Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Al-Anfal 8:5–8
8:5Page 177
كَمَآ أَخۡرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيۡتِكَ بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لَكَٰرِهُونَ ٥
[It1 is] just as when your Lord brought you out of your home [for the battle of Badr] in truth, while indeed, a party among the believers were unwilling,
وقوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ الآية، اختلفوا في متعلق الكاف في قوله (كما) قال المفسرون: لما رأى النبي ﷺ كثرة المشركين يوم بدر وقلة المسلمين قال: من قتل قتيلًا فله كذا وكذا، ومن أسر أسيرًا فله كذا وكذا، ليرغبهم في القتال، فلما أظفر الله بالمشركين وأمكن منهم قال سعد بن عبادة للنبي ﷺ: يا رسول الله إن جماعة من أصحابك وقوك [[في (ح): (وقومك)، وهو خطأ.]] بأنفسهم ولم يتأخروا عن القتال جبنًا ولا بخلًا ببذل مهجهم [[في (م): (أنفسهم ومهجهم).]]، ولكنهم أشفقوا عليك من أن تغتال، فمتى أعطيت هؤلاء مما سميته لهم بقي خلق من المسلمين بغير شيء فأنزل الله تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ يصنع فيها ما يشاء فأمسك المسلمون [[في "مفاتح الغيب" 8/ 129: فأمسك المسلمون عن الطلب.]] وفي أنفس بعضهم شيء من الكراهة لما سمعوا، فأنزل الله عز وجل: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ أي امض لأمر الله في الغنائم كما مضيت لأمره [[في (م): (له).]] في الخروج وهم له [[ساقط من (ح).]] كارهون [[انظر: "تفسير الثوري" ص 115، و"المصنف" للصنعاني 5/ 239 ولم يذكرا ما بعد الآية الأولى، وذكره الرازي في "تفسيره" 8/ 129.]]، وهذا قول الفراء [[انظر "معاني القرآن" له 1/ 403، وفيه: قام سعد بن معاذ، بدل سعد بن عبادة.]] وأبي إسحاق [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 399.]].
قال أبو إسحاق: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ ويكون تأويله: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقًا من المؤمنين لكارهون كذلك تنفل من رأيت [[عند الزجاج: رأينا.]] وإن كرهوا، قال: وموضع الكاف في (كما) نصب، المعنى: الأنفال [[في (ج): (أنفال).]] ثابتة [[عند الزجاج: ثابتة لك.]] مثل إخراج ربك إياك من بيتك بالحق [["معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 399 - 400.]].
وعلى هذا: الكاف تتعلق بقوله: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ وهذا يدل على أن الله نزعها من أيديهم، ويكون التأويل: نزعها الله من أيديهم بالحق كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، والكاف بمعنى: مثل، وهو نعت مصدر محذوف على تقدير: الأنفال ثابتة لله والرسول ثبوتًا بالحق مثل إخراج ربك من بيتك بالحق، فالعامل في الكاف: معنى قوله: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.
قال أبو بكر بن الأنباري: والآية مفتتحة بحرف يتعلق بآية قبلها، وهو سائغ جائز إذ كان أواخر الآيات مجراها مجرى أواخر الأبيات [[في (ح): الأثبات)، وفي (س): (الآيات)، وكلاهما خطأ.]]، وغير مستنكر أن تفتتح الأبيات [[في (ح): (الأثبات)، وفي (س): (الآيات)، وكلاهما خطأ.]] بألفاظ تتعلق بما قبلها، من ذلك قول امرئ القيس:
وقوفًا بها صحبي على مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجمل [[انظر "ديوانه" ص 3.]] قال أبو عباس [[يعني المبرد، وانظر قوله في "شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات" لأبي بكر الأنباري ص 24، وقد ذكر أبو بكر الأنباري أن أبا العباس لم يرتض ما ذكره عن أصحابه، بل مال إلى القول بأن (وقوفًا) نصب على المصدر و (قفا) والتقدير: قفا كوقوف صحبي على مطيهم.]]: كان أصحابنا ينصبون (وقوفًا) على القطع من: الدخول، وحومل، وتوضح والمقراة [[قال الأعلم الشنتمري في "شرح ديوان امرئ القيس" ص60: الدخول وحومل: بلدان، وتوضح والمقراة: موضعان.
وقال ابن بليهد في "صحيح الأخبار" 1/ 16: الدخول وحومل باقيان بهذا الاسم إلى يومنا هذا، أما الدخول فهو ماء عذب معروف الآن بهذا الاسم يقع شمالي الهضب المعروف بين وادي الدواسر ووادي رنية، أما حومل فهو جبل قريب من الدخول، والمقراة: وادٍ ينصب على جهة الجنوب بين الهضب والسوادة، وقد حرف اليوم إلى القمرا.
وتوضح: أرض قريبة من الهضب، يقال لها اليوم (التوضيحات) تقع عن جبل الحمل جنوبًا، والحمل جبل يقع جنوبي الهضب اهـ باختصار.]].
وقال غيره: نصبه على الحال من الضمير الذي في (نبك) أي: قفا نبك في حال وقوف [[في (ح): (وقوفي)، وهو خطأ.]] صحبي [["شرح القصائد السبع لابن الأنباري" ص 24، ولم يعين القائل.]]، ولا يختلف أهل اللغة والنحو في تعلق "وقوف" بما ليس بحاضر معه في بيته.
وقال ابن قتيبة: يريد أن كراهتهم لما فعلته في الغنائم ككراهتهم للخروج معك، كأنه قال: هذا من كراهتهم كما أخرجك وإياهم ربك وهم كارهون [["تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 221.]].
وعلى هذا (الكاف) متعلق بمحذوف يدل عليه باقي الكلام؛ لأن مجادلتهم في الأنفال وتشبيه تلك القصة بإخراج الله إياه على كره منهم يدل على كراهتهم، ثم قال: ومن تتبع هذا من كلام العرب وأشعارهم وجده، قال الشاعر [[هو: عمرو بن مالك الشنفرى -وهو شاعر جاهلي واحد الخلعاء الذين تبرأت منهم عشائرهم- وقد وقع في الأسر فأنشد هذا البيت مع أبيات. انظر: "طبقات الشعراء" ص 31، و"الحماسة بشرح التبريزي" 3/ 63، و"الأغاني" 21/ 136.]]:
فلا تدفنوني إن دفني محرم ... عليكم ولكن خامري أم عامر
يريد: لا تدفنوني ولكن [[كرر ناسخ (ح) بعد (لكن) الشطر الثاني من البيت.]] دعوني للتي إذا صيدت يقال لها: خامري أم عامر [[خامري: أي استتري، وأم عامر: الضبع، وهو مثل يضرب للأحمق، والعرب تقول: إن الضبع من أحمق الدواب وهي تصدق ما يقال لها، فلا يزال الصائد يروضها بكلمات حتى يوثق يديها ورجليها، ثم يسحبها ، ولو شاءت أن تقتله لأمكنها. انظر: "فضل المقال في شرح كتاب الأمثال" ص 187، و"مجمع الأمثال" 1/ 332.]]، يعني الضبع لتأكلني، فحذف وأبقى من الكلام ما يدل على المحذوف [["تأويل مشكل القرآن" ص 221 باختصار.]].
وقال بعضهم: (الكاف) متعلق بما بعده وهو قوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾ وهذا يحكي عن الكسائي [[ذكر ذلك عنه النحاس في "معاني القرآن" 3/ 131، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 6/ 220، 222، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 322.]] وهو معنى قول مجاهد [[روى ابن جرير 9/ 181 عن مجاهد قال: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾، كذلك يجادلونك في الحق: القتال، اهـ. وقد بين ابن جرير معناه بمثل ما ذكر المصنف، ورواه الثعلبي في "تفسيره" 6/ 39 ب بلفظ المصنف.]]، يقول: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق على كره فريق من المؤمنين كذلك هم يكرهون القتال ويجادلونك فيه [[هذا القول رجحه ابن جرير في "تفسيره" 9/ 182، والنحاس في "معاني القرآن الكريم" 3/ 132، وجعله ابن عطية في تفسيره "المحرر الوجيز" 6/ 220 أحد الوجهين المقبولين في تفسير الآية، والوجه الآخر قول الفراء وأبي إسحاق الذي ذكره المصنف.]].
وهذا الوجه اختيار صاحب النظم، وقد سلك في تحقيق هذا التشبيه طريقًا حسنًا فقال: ظاهر هذا النظم يدل على أنه شبه مجادلتهم في الحق وهو مذموم عنده بإخراج الله تعالى إياه من بيته، وهو غير مذموم لأنه من فعله عز وجل، وإذا كان كذلك فلابد من أن نقدر في التشبيه تحريفًا عن موضعه ويكون التشبيه واقعًا في المعنى الباطن على قوله: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ لأن الذم وقع على كراهة المؤمنين للخروج كما هو واقع على مجادلتهم في الحق، ويكون التقدير: كما كانت كراهتهم لإخراج الله إياك بالحق يجادلونك في الحق بعد ما تبين، ويجوز أن يدخل حرف التشبيه على شيء، والمراد به ما بعده مما هو متعلق به داخل في قصته [[قال الزركشي في "البرهان" 3/ 425: قد تدخل الآداة على شيء؛ وليس هو عين المشبه، ولكنه ملتبس به، واعتمد على فهم المخاطب.]]، كما نقول في حرف الاستفهام، فإنه يدخل على شيء والمستفهم عنه غيره كقوله عز وجل: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: 34].
والمعنى: أفهم الخالدون إن مت؛ لأن الاستفهام في الحقيقة واقع على [الخلود دون الموت، وفي ظاهر اللفظ وقع على الموت، وكذلك قوله: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ﴾ [آل عمران: 144] الاستفهام في الحقيقة واقع على الانقلاب، وهو في الظاهر واقع على الموت والقتل، كذلك في هذه الآية دخل حرف التشبيه في الإخراج وهو في الحقيقة واقع على الكراهة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]].
وقال أبو عبيدة: الكاف بمعنى حرف القسم، و (ما) بمعنى (الذي) والتقدير: والذي أخرجك من بيتك بالحق يجادلونك.
قال أبو بكر [[يعني الأنباري، انظر: "البحر المحيط" 5/ 460.]]: وهذا بعيد؛ لأن (الكاف) ليست من حروف الأقسام [[ذكر أبو حيان في "البحر المحيط" 5/ 459 - 463، خمسة عشر قولًا في السبب الجالب لهذه الكاف في قوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ ولم يرتض واحدًا منها بل رجح قولًا جديدًا لم يسبق إليه وهو أن الكاف ليست لمحض التشبيه بل فيها معنى التعليل وأن هناك حذفًا، والتقدير: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ أي بسبب إظهار دينه وقد كرهوا خروجك تهيبًا للقتال، وجادلوك في الحق بعد وضوحه نصرك الله، وأمدك بملائكته. وفي هذا القول نظر من عدة أوجه:
أ- عدم اعتماده على المأثور عن السلف وهم أعلم بالتأويل.
ب- البعد بين هذه الآية -التي يرى أبو حيان أن فيها حذفًا- والآية التي يراها دليلًا على الحذف وهي قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ إذ يفصل بينهما ثلاث آيات.
ج- إن كراهتهم للخروج، وجدالهم لرسول الله لا يصلح علة للنصر، بل علة للفشل كما جاء في السورة نفسها الآية 46: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾.
د- إن الأصل عدم التقدير.
عـ- إن أبا حيان اعتمد هذا القول بناءً على رؤيا منامية.]]، وأما التفسير فقوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ أي أمرك بالخروج من المدينة ودعاك إليه ﴿مِنْ بَيْتِكَ﴾ يعني المدينة قاله مجاهد والحسن، وابن جريج، وعامة المفسرين [[انظر: "تفسير ابن جرير" 9/ 182، والثعلبي 6/ 39، وابن عطية 6/ 222، ونسبه لجمهور المفسرين، وذكر عن ابن بكير أن المعنى كما أخرجك ربك من مكة وقت الهجرة اهـ. وفيه نظر لا يخفى.]]، قالوا: إن الله تعالى أمر نبيه بالخروج من المدينة لطلب عير [[ساقط من (ح).]] قريش، وكره ذلك طائفة من المؤمنين لأنهم علموا أن قريشًا تمنع عيرها منهم، وأنهم لا يظفرون بالعير عفوًا دون القتال فذلك قوله: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ أي الخروج معك.
قال أهل المعاني: وهذه الكراهة من المؤمنين كانت كراهة الطبع؛ للمشقة التي تلحق في السفر [[الأولى أن يقال: كراهة الطبع للقاء العدو والقتال؛ لأنهم علموا أن قريشًا لن تترك عيرها كما ذكر ذلك المؤلف بناء على أن هذه الكراهة للخروج من المدينة لتلقي العير، والذي يظهر من سياق قصة بدر كما ذكرها ابن هشام في "السيرة" 2/ 313، وكما يدل عليه قوله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ أن هذه الكراهة إنما حدثت لبعض المؤمنين بعد تحققهم من ذوات العير، ورغبة رسول الله ﷺ في مواجهة الفير؛ ومما يؤيد ذلك ما رواه ابن جرير في "تفسيره" 9/ 183 عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: لما شاور النبي ﷺ في لقاء القوم، وقال له سعد بن عبادة ما قال، وذلك يوم بدر، أمر الناس فتعبوا للقتال، وأمرهم بالشوكة، وكره ذلك أهل الإيمان؛ فأنزل الله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾، وهذا الأثر وإن كان سنده ضعيفاً ولكنه يتقوى بما جاء بمعناه بأسانيد صحيحة. انظر: "المفسر ابن عباس وتحقيق ما روي عنه". رسالة ماجستير أعدها حمد القرعاوي ص 296.]]، لا كراهة أمر الله ورسوله [[لم أقف على مصدره.]].
وقيل: كانت الكراهة قبل أن علموا أن الله أمر به وأن النبي ﷺ عزم على ذلك، هذا قول عامة أهل التفسير [[لم أجد أحدًا من المفسرين ذكر هذا القول وهو مرجوح بدلالة قوله تعالى في الآية نفسها ﴿بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾ مما يشير إلى أنه لا عذر لهم في جدالهم وكراهتهم، قال أبو حيان في "البحر المحيط" 5/ 463: وفي قوله: ﴿بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾ إنكار عظيم عليهم؛ لأن من جادل في شيء لم يتضح كان أخف عتبًا، أما من نازع في أمر واضح فهو جدير باللوم والإنكار.]] في هذه الآية.
وقوله تعالى: ﴿بِاَلحَق﴾ أي بالوحي، كأنه أوحى إليه وأمره بالخروج لأن جبريل نزل وأخبره بعير قريش وأمره بالمسير إليها، هذا معنى قول الكلبي [[روى الثعلبي في "تفسيره" 6/ 39 ب عن الكلبي قال في قوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ قال: امض على الذي أخرجك ربك من بيتك، وروى الثعلبي أيضاً في "تفسيره" 6/ 40/ ب قصة خروج النبي ﷺ لعير قريش عن ابن عباس وابن زيد وابن يسار والسدي وفيه: فنزل جبريل عليه السلام وقال: إن الله وعدكم إحدى الطائفتين إما العير وإما قريشًا، وروى نحو ذلك ابن جرير في "تفسيره" 9/ 187 عن ابن عباس وابن جريج.]]، قال عطاء عن ابن عباس: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ يريد الهجرة من مكة إلى المدينة [[ذكر هذا القول دون نسبة إلى ابن عباس: البغوي في "تفسيره" 3/ 328، وابن الجوزي في تفسيره "زاد المسير" 3/ 322 وهو ضعيف لما يأتي:
1 - مخالفته لسياق الآيات فما قبل هذه الآية وما بعدها حديث عن غزوة بدر.
2 - مخالفته لأسباب نزول هذه الآية، انظرها في "تفسير ابن كثير" 2/ 319 مع التنبه إلى أن كل سبب بمفرده لا يخلو من مقال فبعضها من كلام مجاهد وبعضها من كلام السدي، وما رفع منها ففي سنده عبد الله بن لهيعة، وقد اختلط بعد احتراق كتبه، كما أنه مدلس وقد عنعن.
انظر: "إتحاف ذوي الرسوخ بمن رمي بالتدليس من الشيوخ" ص 33، ولكن مجموع الروايات وأقوال المفسرين مع دلالة السياق يشهد أن الآية نزلت في الخروج إلى بدر.
3 - أن الواحدي لم يذكر سند هذه الرواية حتى يحكم عليه صحة وضعفًا ولم أجد من أسندها.
4 - أن هذا القول مخالف للقول الثابت عن ابن عباس وهو ما رواه البخاري في (4645) كتاب التفسير، تفسير سورة الأنفال عن سعيد بن جبير؛ قال: قلت لابن عباس -رضي الله عنه- سورة الأنفال؟ قال: نزلت في بدر اهـ. فلم يخصص منها شيئًا.]]، ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ يريد لتركهم مكة وديارهم وأموالهم.
8:6Page 177
يُجَٰدِلُونَكَ فِي ٱلۡحَقِّ بَعۡدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلۡمَوۡتِ وَهُمۡ يَنظُرُونَ ٦
Arguing with you concerning the truth after it had become clear, as if they were being driven toward death while they were looking on.
قوله تعالى: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾ قال المفسرون: إن عير قريش أقبلت من الشام فندب رسول الله ﷺ أصحابه وقال: إن الله، ينفلكموها، فخرجت طائفة كارهة، فلما التقوا أمروا بالقتال ولم يكونوا أعدوا له أهبة، فشق ذلك عليهم وقالوا: هلا أخبرتنا فكنا [[في (س): (لكنا).]] نعد له [[انظر: "تفسير ابن جرير" 9/ 183، والسمرقندي 2/ 5، والبغوي 3/ 328.]]، قال ابن عباس وابن إسحاق: وكان جدالهم نبي الله قولهم: لم تعلمنا قتالًا فنستعد له إنما خرجنا للعير [[ذكره عنهما الماوردي في "النكت والعيون" 2/ 296، وبمعناه ابن جرير 9/ 183 - 184، ولم أجد قول ابن إسحاق في "السيرة النبوية"، ويبدو أن هذا القول لابن جرير تفسيرًا لقول ابن عباس وابن إسحاق. انظر ابن جرير 9/ 183 - 184.]].
وقوله تعالى: ﴿فِي الْحَقِّ﴾ أي في القتال، عن ابن عباس [[رواه ابن جرير 9/ 183 - 184 من رواية الكلبي.]]، ومجاهد [[رواه ابن جرير في "تفسيره" 9/ 182، وانظر: "تفسير الإمام أحمد" ص 352.]].
وقوله تعالى: ﴿بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾ [[في (س): (ما بعد)، وهو خطأ.]] قال السدي: بعد ما تبين لهم أنك لا تصنع إلا ما أمرك الله به [[رواه ابن جرير في "تفسيره" 9/ 184، وابن أبي حاتم 5/ 1659 - 1660، وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 300.]].
وقال أبو صالح عن ابن عباس: يجادلونك في القتال بعد ما أمرت به [[رواه ابن جرير في "تفسيره" 9/ 184.]].
وقال أبو إسحاق: يجادلونك في الحق بعد ما تبين وعدهم الله عز وجل أنهم يظفرون بأهل مكة أو [[في (ح): (وبالعير)، وهو كذلك في "معاني القرآن وإعرابه" وهو خطأ، والصواب (أو) كما في (م) و (س). لأن الله وعدهم إحدى الطائفتين، ولم يعدهم الطائفتين كلتيهما.]] بالعير [[اهـ. كلام الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 401.]]، يريد أن هذا التبين كان بوعد الله إياهم الظفر [[يعني أن الله وعدهم الظفر بأحد الأمرين كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال: 7]. فلما فاتهم العير تبين لهم أنه لا بد من مواجهة النفير وأنهم سيظفرون بهم تحقيقًا لوعد الله.]].
قال أهل المعاني: إنما كانت تلك المجادلة طلبًا للرخصة لأنهم لم يستعدوا للقتال، وقيل عددهم [وكانوا رجالة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]]، ولم يكن فيهم إلا فارسان؛ فخافوا، وحال الصعوبة تخيل إلى النفس الشبهة، وإن كانت الحال ظاهرة والدلالة واضحة [[لم أجد هذا القول فيما بين يدي من كتب أهل المعاني كالفراء والأخفش وأبي عبيدة والزجاج والنحاس والأزهري وابن قتيبة، وهؤلاء وأمثالهم ممن تكلم عن معاني القرآن من جهة اللغة والنحو هم مراد الواحدي بقوله: قال أهل المعاني، قال الزركشي في "البرهان" 1/ 292 قال ابن الصلاح: وحيث رأيت في كتب التفسير: قال أهل المعاني فالمراد به مصنفو الكتب في معاني القرآن كالزجاج ومن قبله. وفي بعض كلام الواحدي: أكثر أهل المعاني: الفراء والزجاج وابن الأنباري قالوا كذا. وقد ذكر نحوًا من ذلك السيوطي في "الإتقان" 2/ 3.]].
وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾، قال ابن إسحاق: كراهة للقاء القوم [["السيرة النبوية" 2/ 313.]]، يريد أنهم لشدة كراهتهم للقتال كأنهم [[في (م): (كانوا).]] يساقون إلى الموت عيانًا، فذلك معنى قوله: ﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾، وقال صاحب النظم: أي: يعلمون أنه واقع بهم، ومنه قول النبي [[ساقط من (ح).]] ﷺ: "من انتفى من ابنه وهو ينظر إليه" [[رواه النسائي في "سننه" كتاب الطلاق، باب: التغليظ في الانتفاء من الولد 6/ 179 بلفظ: "أيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله عز وجل منه وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين يوم القيامة". وبهذا اللفظ رواه أيضًا أبو داود (2263) "سننه" كتاب الطلاق، باب: التغليظ في الانتفاء، والدارمي في "سننه" كتاب النكاح، باب: من جحد ولده وهو يعرفه 2/ 204 (2238)، والحاكم في "المستدرك" كتاب الطلاق 2/ 203، وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
أقول: مدار الحديث على عبد الله بن يونس، وهو مجهول الحال لم يرو عنه إلا يزيد بن الهاد.
انظر: "الكاشف" 1/ 610، و"تقريب التهذيب" ص 330 (3722).]] أي: يعلم أنه ابنه، وقوله عز وجل: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [النبأ: 40] أي: يعلم [[هذا قول في تفسير الآية وتحتمل معنى آخر وهو: يوم يرى عمله مثبتًا في صحيفته خيرًا كان أو شرًّا. "زاد المسير" 9/ 13.]].
8:7Page 177
وَإِذۡ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحۡدَى ٱلطَّآئِفَتَيۡنِ أَنَّهَا لَكُمۡ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيۡرَ ذَاتِ ٱلشَّوۡكَةِ تَكُونُ لَكُمۡ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقۡطَعَ دَابِرَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧
[Remember, O believers], when Allāh promised you one of the two groups1 - that it would be yours - and you wished that the unarmed one would be yours. But Allāh intended to establish the truth by His words and to eliminate the disbelievers
قوله عز وجل: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾ إحدى: تأنيث أحد على غير بنائه [[انظر: "لسان العرب" (وحد) 8/ 4779.]]، كأنهم استأنفوا للمؤنث بناءً كصفراء من أصفر، وعطشى [[في (ح) كتبت هكذا: (عطشا).]] من عطشان، و (الطائفتان) العير والنفير في قول المفسرين [[انظر: "تفسير ابن جرير" 9/ 184، و"تفسير السمرقندي" 2/ 6، و"تفسير البغوي" 3/ 328، و"الدر المنثور" 3/ 300 - 301، والمراد بالعير: الإبل التي تحمل تجارة قريش مقبلة من الشام وفيها أربعون رجلاً بزعامة أبي سفيان بن حرب ، وأما == النفير فهم كفار قريش الذين نفروا بزعامة أبي جهل لحماية عيرهم من رسول الله ﷺ وأصحابه. انظر. "السيرة النبوية" لابن هشام 2/ 244 - 247]].
قوله تعالى: ﴿أَنَّهَا لَكُمْ﴾ (أن) في موضع نصب على البدل من (إحدى) قاله الفراء [["معاني القرآن" له 1/ 404.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" له 2/ 402.]]، قالا: ومثله قوله: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ﴾ [محمد: 18] فـ (أن) في موضع نصب كما نصبت الساعة، ومثله: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾ [الفتح: 25] (أن) في موضع رفع بـ (لولا) [[انظر: المصدرين السابقين، نفس الموضع، والزجاج لم يذكر الآية الأولى وهي قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ﴾.]]، وقال أبو علي الفارسي: (إحدى) في موضع نصب بأنه المفعول الثاني و (أنها لكم) بدل منه، والتقدير: وإذ [[في (م): (والله)، وهو خطأ.]] يعدكم الله ثبات إحدى الطائفتين، أو ملك إحدى الطائفتين، ونحو هذا مما يدل عليه (لكم).
وقوله تعالى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد التي ليس فيها حرب ولا قتال [["تنوير المقباس" ص 177 بمعناه.]]، وقال الزجاج: أي تودون أن الطائفة التي ليست فيها حرب ولا سلاح -وهو [[في "معاني القرآن وإعرابه": وهي، والمقصود: الإبل التي مع أبي سفان وهي العير.]] الإبل- تكون لكم، و (ذات الشوكة) أي: ذات السلاح [["معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 1/ 2/ 402.]].
وتأنيث (ذات) لأن المراد بها الطائفة ، والمعنى: وتودون أن الطائفة غير ذات الشوكة تكون لكم، وأما (الشوكة) فهي هاهنا السلاح [[انظر: "جمهرة اللغة" (ش ك و) 2/ 878، و"الصحاح" (شوك) 4/ 1595.]]، وأصلها: النبت الذي له حد، شبّه السلاح به، ومنه يقال: رجل شائك السلاح إذا كان حديد السنان والنصل، وهو فاعل من الشوك، ثم يقلب شائك فيقال: شاكي السلاح، كما يقال: جرف هار، وهاير، ومنه قول زهير:
لدى أسد شاكي السلاح ضبارم [[الضبارم، بضم الضاد: الأسد الشديد الخَلق، ويطلق على الرجل الشجاع الجريء على الأعداء.
انظر: "لسان العرب" (ضبرم) 4/ 2548.]] ... له لبد أظفاره لم تقلم [["ديوانه" بشرح أبي العباس ثعلب ص 23، وفيه: شاكي السلاح مقذف، وكذلك هو في رواية الشنتمري في "شرح الديوان" ص 21.
والمقذف: الغليظ اللحم، واللبد: الشعر المتراكب على زبرة الأسد، كما في المصدرين السابقين.]]
قال أبو عبيد: الشاكي والشائك [[في (م): (الشائك والشاكي).]] جميعًا: ذو الشوكة والحد في سلاحه [["لسان العرب" 4/ 2362 - 2363 (شوك).]].
وكما يوصف الرجل بهذا يوصف السلاح أيضًا به، فيقال: سلاح [[ساقط من (س).]] شاك وشائك، قال عنترة: فتعرفوني أنني أنا ذاكم ... شاك سلاحي في الحوادث معلم [[نسب المؤلف هذا البيت لعنترة، وليس في "ديوانه"، ولم أجد من نسبه له، والصحيح أنه لطريف بن تميم العنبري. كما في "الأصمعيات" ص 128، و"شرح شواهد الشافعية" ص 270، و"كتاب سيبويه" 3/ 466، و"معاهد التنصيص" 1/ 204.]]
ومنه قول المجدث [[لم يتبين لي من هو ولم يذكر في "كتاب ألقاب الشعراء" من سمي بالمجدث أو ما يقاربه.]]:
وألبس من رضاه في طريقي ... سلاحًا يذعر الأبطال شاكا [[انظر البيت بلا نسبة في "البحر المحيط" 4/ 455، و"الدر المصون" 5/ 569.]]
وهذا من قولهم: هو شاك السلاح بحذف الياء، كما قالوا رجل مال [[في "لسان العرب" 7/ 4300 (مول). رجلٌ مال: ذو مال، وقيل كثير المال، كأنه قد جعل نفسه مالاً، وحقيقته: ذو مال.]]: ذو مال، ونال من النوال [[في "لسان العرب" 8/ 4583 (قول): رجل نال -بوزن بالٍ-: جواد، وهي في الأصل: نائل.]]، وكبش صاف [[في "لسان العرب" 4/ 2527 - 2528 (صوف): (كبش أصوف وصَوِف، على مثال (فَعِل) وصائف وصافٌ وصاف، الأخيرة مقلوبة، وصوفا في كل ذلكَ: كثير الصوف.]]: ذو صوف، وكذلك رجل شاك [[بضم الكاف وكسرها. انظر "لسان العرب" 4/ 2309 (شكك).]]، وسلاح شاك [[في "القاموس المحيط" 4/ 2362 - 2363 (شوط): رجل شاكُ السلاح، وشائكه، وشوكه، وشاكيه، حديده.
وفي "لسان العرب" 10/ 454 (شوك): رجل شاكي السلاح وشاكُ السلاح، برفع الكاف، مثل جرف هارٍ وهارٌ، ومن قال: شاك السلاح، بحذف الياء فهو كما يقال: رجل مال ونال: من المال والنوال، وإنما هو مائل، ونائل.]]، فأما قولهم: شاكّ في السلاح بالتشديد مع (في) فمعناه: ذو شكة، والشكة: السلاح [[في "لسان العرب" 4/ 2309 (شكك): الشاكُّ في السلاح: وهو اللابس السلاح التام.]].
وقوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ قال ابن عباس: ﴿يُحِقَّ الْحَقَّ﴾ يظهر الإسلام [[انظر: "زاد المسير" 3/ 324، وقد ورد نحوه في التفسير المنسوب لابن عباس والمطبوع باسم "تنوير المقباس من تفسير ابن عباس" ص 177. وهذا الكتاب مع عدم صحة نسبته إلى ابن عباس فإن جامعه -والمشهور أنه الفيروز أبادي- قد رواه بشده عن محمد بن مروان السدي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وهذه هي سلسة الكذب. انظر: "الإتقان" 3/ 215.]]، وقال أهل المعاني [[لم أجد هذا القول فيما بين يدي من كتب أهل المعاني، وقد ذكر نحو هذا القول أبو السعود في تفسيره "إرشاد العقل السليم" 4/ 7.]]: معنى يحق الحق: يظهره ويعليه لأن الحق حق حيث كان، ولكنه إذا لم يكن ظاهرًا أشبه الباطل؛ لأن من صفة الحق ظهوره، فإظهاره تحقيق له من هذا الوجه [[بين الراغب الأصفهاني أن إحقاق الحق على ضربين: أحدهما: بإظهار الأدلة والآيات، والثاني: بإكمال الشريحة وبثها في الكافة. انظر: "المفردات في غريب القرآن" ص 125 (حقق).]].
وقوله تعالى: ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾، قال ابن عباس: أي بعداته [[لم أجد من رواه عنه، وقد ذكر هذا القول ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 324 دون أن ينسبه لأحد، ومعناه: بوعوده السابقة بأن يظهر الدين.]]، وقال عطاء عنه [[ساقط من (س)، وفي (ح): وقال: طاعته موعد ... إلخ. وهو خطأ، ولم أجد من ذكر هذه الرواية.]]: موعود من الله قد سبق في علمه، ووعد نبيه بذلك في سورة الدخان: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [[الآية 16.]] يريد: ننتقم له من أبي جهل [[هو: عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي، أحد طواغيت قريش وأبطالها == ودهاتها في الجاهلية، وكان أشد الناس عداوة للنبي ﷺ وأصحابه، قتل يوم بدر سنة 2 هـ. انظر: "سيرة ابن هشام" 1/ 215 - 417، و"تهذيب الأسماء واللغات" 2/ 206، و"الأعلام" 5/ 87.]]، فـ (كلماته) على هذا ما قد أخبر به من إظهار الحق وإعزازه بقوله [[الجار والمجرور متعلقان بقوله: أخبر.]]: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [[التوبة: 33، الفتح: 28، الصف: 9.]] على ما تقدم به وعده [[الذي ذهب إليه ابن جرير في "تفسيره" 9/ 188 - 189، والزمخشري في "الكشاف" 2/ 145 أن المراد بـ (كلماته): آياته المنزلة في قتال الكفار، وذهب مقاتل في "تفسيره" 118 ب إلى أن المراد بذلك ما أنزل على محمد ﷺ.]].
وقال بعضهم: (بكلماته) أي بأمره إياكم أن تجاهدوهم [[انظر: التعليق السابق.]].
قوله تعالى: ﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ قد ذكرنا الكلام في معنى (الدابر) فيما تقدم [[انظر: "تفسير البسيط" الأنعام: 45.]]، قال أبو إسحاق: أي: ظَفَركم بذات الشوكة أقطع [[في (ح): (أو قطع)، وهو خطأ.]] لدابرهم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 402.]]، وفي هذا بيان عن النعمة عليهم بالظفر بقريش حين خرجوا [[في (م): (دخلوا)، وهو خطأ.]] يحمون العير، وإن كرهوا هم ذلك، وأن ما أراد الله لهم كان خيرًا مما أرادوا هم.
8:8Page 177
لِيُحِقَّ ٱلۡحَقَّ وَيُبۡطِلَ ٱلۡبَٰطِلَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٨
That He should establish the truth and abolish falsehood, even if the criminals disliked it.
قوله تعالى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ﴾ اللام في صلة قوله (يقطع) أي: يقطع دابرهم ليحق الحق، قال ابن عباس: يريد أن يحق الله مواعيده للمؤمنين [[ذكر نحوه ابن الجوزي دون نسبة إلى ابن عباس، انظر: "زاد المسير" 3/ 324.]]، وذكرنا أن معنى إحقاق الحق إظهاره وإعلاؤه على غيره [[انظر: تفسير الآية السابقة.]].
وقوله تعالى: ﴿وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾ أي: يعدمه ويهلكه؛ لأن الباطل باطل، وكان الكفر باطلاً قبل بدر، ولكن معنى إبطاله ههنا: إعدامه، كما أن معنى إحقاق الحق: إظهاره، وإلى هذا [أشار ابن عباس في معنى (يبطل الباطل) فقال: يريد: ﴿وَيَقْطَعَ [[في (س): (قطع).]] دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: 7] ألا ترى أنه] [[ما بين المعقوفين مكرر في (ح).]] أشار إلى إعدامهم وإهلاكهم [[لم أجد من روى عن ابن عباس ما ذكره الواحدي سوى الفيروز أبادي في "تنوير المقباس" ص 177، حيث قال: (ويبطل الباطل): يهلك الشرك وأهله.]]، وقال صاحب النظم: ﴿وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾ أي: يفني الكفر، والآية بيان عن إرادة الله تعالى إظهار الحق وإعدام الباطل به على كره من المشركين، وإعزاز للمسلمين.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences