Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:38–42
7:38Page 155
قَالَ ٱدۡخُلُواْ فِيٓ أُمَمٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ فِي ٱلنَّارِۖ كُلَّمَا دَخَلَتۡ أُمَّةٞ لَّعَنَتۡ أُخۡتَهَاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعٗا قَالَتۡ أُخۡرَىٰهُمۡ لِأُولَىٰهُمۡ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ أَضَلُّونَا فَـَٔاتِهِمۡ عَذَابٗا ضِعۡفٗا مِّنَ ٱلنَّارِۖ قَالَ لِكُلّٖ ضِعۡفٞ وَلَٰكِن لَّا تَعۡلَمُونَ ٣٨
[Allāh] will say, "Enter among nations which had passed on before you of jinn and mankind into the Fire." Every time a nation enters, it will curse its sister1 until, when they have all overtaken one another therein, the last of them2 will say about the first of them,3 "Our Lord, these had misled us, so give them a double punishment of the Fire." He will say, "For each is double, but you do not know."
قوله تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ الآية. الله تعالى يقول ذلك، أخبر عن نفسه، كذلك قال أهل التفسير.
وقال مقاتل: (هو من كلام خازن النار) [["تفسير مقاتل" 2/ 36، وهو قول السمرقندي في "تفسيره" 1/ 539، وابن عطية 5/ 497، وقال ابن الجوزي 3/ 194: (إن الله تعالى يقول لهم ذلك بواسطة الملائكة لأن الله تعالى لا يكلم الكفار يوم القيامة) والأول أظهر وهو اختيار جمهور المفسرين.
انظر: "تفسير الطبري" 8/ 173، والبغوي 3/ 228، والزمخشري 2/ 78، والقرطبي 7/ 204، و"البحر" 4/ 295.]].
وقوله تعالى: ﴿فِي أُمَمٍ﴾، قال عطاء: (يريد في النار مع أمم) [[لم أقف عليه، وهو قول ابن قتيبة في "تفسير الغريب" ص 177، ومكي في "تفسير المشكل" ص 86، وقال النحاس في "معانيه" 3/ 32: (قيل معنى (في) معنى (مع) وهذا لا يمتنع؛ لأن قولك: زيد في القوم معناه مع القوم، ويجوز أن تكون (في) على بابها) اهـ.]] وعلى هذا في الآية تقديم وتأخير ومجاز [[لفظ: (ومجاز) ساقط من (أ).]] لأن التقدير: ادخلوا في النار مع أمم قد خلت من قبلكم واستعمال (في) بمعنى (مع) [[لفظ: (مع) ساقط من (ب).]] مجاوز [[مجاوز أي -جائز- وانظر: "حروف المعاني" للزجاجي ص 83، و"رصف المباني" ص 453، و"مغني اللبيب" 1/ 468، وقال الرماني في "معاني الحروف" ص 96: (زعم الكوفيون أنها تكون بمعنى (مع) والبصريون يقولون (في) على بابها) وقال شيخ الإِسلام في "الفتاوى" 13/ 348: (والعرب تضمن الفعل معنى الفعل وتعديه تعديته ومن هنا غلط من جعل بعض الحروف تقوم مقام بعض والتحقيق ما قاله نحاة البصرة من التضمين) اهـ.]]، ويمكن أن يقال: قوله: ﴿فِي أُمَمٍ﴾ من صلة ﴿ادْخُلُوا﴾، وقوله [[في (ب): (فقوله).]] ﴿فِي النَّارِ﴾ من تمام [[في (ب): (مع تمام).]] صفة الأمم، يقول: ادخلوا في أمم في النار، فلا يكون في الآية تقديم ولا تأخير ولا مجاز [[وهذا هو الظاهر، واختيار الجمهور. انظر: "تفسير الطبري" 8/ 173، و"الكشاف" 2/ 78، وابن عطية 5/ 497، 498، و"البحر" 4/ 295، و"الدر المصون" 5/ 312.]].
وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ﴾ يعني النار ﴿لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [قال الفراء: (يعني: التي سبقتها إلى النار، وهي أختها] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] في دينها لا في النسب) [["معاني القرآن" 1/ 378.]].
قال ابن عباس: (يريد: يلعنون من كان قبلهم) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 179، وابن الجوزي 3/ 194.]].
وقال الزجاج: ﴿لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾؛ (لأنهم ضل بعضهم باتباع بعض) [["معاني القرآن" 2/ 336.]].
قال مقاتل: (كلما دخل أهل ملة النار لعنوا أهل ملتهم، يلعن المشركون المشركين، ويلعن اليهود اليهود، وكذلك النصارى، والمجوس، والصابئون، ويلعن الأتباع القادة، يقولون: لعنكم الله، أنتم غررتمونا حتى أطعناكم) [["تفسير مقاتل" 2/ 36، وأخرجه الطبري 8/ 173، وابن أبي حاتم 5/ 1475 بسند جيد عن السدي.]].
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا﴾؛ ﴿ادَّارَكُوا﴾ أي: تداركوا، والكلام فيه كالكلام في قوله: ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾ [[جاء في النسخ: (ادارأتم)، وهو تحريف.]] [البقرة: 72]، وقد مر [[انظر: "البسيط" البقرة: 72.]]، ومعنى تداركوا: تتابعوا [[(اداركوا) أصله (تداركوا) فأدغمت التاء في الدال واجتلبت الألف ليسلم السكون، وتدارك القوم أي: تلاحقوا وتتابعوا ولحق آخرهم أولهم. انظر: "العين" 56/ 327، و"الجمهرة" 2/ 636، و"تهذيب اللغة" 2/ 1178، و"الصحاح" 4/ 1582، و"المجمل" 2/ 322، و"المفردات" ص 311، و"اللسان" 3/ 1363، (درك).]]، وتلاحقوا، قال ابن عباس: (توافوا فيها جميعًا) [["تنوير المقباس" 2/ 93، وفيه: (اجتمعوا في النار) اهـ.]].
قال الزجاج: (وهو [[يعني قوله: ﴿جَمِيعًا﴾ انظر: "معاني الزجاج" 2/ 336، و"إعراب النحاس" 1/ 611، و"المشكل" لمكي 1/ 290.]] منصوب على الحال أي: مجتمعين).
وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ﴾، يعني بالأخرى: آخر الأمم، وبالأولى: أول الأمم، وبيانه ما قاله السدي: (﴿أُخْرَاهُمْ﴾ يعني: الذين كانوا في آخر الزمان، ﴿لِأُولَاهُمْ﴾ يعني: الذين شرعوا لهم ذلك الدين) [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 174، وابن أبي حاتم 5/ 1475 بسند جيد.]]. وقال مقاتل: (﴿أُخْرَاهُمْ﴾ يعني: آخرهم دخولًا النار وهم الأتباع ﴿لِأُولَاهُمْ﴾ دخولًا وهم القادة) [["تفسير مقاتل" 2/ 36.]]. وتأويل هذا راجع إلى معنى القول الأول؛ لأن [[في (ب): (إلا أن)، وهو تحريف.]] آخرهم دخولًا النار هم الأتباع، والأولى هم القادة، فالمعنى على القولين جميعًا: قالت الأتباع للقادة: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ [[انظر: "تفسير الطبري" 8/ 173، و"معني الزجاج" 2/ 336، و"النحاس" 3/ 33، و"تفسير السمرقندي" 1/ 540، والماوردي 2/ 222.]].
قال ابن عباس: (لأنهم شرعوا لنا أن نتخذ من دونك إلها، ﴿فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾، قال: يريد أضعف عليهم العذاب بأشد مما تعذبنا به) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 179، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 195.]].
وأما معنى الضعف فقال أبو عبيدة: (هو مثل الشيء مرة واحدة) [[في "مجاز القرآن" 1/ 214: (أي: عذابين مضعف فصار شيئين)، وفي "تهذيب اللغة" 3/ 2118، عن أبي عبيدة قال: (معناه يجعل الواحد ثلاثة) اهـ. وضعف الشيء -بالكسر- مثله، ويقال مثلاه، وضعفاه مثلاه، وأضعافه أمثاله، وقال الخليل في "العين" 1/ 282: (التضعيف أن يزاد على أصل الشيء فيجعل مثلين أو أكثر) اهـ.
وانظر: "الجمهرة" 2/ 903، و"الصحاح" 4/ 1390، و"المجمل" 2/ 562، و"المفردات" ص 508، و"اللسان" 5/ 2588 (ضعف).]].
قال الأزهري: (الذي قاله أبو عبيدة هو ما يستعمله الناس في مجاز كلامهم. وقد قال الشافعي -رحمه الله- ما يقارب هذا في رجل أوصى فقال: (أعطوا فلانًا ضعف ما يصيب ولدي، قال: يعطي مثله مرتين) [[انظر: "المجموع" 15/ 480 - 482، و"روضة الطالبين" 5/ 195 وفيهما: (الضعف عند الشافعية هو الشيء ومثله، فإذا أوصى بضعف نصيب ابنه وله ابن واحد، فهي وصية بالثلثين) اهـ. وانظر: "تفسير الرازي" 14/ 74.]].
قال الأزهري: والوصايا يستعمل فيها العرف وما يسبق إلى الأفهام، فأما كتاب الله فهو عربي مبين، ويرد تفسيره إلى موضوع كلام العرب الذي هو صيغة ألسنتها، والضعف في كلام العرب المثل إلى ما زاد، وليس بمقصور على مثلين، وجائز في كلام العرب أن تقول: هذا ضعفه [[في "تهذيب اللغة" 3/ 2118 (ضعفاه).]] أي: مثلاه وثلاثة أمثاله؛ لأن الضعف في الأصل زيادة غير محصورة، ألا ترى قول الله [[في (ب): (قول الله تعالى).]] عز وجل: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا﴾ [سبأ: 37]، ولم يرد مثلًا ولا مثلين، وأولى الأشياء به أن يجعل عشرة أمثاله؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: 160]، فأقل الضعف محصور وهو المثل، وأكثره غير محصور) [[انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2118.]].
ونحو هذا قال الزجاج في هذه الآية: ﴿فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا﴾ (أي: عذاباً مضاعفًا؛ لأن الضعف في كلام العرب على ضربين أحدهما: المثل، والآخر: أن يكون في معنى تضعيف الشيء [["معاني القرآن" للزجاج 2/ 377، وقوله: (أي زيادته ..) غير موجود فيه.]]، أي: زيادته [[في (ب): (أي زيادة).]] إلى ما لا يتناهى).
فأما اللام في قوله: ﴿لِأُولَاهُمْ﴾، فقال الزجاج: المعنى: (قالت أخراهم: يا ربنا هؤلاء أضلونا، لأولاهم أي تعني أولاهم) [["معاني القرآن" 2/ 336، وعليه اللام للتعليل أي لأجل ولا تكون للتبليغ؛ لأن خطابهم مع الله لا معهم. انظر: "الكشاف" 2/ 78، و"الدر المصون" 5/ 315.]] فعلى هذا ليست اللام من صلة القول؛ لأنهم قالوا لله تعالى: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾، ولم يقولوا لأولاهم شيئًا ، ولكن اللام لإبانة [[في (أ): (ولكن اللام بإنه أنهم عنوا).]] أنهم عنوا بقولهم: ﴿هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ أولاهم وهم القادة، فاللام هاهنا لام (أجل) أي لأجلهم ولإضلالهم إياهم قالوا: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾، فقال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾، قال ابن عباس: (يريد: لأولاكم ضعف ولأخراكم عذاب مضعف) [[في (أ): عذاب ضعف. والأئر لم أقف عليه، وفي "تنوير المقباس" 2/ 94، قال: (لكل واحد منهم ضعف) أهـ.
وقال الماوردي في "تفسيره" 2/ 222: (أي: فلكم أيها الأتباع ضعف العذاب وهذا قول الجمهور وإن ضعف الشيء زيادة مثله) اهـ. وانظر: "بدائع التفسير" 2/ 211.]].
قال الزجاج: (أي: للتابع والمتبوع لأنهم قد دخلوا في الكفر جميعًا أي: لكل عذاب مضاعف.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، أي: ولكن لا تعلمون أيها المخاطبون ما لكل فريق منكم من العذاب، ويجوز: ولكن لا تعلمون يا أهل الدنيا ما مقدار ذلك) [[هذا كله قول الزجاج "معانيه" 2/ 377، وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 174، و"معاني النحاس" 2/ 33، و"تفسير السمرقندي" 1/ 540.]].
ومن قرأ [[قرأ عاصم في رواية أبي بكر: ﴿وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ بالياء على الغيبة، وقرأ الباقون بالتاء على الخطاب انظر: "السبعة" ص280، و"المبسوط" ص 180، و"التذكرة" 2/ 418، و"التيسير" ص 110، و"النشر" 2/ 269.]] بالياء فمعناه: ولكن لا يعلم كل فريق مقدار عذاب الفريق الآخر [[هذا قول الزجاج في "معانيه" 2/ 337، والنحاس في "معانيه" 3/ 33.]]، فيحمل الكلام على (كل)؛ لأنه وإن كان للمخاطبين فهو اسم ظاهر موضوع للغيبة فحمل على اللفظ دون المعنى [[هذا قول أبي علي في "الحجة" 4/ 17، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 405، و"الحجة" لابن زنجلة ص 281، و"الكشف" 1/ 462.]].
قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾، قال الضحاك: (لأنكم كفرتم كما كفرنا، فنحن وأنتم في الكفر شرع سواء، وفي العذاب أيضًا) [[ذكره بدون نسبة السمرقندي في "تفسيره" 1/ 540، و"الثعلبي" 190 أ، والبغوي 3/ 228.]].
وقال أبو مِجْلَز [[أبو مجلز: لاحق بن حميد بن سعيد السدوسي البصري، إمام، تابعي، ثقة.]]: (فما لكم علينا من فضل في ترك الضلال) [[أخرجه الطبري 8/ 175، وابن أبي حاتم 5/ 1476 بسند جيد بلفظ: (يقول: فما فضلكم علينا، وقد بين لكم ما صنع بنا وحذرتم؟) اهـ. وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 154.]].
7:39Page 155
وَقَالَتۡ أُولَىٰهُمۡ لِأُخۡرَىٰهُمۡ فَمَا كَانَ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلٖ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡسِبُونَ ٣٩
And the first of them will say to the last of them, "Then you had not any favor over us, so taste the punishment for what you used to earn."
No commentary for this ayah
7:40Page 155
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱسۡتَكۡبَرُواْ عَنۡهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمۡ أَبۡوَٰبُ ٱلسَّمَآءِ وَلَا يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلۡجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلۡخِيَاطِۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٤٠
Indeed, those who deny Our verses and are arrogant toward them - the gates of Heaven will not be opened for them, nor will they enter Paradise until a camel enters into the eye of a needle [i.e., never]. And thus do We recompense the criminals.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾.
قال أبو إسحاق: (أي: كذبوا بحججنا [[في (أ): (بحجتنا).]] وأعلامنا التي تدل على نبوة الأنبياء وتوحيد الله عز وجل) [["معاني الزجاج" 2/ 337، وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 175، والسمرقندي 1/ 540.]].
﴿وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا﴾، معنى الاستكبار [[الكبر -بكسر الكاف وسكون الباء- والتكبر والاستكبار تتقارب: وهو العظمة والإعجاب بالنفس وأعظمه الامتناع عن قبول الحق معاندة وبطرًا.
انظر: "العين" 5/ 361، و"الجمهرة" 1/ 327، و"تهذيب اللغة" 4/ 3091، و"الصحاح" 2/ 801، و"المجمل" 3/ 776، و"المفردات" ص 696، و"اللسان" 6/ 3808 (كبر).]]: طلب الترفع بالباطل، وصفة مستكبر صفة ذم في جميع العباد، ومعنى ﴿وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا﴾ ترفعوا [[في (ب): (وقفوا).]] عن الإيمان بها والانقياد لأحكامها.
وقوله تعالى: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ قرأ [[قرأ أبو عمرو: ﴿تُفَتَّحُ﴾ بالتاء مع إسكان الفاء وتخفيف التاء الثانية، وقرأ حمزة والكسائي مثلها إلا أنه بالياء: ﴿يُفَتَّحُ﴾، وقرأ الباقون: ﴿تُفَتَّحُ﴾ بالتاء مع فتح الفاء وتشديد التاء الثانية. انظر: "السبعة" ص 280، و"المبسوط" ص 180، و"التذكرة" 2/ 418 - 419، و"التيسير" ص 110، و"النشر" 2/ 269.]] أكثر القراء ﴿تُفَتَّحُ﴾ بالتاء والتشديد، ووجهها قوله ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ [ص: 50] فقياس ﴿مُفَتَّحَةً﴾ تُفَتَّح، وقرأ أبو عمرو ﴿تُفَتَّحُ﴾ خفيفة، وحجته قوله: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 44] ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ﴾ [القمر: 11]، [وقرأ حمزة والكسائي ﴿يُفَتَّحُ﴾ بالياء خفيفة، لتقدم الفعل.
ومعنى: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] لا تصعد أعمالهم إليها [[ما تقدم هو قول أبي علي في "الحجة" 4/ 18 - 19، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 405، و"إعراب القراءات" 1/ 180، و"الحجة" لابن زنجلة ص 282، و"الكشف" 1/ 462.]].
قال ابن عباس: (يريد: لا تفتح لأعمالهم ولا لدعائهم ولا لشيء مما يريدون به الله) [[أخرجه سفيان الثوري في "تفسيره" ص 112، والطبري 8/ 176، وابن أبي حاتم 5/ 1477 من عدة طرق جيدة]]، وهذا قول أكثر المفسرين [[ومنهم الفراء في "معانيه" 1/ 379، وأخرجه الطبري 8/ 176، من طرق عن مجاهد وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير.]].
وقال السدي [[أخرجه الطبري 8/ 175، وابن أبي حاتم 5/ 1476 بسند جيد.]] وغيره [[أخرجه الطبري 8/ 175، 176، وابن أبي حاتم 5/ 1476 بسند ضعيف عن الضحاك عن ابن عباس.]]: (لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء، وتفتح لأرواح المؤمنين).
يدل على صحة هذا التأويل ما روي في حديث طويل: "أن روح المؤمن يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال: مرحبًا بالنفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب، فيقال لها ذلك حتى تنتهي إلى السماء السابعة، ويستفتح لروح الكافر فيقال لها: ارجعي ذميمة فإنه لا يفتح لك أبواب السماء" [[أخرجه ابن ماجه في "سننه" رقم (4262) كتاب الزهد، باب: ذكر الموت والاستعداد له، بسند جيد عن أبي هريرة، وأخرج أبو داود الطيالسي في "مسنده" ص 102 - 103، وعبد الرزاق في "المصنف" 3/ 580، وأحمد في "المسند" 4/ 287 - 288، وأبو داود رقم (4753) كتاب السنة، باب: في المساءلة في القبر، والطبري 8/ 177، والحاكم في "المستدرك" 1/ 37 - 40 ، من عدة طرق عن البراء بن عازب -رضي الله عنه- مطولًا نحوه، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين) أهـ. وله شواهد وطرق أخرى ذكرها السيوطي في "الدر" 3/ 155، وانظر: مرويات الإِمام أحمد في "التفسير" 2/ 106 - 107 و175 - 178، وص 434 - 435.]].
وأجمل الزجاج كل هذا فقال: (أي: لا تصعد أرواحهم ولا أعمالهم إلى السماء؛ لأن أعمال المؤمنين وأرواحهم تصعد إلى السماء) [["معاني القرآن" 2/ 337، وهذا القول هو الظاهر واختيار جمهور المفسرين ومنهم الطبري 8/ 176، وابن عطية 5/ 502، وابن كثير 2/ 238، ولا مانع من حمل الآية على ما يعم الأرواح والدعاء والأعمال ولا ينافيه ورود ما ورد من أنها لا تفتح أبواب السماء لواحد من هذه فإن ذلك لا يدل على فتحها لغيره مما يدخل تحت عموم الآية، أفاده الشوكاني في "فتح القدير" 2/ 299، وانظر: "معاني النحاس" 3/ 34، و"تفسير القرطبي" 7/ 206، و"بدائع التفسير" 2/ 212.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾؛ الولوج معناه: الدخول، والإيلاج: الإدخال [[انظر: "الجمهرة" 1/ 493، و"تهذيب اللغة" 4/ 3949، و"الصحاح" 1/ 347، و"المجمل" 4/ 937، و"المفردات" ص 882، و"اللسان" 8/ 4913 (ولج).]]، وسئل ابن مسعود عن الجمل فقال: (الجمل: زوج الناقة) [[أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 229، والطبري 8/ 178، من عدة طرق جيدة إلا أنه مرسل؛ لأنه من طريق إبراهيم النخعي ومجاهد وهما لم يسمعا من ابن مسعود، انظر: "المراسيل" لابن أبي حاتم ص 9 وص 205، والأثر ذكره السيوطي في "الدر" 5/ 157: (وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ والطبراني في "الكبير") وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 23 وقال: (رواه الطبراني من طريقين ورجال أحدهما رجال الصحيح إلا أن إبراهيم النخعي لم يدرك ابن مسعود والأخرى ضعيفة) اهـ.
(والجمل) -بالفتح وتخفيف الميم-: معروف وهو زوج الناقة وهو الظاهر وقول جمهور المفسرين وذكر أثر ابن مسعود الزجاج في "معانيه" 2/ 338، والنحاس في "معانيه" 3/ 35 وقالا: (كأنه استجهل من سأله عما يعرفه الناس جميعًا).
وانظر: "معاني الفراء" 1/ 379، و"تفسير السمرقندي" 1/ 540، و"تفسير الماوردي" 2/ 2231.]].
قال الليث [["تهذيب اللغة" 1/ 655، وانظر "العين" 6/ 141، و"الجمهرة" 1/ 491، و"الصحاح" 4/ 1661، و"المجمل" 1/ 198، و"المفردات" ص 203، و"اللسان" 2/ 683 (جمل).]]: (وإنما يستحق هذا الاسم إذا بزل) [[بَزَل البعير يَبْزُل بُزُولًا فطر نابه أي: انشق وطلع. انظر: "اللسان" 1/ 276 (بزل).]].
والسم [[السَّمُّ -بفتح السين وضمها لغتان- قال أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 214: (كل ثقب فهو سَمٌّ والجميع سموم) وانظر: "الجمهرة" 1/ 135، و"تهذيب اللغة" 2/ 1761، و"الصحاح" 5/ 1953، و"المجمل" 2/ 455، و"المفردات" ص 424، و"اللسان" 4/ 2102 (سمم).]]: ثقب الإبرة، ويقال أيضًا: بالضم، وبه قرأ [[ذكرها النحاس في "معانيه" 3/ 36، وابن عطية 5/ 503، والرازي 14/ 76، والقرطبي 7/ 207، وهي قراءة جماعة منهم ابن مسعود وأبو رزين وأبو السمال وقتادة وابن محيصن وطلحة بن مصرف، انظر: "مختصر الشواذ" ص 49، و"زاد المسير" 3/ 198، و"البحر" 4/ 297.]] ابن سيرين، وكل ثقب في البدن لطيف فهو سم، وجمعه سموم.
وقال الفرزدق:
فَنَفَّسْتُ عَنْ سَمَّيْهِ حَتى تَنَفَّسَا ... وقُلتُ لَهُ لاَ تَخْشَ شَيْئًا وَرَائِيا [[ليس في "ديوانه"، وهو في "تفسير الطبري" 8/ 178، و"الدر المصون" 5/ 318، وصدره بلا نسبة في "تهذيب اللغة" 2/ 1763، و"اللسان" 8/ 2103 (سمم) ويعني بسميه: ثقبي أنفه، أفاده الطبري.]]
ومنه قيل: السم القاتل؛ لأنه ينفذ بلطفه في مسام البدن حتى يصل إلى القلب، و ﴿الْخِيَاطِ﴾ [[الخَيْط، بفتح الخاء وسكون الياء: واحد الخيوط معروف وهو السلك والخياط والمِخْيَط: الإبرة وما يخيط به.
انظر: "العين" 4/ 293، و"الجمهرة" 1/ 611، و"تهذيب اللغة" 1/ 964، == و"الصحاح" 3/ 1125، و"مجمل اللغة" 2/ 308، و"المفردات" ص 302، و"اللسان" 3/ 1302 (خيط).]]: ما يخاط به، قال الفراء: (ويقال: خِيَاط ومِخْيَط كما يقال إزار ومِئْزر ولحِاف ومِلْحف وقِناع ومِقْنع) [["معاني الفراء" 1/ 379، ومثله ذكر الطبري 8/ 178.]]
قال الزجاج: (والمعنى: لا يدخلون الجنة أبدًا) [["معاني القرآن" 2/ 338، وهو قول عامة المفسرين. انظر: "الطبري" 8/ 178، و"معاني النحاس" 3/ 35، والسمرقندي 1/ 540، والماوردي 2/ 222.]].
قال ابن الأنباري: (وإنما خص الجمل من بين الحيوان بالذكر إذ كان أكثر شأنًا عند العرب من سائر الدواب، والعرب تقدمه في القوة علي سائرها من أجل أنه يوقر بحمله وهو بارك فينهض به، ولم تر العرب أعظم منها [[كذا في النسخ: "منها" أي الجمال، والأولى (منه) أي الجمل.]] جسمًا فيما رأت من الحيوان) [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 197.]].
وقال أهل المعاني [[ذكره الخازن 2/ 229 عن بعض أهل المعاني.]]: علق الله تعالى [[لفظ: (تعالى) ساقط من (ب).]] دخولهم الجنة بولوج الجمل في سم الخياط. فكان ذلك نفيًا لدخولهم الجنة على التأبيد، وذلك أن العرب إذا علقت ما يجوز كونه بما لا يجوز كونه استحال كون [[في (ب): (استحال دون).]] ذلك الجائز الكون؛ كما يقال: لا يكون هذا حتى يَشِيبَ الغُرَاب، وحتى يَبْيَض القار [[ذكره ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" ص 177، وقولهم: (لا يكون هذا حتى يشيب الغراب ويبيض القار) يتمثل به في اليأس عن الشيء. انظر: "جمهرة الأمثال" 1/ 363، و"المستقصى" للزمخشري 2/ 59.]] وكما قال الشاعر: إذا شَابَ الغُرابُ أَتَيْتُ أهْلي ... وصارَ القارُ كاللَّبنِ الحليبِ [[الشاهد في "تفسير الماوردي" 2/ 223، و"وضح البرهان" للغزنوي 2/ 73، و"تفسير الخازن" 2/ 229، و"الدر المصون" 5/ 320 من غير نسبة، وفي حاشية وضح البرهان أفاد أنه للقارظ العنزي ونسب لتميم الداري.]]
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾. قال الزجاج: (أي: ومثل الذي وصفنا ﴿نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ [[لفظ: (نجزي المجرمين). ساقط من (أ).]]، قال: والمجرمون -والله أعلم- هاهنا الكافرون؛ لأن الذي ذكر من قصتهم التكذيب بآيات الله والاستكبار عنها) [["معاني القرآن" 2/ 338، ومثله ذكر النحاس في "معانيه" 3/ 36، والسمرقندي 1/ 541، وقال الطبري 8/ 181: (يقول: وكذلك نثيب الذين أجرموا في الدنيا ما استحقوا به من الله العذاب الأليم في الآخرة) أهـ.]].
7:41Page 155
لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٞ وَمِن فَوۡقِهِمۡ غَوَاشٖۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّٰلِمِينَ ٤١
They will have from Hell a bed and over them coverings [of fire]. And thus do We recompense the wrongdoers.
قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾.
قال الليث: (المهاد: اسم جمع [[في (ب): (أجمع).]] من المهد كالأرض جعلها [[في (أ): (جعله).]] الله مهادًا للعباد، وجمع المِهاد: مُهُد، وثلاثة أمْهَده) [["تهذيب اللغة" 4/ 3461، وانظر: "العين" 4/ 31 - 32، و"الجمهرة" 2/ 685، و"الصحاح" 2/ 541، و"المجمل" 3/ 818، و"المفردات" 780، و"اللسان" 7/ 4286 (مهد).]] الأزهري: (أصل المهد في اللغة التوثير، ويقال للفراش: مهاد لوثارته) [["تهذيب اللغة" 4/ 3461 (مهد).]].
والغواشي [[في (ب): (والغواش).]]: جمع غاشية، وهي كل ما يغشاك أي يُجللك [[انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2667، و"الصحاح" 6/ 2446، و"المجمل" 3/ 696، و"المفردات" ص 607، و"اللسان" 6/ 3259 (غشا).]]، و ﴿جَهَنَّمَ﴾ لا ينصرف لاجتماع التأنيث فيها والتعريف. قال بعض أهل اللغة: (واشتقاقها من الجهومة، وهي الغلظ، يقال: رجل جهم الوجه، غليظه، فسميت بهذا [[في (ب): (بها).]] لغلظ أمرها في العذاب، نعوذ بالله منها) [[أكثر النحويين على أنها اسم لنار الله الموقدة وهي أعجمية معربة ممنوعة من الصرف للعلمية والعجمة، وذهب جماعة من المحققين إلى أنها عربية ومنعها للعلمية والتأنيث مأخوذة من قولهم: ركيَّة جِهنام بكسر الجيم والهاء أي: بعيدة القعر، واشتقاق جهنم من ذلك لبعد قعرها ولغلظتها، أفاده السمين في "عمدة الحفاظ" ص 104 وقال: (القول بأنها أعجمية غير مشهور في النقل، بل المشهور عندهم أنها عربية) اهـ. وانظر: "العين" 3/ 396، و"الزاهر" 2/ 146، و"تهذيب اللغة" 1/ 681، و"الصحاح" 5/ 1892، و"المفردات" ص 209، و"اللسان" 2/ 715 (جهنم).]]. قال المفسرون في هذه الآية: (هذا [[في (ب): (على هذا). وهو تحريف.]] إخبار عن إحاطة النار بهم من كل جانب، فلهم منها غطاء ووطاء وفراش ولِحاف) [[وهو قول الطبري في "تفسيره" 8/ 182، وأخرجه من طرق عن محمد بن كعب القرظي والضحاك والسدي. وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 338، والنحاس 3/ 36 و"تفسير السمرقندي" 1/ 541، والماوردي 2/ 223.]].
فأما التنوين في ﴿غَوَاشٍ﴾، فقال أبو الفتح الموصلي: (ومما يسأل عنه من أحوال التنوين قولهم: جوارٍ وغواشٍ ونحو ذلك، لأية علة لحقه التنوين، وهو غير منصرف لأنه على وزن فواعل [[كذا في "النسخ"، وعند ابن جني في "سر صناعة الإعراب" 2/ 511 (مَفاعِل).]]؟ والجواب عن ذلك: ما ذهب إليه الخليل وسيبويه [[انظر: "الكتاب" 3/ 308 - 309.]]، وهو أن هذا الضرب جمع، والجمع أثقل من الواحد، وهو أيضًا الجمع الأكثر الذي يتناهى إليه الجموع، فزاده ذلك ثقلاً، ووقعت مع ذلك الياء في آخره وهي مستثقلة، فلما اجتمعت فيه هذه الأشياء خففوه بحذف يائه، فلما حذفت الياء نقص عن مثال فواعل [[في "سر صناعة الإعراب" 2/ 511 (مفاعل).]]، وصار (غواش) بوزن (جَناح) فدخله التنوين لنقصانه عن هذا المثال، فالتنوين عندهما في (غواش) وبابه إنما هو التنوين الذي هو علم الصرف، يدلك على هذا أنك إذا صرت إلى حال النصب فجرى مجرى الصحيح؛ كما من عادة المنقوص إذا نصب نحو: قاض وغاز فأتممته لم تصرفه، فقلت: رأيت (جواريَ) و (غواشيَ) ونحو ذلك) [[هذا ملخص ما ذكره ابن جني في "سر صناعة الإعراب" 2/ 511 - 514.]].
وقال أبو إسحاق: (زعم الخليل وسيبويه أن النون هاهنا عوض من الياء؛ لأن (غواشي) لا ينصرف الأصل (غواشي) [[في "معاني الزجاج" 2/ 338: (الأصل غواشي بإسكان الياء، فإذا ذهبت الضمة أدخلت التنوين عوضًا منها ..) اهـ. ونص الواحدي مثل نصر الفارسي في "الإغفال" ص 778 عن الزجاج.]] بالياء والضم إلا أن الضمة تحذف لثقلها في الياء، فيبقى (غواشيْ) بسكون الياء، فإذا ذهبت الضمة أدخلت النون عوضًا منها، كذلك فسر أصحاب سيبويه، فكأن سيبويه يذهب إلى أن النون عوض من ذهاب حركة الياء، والياء سقطت لسكونها، وسكون النون، فإذا وقفت فالاختيار أن تقف [[في (ب): (يقف) بالياء.]] بغير ياء، فتقول [[في (ب): (فيقول) بالياء.]]: (غواش) لتدل [[في (ب): (ليدل).]] أن الياء كانت تحذف في الوصل، وبعض العرب إذا وقف قال: (غواشي)، بإثبات الياء، ولا أرى ذلك في القرآن؛ لأن الياء محذوفة في المصحف) [["معاني الزجاج" 2/ 338 - 339، و"الإغفال" ص 778 - 779، وفيهما بعد قوله: (في المصحف "الكتاب" على الوقف) أهـ.]] انتهى كلامه.
والذي ذهب إليه أبو إسحاق هو أن التنوين في (غواشي) إنما هو بدل من الحركة الملقاة لثقلها عن الياء، فلما جاء التنوين حذفت الياء لالتقاء الساكنين هي والتنوين، كما حذف من المنصرف في نحو: قاضٍ وغازٍ ومتقٍ [[النص من "سر صناعة الإعراب" 2/ 512، وفيه: (قاضٍ وغازٍ ومشترٍ ومتعالٍ).]] ومتعالٍ، وهذا غير مرضي ولا سائغ في القياس، وقد ترك قول سيبويه والخليل، وخالفهما إلى خلاف الصواب [[هذا نص كلام ابن جني في "سر صناعة الإعراب" 2/ 512 - 513.]].
قال أبو علي: (الدليل على أن الحذف لغير التقاء الساكنين أنه لو كان لذلك [[في (ب): (كذلك).]] لم يجب الحذف؛ ألا ترى أن الساكن [الأول هو الياء ولو ثبتت لم يلحق الساكن] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] الثاني لتعاقبهما كما لم يلحق (مساجد) [[في (أ): (مساجده)، وهو تحريف.]] ونحوه مما يكون من هذا الجمع، فقراءة الناس ﴿غَوَاشٍ﴾ بالتنوين دلالة على أن الياء لم تحذف لالتقاء الساكنين؛ إذ الساكن الأول لو ثبت لم يجتمع معه الساكن الثاني.
وحكاية أبي إسحاق في قوله: (زعم سيبويه والخليل أن النون عوض من الياء) هذا لعمري صحيح عليه نص سيبويه، إلا أن ما ذكر بعد من قوله: فإذا ذهبت الضمة أدخلت النون عوضًا منها فالقول أن النون عوض من ذهاب الضمة خلاف قول سيبويه، ألا ترى أنه قد نص على أنه عوض من الياء كما حكاه أبو إسحاق أولاً عنه، ولو كان النون عوضًا من الضمة لكان جديرًا أن يلحق الفعل أيضًا، ألا ترى أن الأفعال قد حذفت الضمة من لاماتها، وقوله: (كأن سيبويه ذهب إلى أن [[لفظ: (أن) ساقط من (أ).]] النون عوض من ذهاب حركة الياء) تقدير لا وجه له مع ما حكيناه من نصه على أنه بدل من الياء، وقوله: (والياء سقطت لسكونها وسكون النون) قول لا يذهب إليه أحد، وإن [[في (أ): (فإن).]] أضافه إلى سيبويه فخطأ، وإن ذهب هو إليه [[في (ب): تكرار قوله: (أحد وإن أضافه إلى سيبويه فخطأ، وإن ذهب إليه).]] ففاسد، لما ذكرنا أن الساكن الأول إذا ثبت عاقب الساكن الثاني، ولم يكن للتنوين مدخل في الكلمة، فأما ما نسبه من التفسير الذي ذكره إلى أصحاب سيبويه [[وكذلك قال النحاس في "إعرابه" 1/ 612: (التنوين عند سيبويه عوض عن الياء وعن أصحابه عوض من الحركة) اهـ.]]، فإني لم أعلم أحدًا فسر هذا التفسير، فإن فسره مفسر كان خلاف مذهبه) [["الإغفال" ص 781 - 788، وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 298، و"المشكل" 1/ 291، و"غرائب الكرماني" 1/ 403، و"البيان" 1/ 361، و"التبيان" ص 375، و"الفريد" 2/ 301، و"الدر المصون" 5/ 322.]].
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: الذين أشركوا بالله واتخذوا من دونه إلهًا) [["تنوير المقباس" 2/ 95، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 180، والرازي في "تفسيره" 14/ 78.
وذكر ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 199 عن ابن عباس أنه قال: (الظالمون هاهنا الكافرون) اهـ.]].
قال الزجاج: (والظالمون -هاهنا أيضًا [[لفظ: (أيضًا) ساقط من (ب).]] -: الكافرون) [["معاني القرآن" 2/ 338، ومثله قال النحاس في "معانيه" 3/ 37، والسمرقندي 1/ 541، وقال الطبري 8/ 182: (كذلك نثيب ونكافئ من ظلم نفسه فأكسبها من غضب الله ما لا قبل لها به بكفره بربه وتكذيبه أنبيائه) اهـ.]].
7:42Page 155
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٤٢
But those who believed and did righteous deeds - We charge no soul except [within] its capacity. Those are the companions of Paradise; they will abide therein eternally.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. قال الزجاج: (معنى الوسع: ما يقدر عليه) [["معاني الزجاج" 2/ 339، وزاد فيه: (أي: عملوا الصالحات بقدر طاقتهم) اهـ. ونحوه قال الطبري في "تفسيره" 8/ 182، والنحاس في "إعراب القرآن" 1/ 612، والسمرقندي 1/ 541.]].
قال مجاهد: (إلا ما افترض عليها) [[ذكره الخازن في "تفسيره" 2/ 229.]] يعني: أن ما افترض عليها هو وسعها الذي يسعها [[لفظ: (الذي وسعها) ساقط من (ب).]] ويُقدر عليه ولا تعجز عنه. فقد بينه مقاتل فقال: (إلا طاقتها؛ ولا يكلف الله العباد إلا ما يطيقون) [["تفسير مقاتل" 2/ 37، وفيه: (يقول: لا نكلفها من العمل إلا ما تطيق) اهـ.]]، فقوله: (إلا طاقتها) ليس معناه: أقصى ما يطيقه؛ لأنه لو كلف ذلك لشق وتعذر، ولكن معناه: إلا مما يطيقه ولا يعجز عنه. ألا ترى أن معاذ بن جبل -رحمه الله- قال في هذه الآية: (إلا يُسرها لا عسرها ولو كلفها طاقتها لبلغ مجهودها) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 181، والرازي 14/ 79.]]، فقوله: (لو كلفها طاقتها) أراد أقصى ما تطيقه.
وقد بيَّن أبو زبيد [[في (ب): (أبو زيد)، وهو تحريف. وهو: حَرْمَلَة بن المُنْذر بن مَعْدِ يَكرِب الطائي.]] الطائي في قوله: أُعْطِيهُم الجَهْدَ مِنّي بَلْهَ ما أَسَعُ [[الشاهد في "ديوانه" ص 109، و"الزاهر" 1/ 94، و"الصحاح" 5/ 2075، و"اللسان" 1/ 178 (أون)، و"الخزانة" 6/ 235 - 236 وبلا نسبة في "الجمهرة" 1/ 380، و"تهذيب اللغة" 4/ 3890، و"كتاب الشعر" لأبي علي 1/ 25، وأوله:
حَمَّال أَثْقَال أَهْلِ الوُدَّ آوِنَةً
وآونة، جمع أوان بمعنى الحين، والجهد بالفتح النهاية والغاية، وقيل: الوسع والطاقة، وَبَلْه أي دع، والوسع الطاقة والجدَة أيضًا. وقال البغدادي في "الخزانة" 6/ 237: (المعنى: أني أعطيهم فوق الوسع فتركًا للوسع، أو فدع الوسع، أي: ذكره أو فكيف الوسع لا أعطيه) اهـ. وفي "اللسان" 1/ 354 (بله) قال: (المعنى: أعطيهم ما لا أجده إلا بجهد ودع ما أحيط به وأقدر عليه) اهـ.]]
أن ما يسعه [[كذا في النسخ: (إن ما يسعه) والأولى: (أي ما يسعه).]] دون أقصى طاقته، وأن أقصى الطاقة يسمى جهدًا لا وسعًا، وغلط من ظن أن الوسع [[انظر: (وسع) في "تهذيب اللغة" 4/ 3890، و"الصحاح" 3/ 1298، و"اللسان" 8/ 4834، وبمثل قول الواحدي، قال الرازي 14/ 79، و"الخازن" 2/ 229.]] بذل المجهود، وأكثر أصحاب المعاني [[ذكر مثله الرازي 14/ 78، و"الخازن" 2/ 229.]] على أن قوله: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ اعتراض بين الابتداء والخبر، والخبر الجملة التي هي قوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾، و [[لفظ: (الواو) ساقط من (ب).]] هذا فصل بين الابتداء والخبر بما هو من جنس هذا الكلام؛ لأنه لما ذكر عملهم الصالح ذكر أن ذلك العمل مما يسعهم ولا يعسر عليهم، وقد مضت نظائر هذا فيما تقدم [[لم أقف عليه بعد طول بحث عنه في مظانه.]]، وعلى هذا لا موضع لقوله: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وقال قوم من أهل المعاني: (موضعه رفع بأنه الخبر على حذف العائد كأنه قيل: لا نكلف نفسًا منهم إلا وسعها، وحذف العائد للعلم به) [[ذكره أكثرهم، والأول هو قول الزجاج في "معانيه" 2/ 339، والنحاس في "إعراب القرآن" 1/ 612، والزمخشري في "الكشاف" 2/ 79، وابن عطية 5/ 505، وانظر: "البيان" 1/ 361، و"التبيان" ص 375، و"الفريد" 2/ 301، و"الدر المصون" 5/ 323، وفي "بدائع التفسير" 2/ 212 قال ابن القيم: (اعترض بين المبتدأ والخبر بقوله: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ لما تضمنه ذلك من الاحتراز الدافع لتوهم متوهم أن الوعد إنما يستحقه من أتى بجميع الصالحات، فرفع ذلك بقوله: ﴿لَا نُكَلِّفُ﴾، وهذا أحسن من قول من قال: إنه خبر عن الذين آمنوا، ثم أخبر عنهم بخبر آخر فهما خبران عن مخبر واحد، فإن عدم التكليف فوق الوسع لا يخص الذين آمنوا، بل هو حكم شامل لجميع الخلق معه ما في هذا التقدير من إخلاء الخبر عن الرابط، وتقدير صفة محذوفة أي نفسًا منها، وتعطيل هذه الفائدة الجليلة) اهـ.]].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences