Al-Wahidi (al-Basit)Al‑Anfal · 8:9–14

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Al-Anfal 8:9–14

8:9Page 178

إِذۡ تَسۡتَغِيثُونَ رَبَّكُمۡ فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلۡفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُرۡدِفِينَ ٩

[Remember] when you were asking help of your Lord, and He answered you, "Indeed, I will reinforce you with a thousand from the angels, following one another."

قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ الآية، يجوز أن يكون العامل في (إذ)، (ويبطل الباطل) فتكون الآية متصلة بما قبلها [[وهذا ما ذهب إليه ابن جرير في "تفسيره" 9/ 189.]]، ويجوز أن تكون الآية مستأنفة على تقدير: واذكر إذ، بمعنى التذكير بالنعمة [[في (ج) و (س): التذكر.]].

وقوله تعالى: ﴿تَسْتَغِيثُونَ﴾ أي تطلبون منه المغوثة [[في (م): (المعونة).]] [والغوث والإغاثة] [[ما بين المعقوفين مكرر في (ح).]]، ويقول الواقع في بلية: أغثني، أي: فرج عني، ومعنى الإغاثة والغوث والمغوثة: سد الخلة في وقت الحاجة [[انظر: "معجم مقاييس اللغة" (غوث) 4/ 400.]]، وقال المفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 9/ 189، والثعلبي 6/ 41 ب، والبغوي 3/ 332.]]: ﴿تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾: تستجيرون به من عدوكم وتدعونه للنصر عليهم، وذلك أن المهاجرين والأنصار لما رأوا أنفسهم في قلة عدد استغاثوا، قال ابن عباس: حدثني عمر بن الخطاب [رضي الله عنه] [[من (م).]]، قال: لما كان يوم بدر ونظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وإلى أصحابه وهم ثلاثمائة ونيف [[النيف: من واحد إلى ثلاث، وكل ما زاد على العقد فهو نيف.

انظر" "لسان العرب" 8/ 4579 (نوف). ورواية المصنف هذه موافقة لرواية الإمام أحمد في "المسند"، وفي "صحيح مسلم": ثلاثمائة وتسعة عشر، وفي "سنن الترمذي": ثلاثمائة وبضعة عشر.]] استقبل القبلة [[ساقط من (ح).]] ومد يده يدعو: اللهم أنجز لي ما وعدتني، الله إن تهلك هذه العصابة من أهل [[ساقط من (م).]] الإسلام لا تعبد في الأرض، فما زال يهتف حتى سقط رداؤه، فأنزل الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ﴾ [[رواه بلفظ مقارب مع زيادة: مسلم في "صحيحه" (1863) كتاب الجهاد والسير، باب: الإمداد بالملائكة في غزوة بدر 3/ 1383 (1863)، والترمذي (3275) "كتاب تفسير القرآن"، سورة الأنفال، وأحمد في "المسند" 1/ 30.]].

وذكرنا معنى الإمداد في آخر سورة الأعراف وفي سورة آل عمران.

وقوله تعا لي: ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ وقرأ نافع [[هو: نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم الليثي مولاهم المدني، أحد القراء السبعة، تقدمت ترجمته.]] بفتح الدال [[انظر: كتاب "التيسير في القراءات السبع" لأبي عمرو الداني ص 116، و"تقريب النشر في القراءات العشر" لابن الجزري ص 118، وقد قرأ بالفتح أيضاً أبو جعفر ويعقوب، انظر: المصدر السابق، و"إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر" للدمياطي ص 236.]]، قال الفراء: أما (مُرْدِفين) متتابعين، و (مُرْدَفين) فُعل بهم [["معاني القرآن" للفراء 1/ 404.]]، وقال الزجاج: يقال: أردفت الرجل: إذا جئت بعده، ومعنى [[في "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج: فمعنى.]] (مردفين) يأتون فرقة بعد فرقة [["معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 402.]].

واختلف أهل اللغة في (ردف وأردف) والأكثرون على أنهما بمعنى. [قال] [[إضافة من المحقق.]] ثعلب عن ابن الأعرابي [[هو: محمد بن زياد بن الأعرابي أبو عبد الله الكوفي الهاشمي مولاهم، تقدمت ترجمته.]]: يقال: (ردفته وأردفته واحد) [["تهذيب اللغة" 2/ 1394 (ردف)، ونصه: ردفته وأردفته بمعنى واحد.]]. وقال أبو عبيد عن أبي زيد [[هو: سعدي بن أوس بن ثابت الأنصاري أبو زيد البصري، صاحب النحو واللغة، كان صدوقًا علامة حافظًا لنوادر والشعر، توفي سنة 214 هـ.

انظر: "مراتب النحويين" ص 73، و"نزهة الألباء" ص 101، و"إنباه الرواة" 2/ 30، و"سير أعلام النبلاء" 9/ 494.]]: ردفت الرجل وأردفته: إذا ركبت خلفه، وأنشد:

إذا الجوزاء أردفت الثريا ... ظننت بآل فاطمة الظنونا [[البيت لحزيمة بن نهد بن زيد بن ليث القضاعي، وهو شاعر جاهلي قديم. وحزيمة: بالحاء المهملة المفتوحة، وكسر الزاي، وانظر: " الأغاني" 13/ 78، و"معجم ما استعجم" 1/ 19، و"المعارف" ص 342. وقيل إن البيت لخزيمة -بالخاء المعجمة- ابن مالك بن زيد. انظر "اللسان" (ردف) 3/ 1625.

والمعنى: إذا الجوزاء تبعت الثريا، وذلك إبان اشتداد الحر وجفاف المياه، وتفرق الناس في طلبها، فحينئذٍ تغيب عنه محبوبته فتسيء ظنونه، وتشتد همومه.]] [[انظر: قول أبي زيد في "تهذيب اللغة" 2/ 1394 (ردف).]] ومعناه: جاءت على ردفها، أي: تبعتها ورؤيت [[في (س): (وردفت).]] خلفها.

وفصل آخرون بينهما، فقال الزجاج: ردفت الرجل: إذا ركبت خلفه، وأردفته: أركبته خلفي، وأردفت الرجل: إذا جئت بعده [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 402.]].

وقال شَمِر: ردفت وأردفت: إذا فعلت ذلك بنفسك، فإذا فعلت بغيرك: فأردفت لا غير [["تهذيب اللغة" 2/ 1394 (ردف).]].

فمن قرأ (مردِفين) بكسر الدال [[وهي قراءة السبعة غير نافع، انظر: كتاب "السبعة" ص 304، و"التيسير في القراءات السبع" ص 116، و"تقريب النشر" ص 118.]] فمعناه: أن بعضهم في إثر بعض، كالقوم الذين ترادفوا على الدواب؛ كما ذكره الفراء [["معاني القرآن" 1/ 404.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 402.]]، وهو قول قتادة والسدي: متتابعين [[رواه عنهما ابن جرير 9/ 191، وابن أبي حاتم 5/ 1663.]]، واختار أبو حاتم هذه القراءة، وقال: معناه: بألف من الملائكة جاءوا بعد المسلمين على آثارهم، يقال: ردفه وأردفه: إذا جاء بعده؛ كما قال: أردفت الثريا: أي جاء [[هكذا في جميع النسخ.]] بعدها [[انظر: قول أبي حاتم في "الوسيط" 2/ 446.]]. وروي عن أبي عمرو: أردف بعضهم بعضًا: من الإرداف، وهو أن يحمل الرجل صاحبه خلفه [[انظر قول أبي عمرو في: "تفسير ابن جرير" 9/ 191، و"حجة القراءات" لابن زنجلة ص 307.]]، وأنكر أبو عبيد هذا وقال: لم يسمع هذا في صفة الملائكة [[انظر: "تفسير ابن جرير" 9/ 199، و"الدر المصون" 5/ 576.]].

ومن قرأ بفتح الدال فمعناه: بألفٍ أردف الله المسلمين بهم وأمدهم بهم، وهو قول مجاهد، قال: الإرداف: إمداد المسلمين بهم [[في "تفسير الإمام مجاهد" ص 352، و"تفسير ابن جرير" 13/ 413، وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ، كما في "الدر المنثور" 4/ 30، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ قال: ممدّين اهـ. فلعل المصنف ذكر قول مجاهد بالمعنى.]]، واختار أبو عبيد هذه القراءة [[انظر: "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 307.]]، وروي عن الفراء وأبي عبيدة قالا: من فتح الدال أراد: جيء بهم بعدهم وأمدوا بهم، فهم ممدون بهم [[في "معاني القرآن" للفراء 1/ 404: (مردَفين): فعل بهم اهـ. "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 241: ومن قرأها بفتح الدال وضعها في موضع (مفعولين) من أردفهم الله من بعد من قبلهم وقدامهم.]]، وتفسير ابن عباس يدل على القراءتين لأنه قال: مع كل ملك ملك [[رواه ابن جرير في "تفسيره" 9/ 192 بإسناد فيه قابوس بن أبي ظبيان، وهو ضعيف لا يحتج به كما في الكاشف 2/ 334.]] ، وهذا يحتمل الوجهين؛ لأنك إن كسرت كان معناه: متتابعين، وإن فتحت كان المعني: أنهم جعلوا كذلك، قال أبو علي: من كسر الدال احتمل وجهين أحدهما: أن يكونوا مردفين مثلهم، كما تقولي: أردفت زيدًا دابتي، فيكون المفعول الثاني محذوفًا من الآية، وحذف المفعول كثير [["الحجة للقراء السبعة" 4/ 124.]].

ويقوي هذا الوجه الذي ذكره أبو علي ما قال عطاء، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: يريد ألفًا بعد ألف [[أكثر المؤلف من ذكر رواية عطاء عن ابن عباس بل بنى عليها تفسيره هذا وكذلك، و"الوسيط" ، و"الوجيز"، ولم أجد لها ذكرًا في كتب التفسير كـ"تفسر عبد الرزاق" ، == و"ابن جرير"، و"ابن أبي حاتم"، و"الثعلبي"، و"البغوي"، و"الدر المنثور"، وغيرها. وقد يذكرها في أحيان قليلة الفخر الرازي وابن الجوزي، وهما يكثران النقل من "البسيط"، وفي القلب شيء من صحة هذه الرواية لما يأتي:

1 - أن هذه الرواية مفسرة لجميع آيات القرآن، وهذا غير معهود عن السلف، قال الخليلي: هذه التفاسير الطوال التي أسندوها إلى ابن عباس غير مرضية ورواتها مجاهيل. "الإتقان" 2/ 241.

2 - أن الإِمام الشافعي رحمه الله قال: لم يثبت في التفسير عن ابن عباس إلا شبيه بمائة حديث.

انظر: المصدر السابق ص 242، ولعل الشافعي لم تصح عنده رواية علي بن أبي طلحة الوالبي إذ هي في الأصل منقطعة، لكن عرفت الواسطة وهو ثقة. انظر: "التفسير والمفسرون" 1/ 78.

3 - أن هذه الرواية قد تخالف الرواية الصحيحة عن ابن عباس.

أقول: تبين لي فيما بعد أن هذه الرواية موضوعة، وقد تقدم ذلك عند الحديث عن مصادر المؤلف، في مقدمة التحقيق.]].

قال: والوجه الآخر في (مردفين) أن يكونوا جاءوا بعد المسلمين، قال الأخفش: تقول العرب: بنو فلان يردفوننا، أي: يجيئون بعدنا [["الحجة للقراء السبعة"4/ 125، و"فتح الباري" 8/ 307، ولم أجده في "معاني القرآن".]]، وقال أبو عبيدة: (مردفين) جاءوا بعد، وردفني وأردفني واحد [[قول أبي عبيدة هذا ذكره بنصه أبو علي الفارسي في "الحجة للقراء السبعة" 4/ 125، ونص قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 241 (مردفين) مجازه: مجاز فاعلين، من أردفوا، أي جاءوا بعد قوم قبلهم، وبعضهم يقول: ردفني. أي جاء بعدي، وهما لغتان.]]، قال أبو علي: وهذا الوجه كأنه أبين لقوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ الآية، فقوله (مردفين) جائين بعد لاستغاثتكم [[في (ح): (استغاثتكم).]] ربكم وإمداده إياكم، ومن فتح الدال فهم مردَفون، على: أردفوا الناس أي: أُنزلوا بعدهم [["الحجة للقراء السبعة" 4/ 125، وقد تصرف الواحدي في عبارة أبي علي واختصرها.]].

8:10Page 178

وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ وَلِتَطۡمَئِنَّ بِهِۦ قُلُوبُكُمۡۚ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ١٠

And Allāh made it not but good tidings and so that your hearts would be assured thereby. And victory is not but from Allāh. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise.

قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ قال الفراء هذه (الهاء) للإرداف أي: ما جعل الله [الإرداف إلا بشرى [[اهـ. كلام الفراء. انظر: "معاني القرآن" 1/ 404.]]، وقال الزجاج: أي: ما جعل الله المدد] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]] إلا بشرى [[اهـ. كلام الزجاج. انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 403.]]، وهذا أولى لأن الإمداد بالملائكة كانت البشرى [[هكذا في جميع النسخ، وعبارة الرازي في "تفسيره" 15/ 131: وهذا أولى لأن الإمداد بالملائكة حصل بالبشرى، وفي كلتا العبارتين غموض.]]، وقال ابن عباس: كان رسول الله ﷺ يوم بدر في العريش قاعدًا يدعو وكان أبو بكر قاعدًا على يمينه معه، ليس معه غيره، فخفق رسول الله ﷺ من نعسة نعسها ثم ضرب بيمينه على فخذ أبي بكر فقال: أبشر بنصر الله فلقد رأيت في منامي بقلبي -والأنبياء إذا ناموا لا تنام قلوبهم ينظرون بها كما ينظرون بأبصارهم وهم مستيقظون- جبريل يقدم الخيل فبشره بإمداد الله إياهم بالملائكة [[رواه بلفظ مقارب عن ابن عباس ابن إسحاق، انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام 2/ 266 - 268، وروى البخاري أوله بمعناه في "صحيحه" (2915) كتاب الجهاد والسير، باب: ما قيل في درع النبي ﷺ. وكذلك روى البخاري بعضه بلفظ: أن النبي ﷺ قال يوم بدر: "هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب"، "صحيح البخاري" (3995) كتاب المغازي، باب: شهود الملائكة بدرًا، كما روى قضية رؤية النبي بقلبه عن أنس بلفظ: فيما يرى قلبه، والنبي ﷺ نائمة عيناه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، و"صحيح البخاري" كتاب الأنبياء، باب: كان النبي ﷺ تنام عينه ولا ينام قلبه 5/ 33.]]، وهذه الآية مفسرة ومشروحة في سورة آل عمران.

8:11Page 178

إِذۡ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةٗ مِّنۡهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذۡهِبَ عَنكُمۡ رِجۡزَ ٱلشَّيۡطَٰنِ وَلِيَرۡبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمۡ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلۡأَقۡدَامَ ١١

[Remember] when He overwhelmed you with drowsiness [giving] security from Him and sent down upon you from the sky, rain by which to purify you and remove from you the evil [suggestions] of Satan and to make steadfast your hearts and plant firmly thereby your feet.

قوله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ﴾. قال الزجاج: (إذ) موضعها نصب على معنى: وما جعله الله إلا بشرى في ذلك الوقت، قال: ويجوز أن تكون على [[عبارة الزجاج هكذا: ويجوز على أن يكون.]]: اذكروا إذ يغشيكم [[في (ح) و (س): (يغشاكم)، وما في (م) موافق للمصدر التالي.]] النعاس [["معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 403.]].

واختلف القراء في ﴿يُغَشِّيكُمُ﴾ فقرؤوا [[في (ج): (فقريء).]] من غشي ومن أغشى ومن غشّى [[إذا كان الفعل (غشي) فالقراءة (يغشاكم)، وإذا كان الفعل (أغشى) فالقراءة (يُغْشِيكم)، وإذا كان الفعل (غشى) فالقراءة (يُغَشّيكم) والقراءة الأولى لابن كثير وأبي عمرو، والثانية لنافع، والثالثة لعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي.

انظر: "التبصرة في القراءات" ص 221، و"تقريب النشر" ص 118، و"إتحاف فضلاء البشر" ص 236.]]، فمن قرأ (يغشاكم) فحجته قوله: ﴿أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى﴾ [آل عمران: 154] فكما أسند الفعل هناك إلى النعاس أو الأمنة التي هي سبب النعاس؛ كذلك في هذه الآية، ومن قرأ (يُغْشِيكم) أو (يُغَشّيكم) فالمعنى واحد، وقد جاء التنزيل بهما في قوله تعالى: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: 9] وقال ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ [النجم: 54] وقال: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [يونس: 27]،وإسناد الفعل في هذا إلى الله تعالى أشبه بما بعده من قوله (وينزل) (ويذهب).

وقوله ﴿أَمَنَةً﴾ منصوب مفعول له كقولك: فعلت ذلك حذر الشر، والتأويل: إن الله جل وعز أمنهم أمنًا حتى غشيهم النعاس بما وعدهم من النصر [[التعليل بأن الأمن بسبب وعدهم بالنصر يحتاج إلى دليل ولم أجده، ويشكل على == هذا التعليل نزول الأمن عليهم بعد معركة أحد كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ [آل عمران: 154]، ثم إن التعبير بقوله (أمنة منه) في قصة بدر، وبقوله: ﴿أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ في قصة أحد ما يؤكد أن الأمن فيض من الله، ونفحة من نفحات رحمته على عباده المؤمنين سواء وعدوا بالنصر أم لم يوعدوا.]].

قال ابن مسعود: النعاس في القتال أمنةً من الله، وفي الصلاة من الشيطان [[رواه ابن جرير 9/ 193 - 194، والسمرقندي 2/ 9، والثعلبي 6/ 42 ب، والبغوي 3/ 334.]].

وغشيان النعاس أصحاب بدر، كغشيانه إياهم يوم أُحد، وقد ذكرنا الكلام فيه وفي قوله ﴿أَمَنَةً﴾، في سورة آل عمران.

وقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ ذكر أهل التفسير [[انظر: "تفسير ابن جرير" 13/ 412 - 426، والثعلبي 6/ 43 أ، و"الدر المنثور" 4/ 32، 33.]] أن المسلمين لما بايتوا المشركين ببدر أصابت جماعة منهم جنابات احتاجوا لها إلى الماء فساءهم عدم الماء عند فقرهم إليه، وكان المشركون قد سبقوهم إلى الماء وغلبوهم عليه [[في (ج): (إليه).]]، فوسوس إليهم الشيطان أن ذلك عون من الله للعدو، وقال لهم: كيف ترجون الظفر عليهم وقد غلبوكم على الماء [[تضاربت الروايات فيمن غلب على الماء، فالمشهور أن المسلمين غلبوا عليه، وصنعوا حوضًا كبيرًا، وقد روى ذلك البيهقي في "دلائل النبوة" 2/ 321 عن ابن شهاب وعروة بن الزبير وعاصم بن عمر وموسى بن عقبة، ورواه ابن إسحاق كما في "سيرة ابن هشام" 2/ 259 - 260 عن رجال من بني سلمة، وكلا الإسنادين غير متصل. وروى ابن جرير 9/ 195 عن ابن عباس أن المشركين هم الذين غلبوا على الماء، == لكن سند هذه الرواية مسلسل بالضعفاء، وهم أسرة العوفي، انظر: "تفسير ابن جرير" 1/ 263 حاشية (1)، وقد أبدع المحقق في بيان ذلك.

وهناك رواية أخرى عن ابن عباس عند ابن جرير 9/ 196 تفيد أن المشركين غلبوا على الماء أول الأمر، وسندها ضعيف أيضًا لأن أحد رجالها مدلس وهو ابن جريج، ولم يصرح بالتحديث.

انظر: "إتحاف ذوي الرسوخ بمن رمي بالتدليس" ص 37.

والذي صح عن ابن عباس ما رواه ابن جرير 9/ 195 من رواية علي بن أبي طلحة أنه قال: نزل النبي ﷺ يعني حين سار إلى بدر والمسلمون بينهم وبين الماء رملة دعصة فأصاب المسلمين ضعف شديد، وألقى الشيطان في قلوبهم الغيظ، فوسوس بينهم: تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله وقد غلبكم المشركون على الماء .. إلخ.

لكن هذه الرواية ليست نصًّا في غلبة المشركين على الماء لاحتمال وصول المسلمين إليه بعد نزول المطر، وأما قوله: (وقد غلبكم المشركون) فهو من وسوسة الشيطان لا حقيقة. والله أعلم.]] وأنتم تصلون مجنبين ومحدثين وتزعمون أنكم أولياء الله وفيكم نبيه؟! فأنزل الله تعالى مطرًا أسال منه الوادي حتى اغتسلوا وتطهروا وزالت الوسوسة؛ فذلك قوله: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ أي من الأحداث والجنابة، ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ أي وسوسته التي تكسب عذاب الله وغضبه، ولذلك سمى الوسوسة رجزًا [[قال ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" ص 471 الرجز: العذاب. قال تعالى -حكايته عن قوم فرعون-: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ [الأعراف: 134] أي العذاب، ثم قد يسمى كيد الشيطان رجزًا؛ لأنه سبب العذاب، قال الله تعالى: ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾.]]، ومضى الكلام في الرجز وأن معناه العذاب [[البقرة: 59.]]، ومن المفسرين من يحمل رجز الشيطان على الجنابة وهي من الشيطان [[انظر: "البحر المحيط" 5/ 283، و"تفسير الفخر الرازي" 15/ 138.]].

وقال عطاء: رجز الشيطان: تخويفه إياهم بالعطش [[لم أعثر عليه فيما بين يدي من مراجع.]]، وهذا أيضًا نوع من الوسوسة.

وقوله تعالى: ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ قال ابن عباس: باليقين والعز والنصر [[لم أجد من ذكره عن ابن عباس، وقد ذكر ابن الجوزي عنه أنه قال: بالصبر، انظر: "زاد المسير" 3/ 328.]]، ومعنى الربط في اللغة: الشد، ذكرنا ذلك في قوله: ﴿وَرَابِطُواْ﴾ [آل عمران:200] ويقال: لكل من صبر عل أمر: ربط قلبه، كأنه حبس قلبه عن أن يضطرب، ويقال: رجل رابط الجأش، قال الأصمعي: هو الذي يربط نفسه يكفها بجرأته [[في "تهذيب اللغة": لجرأته.]] وشجاعته [[انظر: "تهذيب اللغة" (ربط) 2/ 1346.]]، ومنه قول لبيد:

رابط الجأش على كل وجل [[هذا عجز بيت وصدره:

يُسْئِد السير عليها راكب

انظر: "ديوانه" ص 176، ومعنى: يسئد: يغذّ ويسرع، كما في المصدر نفسه.]]

ويشبه أن يكون (على) هاهنا صلة، والمعنى وليربط قلوبكم بالصبر [[في (م): (النصر)، واللفظ ساقط من (س).]] وما أوقع فيها من اليقين فتثبت ولا تضطرب.

وقوله [[من (م).]]: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ قال المفسرون: وذلك أن المسلمين كانوا [قد نزلوا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]] على كثيب تغوص فيه أرجلهم، فلبده المطر حتى ثبتت عليه الأقدام [[انظر: "تفسير ابن جرير" 9/ 194، و"تفسير الثعلبي" 6/ 43 أ.]]، والكناية تعود على الماء.

قال الزجاج: وجائز أن يكون (به): بالربط؛ لأن (يربط) يدل عليه، فكأنه قال: ويثبت بالربط أقدامكم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 404 بتصرف.]].

8:12Page 178

إِذۡ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمۡ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ سَأُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ فَٱضۡرِبُواْ فَوۡقَ ٱلۡأَعۡنَاقِ وَٱضۡرِبُواْ مِنۡهُمۡ كُلَّ بَنَانٖ ١٢

[Remember] when your Lord inspired to the angels, "I am with you, so strengthen those who have believed. I will cast terror into the hearts of those who disbelieved, so strike [them] upon the necks and strike from them every fingertip."1

قوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ قال أبو إسحاق: إذا [[ساقط من (ح).]] في موضع نصب على: وليربط إذ يوحي، قال: ويجوز أن يكون على: اذكروا [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 404.]].

ومعنى (يوحي ربك) أي: يلقي إليهم من وجه يخفى، هذا حقيقة معنى الإيحاء [[انظر: "الصحاح" (وحي) 6/ 2520.]].

وقوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ يعني الذين أمد الله بهم المسلمين، وقوله تعالى: ﴿أَنِّي مَعَكُمْ﴾ أي بالعون والنصرة، كما يقال: فلان مع فلان أي معونته معه [[هذه بعض معان المعية الخاصة، وليسر ذلك من التأويل المذموم بل هو مقتضى لغة العرب، قال الإمام ابن القيم رحمه الله: (مع) في كلامهم لصحبته اللائقة، وهي تختلف باختلاف متعلقاتها ومصحوبها، فكون نفس الإنسان معه لون وكون علمه وقدرته وقوته معه لون، وكون زوجته معه لون، وكون أميره ورئيسه معه لون، وكون ماله معه لون، فالمعية ثابتة في هذا كله مع تنوعها واختلافها. "مختصر الصواعق المرسلة" ص 394.]].

وقوله تعالى: ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، قال عطاء عن ابن عباس: يريد ادعوا لهم، ولا يمدن أحد منهم سيفه ليضرب به إلا بادرتموه بسيوفكم [[لم أعثر على مصدره، وفي معناه نظر، إذ لو ثبت هذا لما قتل أحد من المسلمين لكن الواقع أنه استشهد في معركة بدر أربعة عشر رجلا. انظر: "سيرة ابن هشام" 2/ 354 - 355.]]، وقال مقاتل: يعني بشروهم بالنصر، وكان الملك يسير أمام الصف في صورة الرجل ويقول: أبشروا فإن الله ناصركم ويرى [[في (ح): (فيرى).]] الناس أنه منهم [[في (س): (منكم).]] [["تفسير مقاتل" ل 119 أ.]].

وقال عبد العزيز بن يحيى: شجعوهم وقووا عزمهم في الجهاد [[لم أعثر عليه، وقد ذكره الثعلبي 6/ 43 أبلا نسبة.]]، وهذا معني قول الزجاج: جائز أن يكونوا يثبتونهم بأشياء يلقونها في قلوبهم تقوى بها [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 404، ونص عبارة الزجاج: جائز أن يكون أنهم يثبتوهم ... إلخ.]]، قال أبو روق: هو أن الملك كان يتشبه بالرجل الذي يعرفونه فيأتي الرجل منهم ويقول: إني سمعت المشركين يقولون: والله لئن حملوا علينا لننكشفن، فيتحدث بذلك المسلمون ويزدادون جرأة [[رواه الثعلبي في "تفسيره" 6/ 43 ب، والأثر مرسل لأن أبا روق من صغار التابعين ولم يسنده إلى صحابي.]]، وهذا اختيار الفراء [[انظر: "معاني القرآن" له 1/ 405.]] وابن الأنباري، وقال الزجاج: وجائز أن يكونوا يرونهم مددًا فإذا عاينوا نصر الملائكة ثبتوا [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 404.]].

وذكر أبو بكر [[هو: ابن الأنباري.]] وجهًا آخر فقال: معناه اقتلوا المشركين وأفسدوا صفوفهم فإنكم إذا فعلتم ذلك ثبّتم المؤمنين، وهذا معنى قول المبرد: (وازروهم) [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 6/ 43/ب، وهو قول ابن إسحاق، انظر "السيرة == النبوية" 2/ 273 - 274، ومعنى (وازروهم): أعينوهم. انظر: "القاموس المحيط" فصل: الواو، باب: الراء ص 492.]]، وهو قول الحسن قال: (فثبتوا الذين آمنوا) بقتالكم المشركين [["زاد المسير" 3/ 329، و"الوسيط" 2/ 448، وانظر: "تفسير الحسن البصري" 1/ 399 جمع وتوثيق د/ محمد عبد الرحيم.]].

وقوله تعالى: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾، قال عطاء: يريد الخوف من أوليائي [[رواه البغوي في "تفسيره" 3/ 334، وانظر: "الوسيط" 2/ 448.]].

وقوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾، قالوا: جائز أن يكون هذا أمرًا للملائكة وهو الظاهر، وجائز أن يكون أمرًا للمؤمنين [[رجح هذا القول ابن جرير 13/ 430، والسمرقندي 2/ 10، والرازي 15 - 140، وانظر القولين في "تفسير الثعلبي" 6/ 43 ب، والبغوي 3/ 334، وابن الجوزي 3/ 329، والرازي 15/ 140، وقتال الملائكة يوم بدر ثابت في "صحيح مسلم"، كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة رقم (1763) 3/ 1383.]]، ومعناه: فاضربوا الرؤوس؛ لأنها فوق الأعناق. قال عطاء عن ابن عباس: يريد كل هَامَة وجمجمة [[انظر: "تفسير القرطبي" 7/ 378، وبمعناه عند الثعلبي 6/ 43 ب، والهامة: أعلى الرأس، وقيل: الرأس، وقيل غير ذلك. انظر: "لسان العرب" (هوم) 12/ 624.]]، وقال عكرمة: معناه: فاضربوا الرؤوس فوق الأعناق [[رواه الثعلبي 6/ 43 ب، ورواه ابن جرير 13/ 430، وابن أبي حاتم 3/ 231 ب مختصرًا بلفظ: الرؤوس.]]، [وقال الفراء: "علمهم مواضع الضرب فقال: اضربوا الرؤوس [["معاني القرآن" 1/ 405، ونصر عبارة الفراء: اضربوا الرؤوس والأيدي والأرجل.]]] [[ما بين المعقوفين ساقط من (س).]] "، وقال أبو بكر [[يعني: ابن الأنباري، وانظر قوله هذا في: "زاد المسير" 3/ 329، وفي "تفسير البغوي" 3/ 335.]]: أراد به الرؤوس، وذلك أن الملائكة حين أمرت بالقتال لم تعلم أين تقصد بالضرب من الناس فعلمهم الله تعالى أن يضربوا الرؤوس.

قال قطرب [[هو: محمد بن المستنير أبو علي المعروف بقطرب النحوي اللغوي المعتزلي أحد أئمة اللغة والنحو، تتلمذ على سيبويه وغيره من علماء البصرة، توفي سنة 206 هـ. انظر: "نزهة الألباء" ص 76، و"إنباه الرواة" 3/ 219، و"مراتب النحويين" ص 109.]]: يعني ما فوق الأعناق [[لم أجد من ذكر هذا القول عنه، ولعله في كتابه "معاني القرآن" وهو من الكتب التي لم أعثر عليها، وانظر نحو هذا القول في: "النكت والعيون" 2/ 302.]].

ونصب (فوق) يكون بالظرف.

وقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ يعني الأطراف من اليدين والرجلين، عن ابن عباس [[انظر: "تفسير ابن جرير" 9/ 199، وابن أبي حاتم 5/ 1668، والثعلبي 6/ 43 ب.]]، وابن جريج [[انظر: "تفسير ابن جرير" 9/ 199، والثعلبي 6/ 43 ب.]]، والسدي [[انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 5/ 1668، وابن كثير 2/ 324.]].

وفي رواية: (كل بنان) من الأصابع إلى الذراع [[لم أجد هذه الرواية في كتب التفسير.]]، قال الليث [[هو: الليث بن نصر بن سيار الخرساني اللغوي النحوي، وقيل: الليث بن المظفر، وقيل: الليث بن رافع، كان من أكتب الناس في زمانه، بارعًا في الأدب، بصيرًا بالشعر والغريب والنحو، من تلامذة الخليل بن أحمد وراوي كتاب "العين" عنه، بل قيل إنه هو مؤلفه، وجزم الأزهري بذلك وتبعه المؤلف.

انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 28، و"إنباه الرواة" 3/ 42، و"لسان الميزان" 4/ 494، و"بغية الوعاة" 2/ 270، وانظر: الرد علي الأزهري في نسبة كتاب العين لليث، وصحة نسبته في مقدمة كتاب "العين" 1/ 19.]]: البنان: أطراف الأصابع من اليدين والرجلين، والبنان في كتاب الله هي (الشوى) وهي الأيدي والأرجل [["تهذيب اللغة" (بنن) 15/ 468، والنص في كتاب "العين" (بن) 8/ 372، وتفسير (الشوى) بالأيدي والأرجل قول لأهل اللغة، وقيل: ظاهر الجلد كله. انظر: "تهذيب اللغة" (شوى) 11/ 442، و"لسان العرب" (شوى) 14/ 447.]].

وبنحو هذا قال الفراء، قال: يعني الأيدي والأرجل [["معاني القرآن" للفراء 1/ 405 بتصرف.]]، قال أبو بكر [[هو: ابن الأنباري، وقد ذكر بعض قوله هذا ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 330، كما ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 448.]]: البنان أطراف الأصابع، اكتفى الله به من جملة اليد والرجل، والعرب تكتفي ببعض الشيء من كله، وأنشد لعنترة:

عهدي به [[في (س): (بها).]] مدّ النهار كأنما ... خُضب البنان ورأسه بالعظلم [["ديوانه" ص 27 بمثل رواية المصنف، وانظر: "شرح ديوانه" للشنتمري ص 213، و"سر صناعة الإعراب" 2/ 609، و"اللسان" (شدد) 4/ 2214، و"الدر المصون" 5/ 580، وفيها جميعًا: شد النهار، وهو بمعنى رواية الديوان، أي: ارتفاعه، انظر: "اللسان" (مدد) 7/ 4158.

والعِظْلم: بكسر العين: قال الجوهري في "الصحاح" (عظلم) 5/ 1988: نبت يصبغ به، وفي "اللسان" (عظلم) 5/ 3004: صبغ أحمر.]]

يعني قتيلاً مضرجًا في دمه، وأراد بالبنان [جملة أطرافه.

وقال عطية والضحاك: كل كان: مفصل [[رواه عنهما ابن جرير 9/ 199، وابن أبي حاتم 5/ 1668.]]، وهو اختيار أحمد بن يحيى، قال: البنان] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]] كل طرف ومفصل [["فصيح ثعلب" ص 46 بنحوه.]].

قال أبو الهيثم [[هو: خالد بن يزيد الرازي أبو الهيثم، اشتهر بكنيته، من أئمة اللغة بارعًا حافظًا عالماً ورعًا كثير الصلاة، صاحب سنة، توفي عام 276 هـ انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 45 - 46، و"إنباه الرواة" 4/ 188، و"بغية الوعاة" 2/ 329.]]: وكل مفصل [[ساقط من (ح).]] بنانة [["تهذيب اللغة" (بن) 1/ 391.]]، وقال الزجاج في هذه الآية: أباحهم الله عز وجل قتلهم بكل نوع يكون في الحرب [["معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 405.]].

8:13Page 178

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ١٣

That is because they opposed Allāh and His Messenger. And whoever opposes Allāh and His Messenger - indeed, Allāh is severe in penalty.

قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الإشارة تعود إلى ما أمر به من ضربهم؛ يقول: ضرب أعناقهم وبنانهم بما ارتكبوا من الشقاق، وذكرنا معنى الشقاق فيما تقدم [[انظر: البسيط (النسخة الأزهرية) 1/ 91 أ، ونص قوله في هذا الموضع: ("شقاق": أي خلاف وعداوة، وتأويله: أنهم صاروا في شق غير شق المسلمين، والعداوة تسمى شقاقًا،؛ لأن كل واحد من المعادين يأتي بما يشق على صاحبه، أو لأن كل واحد صار في شق غير شق صاحبه).]].

وقال أبو إسحاق: شاقوا: جانبوا وصاروا في شق غير شق المؤمنين [[اهـ كلام الزجاج. انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 405.]]، والشق: الجانب، وقال ابن قتيبة: شاقوا: نابذوا وباينوا [["تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 188.]].

وقال ابن عباس: ﴿شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ يريد: حاربوا الله وحاربوا رسوله [["الوسيط" 2/ 448.]]، وهذا معنى وليس بتفسير؛ وذلك أن المحارب: مباين مخالف، يدل على هذا أنه قد باين [[في (م): تباين اهـ. والضمير في قوله (أنه) ضمير الشأن، و (من) فاعل (باين) والمعنى: إن من لا يحارب من الكفار قد باين، ويقال له: قد شاق الله ورسوله، فتبين أن تفسير ابن عباس المشاقة بالمحاربة من باب التمثيل.]] من لا يحارب: فيقال: قد شاق، فحقيقة معنى الشقاق: الانفصال، من قولهم: انشق انشقاقًا وشقه شاقًّا، والشقان: الجانبان انفصل أحدهما عن الآخر، وشاقه شقاقًا: إذا صار في شق عدوه بأن باينه وخالفه.

وشاقوا الله: مجاز، وحقيقته [[في (ح): (وحقيقة).]]: شاقوا أولياء الله [[بل مشاقة الله لا تقتصر على مشاقة أوليائه فهي تعني مخالفته وسبه بادعاء الشركاء والولد له، ومحاربة دينه، وترك شرعه، وغير ذلك من أنواع المشاقة، قال الإمام ابن كثير 2/ 325: ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله، أي: خالفوهما فساروا في شق، وتركوا الشرع والإيمان به واتّباعه في شق.]]؛ ألا ترى أن أبا إسحاق قال: صاروا في شق غير شق المؤمنين [["معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 405.]].

8:14Page 178

ذَٰلِكُمۡ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٤

"That [is yours], so taste it." And indeed for the disbelievers is the punishment of the Fire.

قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ﴾ قال مقاتل: يعني القتل يوم بدر وضرب الملائكة الوجوه والأدبار [["تفسير مقاتل" 119 ب، وقد تصرف الواحدي في عبارته.]] فعنده الإشارة تعود إلى ما ذكر [[في (ح): (ما ذكره).]]، والصحيح أن الإشارة بقوله ﴿ذَلِكُمْ﴾ تعود على [[في (خ) و (س): (إلي).]] ما عاد عليه [[في (ح): (إليه).]] قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ﴾ وهذا قريب مما قاله [[الفرق بين قول مقاتل وما رجحه الواحدي هو أن مقاتل يرى أن الإشارة تعود إلى القتل والضرب، والواحدي يرى أن الإشارة تعود إلى الضرب فقط وهو ما ذكره ابن جرير 13/ 433 والخلاف يسير؛ لأن ضرب الأعناق يعني القتل لا سيما من ملك.]]؛ لأن قتلهم يوم بدر حصل بذلك الضرب.

وأما محل ﴿ذَلِكُمْ﴾ من الإعراب فقال الزجاج: هو رفع على إضمار الأمر، المعنى: الأمر ذلكم فذوقوه، ولا يجوز أن يكون ﴿ذَلِكُمْ﴾ ابتداء، و ﴿فَذُوقُوهُ﴾ الخبر، من قِبلِ أن ما بعد الفاء لا يكون خبرًا للمبتدأ إلا أن يكون المبتدأ اسمًا موصولاً، أو نكرة موصوفة، نحو: الذي يأتيني فله درهم، وكل رجل في الدار فمكرم، فأما: زيد فمنطلق، لا يجوز إلا أن نجعل زيدًا خبرًا لابتداء محذوف، على معنى: هذا زيد منطلق، أي: فهو منطلق، وعلى هذا قول الشاعر [[هذا البيت من شواهد سيبويه في "الكتاب" 1/ 139 وهو من أبياته الخمسين التي لم يعرف قائلوها، وعجز البيت:

أكرومة الحيين خلو كما هيا

وخولان: قبيلة باليمن، وهم أبناء خولان بن عمرو بن مالك بن الحارث. والأكرومة: الكريمة، والحيان: حي أبيها وحي أمها يعني: أنها كريمة النسب من جهة أبيها ومن جهة أمها، خلو: أي لا زوج لها، كما هي: أي بكر كما هي خلقتها الأولى.

انظر: "خزانة الأدب" 1/ 455، و"شرح أبيات سيبويه" للسيرافي 1/ 273.]]:

وقائلة خولان فانكح فتاتهم [[اهـ. كلام أبي إسحاق الزجاج. انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 407. وقد نقله الواحدي بالمعنى كما أشار لذلك بقوله: وهذا الذي ذكرته معنى قول أبي إسحاق.]]

أي: هؤلاء خولان، وهذا الذي ذكرته معنى قول أبي إسحاق مع شرح أبي علي [["الإغفال".]]، وقال غيره: يجوز أن يكون محل ﴿ذَلِكُمْ﴾ نصبًا بذوقوا، كما تقول: زيدًا فاضربه [[ممن جوز ذلك الزمخشري في "الكشاف" 2/ 148، وأبو البقاء في "التبيان" ص 406. وقد بين أبو حيان ضعف هذا الوجه، انظر:"البحر المحيط" 4/ 472.]].

وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ﴾، قال الفراء: إن شئت جعلت ﴿أَن﴾ رفعًا بالعطف على ﴿ذَلِكُمْ﴾ [["معاني القرآن" للفراء 1/ 405 بالمعنى.]]، وهو قول أبي إسحاق، قال: المعنى: الأمر ﴿ذَلِكُمْ﴾ والأمر ﴿وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [[نص كلام الزجاج: المعنى: الأمر ذلكم وأن الله، والأمران الله موهن، و"معاني القرآن وإعرابه" 2/ 407.]]، قال الفراء: ويجوز أن [عمرًا قائمًا، بل يلزمه أن يقول مبتدئًا: عمرًا منطلقًا؛ لأن المخبر مُعلم، ولا [[في "معاني القرآن وإعرابه": ولكنه لم يجز.]] يجوز إضمار (اعلم)] [[ما بين المعقوفين ساقط من (س).]] هاهنا؛ لأن كل كلام تخبر به فأنت مُعلم [[زاد محقق "معاني القرآن وإعرابه" بعد هذه الكلمة لفظ: به.]]، فاستغنى عن إظهار العلم [[في "معاني القرآن وإعرابه": أو.]] وإضماره، وهذا القول لم يقله أحد من النحويين [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 408.]].

ومعنى الآية وعيد للكافرين بعذاب النار بعد ما نزل بهم من ضرب [[في (ح): (ضروب).]] الأعناق وكل بنان.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском