Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Al-Anfal 8:20–24
8:20Page 179
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَوَلَّوۡاْ عَنۡهُ وَأَنتُمۡ تَسۡمَعُونَ ٢٠
O you who have believed, obey Allāh and His Messenger and do not turn from him while you hear [his order].
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ قال أهل المعاني: إنما خص المؤمنين بالأمر دون غيرهم من المكلفين؛ لأن غيرهم بمنزلة من لا يعتد به لتركهم العمل بما يجب عليهم، مع أن إفرادهم بالخطاب إجلال لهم ورفع من أقدارهم [[انظر: "البحر المحيط" 4/ 479، وقد ذكر أنه قول الجمهور، ولم أجده فيما بين يدي من كتب أهل المعاني.]]، قال عطاء عن ابن عباس في هذه الآية: يريد: أطيعوا الله والرسول فإن طاعة الرسول طاعة لي، ولا تعرضوا عنه وقد سمعتم موعظتي وما أعددت لأوليائي وأهل طاعتي من الثواب، وما أعددت لأعدائي وأهل معصيتي من العقاب [[لم أقف على مصدره.]].
وقال ابن عباس أيضاً: لا تولوا عن رسول الله وأنتم تسمعون ما نزل من القرآن، وتسمعون المواعظ [[رواه بلفظ مقارب الثعلبي 6/ 50 أ، وأنظر: "الوسيط" 2/ 451.]].
وقال ابن إسحاق: لا تخالفوا أمره وأنتم تسمعون لقوله، وتزعمون أنكم منه [[انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام 2/ 314.]].
وقال غيره من أهل المعاني: وأنتم تسمعون دعاءه لكم، نهاهم الله عز وجل عن التولي في هذه الحال، ويسعهم الانصراف في غيرها [[انظر: هذا القول في "الحجة للقراء السبعة" 2/ 234، و"البرهان" للحوفي 11/ 35 ب، ورده أبو السعود في "تفسيره" 4/ 14 - 15.]].
وهذا القائل حمل التولي على الانصراف، والأولى أن يحمل ذلك على مخالفة الأمر؛ لأنه وإن أقبل على الرسول بوجهه ولم يعتقد طاعته لم يكن مطيعًا.
وقد حصل في الآية وجهان:
[أحدهما: لا تولوا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]] عن رسول الله ﷺ أي: لا تنفضوا عنه، وقد ذم قوماً بالانفضاض عنه في قوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: 11] الآية، وفي قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ [النور: 63].
والثاني: أن معنى قوله: ﴿وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ ولا تعرضوا عن أمره، وتلقوه بالطاعة والقبول، كما قال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور:63].
وذكر أبو علي الفارسي الوجهين [[ساقط من (م).]] جميعًا [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 2/ 234.]]، كما حكيناه.
وعلى الوجه الأول: الخطاب لأصحاب رسول الله ﷺ الذين يسمعون كلامه.
وعلى الثاني: الخطاب عام لكل من بلغته دعوته، وعلى هذا فالله تعالى أوجب طاعة الرسول على من سمع ما أتى به، فدل هذا على أن من لم يسمع ذلك ممن لم تبلغه الدعوة لم تجب الطاعة عليه.
8:21Page 179
وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ ٢١
And do not be like those who say, "We have heard," while they do not hear.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾، قال ابن عباس: يعني اليهود، قريظة والنضير وبني قينقاع [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 337، وانظر: "الوسيط" 2/ 451.]]، وهو قول الحسن [[ذكره أبو حيان في "البحر المحيط" 4/ 479 - 480 بلفظ: هم أهل الكتاب.]].
وقال مقاتل: يعني المنافقين [[انظر: "تفسير مقاتل" 119 أ. وما بعد كلمة (المنافقين) من كلام المؤلف توضيحًا لقول مقاتل.]] الذين يظهرون الطاعة ويسرون المعصية، ويقولون سمعنا سماع قابل، وليسوا كذلك، وهو قول ابن إسحاق [[انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام 2/ 314.]].
وقيل: هو من صفة المشركين، جُعلوا بمنزلة من لم يسمع؛ لأنهم لم ينتفعوا بالمسموع، وهذا اختيار أبي إسحاق، قال: ومعنى قوله: ﴿سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ أنهم [[في "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج: لأنهم.]] استمعوا سماع [[في المصدر السابق: استماع.]] عداوة وبغضاء فلم يتفهموا [[في (ح): (يتفقهوا). والمثبت موافق للمصدر.]]، ولم يتفكروا [فيما سمعوا] [[ما بين المعقوفين زائد عما في المصدر.]] فكانوا بمنزلة من لم [[في (ح) و (م): (لا)، وما أثبته من (س) موافق للمصدر.]] يسمع [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 408.]].
8:22Page 179
۞ إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلۡبُكۡمُ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡقِلُونَ ٢٢
Indeed, the worst of living creatures in the sight of Allāh are the deaf and dumb who do not use reason [i.e., the disbelievers].
قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية، قال ابن عباس [[رواه مختصراً البخاري في "صحيحه" كتاب التفسير، سورة الأنفال 6/ 118، وابن جرير 13/ 460، وابن أبي حاتم 3/ 235 ب.]] ومجاهد [[رواه ابن جرير13/ 461 بمعناه.]] ومقاتل [["تفسير مقاتل" 119 ب، وقد أورد المؤلف قول مقاتل بمعناه.]]: يريد المشركين، نفرًا من بني عبد الدار، وبني عبد العزى، كانوا صمًا عن الحق؛ فلا يسمعونه، بكمًا عن التكلم به.
وكل ما دب على وجه الأرض فهو من جملة الدواب [[في "لسان العرب" (دبب) 3/ 1314: الدابة: اسم لما دب من الحيوان مميزة وغير مميزة، ثم قال في الصفحة التالية: وقد غلب هذا الاسم على ما يركب من الدواب.]]، بين الله تعالى أن هؤلاء الكفار شر ما دب على الأرض من الحيوان.
8:23Page 179
وَلَوۡ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمۡ خَيۡرٗا لَّأَسۡمَعَهُمۡۖ وَلَوۡ أَسۡمَعَهُمۡ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعۡرِضُونَ ٢٣
Had Allāh known any good in them, He would have made them hear. And if He had made them hear, they would [still] have turned away, while they were refusing.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ أي لو خلق فيهم خيرًا؛ لأن ما خلقه الله يعلمه، وما لا يعلمه الله فهو ما لم يخلقه على معنى أنه لا يعلمه مخلوقًا [[يشير المؤلف إلى تعلق علم الله بالكون من ناحية الوجود والعدم ، وذلك قسمان:
أحدهما: جملة الموجودات.
الثاني: جملة المعدومات. فالموجود يعلمه الله موجودًا، والمعدوم لا يعلمه الله موجودًا، بمعنى أنه يعلمه معدومًا.]]، كما قال تعالى: ﴿أتنبئون الله بما لا يعلم [في الأرض﴾ [يونس: 18] أي: بما لم يجعله ولم يخلقه، ومعنى الآية: ولو علم الله أنهم يصلحون بما يورده] [[ما بين المعقوفين ساقط من (م).]] من حججه وآياته لأسمعهم إياها ولم يخلف [[هكذا في جميع النسخ، ولعل الصواب: يخف.]] عنهم شيئًا منها.
وقال ابن جريج وابن زيد: لأسمعهم الحجج والمواعظ سماع تفهيم وتعليم، ولو أسمعهم بعد أن علم أن لا خير فيهم ما انتفعوا بذلك، ولتولوا وهم معرضون [[ما ذكره المؤلف هو قول ابن زيد كما رواه بلفظ مقارب ابن جرير 9/ 212، وأما قول ابن جريج فنصه: ولو علم الله فيهم خيرًا لأسمعهم ولو أسمعهم لقالوا ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا﴾ [يونس: 15] ولقالوا ﴿لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ [الأعراف: 203] ولو جاءهم بقرآن غيره لتولوا وهو معرضون.]].
وقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿لَأَسْمَعَهُمْ﴾: يريد: لهداهم [[رواه بمعناه الفيروزأبادى في "تنوير المقباس" ص 179 من رواية الكلبي وهو واهٍ.]].
﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ رجع تبارك وتعالى إلى ما سبق في علمه وقضائه وقدره فأخبر بما كان قبل أن يكون، ومعنى قوله [[أى ابن عباس في قوله السابق.]]: (لهداهم) أي: لأسمعهم ما يهتدون به سماع تفهيم.
وشرح أبو علي الجرجاني هذا القول شرحًا شافيًا فقال: إن الله يعلم ما يكون، وما لا يكون، وما لا يكون لو كان كيف يكون، فتأويل قوله: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ أي ليس فيهم خير فلا يسمعهم؛ لأنه جبلهم على ذلك، وهذا مثل قولك للرجل: لو علمت أنك تفهم لأخبرتك، أي: أنك لا تفهم، ثم قال: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ -أي إسماع الإفهام الذي ينفع [[في (م): (ينتفع به).]] ويجدي إذا كان في الإنسان خير، وكان سعيدًا- ﴿لَتَوَلَّوْا﴾ أيضًا ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ إخبارًا منه عز وجل عما لا يكون لو يكون كيف يكون [[ساقط من (ح).]]، ومثل هذا قوله إخبارًا عن المنافقين: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾ [[حذف الجرجاني أو المؤلف بعض الآية ونصه: ﴿وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا﴾ وقد فعل ذلك الرازي أيضًا في "تفسيره" 15/ 150 وهو كثير النقل من تفسير الواحدي "البسيط".]] [الحشر: 11] فقال الله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ [[في جميع النسخ: (ولئن). وهو خطأ.]] [الحشر: 12] فأعلمنا أن ذلك لا يكون منهم، ثم قال: ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ﴾ [الحشر: 12] فأعلم عز وجل عما لا يكون بأنه لو كان كيف يكون.
وسلك أبو إسحاق في معنى هذه الآية طريقة حسنة فقال: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ جواب كل ما يسألون عنه، ثم قال [[في "معاني القرآن وإعرابه": ثم قال جل وعز. وفي (م): (وقوله).]]: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا﴾ أي لو بين لهم كل ما يختلج [[في المصدر السابق: يعتلج. اهـ، والكلمتان متقاربتان في المعنى، ففي "لسان العرب" (خلج) 3/ 1223: اختلج الشيء في صدري وتخالج: احتكأ مع شك، وأصل الاختلاج: الحركة والاضطراب. وفي المصدر نفسه (علج) 5/ 3065: اعتلج القوم: اتخذوا صراعًا وقتالاً، واعتلج الموت: التطم، وهو منه، وأعتلج الهمّ في صدره، كذلك على المثل.]] في نفوسهم ﴿لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ لمعاندتهم [["معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 409.]].
واختاره ابن الأنباري وشرحه فقال: ولو علم الله فيهم خيرًا لأسمعهم جواب كل ما يسألون عنه مما يقترحون ويطالبون [[ساقط من (ح).]] من المعجزات، ولو أسمعهم ذلك وأجابهم إلى ما يحبون منه لأعرضوا لعنادهم الحق، وحرصهم على إبطال أعلامه.
قال أصحابنا [[يعني الأشاعرة، وهو مذهب أهل السنة والجماعة قاطبة، انظر: "مقالات الإسلاميين" للأشعري 2/ 346، و"عقيدة السلف وأصحاب الحديث" للصابوني ص 284، و"شرح العقيدة الطحاوية" 2/ 353، و"القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة" ص 247.]]: وفي الآية دليل واضح على أن المقادير والكفر والإِسلام والخير والشر سابقة ماضية، وأن الشقي لا ينتفع بدعوة الرسول واستماع الحق.
8:24Page 179
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَقَلۡبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٢٤
O you who have believed, respond to Allāh and to the Messenger when he calls you to that which gives you life. And know that Allāh intervenes between a man and his heart and that to Him you will be gathered.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾، قال ابن عباس: أجيبوا لله وللرسول بالطاعة [[لم أجد من ذكره عن ابن عباس سوى الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 179، وقد ذكر القول دون نسبة أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 245، والبخاري في "صحيحه" كتاب التفسير 8/ 307 والزجاج في "معاني القرآن" 2/ 409، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 338.]]، وقال عطاء عنه: سارعوا إلى ما دعاكم رسول الله ﷺ إليه [[ساقط من (س).]] من طاعتي [[لم أقف عليه.]].
قال أبو عبيدة والزجاج: معنى استجيبوا: أجيبوا [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 245، و"معاني القرآن وإعرابه" 2/ 409، وقد ذكر هذا المعنى ابن منظور في "لسان العرب" (جوب) 2/ 716، فقال: الإجابة والاستجابة بمعنى. وقال الراغب في "المفردات" (جوب) ص 102: الاستجابة قيل هي الإجابة، وحقيقتها هي التحري للجواب والتهيؤ له، لكن عبر به عن الإجابة لقله انفكاكها منها.]]، وأنشد قول الغنوي: فلم يستجبه عند ذاك مجيب [[هذا عجز بيت، وصدره:
وداعٍ دعا يا من يجيب إلى الندى
والبيت للغنوي كما في "الأصمعيات" ص 96، و"نوادر أبى زيد" ص 37، و"مجاز القرآن" 1/ 67، و"شواهد الكشاف" 4/ 330.]]
وقوله تعالى: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ قال السدي: هو الإيمان والإسلام، وفيه الحياة [[رواه بلفظ مقارب ابن جرير 9/ 213، وابن أبي حاتم 5/ 1680، والثعلبي 6/ 50 ب.]]، وعلى هذا معنى الآية: أجيبوا الرسول إذا دعاكم إلى الإيمان، والإيمان حياة القلب، والكفر موته، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الحَىَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ [[الأنعام: 95، يونس: 31، الروم: 19.]] قيل: المؤمن من الكافر، وقال قتادة: يعني: القرآن، أي: أجيبوه إلى ما في القرآن ففيه الحياة والنجاة والعصمة [[رواه بلفظ مقارب ابن جرير 9/ 214، والثعلبي 6/ 50 ب.]]، وعلى هذا القول: القرآن يحيي؛ لأنه سبب الحياة بالعلم، والجاهل حياته موت؛ لأنه يعيش بجهل [[هذا التعليل فيه نقص بيّن، والأولى أن يقال: إن القرآن يحيي؛ لأنه شامل لجميع ما ذكره المفسرون من أسباب الحياة، فالقرآن داعٍ إلى الإيمان، وداع إلى العمل، وداعٍ إلى الجهاد، وداع إلى الحق، وداع إلى النعيم المقيم، وكل واحد من هذه الأمور سبب للحياة المذكورة في الآية.]]، والقرآن لما كان سببًا للإقتداء كان فيه الحياة النافعة.
والأكثرون على أن معنى قوله: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ هو الجهاد [[هذا قول عروة بن الزبير وابن إسحاق وابن قتيبة، ولم يذكر المفسرون غيرهم.
انظر: "تفسير ابن جرير" 9/ 214، والثعلبي 6/ 50 ب، والبغوي 3/ 344، والماوردي 2/ 307، و"الدر المنثور" 3/ 320.]] وهو قول ابن إسحاق [["السيرة النبوية" 2/ 268.]]، واختيار أكثر أهل المعاني [[انظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 151، وقد نسب الواحدي هذا القول لأكثر أهل المعاني ولم أجد من ذكره منهم سوى ابن قتيبة بينما اختار قولًا غيره كل من الفراء وأبي عبيدة والزجاج والنحاس، ولم يتعرض لتفسير الآية كل من الأخفش واليزيدي والأزهري، وقد يقال: إن ذلك يعود إلى كثرة الكتب المؤلفة في معاني القرآن التي اطلع عليها الواحدي ولم تصل إلينا ، ولكن يشكل عليه أن المفسرين القدامى المهتمين بعزو الأقوال إلى أصحابها لم يعزوا هذا القول إلا لابن إسحاق وابن قتيبة.
انظر: الثعلبي 6/ 50 ب، والبغوي 3/ 344، وابن الجوزي 3/ 339.]].
قال الفراء: إذا دعاكم إلى إحياء أمركم بجهاد عدوكم [["معاني القرآن" 1/ 407. وجملة: بجهاد عدوكم، ليست موجودة في المطبوعة، وكذلك ذكر ابن الجوزي 3/ 339 قول الفراء دون هذه الجملة، فإما أن تكون موجدة في بعض النسخ دون بعض، وإما أن تكون زيادة من الواحدي للتوضيح.]]، يريد أن أمرهم إنما يقوى بالحرب والجهاد، فلو تركوا الجهاد ضعف [[في (س): (لضعف).]] أمرهم، واجترأ عليهم عدوهم.
وقال أبو إسحاق: أي لما يكون سببًا للحياة الدائمة في نعيم الآخرة [[اهـ. قول أبي إسحاق الزجاج، وما بعده من كلام الواحدي، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 409.]]، وسبب هذه الحياة: يعني الجهاد.
وقال ابن قتيبة: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ يعني الشهادة؛ لأن الشهداء ﴿أَحْيَاءُ عِندَ رَبِهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [[آل عمران: 169، ولم أجد قول ابن قتيبة هذا فيما بين يدي من كتبه، وقد ذكره الثعلبي 6/ 50 ب، والبغوي 3/ 344، ولابن قتيبة قول آخر في معنى الآية ونصه: == (لما يحييكم) أي إلى الجهاد الذي يحيي دينكم ويعليكم. انظر: "تأويل مشكل القرآن" ص 151.]]، وسبب الشهادة: الجهاد، وقال مجاهد: {لِمَا يُحْيِيكُمْ} أي للحق [[رواه ابن جرير 9/ 213، وابن أبي حاتم 5/ 1679، والثعلبي 6/ 50 ب، والبغوي 3/ 344.]]، وهذا يحتمل كل ما ذكرنا من القرآن والإيمان والجهاد.
وحكى أبو علي الجرجاني في قوله: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ يعني الجنة، واحتج بأن الحياة الدائمة النافعة حياة الجنة كقوله عز وجل: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: 64]، أي: الحياة الدائمة، وهذا معنى قول عطاء [[لم أجد من ذكره عنه، وقد ذكر القول دون تعيين القائل السمرقندي 2/ 12، وأبو حيان في "البحر المحيط" 4/ 481.]].
وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾، قال ابن عباس والضحاك: يحول بين الكافر وبين طاعته، ويحول بين المؤمن وبين معصيته [[رواه عن ابن عباس بلفظ مقارب: الحاكم في "المستدرك" كتاب التفسير 2/ 328، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. ورواه أيضًا ابن جرير 9/ 215، والثعلبي 6/ 51 أ، والبيهقي في كتاب "الاعتقاد" ص 67، وهو من رواية علي بن أبي طلحة الصحيحة. انظر: "صحيفة علي بن أبي طلحة" ص250. أما قول الضحاك فقد رواه عبد الرزاق الصنعاني في "تفسيره" 1/ 2/ 257، وابن جرير 9/ 215، والثعلبي 6/ 51 أوغيرهم.]]، وقال عطاء عنه: يحول بين المؤمن وبين أن يكفر به، ويحول بين الكافر وبين أن يؤمن به [[روى نحوه البغوي في "تفسيره" 3/ 344 من قول عطاء، ورواه بمعناه السمرقندي 2/ 13 من رواية الكلبي عن ابن عباس.]].
ونحو هذا قال سعيد بن جبير [[رواه الصنعاني في "تفسيره" 1/ 2/ 257، وابن جرير 9/ 215، والبغوي 3/ 344.]]. وقال [[ظاهر السياق يدل على أن القائل سعيد بن جبير ويحتمل أن يكون ابن عباس، وخصيف يروي عن سعيد مباشرة وعن ابن عباس بواسطة كما في "تفسير ابن جرير" 4/ 154 - 155، ولكن أئمة التفسير يروون هذا القول عن خصيف عن مجاهد كما في "تفسير ابن جرير" 9/ 216، والثعلبي 6/ 51/ أ، والواحدي اختصر عبارة شيخه الثعلبي فوقع في هذا الخلل، فقد ذكر الثعلبي قول ابن عباس والضحاك وسعيد بن جبير ثم قال: وقال مجاهد يحول بين المرء وقلبه فلا يعقل ولا يدري، وروى خصيف عنه: قال: يحول بين قلب الكافر وأن يعمل خيرًا، وقال السدي: .. إلخ، كما هو موجود في نص الواحدي.]] في رواية خُصيف [[هو: خصيف بن عبد الرحمن الجزري أبو عون الحضرمي الأموي مولاهم، رأى أنس بن مالك -رضي الله عنه-، كان شيخًا صالحًا فقيهاً عابدًا، إلا أنه كان سيء الحفظ، ويخطئ كثيراً، ضعفه أحمد والجمهور، ووثقه ابن سعد وابن عدي، وقال الحافظ ابن حجر: الإنصاف فيه قبول ما وافق الثقات في الروايات، وترك ما لم يتابع عليه، توفي سنة 137 هـ.
انظر: "التاريخ الكبير" 3/ 228 (766)، و"الكاشف" 1/ 373 (1389) ، و"تهذيب التهذيب" 1/ 543، و"تقريب التهذيب" ص 193 (1718).]]: يحول بين قلب الكافر وأن يعمل خيرًا. وقال السدي: يحول بين الإنسان وقلبه فلا يستطيع أن يؤمن ولا أن يكفر إلا بإذنه [[رواه ابن جرير 9/ 217، والثعلبي 6/ 51 أ.]].
قال ابن الأنباري: وهذا مذهب مجاهد [[انظر: المصدرين السابقين نفس الموضع.]]، واختيار الفراء [["معاني القرآن" 1/ 407.]]، أي: فالأمور مردودة إليه، والسعيد من أسعده، والشقي من أصله وأشقاه، و ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: 23].
قال أصحابنا [[يعني الأشاعرة، انظر: كتاب "تمهيد الأوائل" ص 318، و"الغنية" ص 127، و"تفسير الخازن" 2/ 175، وهذا مذهب أهل السنة قاطبة. انظر: "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" لأبي القاسم اللالكائي 4/ 578، و"مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" 8/ 459، و"شرح العقيدة الطحاوية" ص 106 - 107.]]: وهذه الآية دليل على أن القلوب بيد الله يقلبها كيف شاء، فإذا أراد الكافر أن يؤمن والله تعالى لا يريد إيمانه [[يعني الإرادة الكونية المستلزمة لوجود المراد، أما من ناحية الإرادة الشرعية فإن الله تعالى يريد إيمان الكافر ولا يريد كفر المؤمن، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: 7].
وانظر تفصيل الإرادتين والفرق بينهما في: "مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" 8/ 440، 475 - 480، و"مدراج السالكين" للإمام ابن القيم 1/ 275 - 281، و"شرح العقيدة الطحاوية" ص 69، 70.]] حال بينه وبين قلبه [[الله جل جلاله لا يحول بين العبد وبين الإيمان إلا بسبب من العبد نفسه كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: 5]. وقال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: 110]. وقال تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: 26]. والله تعالى لا يظلم أحداً، وقد مكن العباد من الهداية والطاعة، كما مكنهم من الكفر والمعصية، قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إذا أراد العبد الطاعة التي أوجبها عليه إرادة جازمة كان قادرًا عليها، وكذلك إذا أراد ترك المعصية التي حرمت عليه إرادة جازمة كان قادرًا على ذلك، وهذا مما اتفق عليه المسلمون وسائر أهل الملل، ثم قال: فمن قال إن الله أمر العباد بما يعجزون عنه إذا أرادوه إرادة جازمة فقد كذب على الله ورسوله لكن مع قوله ذلك فيجب أن تعلم أنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وأنه ما شاء كان وما لم يشاء لم يكن، وأن الله خالق كل شيء فهو خالق العباد وقدرتهم وإرادتهم وأفعالهم، فهو رب كل شيء ومليكه لا يكون شيء إلا بمشيئته وإذنه وقضائه وقدره. "مجموع الفتاوى" 8/ 437، 440.]] وإذا أراد المؤمن أن يكفر والله لا يريد كفره حال بينه وبين قلبه.
قال قتادة: معنى ذلك أنه قريب من قلبه، لا يخفى عليه شيء أظهره أو أسره [[رواه ابن جرير 9/ 217، والثعلبي 6/ 51 ب.]]، قال أبو بكر: فيكون المعنى على هذا: أنه تعالى أقرب إلى المرء من قلبه، ولا تخفى عليه خافية، يدل على ذلك قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [[ق: 16. وهذا القول بناءً على أحد القولين في المراد بالآية وأنه قرب الله تعالى، وفي الآية قول آخر وهو أن المراد بالقرب قرب الملكين الموكلين بالإنسان، انظر: "تفسير ابن كثير" 2/ 330، و"شرح حديث النزول" لشيخ الإِسلام ابن تيمية ص355، وهو القول الراجح بدلالة السياق.]].
وقال الزجاج: معناه: واعلموا أن الله مع المرء في القرب بهذه المنزلة [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 409.]]. وفي هذا تحذير شديد للعباد.
وحكى الزجاج قولًا آخر وهو أن المعنى: أنه يحول بين الإنسان وما يسوف به نفسه بالموت [[المصدر السابق.]].
ويكون المعنى على هذا أن الله [[في (ح): (المرء)، وهو خطأ.]] يحول بين المرء وما تمنى بقلبه من البقاء وطول العمر فيسوف بالتوبة، ويقدم المعصية، أي: فاعملوا ولا تعتمدوا على ما يقع في قلوبكم من تأميل البقاء، وطول الأجل، فإن ذلك لا يوثق به.
وحكي عن مجاهد أنه قال: يحول بين المرء وعقله [[رواه ابن جرير 9/ 216 ، ورواه بمعناه ابن أبي حاتم 5/ 1618، والثعلبي 6/ 51]].
قال أبو بكر [[هو: ابن الأنباري كما في "زاد المسير" 3/ 339.]]: معناه: فبادروا إلى الأعمال وأنتم تعقلون فإنكم لا تأمنون زوال العقول الذي ترتفع معه [[أي مع زوال العقول.]] المحنة [[المعنى: أنه إذا زال العقل ارتفع مع زواله الامتحان والتكليف، وئبت للإنسان ما قدم قبل زواله من خير أو شر.
هذا وقد نقل ابن الجوزي قول ابن الأنباري مختصرًا فقال: قال ابن الأنباري: المعنى: يحول بين المرء وعقله، فبادروا الأعمال؛ فإنكم لا تأمنون زوال العقول، فتحصلون على ما قدمتم. "زاد المسير" 3/ 339.
كما نقله الفخر الرازي بمعناه فقال: .. والمعنى: فبادروا إلى الأعمال وأنتم تعقلون، فإنكم لا تأمنون زوال العقول التي عند ارتفاعها يبطل التكليف. "تفسير الفخر الرازي" 15/ 149.]]، وتحصلون على ما قدمتم قبله [[أي قبل زوال العقول.]] من العمل فإن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا.
والقلب هاهنا كناية عن العقل كما قال في غير هذا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: 37].
وحكى هو [[يعني: ابن الأنباري.]]: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ بالموت فاعملوا قبل وقوعه، وأنتم أصحاء تصلون إلى الازدياد من الحسنات [[ذكره بمعناه ابن الجوزي 3/ 340، كما ذكره الثعلبي 6/ 51ب ، بمعناه دون نسبة.]].
وذكر أبو إسحاق قولًا آخر حاكيا وهو: أنهم كانوا يفكرون في كثرة عدوهم، وقلة عددهم؛ فيدخل [[في "معاني القرآن وإعرابه": فيدخل في.]] قلوبهم الخوف؛ فأعلم الله عز وجل أنه يحول بين المرء وقلبه؛ بأن يبدلّه بالخوف أمنًا [[في المصدر السابق: الأمن.]]، ويبدل عدوهم -بظنهم أنهم قادرون عليهم- الجبن والخوف [[في المصدر السابق: الخور.]] [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 409 - 410.]].
قال أبو بكر: وذلك أن المسلمين يوم بدر لما رأوا قلتهم في العدة، وكثرة المشركين جزع بعضهم فقال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ أي: أنه قادر على [[ساقط من (س).]] أن يحوّل الجزع من قلوبكم إلى قلوب المشركين، والشجاعة من قلوبهم إلى قلوبكم حتى يكون ذلك سبب ظفركم بهم [[ذكر هذا القول عن ابن الأنباري بمعناه مختصرًا ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 340، وبنحوه الثعلبي 6/ 51 ب، ولم يعين القائل.]].
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: للجزاء على الأعمال.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences