Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
الأنفال
Al-Anfal
The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs
8:1Page 177
يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَنفَالِۖ قُلِ ٱلۡأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصۡلِحُواْ ذَاتَ بَيۡنِكُمۡۖ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١
They ask you, [O Muḥammad], about the bounties [of war]. Say, "The [decision concerning] bounties is for Allāh and the Messenger." So fear Allāh and amend that which is between you and obey Allāh and His Messenger, if you should be believers.
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ الآية، قال المفسرون: نزلت الآية حين اختلف أهل بدر في الغنائم، وكان الشبان في ذلك اليوم قتلوا وأسروا، والأشياخ وقفوا مع رسول الله ﷺ في المصاف، فقال الشبان: لنا الغنائم؛ لأنا أبلينا، وقال الأشياخ: كنا ردءًا لكم، ولو انهزمتم لانحزتم [[في (ح): (للجوتم)، ومعناهما متقارب.]] إلينا فلا تذهبوا بالغنائم دوننا [[هذا معنى أثر عن ابن عباس رواه بلفظ مقارب أبو داود (2737)، كتاب الجهاد، باب في النفل، وسنده صحيح. ورواه أيضًا النسائي في "تفسيره" 1/ 515 (217)، والطبري في "تفسيره" 9/ 172، والحاكم في "مستدركه" 2/ 132، وصححه ووافقه الذهبي في "التلخيص"، وقال: على شرط البخاري، وانظر الأثر أيضاً في: "تفسير الثعلبي" 6/ 37 ب، وهو مخطوط في المكتبة المحمودية بالمدينة المنورة وله سورة في مكتبة جامعة الإِمام بالرياض (332 - 340)، و"تفسير البغوي" 3/ 323، و"أسباب النزول" للمؤلف ص 234 - 235.]].
وقال عبادة بن الصامت [[هو أبو الوليد عبادة بن الصامت بن قيس الخزرجي الأنصاري من سادات الأنصار، وكان أحد النقباء في بيعة العقبة، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ، توفي عام 34 هـ وقيل غير ذلك.
انظر: "سير أعلام النبلاء" 2/ 5، و"الإصابة في تمييز الصحابة" 4/ 27.]]: فينا معشر أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا؛ فنزعه الله من أيدينا وجعله إلى رسول الله ﷺ فقسمه بيننا على السواء [[رواه الإمام أحمد في "مسنده" 5/ 322، وفيه: فقسمه رسول الله فينا عن براء. يقول: على السواء.
وروى نحوه مطولًا الحاكم في "المستدرك" كتاب التفسير، سورة الأنفال 2/ 326. ورواه أيضًا بلفظ مقارب ابن جرير في "تفسيره" 9/ 172 - 173.]].
والنفل: الغنيمة [[هذا باعتبار اللغة؛ قال عنترة كما في "ديوانه" ص 193:
إنا إذا حمس الوغى نروي القنا ... ونعف عند مقاسم الأنفال
وقال أوس بن حجر كما في "ديوانه" ص 124:
نكصتم على أعقابكم يوم جئتمو ... تزجون أنفال الخميس العرمرم
وروى البخاري في "صحيحه" كتاب التفسير، سورة الأنفال 8/ 306 عن ابن عباس قال: الأنفال: الغنائم اهـ.
ولكن ينبغي التنبيه إلى أن للشارع استعمالا آخر للنفل وهو ما يعطاه المقاتل من الغنيمة زيادة على قسطه منها لنكايته في العدو، أو شجاعته أو اشتراكه في سرية، ونحو ذلك، وقد جاء هذا في أحاديث كثيرة منها حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله ﷺ بعث سرية فيها عبد الله بن عمر قبل نجد فغنموا إبلًا كثيراً فكانت سهامهم اثنى عشر بعيرًا أو أحد عشر بعيرًا، ونفلوا بعيرًا بعيرًا. رواه البخاري في "صحيحه" (3134) كتاب الخمس، باب: ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين، وعن معن بن يزيد أن رسول الله ﷺ قال: "لا نفل إلا بعد الخمس". رواه أحمد في "المسند" 3/ 470 وسنده صحيح كما في "صحيح الجامع الصغير" 2/ 1254 (7552).
وهذا هو اصطلاح الفقهاء في النفل، انظر: "بداية المجتهد" لابن رشد 1/ 395، و"المغني" لابن قدامة 13/ 53، كما رجّح عدد من المفسرين أن هذا المعنى هو المراد في الآية، وسيأتي بيان ذلك عند الرد على من قال إن الآية منسوخة.]] وجمعه الأنفال، ونفلت فلانا نفلاً: أعطيته، والإمام ينفل الجند: إذا جعل لهم ما غنموا، قال الأزهري: وجُماع معنى النفل والنافلة ما كان زيادة على الأصل، وسميت الغنائم أنفالًا لأن المسلمين فضلوا بها على سائر الأمم الذين لم تحل لهم الغنائم، وصلاة [[في "تهذيب اللغة" وسميت صلاة التطوع ... إلخ.]] التطوع نافلة؛ لأنها زيادة أجر للمؤمن [[في "تهذيب اللغة" لأنها زيادة أجر لهم على ما كتب من ثواب ما فرض عليهم.]] على ما كتب له من ثواب ما فرض عليه [["تهذيب اللغة" للأزهري (نفل) 4/ 3636.]].
ونذكر استقصاء النافلة عند قوله تعالى: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: 79] إن شاء الله [[قال في هذا الموضع: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ معنى النافلة في اللغة: ما كان زيادة على الأصل، ذكرنا هذا في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ ومعناها أيضاً في هذه الآية الزيادة، قال مجاهد: النافلة للنبي ﷺ خالصة؛ من أجل أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فما عمل من عمل سوى المكتوبة فهي نافلة له، من أجل أنه لا يعمل ذلك في كفارة الذنوب، فهي نوافل له خاصة وزيادة، والناس يعملون ما سوى المكتوبة لذنوبهم .. وذهب قوم إلى أن معنى النافلة: التطوع الذي يتبرع به الإنسان، وقالوا: إن صلاة الليل كانت واجبة عليه، ثم نسخت عنه فصارت نافلة، أي: تطوعًا وزيادة على الفرائض ..]].
وأما معنى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ فقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ إخبار عمن لم يسبق ذكره إيجازًا واختصارًا؛ لأن حالة النزول كانت تدل على من سأل وتنبيء عنه، ومثله في القرآن كثير.
وأكثر أهل العلم قالوا: معنى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ أي: عن حكمها وعلمها سؤال استفتاء [[في (ح): (استقصاء)، وهو خطأ.]] [[ذكر هذا القول وجهًا في تفسير الآية أبو الليث السمرقندي في "تفسيره" 3/ 325، والثعلبي في "الكشف والبيان" 6/ 37 ب؛ واختاره السمين الحلبي كما في "الفتوحات الإلهية" 2/ 225، ولم أجد من ذكره عن مفسري الصحابة والتابعين، == وهو قول فيه نظر من عدة أوجه:
أولاً: أن الجواب يحدد السؤال، فقوله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ دليل على أنهم سألوا لمن الأنفال؟، ومن المستحق لها؟ أو أنهم سألوا أن يعطوا منها.
ثانيًا: أن أسباب النزول تعين على فهم المراد، وما ورد في أسباب النزول الآية يدور حول ثلاثة أمور:
أ- أن بعض الصحابة سألوا شيئًا من الغنيمة، وهذا ما رجحه ابن جرير في "تفسيره" 9/ 168.
ب- أن بعض الصحابة أراد أن يستأثر بما حازه من غنيمة فنزلت الآية تأنيبًا لهم، وهذا معنى سبب النزول الذي ذكره المؤلف في مطلع السورة، وانظر: "الدر المنثور" 3/ 291 - 295.
ثالثًا: أن رسول الله ﷺ وعد قومًا شيئاً من الغنيمة فاختلف أصحابه -رضي الله عنهم- في ذلك بعد انقضاء الحرب، فنزلت الآية لنزع الغنيمة من أيديهم وتسليمها لرسول الله ﷺ يصنع فيها ما يشاء، فقسمها رسول الله ﷺ بينهم بالعدل.
انظر: "تفسير ابن جرير" 9/ 171، وابن أبي حاتم 5/ 1649 - 1653.
وبهذا يتبين أن ما ورد من أسباب نزول للآية لا يدل على أن السائل سأل عن حكم الأنفال -كما يقول المؤلف- وإنما سأل عن الأنفال، أو سأل أن يعطى منها.]].
قال الزجاج: وإنما سألوا عنها لأنها كانت حرامًا على من كان قبلهم [["معاني القرآن وإعرابه" لأبي إسحاق الزجاج 2/ 399.]].
وقيل: (عن) معناه (من) أي: يسألونك من الأنفال أن تعطيهم، فهذا سؤال استعطاء، يدل على هذا المعنى ما روي عن الخليل أنه كان يقول: (عن) هاهنا زيادة صلة، معناه: (يسألونك الأنفال) [[انظر: "البحر المحيط" 5/ 269، و"الدر المصون" 5/ 555، دون تعيين القائل.]]، وكذلك هو في قراءة ابن مسعود، وهو قول الضحاك وعكرمة [[رواه عنهما ابن جرير في "تفسيره" 9/ 175.]].
وقال صاحب النظم [[هو: أبو علي الجرجاني، وقد سبق التعريف به وبكتابه.]]: قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ ليس في هذا بيان أنهم [عن أَيشِ [[بفتح الهمزة وسكون الياء وكسر الشين المعجمة، ومعناها: أي شيء، قال الفيومي في "المصباح المنير" 1/ 311: وقالوا: أي شيء، ثم خففت الياء، وحذفت الهمزة تخفيفًا، وجعلا كلمة واحدة فقيل: أيش، قاله الفارابي اهـ. وفي "المعجم الوسيط" 1/ 34: أيش: منحوت من (أي شيء) بمعناه، وقد تكلمت به العرب اهـ. وقال العلامة السهانفوري في "بذل المجهود" 1/ 324: أيش هذا: مخفف أي شيء، قال في "مرقاة الصعود": حكى أبو علي الفارسي في تذكرته: حكى أبو الحسن والفراء أنهم يقولون: أيش لك، والقول فيه عندنا إنه أي شيء لك؟ حذف همزهُ فألقى حركته على الياء فتحرك بالكسر فكره به فسكن فلحقه تنوين فحذف لالتقاء الساكنين، قال: فإن قلت: بقي الاسم على حرف واحد، قيل: حسنه الإضافة اللازمة، فصار لزوم الإضافة مشبهًا له بما في نفس الكلمة، حتى حذف منها كما قيل: فيم، وبم، كذلك أيش اهـ. وقال محمود خطاب في "المنهل المورود" 1/ 65: أيش هذا: بفتح الهمزة وسكون المثناة التحتية، وكسر الشين المعجمة، أصلها: أي شيء هذا، فخففت الياء وحذفت الهمزة تخفيفًا لكثرة الاستعمال وجعلا كلمة واحدة، وهو استفهام إنكاري.]]] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]] سألوا من حكم الأنفال، فلما قال: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ دل ذلك على أن السؤال وقع عن الأنفال لمن هي [[سبق التنبيه إلى أن كتاب "نظم القرآن" للجرجاني مفقود.]].
وقوله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ أي: أنها لله لا شك في ذلك، وللرسول يضعها حيث يشاء من غير مشاركة فيها ، ولا مشاجرة فيما يراه منها [[هكذا في جميع النسخ.]]، قال سعد بن أبي وقاص: لما كان يوم بدر جئت بسيف [[ساقط من (م).]]، قلت: يا رسول الله، هب هذا لي، فقال: "هذا ليس لي ولا لك لكن اذهب فاطرحه في القبض" [[القبض بفتح الباء بمعنى: المقبوض، وهو ما جمع من الغنيمة قبل أن تقسم. انظر: "النهاية في غريب الحديث" 4/ 6.]]، فلما نزل قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ قال رسول الله ﷺ: "يا سعد، إنك سألتني السيف وليس لي، وإن قد صار لي فاذهب فخذه" [[روى الحديث بألفاظ مقاربة الإمام أحمد في "مسنده" 1/ 178، وأبو داود (2740) كتاب الجهاد، باب: في النفل، والترمذي (3274) أبواب تفسير القرآن، سورة الأنفال، وقال: حسن صحيح، والحاكم في "المستدرك" كتاب قسم الفيء 2/ 132، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه عليه الذهبي.
وأصل الحديث في "صحيح مسلم" (1748) كتاب "فضائل الصحابة" باب: في فضل سعد بن أبي وقاص.]].
وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: بطاعته واجتناب معاصيه، ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾. قال المفسرون [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 2/ 400، و"تفسير السمرقندي" 2/ 4، والبغوي 3/ 326.]]: أمروا بالطاعة والجماعة وترك المفارقة والمخالفة، ومعنى (ذات بينكم). قال أحمد بن يحيى [[هو: أحمد بن يحيى الشيباني، أبو العباس، الملقب بـ (ثعلب).]]: أي: الحالة التي بينكم [[انظر: كلام أبي العباس ثعلب في "تهذيب اللغة" 2/ 1299 (ذات)، وفي "لسان العرب" 3/ 1476 (ذات).]]؛ فالتأنيث عنده للحالة، وهو قول الكوفيين [[ذهب الكوفيون إلى أن الاسم في (ذا) الذال وحدها وما عداها تكثير لها، وذهب البصريون إلى أن الذال ليست هي الاسم فيها بل هي بكمالها الاسم.
انظر "الإنصاف في مسائل الخلاف" ص 535 ، و"تفسير ابن جرير" 9/ 177.]].
وقال الزجاج: معنى ذات بينكم: حقيقة وصلكم، والبين: الوصل [["معاني القرآن وإعرابه"، له 2/ 400.]]، فذات عنده بمعنى النفس كما يقال: ذات الشيء ونفسه، وذكرنا معنى (ذات) مستقصى عند قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ﴾ [آل عمران: 119 - 120].
وقال صاحب النظم: (ذات) كناية عن الخصومة والمنازعة هاهنا، وهي الواقعة بينهم.
وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ قال ابن زيد: أسلموا لله ولرسوله [في الأنفال [[ساقط من (م).]]] فإنهما يحكمان فيها ما أرادا ويضعانها حيث أرادا [[أخرجه ابن جرير في "تفسيره" 9/ 178 باختلاف يسير.]].
وقال أبو إسحاق [[إذا أطلق المؤلف هذه الكنية فمراده الزجاج.]]: أي: اقبلوا ما أمرتم به في الغنائم وغيرها [["معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 400.]].
هذا الذي ذكرنا معنى الآية وتفسيرها، فأما حكمها فقال مجاهد وعكرمة والسدي [[هو: إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدي الكبير الكوفي المفسر، اختلف علماء "الجرح والعديل" في توثيقه، فقال ابن أبي حاتم: لا يحتج به، وقال الذهبي: حسن الحديث، وقال ابن حجر: صدوق يهم، وقد أخرج له الجماعة إلا البخاري، توفي سنة 127 هـ.
انظر. "الكاشف" أ 1/ 75 ، و"تقريب التهذيب" ص 520 (6481)، و"طقبات المفسرين" للداودي 1/ 110.]]: هي منسوخة [[أخرج آثارهم ابن جرير في "تفسيره" 9/ 175.]]، نسخها قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: 41]، فكانت الغنائم يومئذ للنبي ﷺ خاصة، فنسخها الله بالخمس، وهذا قول ابن عباس في رواية الوالبي عنه.
وقال ابن زيد: الآية ليست بمنسوخة؛ لأن الأنفال لله -لا شك مع الدنيا بما فيها والآخرة-، وللرسول يضعها في مواضعها التي أمره الله عز وجل بوضعها فيها [[رواه ابن جرير في "تفسيره" 9/ 176.]]. والقول هو الأول؛ لأن قوله: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ تمليك له إياها وذلك التمليك نسخ بالخمس [[هذا القول فيه نظر، والراجح أن الآية محكمة غير منسوخة، وبيان ذلك من وجوه: أولاً: لا يصح القول بنسخ الآية اعتمادًا على قول السلف بأن هذه الآية منسوخة حتى نتحقق من وجود التعارض، وعدم إمكانية الجمع، ومعرفة التاريخ؛ لأن عادة السلف التوسع في إطلاق لفظ النسخ، فيطلقونه على بيان المجمل، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، ونحو ذلك، كما يطلقونه على المعنى المعروف عند الأصوليين وهو رفع الحكم الكلي للآية.
انظر: "الموافقات في أصول الأحكام" للشاطبي 3/ 73.
ثانيًا: أن الراجح من أقوال المفسرين أن المراد بالأنفال في الآية: ما يعطى المقاتل زيادة على نصيبه من الغنيمة لسبب من الأسباب، وقد رجح ذلك ابن جرير 9/ 175 - 176، وابن كثير 2/ 313 - 316، والكيا الهراسي في "أحكام القرآن" 3/ 149.
ويشهد لهذا الترجيح "أسباب النزول" فهي وإن كانت متعددة لكنها تعود في الجملة إلى قضية واحدة وهي تنفيل بعض المقاتلين شيئًا من الغنيمة، ومن أصرح ذلك ما رواه أبو أمامة عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال: سألته عن الأنفال، قال: فينا يوم بدر نزلت، كان الناس على ثلاث منازل: ثلث يقاتل العدو، وثلث يجمع المتاع ويأخذ الأسارى، وثلث عند الخيمة يحرس رسول الله ﷺ، فلما جمع المتاع اختلفوا فيه، فقال الذين جمعوه وأخذوه قد نفل رسول الله ﷺ كل امرئ ما أصاب فهو لنا دونكم. الحديث رواه الحاكم في "المستدرك" كتاب التفسير، تفسير سورة الأنفال 2/ 326، وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ يوم بدر: "من فعل كذا وكذا فله من النفل كذا وكذا" قال: فتقدم الفتيان، ولزم المشيخة الرايات فلم يبرحوها، فلما فتح الله == عليهم قال المشيخة: كنا ردءًا لكم، لو انهزمتم لفئتم إلينا، فلا تذهبوا بالمغنم ونبقى، فأبى الفتيان وقالوا: جعله رسول الله ﷺ لنا فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ﴾ الحديث. رواه أبو داود في "سننه" كتاب الجهاد، باب: النفل 3/ 77، وسنده صحيح، ورواه الحاكم في "المستدرك" كتاب قسم الفيء 2/ 131، وصححه ووافقه عليه الذهبي وقال: هو على شرط البخاري.
وقد ثبت في "صحيح البخاري" 6/ 246 كتاب الخمس، باب: من لم يخمس الأسلاب، ومن قتل قتيلًا فله سلبه أن النبي ﷺ نفل -يوم بدر- القاتل سلب قتيله. فإن قيل: قد ثبت عن ابن عباس أنه فسر الأنفال بالغنائم، كما في "صحيح البخاري" 8/ 306 كتاب: التفسير، باب: قوله ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ...﴾.
فالجواب: أن تفسيره هذا معارض بما ثبت عنه أيضًا أنه فسرها بالتنفيل فقد روى الإمام مالك عن القاسم بن محمد أنه قال: سمعت رجلاً يسأل عبد الله بن عباس عن الأنفال: فقال ابن عباس: الفرس من النفل، والسلب من النفل، قال: ثم عاد الرجل لمسألته، فقال ابن عباس ذلك أيضاً.
انظر: "الموطأ" كتاب الجهاد، ما جاء في السلب في النفل ص 301.
وقد روى الأثر نفسه الإِمام عبد الرزاق الصنعاني في "تفسيره" 1/ 2/249 عن معمر عن الزهري عن القاسم بن محمد، ورجال سنده كلهم أئمة.
وبما سبق يتبين لنا القول الراجح في المراد بالأنفال، وأنها الزيادة فيما يعطى المقاتل على نصيبه من الغنيمة، وعلى ضوء ذلك تكون الآيتان المدعى فيهما ناسخ ومنسوخ تبينان موضوعين مختلفين فكيف يكون بينهما تعارض؟
ثالثا: القول بأن غنيمة بدر كانت خالصة لرسول الله، وقد قسمها بين المسلمين ولم يخمسها؛ لأن آية الخمس متأخرة في النزول عن آية الأنفال.
انظر: "كتاب الأموال" لأبي عبيد ص 426، قول فيه نظر من وجهين:
أ- أن تخميس غيمة بدر ثابت في حديث علي - رضي الله عنه - حيث قال: كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان النبي ﷺ أعطاني شارفًا من الخمس. رواه البخاري (3091) كتاب الخمس، باب فرض الخمس 4/ 176. والشارف: المسنة من النوق.
وروى الدارقطني في "سننه" كتاب السير 4/ 110 (26) عن الزبير بن العوام - رضي الله عنه - =]]، وابن زيد ذهب إلى أن معنى قوله لله والرسول أن الحكم فيها له، وهذا لم ينسخ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
8:2Page 177
إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَإِذَا تُلِيَتۡ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٢
The believers are only those who, when Allāh is mentioned, their hearts become fearful, and when His verses are recited to them, it increases them in faith; and upon their Lord they rely -
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآية.
يقال: وجل يوجل وجلًا فهو وجل وأوجل: إذا فرق وخاف، وقال معن بن أوس [[هو: معن بن أوس بن نصر المزني، شاعر فحل، أدرك الجاهلية والإسلام، توفي سنة 64هـ. انظر: "الإصابة" 3/ 499، و"خزانة الأدب" 7/ 260، و"الأعلام" 7/ 273.]]:
لعمرك ما أدري وإني لأوجل ... على أينا تغدو المنية أول [[البيت في "ديوانه" ص 28، وهو مطلع لاميته المشهورة باسم لامية العجم، والتي يستعطف بها صديقه، وكان معن طلق أخته وتزوج بأخرى، فآلى أخوها أن لا يكلمه. والشاعر يريد في البيت: أنه يؤثر أن يكون هو السابق في الوفاة، وهو وجل أن يبقى بعد وفاة صاحبه فيتألم لفراقه، ويذوق مرارة ذلك.
انظر: "شرح ديوان الحماسة" للتبريزي 3/ 4132 و"خزانة الآدب" 8/ 291.]] قال المفسرون وأهل المعاني [[المراد بأهل المعاني: اللغويون الذين تكلموا عن معاني القرآن من جهة اللغة والنحو كالفراء وأبي عبيدة والأخفش والزجاج والنحاس وأبي عبيد وابن قتيبة وابن الأنباري والأزهري، قال الزركشي في "البرهان" 1/ 192: قال ابن الصلاح: وحيث رأيت في كتب التفسير: قال أهل المعاني، فالمراد به مصنفو الكتب في معاني القرآن كالزجاج ومن قبله، وفي بعض كلام الواحدي: أكثر أهل المعاني، الفراء والزجاج وابن الأنباري قالوا كذا.
وانظر نحو هذا القول في: "الإتقان" للسيوطي 1/ 149.]]: هذه الآية تتضمن وصف المؤمنين بوجل القلوب عند ذكر الله [[انظر: "تفسير ابن جرير" 9/ 179، والسمرقندي 2/ 4، ولم أجده عند أهل المعاني.]].
قال الزجاج: تأويله: إذا ذكرت عظمة الله جل وعز وقدرته وما خوف به من عصاه وجلت قلوبهم أي: فزعت [["معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 400.]].
يقول: إنما المؤمن الذي إذا خوف بالله فرق قلبه وانقاد لأمره خوفًا من عقابه، ومفهومه: ليس المؤمن الذي يخالف الله ورسوله ويترك اتباع ما أنزل في كتابه، والإشارة فيه إلى إلزام أصحاب بدر طاعة الرسول فيما يرى من قسمة الغنيمة.
قال ابن عباس: ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: خافت قلوبهم وخشعت لذكر الله [["تنوير المقباس" ص 177 مختصرًا، وقد روى ابن أبي حاتم عنه مثل قول مجاهد. انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 5/ 1655، و"الدر المنثور" 3/ 297.]]. وقال مجاهد: فرقت قلوبهم [[رواه ابن جرير 13/ 386، وابن أبي حاتم 5/ 1655، وهو في "تفسير مجاهد" ص 351.]].
فإن قيل: قوله: ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ وقوله في آية أخرى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ الرعد: 28. كيف يجمع بينهما والآيتان متدافعتان؛ لأن الوجل خلاف الطمأنينة؟ قيل: هذا جهل وذهاب عما عليه الآيتان لأن الاطمئنان إنما يكون من [[في (س): (عن).]] ثلج اليقين [[في (ح): (النفس)، وهما بمعنى. يقال: ثَلَجَ قلبه وثَلِجَ: تيقن. انظر: "اللسان" (ثلج) 1/ 500.]]، وشرح الصدور، ولمعرفة التوحيد والعلم به، وما يتبع ذلك من الدرجة الرفيعة والثواب الجزيل الموعود به، والوجل إنما يكون من خوف العقوبة أو عند خوف الزيغ عن الهدى وما يستحق به الوعيد، فتوجل القلوب لذلك فكل واحدة من الحالتين غير صاحبتها فليس هنا إذًا تضاد ولا تدافع وهذان المعنيان المفترقان في هاتين الآيتين اجتمعا في آية واحدة وهو قوله: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 23]؛ لأن هؤلاء قد سكنت نفوسهم إلى معتقدهم ووثقوا فانتفى عنهم الشك والارتياب فهو معنى قوله: ﴿تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وهذا كله كلام أبي علي الفارسي [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 1/ 222.]].
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾. قال ابن عباس: يريد تصديقًا ويقينًا [[رواه بنحوه ابن جرير 9/ 179، وابن أبي حاتم 5/ 1656 أمن رواية علي بن أبي طلحة.]]، وزيادة الإيمان الذي هو التصديق [[التصديق بعض الإيمان، فإن كان المؤلف يريد أن يبين كيفية زيادة هذا البعض فكلامه مقبول، وإن كان يريد أن يفسر الإيمان بالتصديق فقط فكلامه محل نظر إذ إن الثابت عند أهل السنة والجماعة أن الإيمان: تصديق الجنان، وقول اللسان، == وعمل الأركان. وزيادة الإيمان تكون بزيادة أحد هذه الثلاثة، فزيادة التصديق تكون بما ذكره المؤلف رحمه الله وزيادة الإيمان بالقول والعمل تكون بزيادة ما يحبه الله ويرضاه من القول والعمل والإحسان فيه.
قال الإمام البخاري رحمه الله كتبت عن ألف نفر من العلماء وزيادة، ولم أكتب إلا عمن قال: الإيمان قول وعمل. "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" للإمام اللالكائي 5/ 889. وقال أبو عمر بن عبد البر المالكي: أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلا بنية، والإيمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والطاعات كلها عندهم إيمانا، إلا ما ذكر عن أبي حنيفة وأصحابه فإنهم ذهبوا إلى أن الطاعة لا تسمى إيمانًا، قالوا إنما الإيمان: التصديق والإقرار، إلى أن قال: وأما سائر الفقهاء من أهل الرأي والآثار بالحجاز والعراق والشام ومصر فقالوا: الإيمان قول وعمل، قول باللسان وهو الإقرار، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح من الإخلاص. "التمهيد" 9/ 238 - 243.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: المأثور عن الصحابة، وأئمة التابعين، وجمهور السلف، وهو مذهب أهل الحديث، وهو المنسوب إلى أهل السنة: أن الإيمان قول وعمل. "مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية" 7/ 505.
وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الخلاف بين أبي حنيفة وسائر الأئمة فيما يقع عليه اسم الإيمان اختلاف صوري.
انظر: "شرح العقيدة الطحاوية" لابن أبي العز الدمشقي 2/ 462.]] يكون على وجهين: أحدهما: وهو الذي عليه عامة أهل العلم أن ذلك يكون بانشراح الصدور ووضوح الدليل، فكل من زاده الله شرح الصدر واتضاح الدلائل زاده معرفة ويقينًا، وما من آية ظهرت له إلا زاد تصديقه لقوة المعرفة التي تقوي بها البصيرة؛ لأنه يكون من الشك أبعد، واليقين مهما كان احتمال الشك عنه أبعد كان أقوى، وإلى هذا أشار النبي ﷺ في قوله: "لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح" [[الصحيح أنه من كلام عمر -رضي الله عنه-، ولا يصح رفعه. انظر: "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكانى ص 235.]].
يريد أن معرفته بالله أقوى وإلا فكان غيره من الصحابة يصدق الرسول كما يصدق هو.
الوجه الثاني في زيادة التصديق: أنهم يصدقون بكل ما يتلى عليهم من عند الله، يصدقون بالأول والثاني والثالث، وكل ما يأتي من عند الله؛ فيزيد تصديقهم؛ لأن من صدق إنسانًا في شيئين كان تصديقه له أكثر من تصديق من صدقه في شيء واحد، وهذا معنى قول أبي إسحاق [[يعني الزجاج. انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 401.]]، يدل على صحة هذا قول مقاتل: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾: تصديقًا مع تصديقهم [[في "تفسير مقاتل": تصديقًا مع إيمانهم مع تصديقهم ... إلخ.]] بما أنزل عليهم من قبل ذلك من القرآن [[انظر: "تفسير مقاتل بن سليمان" 118 أ.]].
فعلى هذا ما من آية استأنفوا بها تصديقًا إلا ازدادوا إيمانا.
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. قال ابن عباس: يريد بالله يثقون، لا يرجون غيره [[رواه مختصرًا ابن جرير 9/ 179، وابن أبي حاتم 5/ 1656 أ.]].
8:3Page 177
ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣
The ones who establish prayer, and from what We have provided them, they spend.
No commentary for this ayah
8:4Page 177
أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ لَّهُمۡ دَرَجَٰتٌ عِندَ رَبِّهِمۡ وَمَغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٤
Those are the believers, truly. For them are degrees [of high position] with their Lord and forgiveness and noble provision.
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ الإشارة في قوله (أولئك) إلى من وصف بالأوصاف التي تقدمت.
قال ابن عباس: يقول: (برئوا من الكفر) [[رواه ابن جرير 9/ 180، وابن أبي حاتم 5/ 1657 ب.]]، وقال الكلبي: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ صدقًا منهم لأنه لم يكن يوم بدر مع رسول الله ﷺ إلا الصادق في إيمانه [[في "تنوير المقباس" ص177 عن الكلبي عن ابن عباس: صدقًا يقينًا.]].
وقال مقاتل: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ لا شك في إيمانهم كشك المنافقين [["تفسير مقاتل" 118 أ.]]، وقال أهل المعاني: أولئك الذين أخلصوا الإيمان لا كمن كان له اسمه على ظاهر الحال وهم عن ذلك بمعزل لما يشوبه من الفساد [[ذكر معنى ذلك ابن جرير في "تفسيره" 9/ 180 ولم أجد من ذكره من أصحاب المعاني كأبي عبيدة والفراء والأخفش والزجاج والنحاس والأزهري.]].
فأما وجه انتصاب قوله (حقًّا) فمذهب الفراء فيه أنه انتصب على معنى أخبركم بذلك حقًا [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 154.]]، أي: إخبارًا حقًا، وهذا كما ذكرنا في قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: 151]، فعنده أن هذا نصب من نية الخبر، ومذهب سيبويه وأصحابه أنه مصدر مؤكد لفعل محذوف دل عليه الكلام [[انظر: "كتاب سيبويه" 1/ 383.]]، قال المبرد: (حقوا حقًّا) [[قال المبرد في "المقتضب" 3/ 266: هذا باب ما وقع من المصادر توكيدًا، وذلك قولك: هذا زيد حقًّا؛ لأنك لما قلت: هذا زيد، فخبرت، إنما خبرت بما هو عندك حق، فاستغنيت عن قولك: أحق ذلك، وكذلك: هذا زيد الحق لا الباطل؛ لأن ما قبله صار بدلاً من الفعل.]]، ومعنى حقوا حقًا أي: أتوا ما وصفوا به وفعلوه حقًّا صدقًا، من قول العرب: حققته حذره وأحققته أي: فعلت ما كان يحذر [[انظر: "مجمل اللغة" لابن فارس (حقق) 1/ 216.]]، وقال الزجاج: (حقًا) منصوب بمعنى دلت [[في (ح) و (س): (دل)، وما أثبته من (م) وهو موافق للمصدر التالي.]] عليه الجملة وهي قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ أي: أحق ذلك حقًّا [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 401 وقد تصرف الواحدي في عبارة الزجاج.]].
ومعنى هذا كأنه قال: أخبركم بذلك أحقه حقًا، ومعنى هذا راجع إلى معنى قول الفراء، فعلى قول الزجاج والفراء يعود هذا التأكيد المذكور بقوله (حقًا) إلى إخبار الله تعالى، وعلى قول المبرد يعود إلى تأكيد إيمانهم وتحقيقه، وعلى هذا فكل من استجمع شرائط الإيمان واعتقادها فهو مؤمن في الحال على الحقيقة من غير استثناء [[يعني يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، ومسألة الاستثناء في الإيمان من المسائل الكلامية التي أشغلت الفكر الإسلامي دون طائل، وقد انقسمت الأمة في هذه المسألة على ثلاث أقوال:
أ- قيل إن ذلك محرم، وهو مذهب المرجئة والجهمية الذين يرون أن الإيمان شيء واحد لا تفاضل فيه، فالاستثناء في الإيمان شك فيه -كما يرون-.
ب- أن ذلك واجب؛ لأن في تركه تزكية للنفس، وشهادة لصاحبها بأنه من الأبرار المتقين. وهذا قول بعض من ينتسب للحنابلة.
ج- أنه محرم إذا كان للشك، جائز فيما عدا ذلك، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، وقد جوزوا الاستثناء في الإيمان لاعتبارات ثلاث:
1 - أن الإيمان المطلق يتضمن فعل ما أمر الله به عبده كله، وترك ما نهاه عنه كله، والمؤمن لا يستطيع أن يجزم بذلك.
2 - أن الإيمان هو ما مات الإنسان عليه، فلا عبرة بالإيمان قبل الموافاة عليه، فالمستثني لا يشك في إيمانه وإنما أراد عدم علمه بالعاقبة.
3 - تعليق الأمر بمشيئة الله تعالى، والإخبار أن إيمانه وعدمه مرهون بمشيئة الله كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: 43]، وقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير: 29].
انظر: "مجموع فتاوى شيخ الإسلام" 7/ 429 - 460، و"شرح العقيدة الطحاوية" 2/ 494 - 498.]]، وإنما الاستثناء للحالة المقابلة؛ لأن العبد على غير أمن من العاقبة فيرجو الموافاة على الإيمان إن شاء الله [والناس مختلفون في هذا فأهل الحديث ذهبوا إلى أن المؤمن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]] لا على الشك فيما يجب عليه الإيمان به، ولكن على معنى: أن المؤمن الحقيقي من يكون من أهل الجنة، قالوا: وجميع عمر العبد كطاعة واحدة يتوقف بعضها على بعض في الصحة، فإذا شرع في صلاة أو صوم فما لم يفرغ منها ولم يخرج منها على الصحة لا يقال: إنه مصل على الحقيقة وصائم على الحقيقة، وكذلك ما لم تحصل موافاته على السلامة والإيمان لا يعلم أنه مؤمن على الحقيقة [[ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذا التعليل يذكره بعض المتأخرين من أصحاب الحديث، ولكنه ليس قول السلف، وإنما المأثور عن السلف بأن الاستثناء إنما هو لأن الإيمان يتضمن فعل الواجبات كلها فلا يشهدون لأنفسهم بذلك لما فيه من تزكية النفس بلا علم. انظر: "مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" 7/ 439.]]، فأما في علم الله فيجوز أن يكون مؤمنًا على الحقيقة ولكنا لا ندري ذلك.
وقال قوم من أصحابنا [[يعني الأشاعرة، ومنهم أبو المعالي الجويني في كتاب "الإرشاد" ص 336.]] وهو مذهب الإمام أبي إسحاق الإسفراييني رحمه الله: إنه يكون في الحال مؤمنًا على الحقيقة وإن جاز أن يتغير في العاقبة [[في (ح) و (س): (الباني)، من غير نقط.]]، وليس سلامة العاقبة من شرط استحقاق الاسم على الحقيقة، وتغير [[في (ح): (لغير)، وهو خطأ.]] الأحكام في المستقبل لا يمنع ثبوتها في الحقيقة في الحال كالحركة إذا وجدت بالمحل أوجبت له حكم المتحرك، وجواز [[في (ح): (وهو جواز)، وهذا خطأ من الناسخ.]] وجود السكون لا يمنع من استحقاق حكم المتحرك وكذلك في جميع الأسماء المشتقة من معان، قالوا: والأصل في هذا أن الأسامي مبقاة على استعمال أهل اللغة، وأهل اللغة لم يطلقوا هذا الاسم بشرط موافاة العاقبة، فللرجل أن يقول: أنا مؤمن حقًا، وأنا مؤمن على الحقيقة، أموت على الإيمان إن شاء الله، وهذا مذهب مخالفينا في هذه المسألة [[يعني المعتزلة والكرامية، انظر: "مجموع فتاوى شيخ الإسلام" 7/ 441.]].
وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ قال عطاء: يعني درجات الجنة يرتقونها بأعمالهم [[ذكره أبو إسحاق الثعلبي في "تفسيره" 6/ 39 أ.]]، ونحو هذا قال أهل المعاني: لهم مراتب بعضها أعلى من بعض على قدر أعمالهم [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 401، وروى نحوه ابن جرير 9/ 181 عن عبد الله بن محيريز الجمحي.]].
وقوله تعالى: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ قال أهل اللغة: الكرم اسم جامع لكل ما يحمد ويستحسن [["تهذيب اللغة" (كرم) 4/ 3132، و"لسان العرب" (كرم) 7/ 3861.]]، والكريم: المحمود فيما يحتاج إليه فيه، فالله تعالى يوصف بأنه كريم [[كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: 6].]]، وقال تعالى: ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: 7]، ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: 77]، ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29)﴾ [النمل: 29]، ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: 31]، ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: 23]، ونذكر شرح كل واحد في موضعه، فالرزق الكريم: هو الشريف الفاضل الحسن الممدوح.
قال هشام بن عروة: يعني ما أعد الله لهم في الجنة من لذيذ المآكل والمشارب [[في (م): (المأكل والمشرب).]] وهنيء العيش [[رواه الثعلبي في "تفسيره" 6/ 39 أ، واعتمده ابن جرير تفسيرًا للجملة من الآية == دون أن ينسبه إلى أحد. انظر: "تفسير ابن جرير" 9/ 181.]].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences