Al-Wahidi (al-Basit)Al‑Anfal · 8:53–59

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Al-Anfal 8:53–59

8:53Page 184

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمۡ يَكُ مُغَيِّرٗا نِّعۡمَةً أَنۡعَمَهَا عَلَىٰ قَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٥٣

That is because Allāh would not change a favor which He had bestowed upon a people until they change what is within themselves. And indeed, Allāh is Hearing and Knowing.

قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً﴾ الآية، (ذلك) إشارة إلى ما تقدم من أخذ الله بالعذاب لمن كفر بآيات الله، فـ (ذلك) ابتداء وخبره ﴿بِأَنَّ اللَّهَ﴾ وهو كما تقول: العقاب بذنوب العباد.

وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً﴾ الآية، أكثر النحويين يقولون: إنما حذفت النون لأنها تشبه بما فيها [[في (س): (بما قبلها)، وهو خطأ.]] من الغنة حروف اللين، ووقعت طرفًا فحذفت تشبيهًا بها كما تقول: لم يدع، ولم يرم، ولم يك [[انظر: "كتاب سيبويه" 4/ 184، و"حاشية الصبان" 1/ 245.]].

وهذا ينتقض بقولهم: لم يزن، ولم يخن، ولم يسمع حذف النون في مثل هذا الموضع إلا من (كان) ، وذلك أن (كان) و (يكون) أم الأفعال، من أجل أن [[ساقط من (ح).]] كل فعل فيه معنى (كان) على ما تصرف منه، ففي (ضرب) معنى: كان ضربٌ، وفي (يضرب) معنى: يكون ضربٌ، فلما قويت بأنها أم الأفعال، وكثر استعمالها للحاجة إليها احتملت هذا الحذف، ولم تحتمله نظائرها، وهذا تعليل ذكره علي بن عيسى النحوي [[لم أقف على هذا القول في كتب الرماني المطبوعة، ولعله في شرحه لكتاب سيبوبه وهو لا يزال مخطوطًا ، ولم أتمكن من الاطلاع عليه.]]، وسنذكر تمام هذه المسألة في سورة هود عند قوله: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ﴾ [هود: 109] إن شاء الله تعالى [[انظر: النسخة (ح): 3/ 45 ب، حيث قال: (لا تك): أصلها لا تكن، وإنما حذفت النون عند سيبويه لكثرة استعمال هذا الحرف، قال أبو إسحاق في قوله: (ولم يك من المشركين): ذكر الحيلة من البصريين أنه اجتمع فيها كثرة الاستعمال ومع ذلك أشبهت النون حروف اللين بأنه تكون علامة كما تكون حروف اللين علامة، وأنها غنة تخرج من الأنف؛ فلذلك حملت الحذف.]].

قال الكلبي: إن الله تعالى أطعم أهل مكة من جوع وآمنهم من خوف وبعث إليهم محمدًا رسولاً، وكان هذا كله مما أنعم عليهم، ولم يكن يغير عليهم ذلك لو لم يغيروا هم، وتغييرهم كفرانها، وترك شكرها، فإذا غيروا ذلك غير الله ما بهم فسلبهم النعمة، وأخذهم بالعقاب [[رواه مختصرًا الثعلبي 6/ 68 أ، وذكر السمرقندي 2/ 22 طرفًا منه.]]، وقال السدي: نعمة الله: محمد عليه السلام أنعم به على قريش فكفروا به وكذبوه فنقله إلى الأنصار [[رواه ابن جرير 10/ 24، وابن أبي هاشم 5/ 1718، والثعلبي 6/ 68 أ، والبغوي 3/ 369.]].

فعلى هذا هم غيّروا هذه النعمة عليهم بمحمد ﷺ بتكذيبهم وقصدهم قتله، فغير الله عليهم ما أعطاهم من نعم الدنيا وأخذهم بعذاب الآخرة.

وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، قال ابن عباس: يريد: سميع لقولكم، عليم بنياتكم [[في "تنوير المقباس" ص 184: (سميع) لدعائكم (عليم) بإجابتكم.]].

8:54Page 184

كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَۚ وَكُلّٞ كَانُواْ ظَٰلِمِينَ ٥٤

[Theirs is] like the custom of the people of Pharaoh and of those before them. They denied the signs of their Lord, so We destroyed them for their sins, and We drowned the people of Pharaoh. And all [of them] were wrongdoers.

قوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ يجوز أن تكون الكاف متعلقة بمحذوف قبلها كما ذكرنا في الأولى، ويجوز أن تتعلق بما بعدها وهو قوله: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ يعني: أهل مكة كذبوا بآيات ربهم كصنيع آل فرعون في التكذيب بما جاء به موسى، ثم قال: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ فذكر عقوبة الفريقين لما شبّه فعل أحدهما بفعل الآخر، ثم قال: ﴿وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ يعني آل فرعون وأهل مكة، والمفسرون على أن قوله: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ من فعل آل فرعون والذين من قبلهم [[انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 24، والثعلبي 6/ 68 أ، وابن الجوزي 3/ 371.]]، قال ابن عباس: يريد: الذين كذبوا قبل قوم فرعون [[لم أقف عليه.]]، والوجه الأول [[وهو أن المراد بالمكذبين هم أهل مكة، وعطف قوله تعالى: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ على قوله: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ يدل على أن المكذبين المهلكين هم آل فرعون ومن قبلهم لا أهل مكة، ثم شبه أهل مكة بهم في التكذيب والعذاب.]] صحيح مرضي قوي، ويمكن أن يحمل عليه الأول من قوله: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا﴾ [[الأنفال: 52. والمعنى على هذا الرأي: حال أهل مكة كحال الأمم السابقة؛ إذ كفر أهل مكة فعوقبوا كحال السابقين.

والذي عليه المفسرون أن الكفر من صفة آل فرعون ومن قبلهم وشبه بهم أهل مكة. انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 23، والسمرقندي 2/ 22 ، وابن الجوزي 3/ 370.]] الآية.

8:55Page 184

إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٥٥

Indeed, the worst of living creatures in the sight of Allāh are those who have disbelieved, and they will not [ever] believe-

قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ﴾، قال ابن عباس: يريد: الإنس خاصة [[في "تنوير المقباس" ص 284: (الخلق والخليقة) اهـ. وفي "لسان العرب" (دبب): الدابة اسم لما دب من الحيوان، مميزة وغير مميزة، وقد غلب هذا الاسم على ما يركب من الدواب.]]، ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: في معلوم الله وفي حكمه، ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ معنى (الفاء) في (فهم) عطف جملة على جملة، وكلاهما من صلة (الذين)، كأنه قيل: كفروا مصممين على الكفر فهم لا يؤمنون [[انظر: "البرهان" للحوفي 11/ 89 أ.]].

قال سعيد بن جبير ومقاتل: نزلت هذه الآية في يهود قريظة [[رواه بمعناه أبوالشيخ عن سعيد كما في "الدر المنثور" 3/ 347، وانظر: قول مقاتل في "تفسيره" ص 123 أ.]]، وكذلك مما بعدها من قوله: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ﴾، قال أبو بكر بن عبدس [[هكذا في (ح) و (س) وفي (م): عياش، وكلاهما خطأ، والصواب: عبدوس، كما في "تفسيرالثعلبي" 6/ 68 أ.

وهو: الإمام أبو بكر محمد بن أحمد بن عبدوس النيسابوري النحوي الفقيه، من شيوخ الحاكم أبي عبد الله، وله تفسير ذكره الثعلبي في مقدمة تفسيره، توفي سنة 396 هـ. انظر: "إنباه الرواة" 3/ 56، و"سير أعلام النبلاء" 17/ 57.]]: يريد: عاهدتهم، و (من) صلة [[ذكره عنه الثعلبي 6/ 68 أ، وضعف هذا القول أبو حيان في "البحر المحيط" 4/ 508.]]، وقال غيره [[هو: أبو سهل محمد بن محمد بن الأشعث، كما في "تفسير الثعلبي" 6/ 68 أ، وضعف هذا القول أبو حيان في "البحر المحيط" 4/ 508.]] دخلت (من) لأن المعنى: أخذت منهم العهد.

ويمكن أن تجعل (من) للتبعيض [[انظر: "زاد المسير" 3/ 372.]]؛ وذلك أن المعاهدة إنما تكون مع أشرافهم.

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾، قال بعض أهل المعاني [[هو: الحوفي في "البرهان" 11/ 89 أ.]]: إنما عطف المستقبل على الماضي للبيان أن من شأنهم نقض العهد مرّة بعد مرّة، قال ابن عباس [[ذكره بنحوه السمرقندي 2/ 23.]]، والكلبي [[رواه مختصرًا البغوي 3/ 369.]]، ومجاهد [[رواه بمعناه ابن جرير 10/ 25، وابن أبي حاتم 5/ 1719، وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 347.]]، وسعيد ابن جبير [[رواه بمعناه أبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 347.]]، ومقاتل [[انظر: "تفسيره" 123 أ.]]: هم قريظة نقضوا عهد رسول الله ﷺ وأعانوا عليه مشركي مكة ثم اعتذروا وقالوا: أخطأنا ونسينا فعاهدهم ثانية فنقضوا العهد يوم الخندق، فذلك قوله: ﴿ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾، قال ابن عباس: يريد: لا يخافون النقمة مني [[في "تنوير المقباس" ص 184 (وهم لا يتقون): عن نقض العهد.]].

وقال أهل المعاني: نقضوا العهد من غير أن يتقوا عقاب الله في عاجل أمرهم وآجله [[هذا قول الحوفي في "البرهان" 11/ 89 ب.]].

8:56Page 184

ٱلَّذِينَ عَٰهَدتَّ مِنۡهُمۡ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهۡدَهُمۡ فِي كُلِّ مَرَّةٖ وَهُمۡ لَا يَتَّقُونَ ٥٦

The ones with whom you made a treaty but then they break their pledge every time, and they do not fear Allāh.

No commentary for this ayah

8:57Page 184

فَإِمَّا تَثۡقَفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡحَرۡبِ فَشَرِّدۡ بِهِم مَّنۡ خَلۡفَهُمۡ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ ٥٧

So if you, [O Muḥammad], gain dominance over them in war, disperse by [means of] them those behind them that perhaps they will be reminded.1

قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ﴾، قال الليث: ثقفنا فلانًا في موضع كذا أي: أخذناه، ومصدره: الثقف [["تهذيب اللغة" (ثقف) 1/ 489، والنص في كتاب "العين" (ثقف) 5/ 138 مختصرًا.]]. وقال ابن دريد: ثقفت الشيء: حذقته، وثقفته: إذا ظفرت به [["جمهرة اللغة" لابن دريد (ثقف) 1/ 429، و"تهذيب اللغة" (ثقف) 1/ 489.]]، واحتج بالآية، ونحو هذا قال ابن قتيبة: تظفر بهم [["تفسير غريب القرآن" ص 179.]]، وقال الزجاج: تصادفنهم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 420.]]. وأصله: الإدراك بسرعة، قال مقاتل: فإن أدركتهم في القتال وأسرتهم [["تفسير مقاتل" ص 123 ب مع اختلاف يسير.]].

وهذا الحرف مما تكلمنا فيه عند قوله: ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ في سورة البقرة [[الآية 191، وانظر النسخة الأزهرية 1/ 118 ب، حيث قال: (ثقفتموهم: قال الليث: ثقفنا فلانًا في موضع كذا: أي أخذناه، ومصدره الثقف، وقال الفراء في "المصادر": ثقف يثقف ثقفًا، وربما ثقل فقيل: ثقفًا، قال المفسرون: أي حيث وجدتموهم، وقال الزجاج: معنى الآية: لا تمتنعوا من قتلهم في الحرم وغيره.]].

وقوله تعالى: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ معنى التشريد في اللغة: التفريق على اضطراب، يقال: شرد يشرد شرودًا، وشرّده تشريدًا [[قال ابن فارس: (شرد) الشين والراء والدال أصل واحد وهو يدل على تنفير وإبعاد، وعلى نفار وبعد في انتشار. "معجم مقاييس اللغة" (شرد) 3/ 269.]]، ومعنى قوله: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ ما قاله الزجاج وهو: إفعل بهم فعلًا تفرق به [[في (م): (بهم).]] من خلفهم [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 420.]] ثم اختلفوا في ذلك الفعل الذي يفعل بهم، فقال عطاء: أثخن فيهم القتل حتى يخافوك غيرهم من أهل مكة وأهل اليمن [[رواه الثعلبي 6/ 68 ب.]]، وقال ابن عباس: نكل بهم تنكيلًا يشرد غيرهم من ناقضي العهد [[ذكره ابن الجوزي 3/ 373، ورواه ابن جرير 10/ 25 - 26، وابن أبي حاتم 5/ 1719 بلفظ: نكل بهم من بعدهم.]]، وجميع ما قيل في هذا يعود معناه إلى هذا القول [[اختلاف المفسرين في ذلك الفعل إنما هو اختلاف تنوع وتمثيل، وإذا تبين لنا أن هذه الآية نزلت في بني قريظة فالأولى تفسير التشريد بما فعل رسول الله ﷺ فيهم من قتل مقاتليهم وسبي ذراريهم ونسائهم؛ وذلك لأمرين:

أ- أن فعل رسول الله ﷺ امتثال لأمر ربه وهو أعلم بمراده

ب- أن سعد بن معاذ لما حكم فيهم بأن تقتل المقاتلة وأن تسبى الذرية والنساء قال رسول الله ﷺ: "قضيت بحكم الله". رواه البخاري (3804) كتاب: المناقب، باب: مناقب سعد بن معاذ، ومسلم (1768) كتاب: الجهاد، باب: جواز قتال من نقض العهد، والظاهر أن حكم الله هو المذكور في هذه الآية.]]، ولقد أوجز من قال: فرق جمع كل ناقض بما تبلغ من هؤلاء [[ذكره الثعلبي 6/ 68 ب دون ذكر قائله، وروى ابن جرير 10/ 26، عن ابن زيد لفظا مقاربًا ونصه: أخفهم بما تصنع بهؤلاء.]]، وقال مقاتل: فنكل بهم من بعدهم من العدو وأهل عهدك ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ النكال فلا ينقضون العهد [["تفسير مقاتل" 123 ب.]].

ومعنى نكل بهم: أي افعل بهم فعلًا ينكل غيرهم عنك بسبب ذلك الفعل خوفًا منك، وقال صاحب النظم: معنى ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ اقتلهم ليخافوك غيرهم فيتفرقوا عنك، وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ معنى راجع إلى (مَنْ خَلْفَهُم)؛ لأنهم إذا قتلوا فليس لذكر قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ معنى، فهو منظوم بقوله: ﴿مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ والتأويل: فشرد بقتلهم والإنكاء [[الإنكاء: إكثار الجراح والقتل في العدو حتى يهن ويضعف. انظر: "لسان العرب" (نكي) 8/ 4545، وفي (س): والإنكال، وهو خطأ.]] فيهم (مَنْ خَلْفَهُم) أي من بعدهم، يكن ذلك تخويفًا وعظة لهم، وهذا معنى قول ابن عباس: ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ لكي يتعظوا [[رواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 184 بنحوه.]].

8:58Page 184

وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوۡمٍ خِيَانَةٗ فَٱنۢبِذۡ إِلَيۡهِمۡ عَلَىٰ سَوَآءٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡخَآئِنِينَ ٥٨

If you [have reason to] fear from a people betrayal, throw [their treaty] back to them, [putting you] on equal terms.1 Indeed, Allāh does not like traitors.

قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً﴾، قال ابن عباس: يريد: تعلمن [[المصدر السابق، نفس الموضع.]]، وقد ذكرنا الخوف بمعنى العلم عند قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا﴾ [البقرة: 229] وقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: 34] [[قال في هذا الموضع: (إلا أن يخافا: أي يعلما، وإنما كان الخوف بمعنى العلم؛ لأن الخوف مضارع للظن، وحكى الفراء: العرب تقول للرجل: قد خرج غلامك بغير إذنك، فيقول له: قد خفت ذاك، يريد: قد ظننته وتوهمته ..).]].

ومعنى (خيانة) أي نقضًا للعهد، وقوله تعالى: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾، قال الزجاج: أي انبذ عهدهم الذي عاهدتهم [[في (ح) و (س): (عاهدتم)، وهو خطأ.]] عليه، أي: ارم به إليهم، ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي: لتكون أنت وهم سواء في العداوة [[اهـ. كلام الزجاج. انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 420.]]؛ فلا يتوهموا أنك نقضت العهد بنصب الحرب، وقال ابن قتيبة: يقول: إن كان بينك وبين قوم هدنة وعهد فخفت منهم خيانة ونقضًا فأعلمهم أنك قد نقضت ما شرطت لهم، وآذنهم بالحرب لتكون أنت وهم في العلم بالنقض على استواء [["تأويل مشكل القرآن" ص 21.]].

هذا معنى الآية، فأما حكمها فإن حملنا الخوف على العلم كما ذكره ابن عباس فلا إشكال فيه، والإمام إذا علم الخيانة ونقض العهد ممن هادنهم من المشركين بأمر ظاهر مستفيض استغنى عن نبذ العهد وإعلامهم بالحرب لأنه حينئذ لا يكون خائنًا إذا ناصبهم الحرب، وإن علم الخيانة بأمارات ظاهرة تلوح وتتضح له من غير أمر مستفيض، فحينئذ يجب على الإمام أن ينبذ العهد إليهم، وهذا هو [[ساقط من (ح).]] المعني بالآية.

قال المفسرون وأهل العلم [[انظر: "الطبري" 10/ 27، والزمخشري 2/ 165، والبغوي 3/ 370، و"المغني" 13/ 158، والنص للحوفي في "البرهان" 11/ 94 إلى قوله: وإذا اشتهرت.]]: إذا ظهرت آثار الخيانة من عدوك وخفت وقوعهم بك فألق إليهم السلم وآذنهم بالحرب، وذلك كالذي كان من قريظة إذ أجابوا [[في (ح): (جابوا).]] أبا سفيان ومن معه من المشركين إلى مظاهرتهم على رسول الله ﷺ بعد العهد الذي كانوا عاهدوه، فكان ذلك موجبًا لرسول الله ﷺ خوف الغدر منهم به وبأصحابه، وكذلك الحكم في كل قوم كانوا أهل موادعة للمؤمنين ظهر للإمام منهم من دلائل الغدر مثل الذي ظهر لرسول الله ﷺ من قريظة، فحق على الإمام أن ينبذ إليهم على سواء ويؤذنهم بالحرب.

وإذا اشتهرت دلائل النقض أغنت عن النبذ كما فعل رسول الله ﷺ بأهل مكة لما نقضوا العهد بقتل خزاعة وهم في ذمة النبي ﷺ لم [[في (ح): (ثم لم).]] يرعهم إلا جيش رسول الله ﷺ بمر الظهران، وذلك على أربعة [[في (ح): (أربع).]] فراسخ من مكة.

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾، قال ابن عباس: يريد الذين خانوا مع النبي ﷺ [["تنوير المقباس" ص 184 بمعناه.]]، وقال الزجاج: الذين يخونون في عهودهم [[في (م) و (س): (عهدهم).]] وغيرها [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 420 بتصرف.]].

8:59Page 184

وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوٓاْۚ إِنَّهُمۡ لَا يُعۡجِزُونَ ٥٩

And let not those who disbelieve think they will escape. Indeed, they will not cause failure [to Allāh].

قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾، قال الزجاج: معناه لا تحسبن من أفلت من هذا [[هكذا في جميع النسخ، وفي "معاني القرآن وإعرابه": هذه، قال ابن منظور: العرب: نقيض السلم، أنثى، ... وحكى ابن الأعرابي فيها التذكير .. قال: والأعرف تأنيثها. "لسان العرب" (حرب) 2/ 815 - 816]] الحرب قد سبق إلى الحياة [[في (م): (الخيانة).]] [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 421.]].

﴿إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد أنهم لا يعجزونني، وما أعجز عن خلقي، ولا أضعف [["تنوير المقباس" ص 184 بمعناه، وفي "البرهان" للحوفي 11/ 95 أ: لا يفوتون.]]، وقال ابن الأنباري: معنى الآية هو: أن أولئك الذين انهزموا من ذلك [[في "الوسيط" 2/ 468: (يوم بدر) بدلاً من قوله: (من ذلك الحرب). وانظر: التعليق السابق رقم (5).]] العرب أشفقوا من هلكة تنزل بهم في ذلك الوقت، [فلما لم [[ساقط من (ح).]] تنزل طغوا وبغوا، فقال الله عز وجل: لا تحسبن] [[نص ما بين المعقوفين في "زاد المسير" هو: فلما سلموا قيل: لا تحسبن ... إلخ.]] أنهم سبقونا بسلامتهم الآن فإنهم لا يعجزوننا فيما يستقبلون من الأوقات [[" الوسيط" 2/ 468، وذكره ابن الجوزي "زاد المسير" 3/ 374 باختصار.]].

وذكرنا فيما مضى أن الحسبان يقتضي مفعولين، ولا يجوز الاقتصار على أحدهما، إلا أن المفعول الثاني خبر عن الأول، والفعل الذي هو (حسبت) متعلق بما دلت عليه الجملة.

والآية بيان عن اقتدار الله عز وجل الذي لا ينفع معه حسبان للنجاة من العقاب، وأكثر القراء قرؤوا ﴿تَحْسَبَنَّ﴾ بالتاء [[وبها قرأ ابن كثير وشعبة، عن عاصم وأبو عمرو ونافع والكسائي ويعقوب وخلف. انظر: الغاية في القراءات العشر ص 162، و"تقريب النشر" ص 119، و"تحبير التيسير" ص 118.]] على مخاطبة النبي ﷺ و ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المفعول الأول، و ﴿سَبَقُوا﴾ المفعول الثاني، وموضعه نصب، والمعنى: لا تحسبن الذين كفروا سابقين، ومن قرأ بالياء [[وبذلك قرأ ابن عامر وحفص عن عاصم وأبو جعفر وحمزة. انظر: المصادر السابقة نفس المواضع.]] فقال أبو إسحاق: وجهها ضعيف عند أهل العربية [[وصف الزمخشري أيضًا هذه القراءة بأنها ليست نيرة، في "الكشاف" 2/ 165، وتضعيف قراءة متواترة يُعلم قطعاً أن رسول الله ﷺ تلقاها عن ربه وأقرأها أصحابه وهم أهل العربية، من خطل القول، سببه الغلو في أقيسة علماء اللغة، وقصور العلم عن الإحاطة بالأوجه القوية للقراءة، وقد ذكر الواحدي عدة أوجه لهذه القراءة وهناك أوجه أخرى منها:

أ- أن الفاعل ضمير يعود إلى المذكورين في الآية السابقة والتقدير: ولا يحسبن من خلفهم الذين كفروا سبقوا، وهذا اختيار أبي جعفر النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 682.

ب- أن الفاعل ضمير يعود للكفار لتقدم ذكرهم في قوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، وفي قوله: ﴿ثُمَّ يَنْقُضُونَ﴾، و ﴿لَا يَتَّقُونَ﴾، و ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾، ذكره مكي بن أبي طالب في "مشكل إعراب القرآن" ص 318.

ج - أن الفاعل محذوف يفهم من السياق والتقدير: ولا يحسبن حاسب أو أحد. انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 421، و"البحر المحيط" 4/ 510 - 511، و"التحرير والتنوير" 10/ 54.

وإذا تبين أن لهذه القراءة أكثر من وجه قائم على تقدير المحذوف، حسن التنبيه إلى أن أسلوب الحذف من الأساليب البلاغية العاليه لتذهب النفس في تقدير المحذوف كل مذهب لائق بالمقام.]]؛ إلا أنها جائزة على أن يكون المعنى: ولا يحسبن الذين كفروا أن سبقوا؛ لأنها في حرف ابن مسعود (أنهم سبقوا) [[ذكر هذه القراءة عنه، الزمخشري في "الكشاف" 2/ 165، وأبو حيان في "البحر" 4/ 510 - 511، ولم يذكرها ابن أبي داود في "المصاحف"، ولا ابن جني في "المحتسب" ولابن خالويه في "المختصر".]] فإذا كانت كذلك فهي بمنزلة قولك: حسبت أن أقوم، وحسبت أقوم، على حذف (أن)، ويكون أقوم وقام ينوب عن الاسم والخبر، هذا كلامه [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 421.]].

وحذف (أن) قد جاء في غير شيء [[يعني في أكثر من موضع.]] كقوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ [الزمر: 64]، قال سيبويه: حذف (أن) والمعنى: أن أعبد [[هذا القول مفهوم من عبارة سيبويه، حيث جعل الآية بمنزلة قول طرفة:

ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى

بعد بيان أن (أن) محذوفة في قوله (أحضر). انظر: "كتاب سبويه" 3/ 100، و"الحجة" 4/ 155، وضعف السيرافي هذا الوجه. انظر: "حاشية كتاب سيبويه" 1/ 452، ط/ بولاق.]].

وهو كثير في الشعر [[انظر بعض الأبيات في "الحجة" 4/ 156.]]، فإذا وجهته على هذا سد (أن سبقوا) مسد المفعولين؛ كما أن قوله: ﴿أحسبت الناس أن يتركوا﴾ [العنكبوت: 2] كذلك، وذكر أبو الحسن [[يعني الأخفش الأوسط، انظر قوله في: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 155، لم يذكره في كتاب "معاني القرآن".]] وجهًا آخر: وهو أنه أضمر فاعلًا [[في (م): (فاعلاً آخر).]] للحسبان، وجعل (الذين كفروا) المفعول الأول [[ساقط من (م).]]، وقال: التقدير: ولا يحسبن النبي الذين [[في (ح): (والذين)، وهو خطأ.]] كفروا، وذكر أبو علي وجهًا ثالثًا وقال: يجوز أن يكون أضمر المفعول الأول، التقدير: لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم أو إياهم سبقوا [["الحجة للقراء السبعة" 4/ 155.]].

وأكثر القراء على كسر (إن) [[هذه قراءة الجمهور، ولم يخالف إلا ابن عامر الذي قرأ بالفتح، انظر: "الغاية في القراءات العشر" ص 162، و"التبصرة في القراءات" ص 212، و"تقريب النشر" ص 119.]] في قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ وهو الوجه [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 157، و"حجة القراءات" لابن زنجلة ص 312، و"إعراب القراءات" لابن خالويه 1/ 230.]]؛ لأنه ابتداء كلام غير متصل بالأول، كقوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ [العنكبوت: 4] وتم الكلام ثم قال: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ فكما أن قوله: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ منقطع من الجملة التي قبلها، كذلك قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾.

وقرأ ابن عامر: (أنهم) بفتح الألف [[انظر التخريج السابق لقراءة الجمهور.]]، جعله متعلقًا بالجملة الأولى فيكون التقدير: لا تحسبهم سبقوا لأنهم لا يفوتون [[في (ح): (يقولون)، وهو خطأ.]] فهم [[في (س): (منها)، ولا معنى له.]] يجزون على كفرهم [[انظر هذا التوجيه في: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 158، و"حجة القراءات" ص 312.]].

وقال أبو عبيد: لا أعرف لفتح (أن) وجهًا إلا أن تجعل (لا) صلة، فتقول: لا تحسبن أنهم يعجزون [[ذكر بعض هذا القول الرازي في "تفسيره" 15/ 184 وأشار إليه النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 683، وأبو حيان في "البحر المحيط" 4/ 510، والسمين في "الدر المصون" 5/ 625.]]، قال ابن الأنباري: فتح (أن) بتكرير الفعل، التقدير: لا يحسبن الذين كفروا سبقوا لا يَحْسبُنَّ أنهم يعجزون، و (لا) توكيد للكلام، كقوله تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: 95] [[انظر: قول ابن الأنباري في "زاد المسير" 3/ 374 بنحوه.]].

وهذا الوجه من كون (لا) زيادة ذكره الفراء [["معاني القرآن" 1/ 415.]] وأبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 422، وقد ضعف أبو إسحاق الزجاج هذا الوجه، وعلل ذلك بقوله: لأن (لا) لا تكون لغوًا في موضع يجوز أن تقع فيه غير لغو.]] أيضًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском