيا؛ فأكلوا من طيبات طعامها، ولبسوا من جياد ثيابها، ونكحوا من صالح نسائها، ثم يخلص الله الطيبات في الآخرة للذين آمنوا، وليس للمشركين فيها شيء) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 164، وابن أبي حاتم 5/ 1468 بسند جيد.]]، وهذا قول الحسن والضحاك وابن جريج وابن زيد [[أخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 164، 165 من عدة طرق جيدة عن الحسن والضحاك وابن جريج وابن زيد وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1468 عن الحسن والضحاك وقتادة وعكرمة، وأخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 228 بسند جيد عن الحسن. وانظر: "الدر المنثور" 3/ 150.]].

وقال عطاء في قوله تعالى: ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: (يريد: إن الله جعل لهم الجنة خالصة بطاعتهم الله في الدنيا) [[لم أقف على من ذكره.]] ففسر ﴿الطَّيِّبَاتِ﴾ بالجنة لأنها محل الطيبات في الآخرة.

قال أبو إسحاق: (أعلم الله عز وجل أن الطيبات تخلص للمؤمنين في الآخرة لا يشركهم فيها كافر) [["معاني القرآن" 2/ 333.]].

وقال بعض أصحاب المعاني: (الأولى أن يكون معنى ﴿الطَّيِّبَاتِ﴾ في هذه الآية المستلذ من الرزق) [[انظر: "معاني النحاس" 3/ 27، و"تفسير السمرقندي" 1/ 538، و"تفسير الماوردي" 2/ 219، و"ابن الجوزي" 3/ 189.]].

وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾، يريد: تفسير ما أحللت من حلالي وما حرمت من حرامي، ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾، يريد: علموا أني أنا الله وحدي لا شريك لي [[انظر: "تفسير الطبري" 8/ 166، والسمرقندي 1/ 538، و"الخازن" 2/ 224.]].

7:33Page 154

قُلۡ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلۡإِثۡمَ وَٱلۡبَغۡيَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَأَن تُشۡرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٣٣

Say, "My Lord has only forbidden immoralities - what is apparent of them and what is concealed - and sin,1 and oppression without right, and that you associate with Allāh that for which He has not sent down authority, and that you say about Allāh that which you do not know."

قال الكلبي: (فلما نزلت هذه الآية لبسوا الثياب، وطافوا بالبيت فيها، فعيرهم المشركون بذلك، فأنزل الله تعالى [[لفظ: (تعالى) ساقط من (أ).]] قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾) [[ذكره القرطبي 7/ 200، وأبو حيان في "البحر" 4/ 292.]]. قال ابن عباس: (يريد: سر الزنا وعلانيته) [[تقدم تخريجه.]].

وقال مجاهد: (ما ظهر: نكاح الأمهات ... [[جاء في النسخ كلمة غير واضحة بعد لفظ (الأمهات)، ولعلها (الذوات، أو الدواب). وذكر النحاس في "معانيه" 3/ 25، والقرطبي 7/ 200 عن مجاهد قال: (﴿مَا ظَهَرَ﴾ نكاح الأمهات في الجاهلية، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾ الزنا) اهـ، وأخرج الطبري في "تفسيره" 8/ 166 عن مجاهد قال: (﴿مَا ظَهَرَ﴾ الجمع بين الأختين وتزويج الرجل امرأة أبيه من بعده، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾ الزنا).]] في الجاهلية. ﴿وَمَا بَطَنَ﴾ الزنا).

وقال القرظي: (﴿مَا ظَهَرَ﴾ طوافهم بالبيت عراة، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾ الزنا) [[لم أقف عليه، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 166 بسند ضعيف عن مجاهد، وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1470 بسند جيد عن الزهري.]].

وقال عكرمة: (﴿مَا ظَهَرَ﴾ الظلم على الناس، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾ الزنا والسرقة) [[أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 5/ 1471 بسند ضعيف، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 151.]].

وقال مقاتل [["تفسير مقاتل" 2/ 34]] والكلبي [["تنوير المقباس" 2/ 90.]] نحو قول ابن عباس. وقد مضى الكلام في هذا في سورة الأنعام.

وقوله تعالى: ﴿وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. قال بعض أهل المعاني: (إنما ذكر هذه القبائح مع الفواحش وهي داخلة في الفواحش للبيان عن التفصيل؛ كأنه قيل: الفواحش التي منها الإثم، ومنها البغي، ومنها الإشراك بالله) [[انظر: "تفسير القرطبي" 7/ 201.]].

وقال ابن الأنباري: (إنما فصل الإثم لأنه قصد [به] [[لفظ: (به) ساقط من (ب).]] الأفاعيل المذمومة التي لا يجب على فاعلها الحد، والفواحش يجب على فاعلها إذا أتاها أو أكثرها الحد، فلهذه العلة فصل الإثم. قال: وهذا جواب مأثور عن ابن عباس) [[لم أقف عليه عن ابن الأنباري، وذكر ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 191 عن ابن عباس قال: (الإثم الذنب الذي لا يوجب الحد) اهـ.]].

وقال عطاء عن ابن عباس: (﴿وَالْإِثْمَ﴾ يريد: الخمر) [["تنوير المقباس" 2/ 90، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 176، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 191 عن عطاء فقط، وذكره السمين في "الدر" 5/ 306 عن ابن عباس والحسن.]].

وقال الحسن [[ذكره البغوي في "تفسيره" 3/ 226، وابن الجوزي 3/ 191، والقرطبي 7/ 200.]]: (الإثم: الخمر، تصديق ذلك قوله: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾) [البقرة: 219].

قال أبو بكر: (الإثم لا يكون من أسماء الخمر؛ لأن العرب ما سمته إثمًا قط في الجاهلية ولا إسلام، ولكن قد تكون الخمر داخلة تحت الإثم لقوله: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾) [البقرة: 219] [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 176، والسمين في "الدر" 5/ 306، وفي "تهذيب اللغة" 1/ 122، قال ابن الأنباري: (ليس الإثم في أسماء الخمر بمعروف، ولم يصح فيه بيت صحيح) اهـ. وقال السمين في "الدر" 5/ 306: (الذي قاله الحذاق إن الإثم ليس من أسماء الخمر) اهـ.]].

وقال الضحاك: (الإثم: الذنب دون الحد) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 176، والبغوي 3/ 226، وابن الجوزي 3/ 191، وهو قول الفراء في "معانيه" 1/ 378.]].

وقال السدي: (الإثم المعصية) [[أخرجه الطبري 8/ 166، وابن أبي حاتم 5/ 1471 بسند جيد.]]، ﴿وَالْبَغْيَ﴾ ظلم الناس والاستطالة بغير حق، وهو أن يطلب ما ليس له، كذا قال جميع أهل التفسير [[وهو قول الفراء في "معانيه" 1/ 378، والطبري 8/ 166، والظاهر أن الإثم الذنب والمعصية عام في الأقوال والأفعال التي يترتب عليها الإثم، والبغي: الظلم وتجاوز الحد فيه، وأخرج الإثم والبغي من الفواحش وهما منه لعظمهما وفحشهما فنص على ذكرهما تأكيدًا لأمرهما وقصدًا للزجر عنهما، وذكر الخمر من باب التمثيل لأنه سبب الإثم، بل هي معظمه، فإنها مؤججة للفتن. وقال ابن كثير في == "تفسيره" 2/ 236: (وحاصل ما فسر به الإثم أنه الخطايا المتعلقة بالفاعل نفسه، والبغي هو التعدي إلى الناس) اهـ.

وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 609، 610، و"تفسير ابن عطية" 5/ 488، 489، والقرطبي 7/ 201.]].

وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ﴾ [[في (ب): ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ﴾.]]، قال الزجاج: (موضع (أن) نصب، المعنى: وحرم الشرك) [["معاني القرآن" 2/ 334، وفيه: (المعنى: حرم الله الفواحش تحريم الشرك) اهـ. وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 610، و"المشكل" 1/ 290.]].

وقوله تعالى: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾، قال مقاتل: (ما لم ينزل [به] [[لفظ: (به) ساقط من (ب).]] كتابًا فيه حجة لكم بأن معه شريكًا) [["تفسير مقاتل" 2/ 34، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 334، و"تفسير الطبري" 8/ 166، 167.]].

وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: قولهم الملائكة بنات الله) [[لم أقف عليه.]].

وقال مقاتل: (وحرم أن تقولوا [[في (أ): (يقولوا) بالياء.]] على الله أنه حرم الحرث والأنعام) [["تفسير مقاتل" 2/ 34، وزاد فيه: (والألبان والثياب).]].

وقال أهل المعاني: (هذا عام في تحريم القول في الدين من غير يقين) [[هذا قول الطبري 8/ 167، والبغوي 3/ 226، وابن الجوزي 3/ 192.]].

7:34Page 154

وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٞۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَأۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ ٣٤

And for every nation is a [specified] term. So when their time has come, they will not remain behind an hour, nor will they precede [it].

قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ الآية، معنى الأجل: الوقت [المؤقت] [[لفظ: (المؤقت) ساقط من (ب).]] المضروب لانقضاء المهل [[انظر: "العين" 6/ 178، و"الجمهرة" 2/ 1043، و"التهذيب" 1/ 124، و"الصحاح" 4/ 1621، و"المجمل" 1/ 88، و"المفردات" ص 65، و"اللسان" 1/ 32 (أجل).]].

وفي هذه الآية قولان: أحدهما: أن المراد بهذا أجل العذاب. وهو قول ابن عباس والحسن [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 177، والرازي 14/ 67، عن ابن عباس والحسن ومقاتل، وذكره البغوي 3/ 226، عن ابن عباس وعطاء والحسن.]] ومقاتل.

قال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ (يريد: وقتًا فإذا جاء ذلك الوقت لا يؤخر عنهم العذاب، ولا يقدم قبل ذلك) [["تنوير المقباس" 2/ 91، و"الفريد" للهمداني 2/ 293.]].

وقال الحسن: (يريد: أجل الهلاك بعذاب الاستئصال).

وقال مقاتل: (﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ بالعذاب، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ بالعذاب لا يتأخرون ولا يتقدمون حتى يعذبوا. قال: وذلك حين سألوا النبي ﷺ العذاب) [["تفسير مقاتل" 2/ 35.]].

القول الثاني: أن المراد بهذا الأجل أجل العمر، فإذا انقطع ذلك الأجل ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ بعد الأجل ساعة، وكأن القول الأول أقوى لقوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾، ولم يقل: ولكل أحد أجل. وعلى القول الثاني إنما قال: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾، ولم يقل لكل أحد إخبارًا عن تقارب أعمار أهل كل عصر حتى كأن لها أجلًا واحداً لتقاربها [[انظر: "تفسير الرازي" 14/ 68، و"الخازن" 2/ 225، وفيهما نص كلام الواحدي == بدون نسبة. والقول الأول أظهر. وهو قول الجمهور، والثاني داخل فيه ومعلوم أن لكل إنسان أجلاً لا يتعداه.

انظر: "تفسير الطبري" 8/ 167، والسمرقندي 1/ 538، والماوردي 2/ 220، وابن عطية 5/ 490، 491.]].

وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً﴾. قال الزجاج: (ولا أقل من ساعة، ولكن ذكرت الساعة لأنها أقل أسماء الأوقات) [["معاني القرآن" 2/ 334، ومثله ذكر النحاس في "معانيه" 3/ 30.]].

وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾، إن قيل: ما معنى هذا مع استحالة التقدم على الأجل وقت حضوره، وكيف يحسن قوله: ﴿وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ بعد فناء الأجل؟؛ قيل: هذا على المقاربة؛ لأن العرب تقول: جاء الشتاء إذا قارب وقته. وجاء الصيف، ومع مقاربة [[لفظ: (مع مقاربة) عليه طمس في (أ).]] الأجل تصور الاستقدام، وإن كان لا يتصور مع الانقضاء، والمعنى: ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عن [[في (ب): (مع).]] آجالهم إذا انقضت، ﴿وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ عليها إذا قاربت الانقضاء، ولفظ قوله: ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ محتمل للمعنيين [[ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 68، ونقله عن الواحدي السمين في "الدر" 5/ 308، وقال: (هذا بناء منه على أنه معطوف على ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ وهو ظاهر أقوال المفسرين، وهذا لا يجوز؛ لأن (إذا) إنما يترتب عليها وعلى ما بعدها الأمور المستقبلية لا الماضية، والاستقدام بالنسبة إلى مجيء الأجل متقدم عليه، فكيف يترتب عليه؟ ويصير هذا من باب الإخبار بالضروريات التي لا يجهل أحد معناها، وهو مستأنف معناه الإخبار بأنهم لا يسبقون أجلهم المضروب لهم، بل لا بد من استيفائهم إياه، كما أنهم لا يتأخرون عنه أقل زمان) اهـ. ملخصًا. وانظر: "البحر المحيط" 4/ 293.]].

7:35Page 154

يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ إِمَّا يَأۡتِيَنَّكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصۡلَحَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٣٥

O children of Adam, if there come to you messengers from among you relating to you My verses [i.e., scriptures and laws], then whoever fears Allāh and reforms - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ إلى آخر الآية مفسر ومشروح في سورة البقرة، وهو قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ الآية [البقرة: 38]، قال عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾: (يريد: فرائضي وأحكامي، ﴿فَمَنِ اتَّقَى﴾ يريد: اتقاني وخافني، ﴿وَأَصْلَحَ﴾ يريد: ما بيني وبينه، ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ يريد: يوم الفزع الأكبر [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 177، والبغوي 3/ 227، وفي "تنوير المقباس" 2/ 91 - 92 نحوه، وجاء عند الواحدي والبغوي عنه في قوله: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ قال: (إذا خاف الناس، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ إذا حزنوا) اهـ.]]، واختلف أهل المعاني في أن المؤمنين هل يلحقهم خوف وحزن عند أهوال القيامة، فبعضهم ذهب إلى: أنه لا يلحقهم ذلك لعموم نفيه في هذه الآية، وذهب بعضهم إلى أنه يلحقهم لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ الآية [الحج: 2].

وأما قوله: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾، معناه: أن أمرهم يؤول إلى الأمن والسرور كقول الطبيب للمريض: لا بأس عليه، أي: أن أمره يؤول إلى العافية والسلامة، وإن كان في الوقت في بأس [[في (ب): (فلا بأس عليه)، وهو تحريف.]] من علته [[انظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 539، والرازي 14/ 69، والقرطبي 7/ 202.]]، وجواب قوله: ﴿إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ هو ما دل عليه الكلام؛ كأنه قيل: فأطيعوهم، هذا قول الأخفش [["معاني القرآن" 2/ 279.]].

وقال الزجاج: (جوابه في الفاء في قوله: ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ﴾ [["معاني القرآن" 2/ 334، وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 168، و"إعراب النحاس" 1/ 610، و"الكشاف" 2/ 77، و"تفسير ابن عطية" 5/ 493، و"الدر المصون" 5/ 309.]]، وقد ذكرنا هذا [[انظر: "البسيط" سورة البقرة: 38.]] مستقصى في سورة البقرة.

7:36Page 154

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱسۡتَكۡبَرُواْ عَنۡهَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٣٦

But the ones who deny Our verses and are arrogant toward them - those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

No commentary for this ayah

7:37Page 154

فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ يَنَالُهُمۡ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوۡنَهُمۡ قَالُوٓاْ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰفِرِينَ ٣٧

And who is more unjust than one who invents about Allāh a lie or denies His verses? Those will attain their portion of the decree1 until, when Our messengers [i.e., angels] come to them to take them in death, they will say, "Where are those you used to invoke besides Allāh?" They will say, "They have departed from us," and will bear witness against themselves that they were disbelievers.

قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. [قال الكلبي] [[لفظ: (قال الكلبي) ساقط من (أ).]]: (فمن أكفر ممن اختلق على الله كذبًا باطلاً، فجعل له صاحبة وولداً) [[ذكره السمرقندي في "تفسيره" 1/ 539، وقال بعده: (قال بعضهم هذا التفسير خطأ لأنه لا يصح أن يقال: هذا أكفر من هذا، ولكن معناه، ومن أشد في كفره) اهـ.]].

وقال أبو إسحاق: (أيْ: أيُّ ظلم أشنع من الكذب على الله عز وجل) [["معاني القرآن" 2/ 334، ومثله ذكر النحاس في "معانيه" 3/ 30، وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 168.]]. [و] [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] قال ابن عباس في قوله: ﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ (يريد: جعل لله شريكًا وجعل له ولداً) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 177 بلفظ: (جعل له صاحبة وولدا وشريكًا) اهـ.]].

وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ اختلفوا في معناه؛ فقال الحسن والسدي وأبو صالح: (ينالهم ما كتب لهم من العذاب) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 169 من عدة طرق عن أبي صالح والحسن والسدي، وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1474 عن أبي صالح.]]، ومثله روى حبان [[حبان: هو حبان بن علي العنزي الكوفي، فقيه، فاضل، ضعيف. تقدمت ترجمته.]] عن الكلبي: ﴿نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ (أي: من العذاب) [["تنوير المقباس" 2/ 92، و"تفسير هود الهواري" 2/ 16.]].

والسدي بيَّن ذلك العذاب ما هو فقال: (سواد الوجوه وزرقة العيون) [[لم أقف عليه.]] ، فعلى هذا معنى قوله: ﴿يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ ما قضى الله عليهم في الكتاب من سواد الوجوه، وزرقة العيون [[في (أ): (سواد الوجه وزرقة العين).]]، ويؤكد هذا التأويل قوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: 60].

وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطية [[في (ب): (عطاء)، وقد أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 170 بسند ضعيف عن عطية العوفي عن ابن عباس -رضي الله عنهما-.]] قال: (ينالهم ما كتب عليهم، [وقد كتب] [[لفظ: (وقد كتب) ساقط من (ب).]] لمن [[في (ب): (بأن يفترى).]] افترى على الله وجهه مسود) [[في (ب): (مسوده)، وعند الطبراني 12/ 413: (أنه وجهه مسود) وهو أولى.]] واحتج بالآية، واختار الفراء هذا فقال: (ينالهم ما قضى الله عليهم في الكتاب من سواد الوجوه وزرقة الأعين) [["معاني القرآن" 1/ 378، ونحوه ذكر مقاتل في "تفسيره" 2/ 35.]].

وقال الزجاج: (معنى: ﴿نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ ما أخبر الله -عز وجل- من جزائهم؛ نحو قوله: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: 14]، وقوله: ﴿يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [[في (ب): ﴿نَسْلُكُهُ﴾ بالنون وهي قراءة ابن عامر وابن كثير وأبي عمرو، ونافع وقرأ الباقون ﴿يَسْلُكُهُ﴾ بالياء. انظر: "السبعة" ص 656، و"المبسوط" ص 384، و"التذكرة" 2/ 737، و"النشر" 2/ 392.]] [الجن: 17]، وقوله: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ الآية [غافر: 71]، فهذا نصيبهم من الكتاب على قدر ذنوبهم في كفرهم) [["معاني القرآن" 2/ 334 - 335.]].

وقال عبد الله بن مسلم: (أي: حظهم مما كتب عليهم من العقوبة) [["تفسير غريب القرآن" ص 177، وهو قول مكي في "تفسير المشكل" ص 84.]] فهذا كله قول من جعل ﴿نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾، العذاب، و ﴿الْكِتَابِ﴾ على هذا القول الظاهر أنه القرآن؛ لأنه ذكر عذابهم في القرآن في مواضع كما ذكره [[في (ب): كما ذكر.]] أبو إسحاق، ويجوز أن يكون المراد بالكتاب اللوح المحفوظ.

وقال سعيد بن جبير، ومجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 235 - 236، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 169، 170 من عدة طرق جيدة عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعطية العوفي، وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1474 من عدة طرق جيدة عن ابن عباس ومجاهد وعطية العوفي، وقال بعده: (وروي عن سعيد بن جبير والحسن نحوه) اهـ.]] وعطية العوفي ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [[هنا وقع اضطراب في نسخة (ب) فوقع باقي تفسير الآية في ص 147ب.]] (أي: ما سبق لهم من الشقاوة والسعادة، ثم قرأ العوفي: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: 30]، يعني: أن هؤلاء ممن أدركهم ما كتب لهم من الشقاوة، وإن كان فيهم أحد كتبت له السعادة أدركته، وعلى هذا المعنى دل كلام ابن عباس في رواية عطاء؛ لأنه قال: (يريد: ما سبق عليهم في علمي في اللوح المحفوظ) [[ذكره ابن القيم كما في "بدائع التفسير" 2/ 209، وقريب منه ما أخرجه الطبري 8/ 170، 171، وابن أبي حاتم 5/ 1473 بسند جيد عن ابن عباس قال: (نصيبهم من الأعمال) وفي رواية عند الطبري قال: (ينالهم الذي كتب عليهم من الأعمال)، وفي رواية أخرى: (من الخير والشر)، وفي أخرى: (ما وعدوا مثله) والكل متقارب.]].

وقال الربيع والقرظي وابن زيد [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 171 من عدة طرق عن الربيع بن أنس، ومحمد بن كعب القرظي وابن زيد. وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1473، عن الربيع والقرظي. وانظر: "الدر المنثور" 3/ 153، 154.]]: (يعني: ما كتب لهم من الأرزاق والأعمال والأعمار، فإذا فنيت وفرغوا منها ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾) [[في (أ): (رسلهم).]]

قال بعض أهل المعاني [[ومنهم الطبري في "تفسيره" 8/ 172، وقال ابن كثير في "تفسيره" 2/ 237: (وهذا القول قوي في المعنى والسياق يدل عليه) اهـ.]]: (وهذا القول هو وجه التأويل لذكر (حتى) على معنى الانتهاء، يعني: أنهم يستوفون أعمارهم وأرزاقهم إلى الموت)، فعلى هذا القول معنى (حتى) الانتهاء والغاية [[يعني أن مجيء الرسل للتوفي كالغاية لحصول ذلك النصيب فينبغي أن يكون حصول ذلك النصيب متقدمًا على حصول الوفاة والمتقدم على حصول الوفاة ليس إلا العمر والرزق، أفاد ذلك الرازي في "تفسيره" 14/ 71.]]، وعلى القولين الأولين ليست (حتى) في هذه الآية التي للغاية [[نقل قول الواحدي السمين في "الدر" 5/ 310 ثم قال: (هذا غير مرضي منه لمخالفته الجمهور؛ إذ الغاية معنى لا يفارقها، وقوله: لا تعلق لها بما قبلها ممنوع على جميع الأقوال التي ذكرها. والظاهر أنها إنما تتعلق بقوله ﴿يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ﴾) اهـ. ملخصًا.]]، بل هي التي تدخل على الجمل وينصرف بعدها الكلام إلى الابتداء كـ (أما) [[قال سيبويه في "الكتاب" 3/ 17 - 18: (حتى صارت هاهنا بمنزلة إذا، وما أشبهها من حروف الابتداء) اهـ، وانظر: "حروف المعاني" للزجاجي ص 64، و"معاني الحروف" للرمانى ص 119، ص164، و"المغني" لابن هشام 1/ 128.]] و (إذا) ولا تعلق لقوله ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا﴾ بما قبله، بل هذا ابتداء خبر أُخبر عنهم كقوله: فَيَاعَجَبِي حَتَّى كُلَيْبٌ تَسُبنُّي [[البيت للفرزدق في "ديوانه" 1/ 419، وعجزه:

كَأنَّ أَبَاهَا نَهْشَلٌ أَوْ مُجَاشِعُ

وهو في "الكتاب" 3/ 18، و"الأصول" 1/ 425، و"نزهة الأعين" لابن الجوزي ص 244، و"المغني" لابن هشام 1/ 129 وبلا نسبة في: "المقتضب" 2/ 39، و"معاني الحروف" للرماني ص 165، و"الموضح في التفسير" للحدادي ص 56، و"رصف المباني" ص 257، و"الدر المصون" 5/ 310.

وكليب: هو ابن يربوع بن حنظلة بطن من ربيعة من عامر بن صعصعة، وهو رهط جرير. انظر: "نهاية الأرب" ص 366، ونهشل: بطن من حنظلة من تميم. انظر: "نهاية الأرب" ص370. ومجاشع: بطن من دارم من تميم، وهو رهط الفرزدق. انظر: "نهاية الأرب" ص 386، والشاهد: حتى كليب، حيث جاءت (حتى) حرف ابتداء، ودخلت على الجملة الاسمية، وانظر: "شرح شواهد المغني" للسيوطي 1/ 14، و"الخزانة" 9/ 475.]]

ويؤكد القول الأول أن ذكر عظم الظلم يقتضي ذكر الوعيد [[والظاهر والله أعلم هو عموم ما كتب عليهم من أجل وعمل ورزق في أم "الكتاب"، وهو اختيار ابن القيم كما في "بدائع التفسير" 2/ 209 - 210، فقد ذكر عامة الأقوال التي ذكر الواحدي ثم قال: (والصحيح القول الأول وهو نصيبهم الذي كتب لهم أن ينالوه قبل أن يخلقوا، ونصيبهم يتناول الأمرين، نصيبهم من الشقاوة، ونصيبهم من الأعمال التي هي أسبابها، ونصيبهم من الأعمار التي هي مدة اكتسابها، ونصيبهم من الأرزاق التي استعانوا بها على ذلك، فعمت الآية هذا النصيب كله، وذكر هؤلاء بعضه، وهؤلاء بعضه هذا على القول الصحيح، وأن المراد ما سبق لهم في أم "الكتاب" ، ولهذا القول وجه حسن وهو أن نصيب المؤمنين من الرحمة والسعادة، ونصيب هؤلاء من العذاب والشقاوة، فنصيب كل فريق منه ما اختاروه لأنفسهم وآثروه على غيره، كما أن حظ المؤمنين منه كان الهدى والرحمة فحظ هؤلاء منه الضلال والخيبة، فكان حظهم من هذه النعمة أن صارت نقمة وحسرة عليهم) اهـ. ملخصًا. == وانظر: "معاني النحاس" 3/ 30، و"تفسير السمرقندي" 1/ 539، والماوردي 2/ 221، والبغوي 3/ 227، وابن عطية 7/ 54، وابن الجوزي 3/ 193، والرازي 14/ 70، 71، والقرطبي 7/ 203.]] بالعذاب.

وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾. قال سيبويه [["الكتاب" 4/ 135، وفيه قال: (ومما لا يميلون ألفه (حتى) و (أمَّا) و (إلَّا) فرقوا بينها وبين ألفات الأسماء نحو حبلى وعطشى. وقال الخليل: لو سميت رجلاً بها وامرأة جازت فيها الإمالة) اهـ. وانظر: "المقتضب" 3/ 52]] والخليل: (لا يجوز إمالة حتى، وإلَّا، وأما، وهذه ألفات ألزمت الفتح، لأنها أواخر حروف جاءت لمعنى ففصل بينها [[في (ب): (بينهما).]] وبين أواخر الأسماء التي فيها الألف نحو حُبْلَى وهدى، إلا أن (حتى) كتبت بالياء لأنها على أربعة أحرف فأشبهت سَكْرى) [[هذا نص الزجاج في "معانيه" 2/ 335، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 611، و"التكملة" لأبي علي ص 538، و"الكشف" لمكي 1/ 193.]].

وقال بعض النحويين: (لم يجز إمالة (حتى) لأنها حرف لا ينصرف والإمالة ضرب من التصرف ([[ذكر الرازي في "تفسيره" 14/ 71 مثله.]].

قال ابن عباس: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ (يريد: الملائكة يقبضون أرواحهم) [["تنوير المقباس" 2/ 92، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 178.]]، ﴿قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ سؤال تبكيت وتقريع، ﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾ أي بطلوا وذهبوا، ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾، اعترفوا عند معاينة الموت وأقروا على أنفسهم بالكفر، قال ابن عباس في هذه الآية: (يريد: أن الموت قيامة الكافر، والموت راحة المؤمن) [[ذكره الرازي في "تفسيره" 14/ 71.]] هذا قول أهل التفسير، وذهب بعض أهل المعاني: (إلى أن هذا يكون في الآخرة، ومعنى قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا﴾ أي: ملائكة العذاب ﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ أي: يتوفون عدتهم وفاة الحشر إلى النار، على معنى: يستكملونهم جميعًا لا يغادرون منهم أحداً).

وذكر الزجاج هذه الوجه [["معاني القرآن" 2/ 335 - 336، وقال: (هو أضعف الوجهين) وكذلك ذكر القولين النحاس في "معانيه" 3/ 31 - 32.]] في أحد قوليه.

وهذا يحكى عن الحسن [[ذكره هود الهواري في "تفسيره" 2/ 16، والماوردي 2/ 221، وابن الجوزي 3/ 194، والرازي 14/ 71 والأول أظهر وهو ما رجحه جمهور المفسرين، والمعنى يتمتعون في الدنيا بقدر ما كتب لهم حتى إذا جاءهم ملك الموت وأعوانه يتوفونهم عند الموت أقروا على أنفسهم بالكفر، وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 172، والسمرقندي 1/ 539، والبغوي 3/ 227، وابن عطية 5/ 496.]] أيضًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском