Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Al-Anfal 8:60–64
8:60Page 184
وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ ٦٠
And prepare against them whatever you are able of power and of steeds of war1 by which you may terrify the enemy of Allāh and your enemy and others besides them whom you do not know [but] whom Allāh knows. And whatever you spend in the cause of Allāh will be fully repaid to you, and you will not be wronged.
قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الآية، قال الليث:] [[ما بين المعقوفين ساقط من (م).]] القوة: من تأليف قاف، وواو، وياء؛ فأدغمت الياء في الواو، ويقال: قوي الرجل يقوى قوة فهو قوي، وجمع القوة: قوى، قال تعالى: ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: 5] [["تهذيب اللغة" (قوى) 3/ 3070، وقد اختصر الواحدي القول وغيّر ترتيب بعض الجمل، والقول أيضًا في كتاب "العين" (قوي) 5/ 236 مختصرًا.]].
وقد يسمى ما يتقوى به على أمر قوة، كالذي في هذه الآية، قال ابن عباس: يريد السلاح والقسي [[القسي: جمع قوس والقوس معروفة، من آلات الرمي، انظر: "لسان العرب" (قوس) 6/ 3773.]] [["تنوير المقباس" ص 184، ولم يذكر القسي.]]، وقال مقاتل: السلاح والنشاب [[النشاب: النبل والسهام. انظر: "لسان العرب" (نشب) 7/ 4420.]] [["تفسير مقاتل" 123 ب، ولفظه: السلاح: وهي الرمي.]]، وروي أن النبي ﷺ قرأ على المنبر: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ فقال: "ألا إن القوة الرمي" ثلاثًا [[رواه مسلم (1917) كتاب: الإمارة، باب: فضل الرمي، وأبو داود (2513) كتاب: الجهاد، باب: في الرمي، والترمذي (3083) كتاب تفسير القرآن، سورة الأنفال، وأحمد 4/ 157 وغيرهم. انظر: "الدر المنثور" 3/ 349.]]، قال أهل التحقيق [[انظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 32، و"البرهان" للحوفي 11/ 96 أ.]]: الأولى أن يقال: هذا عام في كل ما يتقوى به على حرب العدو، ولا نخص شيئًا دون شيء [[الأولى أن يعطى تفسير رسول الله ﷺ مزية وخصوصية فيقال: إن الحديث دليل على فضل الرمي وأنه أعظم القوة، وأنكأ للعدو، وأجل ما يحقق النصر، فينبغي أن يخص بمزيد اهتمام، فهذا الحديث الآخر: "الحج عرفة" فهو يدل على أن هذا المذكور أفضل المقصود وأجله، ولا ينفي اعتبار غيره، وذهب الإمام النووي إلى الوقوف على ظاهر الحديث حيث قال: هذا تصريح بتفسيرها -يعني القوة- ورد لما يحكيه المفسرون من الأقوال سوى هذا. "صحيح مسلم بشرح النووي" 13/ 64، ومثله الشوكاني في "تفسيره" 2/ 466 حيث قال: والمصير إلى التفسير الثابت عن رسول الله ﷺ متعين.
وأقول: إن من يتأمل حال الحرب في عصرنا الحديث يشهد أن تفسير الرسول ﷺ القوة بالرمي من آياته التي تشهد أنه لا ينطق عن الهوى، فالقوة في هذا العصر تكاد تنحصر في الرمي.]]، فكل ما هو من آلة الغزو والجهاد فهو من جملة ما عني الله بقوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، كما روي ليث، عن مجاهد أنه رؤي مع [[هكذا في جميع النسخ، والصواب: معه، وفي "تفسير ابن جرير": لقي رجل مجاهدًا بمكة ومع مجاهد جوالق، وفي "تفسير ابن أبي حاتم" ومعه جوالق.]] جوالق [[الجوالق: بكسر الجيم واللام وبضم الجيم وفتح اللام وكسرها: وعاء. انظر == انظر: "القاموس المحيط" باب: القاف، فصل: الجيم ص 872.]]، وهو يتجهز للغزو فقيل: ما هذا؟ قال: هذا من القوة [[رواه بنحوه ابن جرير 10/ 30، من رواية رجاء بن أبي سلمة، أما رواية ليث فهي عند ابن أبي حاتم 5/ 1722 لكن بلفظ: القوة: ذكور الخيل.]].
وتفسير النبي ﷺ القوة بالرمي لا يدل على أن المراد بالقوة الرمي دون غيره من السيف والرمح، بل الرمي أحد معاني القوة، ولم يقل: هو الرمي دون غيره.
وتمام [[في (ح): (وتمام الله الخير)، وهو خطأ.]] الخبر: "ألا إن الله سيفتح لكم الأرض وستكفون المؤونة [[أي مؤونة القتال وتعب الجهاد. انظر: "تحفة الأحوذي" 8/ 474، وتطلق المؤونة أيضاً على النفقة كما في "لسان العرب" (مون) 7/ 4302، لكن السياق يدل على أن الأول هو المراد.]]، فلا يعجزن أحدكم أن يلهو بأسهمه" [[رواه الترمذي (3083) كتاب تفسير القرآن، باب: سورة الأنفال، وابن المنذر كما في "الدر المنثور" 3/ 348.
ورواه بنحوه مسلم (1918) في "صحيحه" كتاب الإمارة، باب: فضل الرمي.]].
وهذه الآية دليل على أن الاستعداد للجهاد بالنبل والسلاح وتعلم الفروسية والرمي فريضة، غير أنها من فروض الكفايات.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ ذكرنا في آخر سورة آل عمران أن أصل الرباط من مرابطة الخيل وهو ارتباطها بإزاء العدو [[انظر: "البسيط" آل عمران: 200.]]، وأكثر المفسرين على أن المراد برباط الخيل هاهنا: ربطها واقتناؤها للغزو، وهي من أقوى عدد الجهاد [[يعني في وقتهم.]]، وقد روي أن رجلاً قال لابن سيرين: إن فلانًا أوصى بثلث ماله للحصون، فقال ابن سيرين: يُشترى به الخيل فتربط في سبيل الله ويغزى عليها، فقال [[في (ج) و (س): (وقال).]]: الرجل أوصى للحصون. فقال: هي الخيل، ألم تسمع قول الشاعر [[البيت لأشعر الجعفي، انظر: "لسان العرب" (حصن) 3/ 903، و"شرح شواهد الكشاف" 4/ 404.]]:
ولقد علمت على تجنبى [[في "لسان العرب" (حصن) 3/ 903: توقي.]] الردى ... أن الحصون الخيل لا مدر [[في (ح): (مدن)، وهو خطأ.]] القرى [[ذكر الأثر الزمخشري في "الكشاف" 2/ 166 بلفظ مقارب، ولم يخرجه الزيلعي في كتابه "تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف".]]
وقال عكرمة: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ الإناث [[رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" كتاب الجهاد، باب: الخيل 12/ 483، وابن جرير 10/ 30، وأبو الشيخ والبيهقي في شعب الإيمان كما في "الدر المنثور" 3/ 349.]]، وهو قول الفراء، قال: يريد إناث الخيل [["معاني القرآن" 1/ 416.]].
ووجه هذا القول: أن العرب تسمي الخيل إذا ربطت بالأفنية وعُلّفت: رُبُطًا، واحدها: ربيط [[في (ج): (ربيطة).]]، وتجمع [[في (م): (والجمع).]] الرُّبُط رباطًا [[في (ج): (ربطًا).]]، وهو جمع الجمع [[انظر: "تهذيب اللغة" (ربط) 2/ 1346.]]، فمعنى الرباط هاهنا: الخيل المربوطة في سبيل الله، وفسر بالإناث لأنها أولى ما تربط لتناسلها ونمائها بأولادها، فارتباطها أولى من ارتباط الفحول.
وقوله تعالى: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [قال مجاهد] [[ساقط من (م) و (س).]]: قال ابن عباس: يريد: تخيفون به [[لفظ الرواية عن ابن عباس: (تخزون به). إذ بهذا اللفظ رواه الثوري في "تفسيره" ص 120، والطبري 10/ 30، عن مجاهد، عن ابن عباس، وكذلك رواه الثعلبي 6/ 69/ ب، والفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في "فتح القدير" للشوكاني 2/ 468، بل أشار ابن خالويه في كتابه "مختصر في شواذ القرآن" ص 50، والزمخشري في "الكشاف" 2/ 166 إلى أن ابن عباس ومجاهد كانا يقرآن: (تخزون به)، وقد ذكر الحوفي في "البرهان" 11/ 95 ب رواية ابن عباس بلفظ مقارب لما ذكره المؤلف ونصه: (تخوفون به).]].
والكناية تعود إلى (ما) في قوله: ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ويجوز أن تعود إلى الإعداد؛ لأن قوله: ﴿وَأَعِدُّوا﴾ يدل عليه.
وقوله تعالى: ﴿عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾، قال مجاهد ومقاتل: يعني: مشركي مكة وكفار العرب [[انظر قول مقاتل في: "تفسيره" 123 ب، ولفظه: كفار العرب، ورواه ابن أبي حاتم 5/ 1723 بلفظ: (من المشركين). ولم أجد فيما بين يدي من مراجع إشارة إلى قول مجاهد، ومن الجدير بالتنبيه أن تحديد الأعداء هنا وفي الموضع بعده إنما هو باعتبار ملابسات النزول وأسبابه، والعبرة بعموم اللفظ وصلاحيته لكل زمان ومكان.]].
وقوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾، قال مجاهد ومقاتل: يعني: قريظة [[رواه عن مجاهد الإمام ابن جرير 10/ 31، وابن أبي حاتم 5/ 1723، والثعلبي == 6/ 69 ب، والبغوي 3/ 373، وهو في "تفسير مجاهد" ص 357، ورواه عن مقاتل بهذا اللفظ البغوي 3/ 373، وفي "تفسير مقاتل" 123 ب، والسمرقندي 2/ 24، وابن الجوزي 3/ 375: اليهود.]].
وقال السدي: هم أهل فارس [[رواه ابن جرير 10/ 31، والثعلبي 6/ 69 ب، والبغوي 3/ 373.]]، وقال الحسن وابن زيد: هم المنافقون، لا تعلمونهم لأنهم معكم يقولون: لا إله إلا الله، ويغزون معكم [[رواه عنهما البغوي 3/ 373، ورواه عن ابن زيد الإمام ابن جرير 10/ 32 - 33، والثعلبي 6/ 69 ب، وذكره الهواري 2/ 103، عن الحسن مختصرًا.]]، قال الحسن: لا كل منافق علم به رسول الله ﷺ، قال: ونظير هذه الآية قوله: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [[التوبة: 101، ولم أقف على قول الحسن هذا.]]، ودل كلام ابن عباس في رواية عطاء على هذا المعنى فقال: يريد قومًا معه [[لم أقف على مصدره، وسبق أن رواية عطاء مكذوبة على ابن عباس.]]، وهذا يدل على أنه أراد المنافقين [[في (ح): (المنافقون).]].
وروى ابن جريج عن سليمان بن موسى [[هو: سليمان بن موسى الأشدق الدمشقي الأموي مولاهم، الإمام الكبير، ومفتي دمشق، وفقيه أهل الشام في زمانه، توفي سنة 119 هـ.
انظر: "التاريخ الكبير" 2/ 2/ 38، و"سير أعلام النبلاء" 5/ 433، و"تهذيب التهذيب" 2/ 111.]] قال: هم كفار الجن، قال: وبلغني أنه لا يقرب جني صاحب فرس أبدًا [[رواه بمعناه ابن المنذر كما في "الدر المنثور" 3/ 359 انظر: "تفسير الرازي" 15/ 186، وذكره الثعلبي 6/ 69 ب بلا نسبة.]]، وهذا التفسير مع هذا المعنى روي مرفوعًا، وهو أن النبي ﷺ قال: "إنهم الجن" [[رواه ابن أبي حاتم 4/ 15 أ، قال ابن كثير في "تفسيره" 2/ 335: وهذا الحديث منكر لا يصح إسناده ولا متنه.]] في [[ساقط من (ح) و (س).]] قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾ ثم قال: "إن الشيطان لا يخبل أحدًا في دارٍ فيها فرس عتيق" [[رواه الطبراني في "الكبير" 17/ 189 (506)، والحارث بن أبي أسامة وأبو يعلى وابن المنذر وابن قانع في "معجمه" وأبو الشيخ وابن منده والروياني في "مسنده"، وابن مردويه وابن عساكر كما في "الدر المنثور" 3/ 359، قال ابن كثير في "تفسيره" 2/ 356: وهذا الحديث منكر لا يصح إسناده ولا متنه.]].
قال بعض المفسرين [[هو الإمام ابن جرير، انظر "تفسيره" 10/ 32 - 33، وقد ذكر الواحدي قوله بمعناه.]]: وهذا القول هو الأولى بالصواب؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ ولا شك أن المؤمنين كانوا عالمين بعداوة قريظة وفارس، وأما المنافقون فلم تكن تروعهم [[في (ح): (تردعهم)، وما أثبته موافق لتفسير ابن جرير.]] خيل المؤمنين وسلاحهم [[إلى هنا انتهى قول ابن جرير، وفي قوله: أما المنافقون فلم تكن تروعهم خيل المؤمنين. نظر؛ لأن سبب النفاق قوة المؤمنين وضعف الكافرين الذين بين ظهرانيهم فيسترون كفرهم، ومتى ما شعروا بقوتهم وضعف المؤمنين انقضوا عليهم وأظهروا كفرهم.]]؛ لأنهم كانوا يعدون أنفسهم من جملتهم، ويؤكد هذا ما روي عن الحسن أنه قال: إن صهيل الخيل يرهب الجن [[ذكره الزمخشري 2/ 166، والرازي 15/ 186، لكن الزمخشري لم ينسبه للحسن.]]، ومع هذا فقول من قال: إنهم المنافقون قريب؛ لأنهم يُرهبون [[في (ح): (يرتبون)، وهو خطأ.]] بعدد المسلمين، ويوجسون الخليفة بظهورهم على عدوهم.
وقال قوم من أهل التأويل: هم كل عدو للمسلمين لا يعرفون عداوته [[ذكر هذا القول الماوردي في "تفسيره" 2/ 330، ونسبه لبعض المتأخرين، ورجحه القرطبي في "تفسيره" 8/ 38 فقال: لا ينبغي أن يقال فيهم شيء؛ لأن الله سبحانه قال: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾؛ فكيف يدعي أحد علمًا بهم، إلا أن يصح حديث جاء في ذلك عن رسول الله ﷺ وهو قوله في هذه الآية: "هم الجن"، قلت: والحديث لم يصح كما سبق بيانه، وهذا القول أعم الأقوال إذ يدخل فيه كل من لا يعلم المؤمنون عداوته كالمنافقين، والمتربصين بالمؤمنين الدوائر، والدول التي ظاهرها المسالمة، وباطنها العداء والمحاربة.]]
وقال المبرد [[في (ح): (المبرك).]]: في قوله: ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ﴾ اكتفى للعلم بمفعول واحد لأنه أراد: لا تعرفونهم [[انظر قول المبرد دون إنشاد البيت في: "المقتضب" 3/ 189.]]، وأنشد [[البيت للنمر بن تولب العكلي كما في "ديوانه" ص 395، و"شرح المفصل" ص 213، وكان وهب المذكور نازع النمر بن تولب الشاعر في بئر، فقال في ذلك قصيدة منها البيت المذكور وقبله:
يريد خيانتي وهب وأرجو ... من الله البراءة والأمانا]]:
فإن الله يعلمني ووهبًا ... وأنا سوف يلقاه كلانا
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، قال ابن إسحاق وغيره: من آلةٍ وسلاح وصفراء وبيضاء في طاعة الله: ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ [[لم أجد هذا القول لابن إسحاق، ونص قوله في "السيرة النبوية" 2/ 320، و"تفسير ابن جرير" 10/ 33: أي لا يضيع لكم عند الله أجره في الآخرة، وعاجل خلفه في الدنيا، وقال ابن جرير 10/ 33: في شراء آلة حرب من سلاح أو حراب أو كراع ... يخلفه الله عليكم. وانظر أيضًا "تفسير السمرقندي" 2/ 24.]]، قال ابن عباس: يريد: يخلف لكم [[ذكره بمعناه الرازي في "تفسيره" 15/ 187، والفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 184.]]، والمعنى: يوفر لكم أجره، أي: لا يضيع لكم عند الله أجره في الآخرة وعاجل خلفه في الدنيا.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾، قال ابن عباس: يريد: لا تنقصون من الثواب، وتلا قوله: ﴿آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: 33] [[ذكره الرازي في "تفسيره" 15/ 187.]].
8:61Page 184
۞ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلۡمِ فَٱجۡنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٦١
And if they incline to peace, then incline to it [also] and rely upon Allāh. Indeed, it is He who is the Hearing, the Knowing.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ الآية، قال النضر: جنح الرجل إلى فلان وجنح له: إذا تابعه وخضع له [[إلى هنا انتهى قول النضر بن شميل فيما نقله عنه الأزهري، وقد نقله الواحدي بمعناه، ونصه: جنح الرجل إلى الحرورية، وجنح لهم: إذ تابعهم وخضع لهم اهـ. وقد نسب الأزهري ما بعده مع الاستشهاد بالبيت المذكور إلى الليث، وهو بنصه في كتاب "العين" (جنح) 4/ 83 انظر: "تهذيب اللغة" (جنح) 1/ 665 - 666.]]، والرجل يجنح: إذا أقبل على الشيء يعمله بيده، وأنشد قول لبيد:
جنوح الهالكيّ على يديه ... مكبًا يجتلي [[في (م): (يحتكى).]] نقب النصال [[البيت في "ديوان لبيد" ص 105ن ونسب إليه أيضًا في "سيرة ابن هشام" 2/ 321، و"تهذيب اللغة" (جنح) 1/ 665، و"لسان العرب" (جنح) 2/ 697.
والهالكي: الحداد، نسبة للهالك بن عمرو الأسدي أول من عمل الحدادة من العرب، والنقب: الصدأ، انظر: "لسان العرب" (هلك) و (نقب).]]
وقال أبو زيد: جنح الرجل يجنح جنوحًا: إذا أعطى بيده، أو عدل إلى ما يحب القوم [["الحجة للقراء السبعة" 4/ 158 ، ولم أجده في كتاب "النوادر في اللغة" لأبي زيد.]].
والمفسرون وأهل المعاني قالوا في هذه الآية: إن مالوا إلى الصلح فمل إليه [[ساقط من (ح).]]، قال ابن الأنباري: [تأويل الآية] [[انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 191، و"تفسير ابن جرير" 10/ 33، و"معاني القرآن وإعرابه" 2/ 422، و"الحجة للقراء السبعة" 4/ 158، و"تفسير الثعلبي" 6/ 69 ب، والبغوي 3/ 373، والزمخشري 2/ 166.]]: وإن مالوا إلى المسالمة وترك القتال فمل إلى ذلك [[لم أقف عليه.]].
وأنث الهاء في (لها) لأنه قصد بها قصد (الفَعْلَة) و (الجنحة) كقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف: 153] أراد من بعد فَعْلَتهم، ويجوز أن تكون الهاء والألف للسلم في لغة من يؤنثه [[قال ابن فارس في "مجمل اللغة" (سلم) 2/ 468: السلم: الصلح يذكر ويؤنث اهـ.
وقال الزمخشري في "الكشاف" 2/ 166: والسلم تؤنث تأنيث نقيضها وهي الحرب.]]، أنشد أبو العباس [[هو: أحمد بن يحيى (ثعلب)، تقدمت ترجمته.]]، عن سلمة [[هو: سلمة بن عاصم النحوي الكوفي، أبو محمد، راوية الفراء وناشر كتبه، كان أديبًا فاضلًا عالمًا؛ مع ورعٍ شديد، وتأله عظيم، وكثرة عباده، توفي بعد سنة 270 هـ.
انظر: "مراتب النحويين" ص 149، و"إنباه الرواة" 2/ 56، و"طبقات القراء" لابن الجزري 1/ 311، و"بغية الوعاة" 1/ 596.]]، عن الفراء:
فلا تضيقن إن السلم واسعة ... ملساء ليس بها وعث ولا ضيق [[لم أعثر على قائله، وهو بلا نسبة في "المذكر والمؤنث" للفراء ص20، و"المذكر والمؤنث" لابن الأنباري 1/ 485، و"شرح القصائد السبع" ص 262، و"شرح المعلقات" للتبريزي ص 168، و"اللمع" لابن جني ص 310.]] والقولان للفراء [[قال الفراء في "معاني القرآن" 1/ 416: (فاجنح لها): إن شئت جعلت (لها) كناية عن السلم لأنها مؤنثة، وإن شئت جعلته للفعلة كما قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ولم يذكر قبله إلا فعلاً، فالهاء للفعلة.]] ذكرهما أبو بكر، قال: وأما قوله: (لها) وهو يريد: إليها؛ فلأن (اللام) تنوب عن (إلى)، و (إلى) عنها، وأنشد [[أنشد أبو بكر البيت في "المذكر والمؤنث" 1/ 486، ولم يذكر ما قبله في هذا الكتاب.]]:
ومكاشح لولاك أصبح جانحًا ... للسلم يرقى حَيّتي وضِبابي [[البيت لإبراهيم بن هرمة كما في "ديوانه" ص 70.
والمكاشح: المضمر العداوة. ومعنى يرقى: يتعوذ. والضباب: قال في "لسان العرب" (ضبب) 4/ 2543 الضَّب والضَّب: الغيظ والحقد، وقيل: هو الضغن والعداوة، وجمعه ضباب، قال الشاعر:
فما زالت رقاك تسل ضغني ... وتخرج من مكامنها ضبابي
والمعنى: لولا المخاطب لجنح الخصم للسلم ومال إليه، وصار يتودد للشاعر ليسل غيظه وحقده.]]
والكلام في السلم قد مضى في سورة البقرة [208].
قال مجاهد [[رواه ابن جرير 10/ 34 وابن أبي حاتم 5/ 1725، والثعلبي 6/ 70 أ، وهو في "تفسير مجاهد" ص 357.]]، والكلبي [["الوسيط" 2/ 469، ورواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 184 عنه، عن ابن عباس.]] في قوله: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾: يعني: قريظة. وقال الحسن: يعني: المشركين وأهل الكتاب [[ذكره هود بن محكم "تفسيره" 2/ 102 دون ذكر أهل الكتاب، وكذلك المصنف في "الوسيط" 2/ 469.]].
وأكثر المفسرين على أن هذا منسوخ [[لعله يعني مفسري السلف وقد ذهب كثير من المتأخرين إلى أنها محكمة كابن جرير 10/ 34، والسمرقندي 2/ 24، والزمخشري 2/ 166، وابن كثير 2/ 356 وغيرهم؛ لإمكان الجمع بين الآيات فالمشركون يقاتلون كافة حتى يجنحوا إلى السلم، ولا يجوز للمسلمين أن يبدؤا بطلب الصلح ابتداءً وقت قوتهم وعلوهم، ومال بعضهم إلى القول بالنسخ كالكيا الهراسي في "أحكام القرآن" 3/ 165، والثعلبي 6/ 69/ ب، والبغوي 3/ 373 إذ لم يذكروا غير القول به، وجوّزه ابن الجوزي 3/ 376 بناءً على من أريد بهذه الآية، ويحسن التنبيه إلى ما سبق بيانه إلى أن اصطلاح السلف في النسخ أوسع من اصطلاح المتأخرين فلا ينبغي الاغترار به، والحكم على رفع حكم الآية من جميع الوجوه بناءًا عليه، وانظر في القول بنسخ هذه الآية: "تفسير الطبري" 10/ 34، و"الإيضاح" لمكي ص 259، و"تفسير ابن كثير" 2/ 356 - 357، و"النسخ في القرآن الكريم" 1/ 566.]] وهو قول قتادة [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 1/ 361، وابن جرير 10/ 34، وابن أبي حاتم 5/ 1725، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" 2/ 385.]]، وعكرمة [[رواه ابن جرير وابن أبي حاتم في الموضعين السابقين.]]، والحسن [[انظر المصدرين السابقين، نفس الموضع، و"تفسير البغوي" 3/ 373.]]، وابن زيد [[رواه ابن جرير 1/ 34، وابن أبي حاتم، الموضع السابق.]] قالوا: نسخها قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 5]، وقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: 29]، ونحو ذلك روى عطاء الخرساني، عن ابن عباس [[رواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 194، وابن الجوزي في "الناسخ والمنسوخ" ص 347، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 5/ 1725 أ. والبيهقي في "السنن الكبرى" كتاب السير، باب: ما جاء في نسخ العفو عن المشركين 9/ 20، وانظر: "الدر المنثور" 3/ 360، وفي سنده عثمان بن عطاء الخرساني، ضعيف كما في "الكاشف" 2/ 222، ثم إن أباه لم يسمع من ابن عباس كما في "تهذيب التهذيب" 3/ 71 - 72.]]، وقال بعضهم [[لعله القشيري فقد نقل عنه القرطبي 8/ 40 بعض هذا القول، وهو صاحب تفسير كبير اسمه: "التيسير في التفسير"، فرغ منه قبل عام 410 هـ، ووصف بالجودة. انظر: "معجم المفسرين" 1/ 300، وانظر: معنى هذا القول في كتاب "الأم" 4/ 236، 269، 270.]]: الآية غير منسوخة ولكنها تتضمن الأمر بالصلح إذا كان الصلاح فيه، فإذا رأى الإمام مصالحتهم والقوة [[في (ج): (والعزة).]] للمسلمين فلا يجوز أن يهادنهم سنة كاملة، إذ لا يجوز أن تمضي سنة كاملة ولا يكون للإمام فيها غزوة إما بنفسه وإما ببعض سراياه، وإن كانت القوة -والعياذ بالله- للمشركين جاز مهادنتهم عشر سنين، [ولا تجوز الزيادة عليها [[انظر: أحكام الصلح مع الكفار في كتاب "الأم" 4/ 268 - 272، و"المغني" 13/ 155 - 163، و"الجامع لأحكام القرآن" 8/ 39 - 41.]]، اقتداء برسول الله ﷺ فإنه هادن أهل مكة عشر سنين [[روى ذلك الإمام أحمد 4/ 325 في ثنايا قصة صلح الحديبية، وكذلك ابن إسحاق في "السيرة" 3/ 366، وأصل القصة في "الصحيحين"، و"صحيح البخاري" (4180)، (4181) كتاب: المغازي، باب: غزوة الحديبية 5/ 258، و"صحيح مسلم" كتاب الجهاد، باب: صلح الحديبية 3/ 1409 (1783).]]] [[ساقط من (س).]]، ثم إنهم نقضوا العهد قبل كمال المدة [[انظر: "السيرة النبوية" 4/ 10.]].
وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ قال مجاهد: وثق بالله [[لم أقف عليه، وقد ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 469، والسمرقندي في "تفسيره" 2/ 24 بلا نسبة.]]، ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قال عطاء: يريد لقولكم ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما في قلوبكم من الوفاء، وقلوبهم من النقض [[لم أقف عليه، وقد ذكر في المصدرين السابقين، الموضوع نفسه، بلا نسبة.]].
8:62Page 185
وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٦٢
But if they intend to deceive you - then sufficient for you is Allāh. It is He who supported you with His help and with the believers
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ﴾، قال الكلبي: أي بالصلح لتكف عنهم [[رواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 185 عنه، عن ابن عباس مختصرًا.]]، وقال أبو إسحاق: أي: إن أرادوا بإظهار الصلح خديعتك ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ أي: فإن الذي يتولى كفايتك الله [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 422.]].
﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ يريد: قواك وأعانك بنصره يوم بدر، قاله الكلبي [[رواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 185 عنه، عن ابن عباس.]] وغيره [[هذا أيضًا قول مقاتل في "تفسيره" ص 123/ ب، وانظر: "تفسير ابن جرير" 10/ 35، و"زاد المسير" 3/ 376.]].
﴿وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن عباس وغيره: يعني الأنصار [[رواه ابن مردويه، عن ابن عباس، كما في "الدر المنثور" 2/ 357، ورواه ابن جرير 10/ 35، والثعلبي 6/ 70 أ، عن السدي، وهو قول مقاتل كما في "تفسيره" 123 ب، وابن جرير، الموضع السابق، والسمرقندي 2/ 24.
وقد يقال: أي حاجة مع نصر الله لنصر المؤمنين؟
فالجواب: إن النصر والتأييد كله من الله تعالى، لكنه على قسمين:
أحدهما: ما يحصل من غير واسطة أسباب معلومة معتادة.
والثاني: ما يحصل بواسطتها.
فالأول هو المراد من قوله: ﴿أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾، والثاني هو المراد بقوله: ﴿وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾.
انظر: "تفسير الرازي" 15/ 189.]]، وهذا بيان عما ينبغي أن يكون عليه المحق من الثقة بالله إذا خاف مكر المبطل به في أن يكفيه شر كيده لئلا يضطرب أمره في تدبيره.
8:63Page 185
وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٦٣
And brought together their hearts. If you had spent all that is in the earth, you could not have brought their hearts together; but Allāh brought them together. Indeed, He is Exalted in Might and Wise.
قوله تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾، قال الليث: كل شيء ضممت بعضه إلى بعض فقد ألفته تأليفًا [[كتاب "العين" (ألف) 8/ 336.]]، وقال غيره [[هو: الحوفي في "البرهان في علوم القرآن" 11/ 101 ب، وقد اختصر المؤلف قوله.]]: التأليف: جمعٌ على تشاكل، ولهذا قيل: هذه الكلمة تأتلف مع هذه ولا تأتلف مع تلك، قال ابن عباس والمفسرون: يعني بين قلوب الأوس والخزرج وهم الأنصار [[رواه ابن مردويه، عن ابن عباس والنعمان بن بشير، كما في "الدر المنثور" 3/ 362، ورواه ابن جرير 10/ 35 - 36، عن السدي وبشير بن ثابت وابن إسحاق، كلهم بمعناه وهو قول الفراء 1/ 417، والثعلبي 6/ 70/ أ، والبغوي 3/ 474 وغيرهم.]].
وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾، قال عطية: يعني للعداوة التي كانت بينهم [[لم أقف عليه، وقد ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 469 بلا نسبة.]]، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾، قال ابن عباس: يريد: إن قلوبهم بيده يؤلفها كيف شاء [["تنوير المقباس" ص 185 بمعناه.]]، ﴿إِنَّهُ عَزِيزٌ﴾ أي: قدير لا يمتنع عليه شيء ﴿حَكِيمٌ﴾ عليم بما يفعله [[تفسير الحكمة بالعلم معروف في اللغة.
قال الجوهري: الحكيم: العالم وصاحب الحكمة. انظر: "الصحاح" (حكم) 5/ 1901، والمشهور في معنى الحكمة: وضع الأشياء في مواضعها من الإتقان، قال ابن الأثير في "النهاية" (حكم) 1/ 418: الحكيم: فعيل بمعنى فاعل، أو هو الذي يحكم الأشياء ويتقنها فهو فعيل بمعنى مفعل، وقال ابن جرير 1/ 558: الحكيم: الذي لا يدخل تدبيره خلل ولا زلل.]].
قال أبو إسحاق: أعلم الله عز وجل أن تأليف قلوب المؤمنين من الآيات العظام، وذلك أن النبي ﷺ بعث إلى قوم أنفتهم شديدة، ونصرة بعضهم لبعض بحيث لو لطم رجل من قبيلة لطمة قاتل [[هكذا في جميع النسخ، وكذلك في "الوسيط" 2/ 469، باعتبار معنى القبيلة، وفي "معاني القرآن": فيقاتل عنه حتى يدرك ثأره، بالبناء للمجهول.]] عنه قبيلته حتى يدركوا ثأره؛ فألف الإيمان بين قلوبهم حتى قاتل الرجل أخاه وأباه وابنه، فأعلم الله عز وجل أن هذا ما تولاه منهم إلا هو [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 423، وقد نقل الواحدي قوله بتصرف واختصار.]].
8:64Page 185
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسۡبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٦٤
O Prophet, sufficient for you is Allāh and for whoever follows you of the believers.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، قال أهل المعاني: كرر في ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ بعد ما ذكر في قوله: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾؛ لأن المعنى هناك: إن أرادوا خداعك كفاك الله أمرهم، والمعنى هاهنا عام في كل كفاية تحتاج إليها [[لم أجد من ذكر هذا القول من أهل المعاني، وقد ذكره بمعناه الفخر الرازي 15/ 191، والقرطبي 8/ 42.]]. روى سعيد ابن جبير، عن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في إسلام عمر [[رواه المصنف في "أسباب النزول" ص 241 - 242، والطبراني في "المعجم الكبير" 12/ 60 (12470)، وأبو الشيخ وابن مردويه كما في "الدر المنثور" 3/ 362، وهو موضوع؛ إذ مداره على إسحاق بن بشر الكوهلي، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 101 (11032): هو كذاب اهـ. وقال ابن أبي هاشم في "الجرح والتعديل" 2/ 214 (734): كان يكذب، يحدث عن مالك وأبي معشر بأحاديث موضوعة.]]، وقال سعيد بن جبير: أسلم مع النبي ﷺ ثلاثة وثلاثون رجلاً وست نسوة ثم أسلم عمر فنزلت هذه الآية [[رواه الثعلبي 6/ 70 أ، والبغوي 3/ 374، وهو مرسل، ثم إن في سندهما إبراهيم == ابن نصر، قال ابن حجر في "تعجيل المنفعة" ص 22: كذبه ابن معين، وقال صالح جزرة: كان يكذب عشرين سنة، وأشكل أمره على أحمد حتى ظهر بعد، وقال النسائي: ليس بثقة، وذكره ابن حبان في الثقات. اهـ. باختصار.
وفي السند المذكور أيضًا جعفر بن أبي المغيرة، قال عنه الحافظ ابن حجر في "تقريب التهذيب" ص 141 (960): صدوق يهم، والأثر رواه ابن أبي حاتم 5/ 1728، وفي سنده جعفر المذكور، ويحيى الحماني: شيخ حافظ، لكنه متهم بسرقة الحديث كما في "تقريب التهذيب" ص 593 (7591).
وعلى فرض صحة السند فإن المتن لا يصح لما يأتي:
1 - قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" 2/ 358 معلقًا على هذه الرواية: وفي هذا نظر لأن هذه الآية مدنية وإسلام عمر كان بمكة بعد الهجرة إلى أرض الحبشة وقبل الهجرة إلى المدينة.
وقال أبو سليمان الدمشقي: هذا لا يحفظ، والسورة مدنية بإجماع. "زاد المسير" 3/ 377.
2 - أن الثابت تاريخيًا أن عدد المهاجرين إلى أرض الحبشة من المؤمنين ثلاثة وثمانون رجلاً سوى النساء والأبناء.
انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام 1/ 343 - 363 وإسلام عمر كان بعد هذه الهجرة.
3 - أن المعنى الصحيح للآية -كما سيأتي إيضاحه-: يا أيها النبي يكفيك الله ويكفي أتباعك، بينما هذا الأثر يقتضي أن يكون المعنى: يكفيك الله ويكفيك أتباعك من المؤمنين مثل عمر.
انظر: "تفسير السمرقندي" 2/ 25، وهذا المعنى فاسد كما سيأتي بيانه.]].
قال أهل التفسير فعلى هذا القول هذه الآية مكية كتبت في سورة مدنية بأمر رسول الله ﷺ [[هذا قول القشيري، كما في "تفسير القرطبي" 8/ 42، وانظر: "تفسير السمرقندي" 2/ 25، وابن عطية 6/ 362، والرازي 15/ 191.]]، وعن ابن عباس أيضًا: نزلت هذه الآية [بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال، قال: وسورة الأنفال كلها مدنية غير هذه الآية] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]]؛ فإنها نزلت بالبيداء [[الأرجح في تعريف المكي والمدني أن المكي ما نزل قبل الهجرة، والمدني ما نزل بعدها، سواء نزل بمكة أم بالمدينة أم بسفر من الأسفار. انظر: "الإتقان" 1/ 36، وعلى هذا فالآية مدنية أيضًا.]] [[ذكره مختصرًا الماوردي 2/ 331، والقرطبي 8/ 430، عن الكلبي، وذكره ابن عطية 6/ 362 بلا نسبة.]]. وقال مقاتل في قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني الأنصار [[لم أجد من ذكره عنه، وقد ذكر الأنصار في الآية السابقة مرتين، انظر "تفسيره" 123 ب. أما قوله في هذه الآية فنصه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ وحسب من اتبعك من المؤمنين الله عز وجل.]]، وقال عطاء، عن ابن عباس: يعني المهاجرين والأنصار [["تنوير المقباس" ص 185 بنحوه من رواية الكلبي، وكلا الروايتين موضوعتان.]].
واختلفوا في محل (من) في قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾. نحو اختلاف المفسرين فقال الفراء: الكاف في (حسبك) خفض و (من) في موضع نصب على معنى: يكفيك الله ويكفي من اتبعك، كما قال الشاعر:
إذا كانت الهيجا وانشقت العصا ... فحسبك والضحاك سيف مهند [[البيت لجرير كما قال البغدادي في "ذيل الأمالي" ص 140، وليس في "ديوانه"، وانظره بلا نسبة في: "خزانة الأدب" 7/ 581، و"سمط اللآلئ" 2/ 899، و"لسان العرب" (حسب) 2/ 865.]]
قال: وليس بكثير من كلامهم أن يقولوا: حسبك وأخاك حتى يقولوا: حسبك وحسب أخيك، ولكنا أجزناه؛ لأن في (حسبك) معنى واقع من الفعل فرددنا (من) [[ساقط من (س).]] على تأويل (الكاف) لا على لفظها [[يعني: إن لفظ (الكاف) في محل جر بالإضافة، وتأويلها في محل نصب مفعول به؛ لأن معنى (حسبك) يكفيك.]] كقوله: {إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ} [العنكبوت: 33] فرد الأهل على تأويل (الكاف) [["معاني القرآن" 1/ 417 مع اختلاف يسير.]].
وهذا الوجه من الإعراب في محل (من) على قول ابن زيد [وإحدى الروايتين عن الشعبي، قال ابن زيد] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]] إن الله حسبك وحسبهم [[رواه بنحوه ابن جرير 10/ 47، وابن أبي حاتم 5/ 1727.]]، وقال الشعبي في رواية: حسبك الله وحسب من شهد معك [[انظر المصدرين السابقين، نفس الموضع.]]، قال الفراء: وإن شئت جعلت (من) في موضع رفع وهو أحب الوجهين إليّ [["معاني القرآن" 1/ 417.]]، قال [[في (ح): (وهو قول).]] الزجاج ومن رفع فعلى العطف على الله عز وجل، والمعنى: فإن حسبك الله وتُبّاعك [[بضم التاء وتشديد الباء.]] من المؤمنين [["معاني القرآن وإعرابه" 2/ 423.]].
وذكر الكسائي الوجهين أيضًا في محل (من) [[انظر: "عناية القاضي" للخفاجي 4/ 289، و"محاسن التأويل" 8/ 3032.]].
فإذا قلنا أن في محل (من) رفع فهو معنى قول الشعبي: حسبك الله وحسبك من اتبعك [[ذكر السيوطي في "الدر المنثور" 3/ 362 أنه أخرجه البخاري في "تاريخه"، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، ولم أجد هذه الرواية في "تفسير ابن أبي حاتم"، بل ذكر عنه الرواية الأولى.]]، ونحو ذلك قال الحسن [[انظر: "تفسير القرطبي" 8/ 43، و"البحر المحيط" 4/ 516، و"الدر المصون" 5/ 632، وفي هذا القول نظر من عدة أوجه منها: == أولاً: نظائر هذه الآية تدل على أن المعنى الصحيح للآية هو: يا أيها النبي يكفيك الله وحده ويكفي أتباعك المؤمنين، قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: 36]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3]، وقال تعالى: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: 38]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال: 62]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: 67]، ومعلوم أن خير ما يفسر القرآن القرآن نفسه، وقد ذهب إلى هذا المعنى الصحيح جمهور المفسرين، انظر: "زاد المسير" 3/ 377.
ثانيًا: قال الإمام ابن القيم في سياق بيان أوجه التقدير في الآية: وفيه تقدير رابع، وهو خطأ من جهة المعنى، وهو أن تكون (من) في موضع رفع عطفا على اسم (الله) ويكون المعنى: حسبك الله وأتباعك، وهذا -وإن قاله بعض الناس- فهو خطأ محض، لا يجوز حمل الآية عليه، فإن (الحسب) و (الكفاية) لله وحده، كالتوكل والتقوى والعبادة، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: 62]؛ ففرق بين الحسب والتأييد، فجعل الحسب له وحده، وجعل التأييد له بنصره وبعباده، وأثنى الله سبحانه على أهل التوحيد والتوكل من عباده حيث أفردوه بالحسب، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173]، ولم يقولوا: حسبنا الله ورسوله، فإذا كان هذا قولهم ومدح الرب تعالى لهم بذلك فكيف يقول لرسوله: الله وأتباعك حسبك، وأتباعه قد أفردوا الرب تعالى بالحسب، ولم يشركوا بينه وبين رسوله فيه، فكيف يشرك بينهم وبينه في حسب رسوله؟ هذا من أمحل الأمحال، وأبطل الباطل. "زاد المعاد" 1/ 36.
ثالثًا: قال جمال الدين القاسمي بعد أن ذكر رد الخفاجي قول ابن القيم محتجًا بأن الفراء والكسائي رجحا وجه الرفع: أقول: هذا من الخفاجي من الولع بالمناقشة، كما هو دأبه، ولو أمعن النظر فيما برهن عليه ابن القيم وأيده بما لا يبقى معه وقفة لما ضعفه، والفراء والكسائي من علماء العربية، ولأئمة التأويل فقه آخر، فتبصر ولا تكن أسير التقليد. "محاسن التأويل" 8/ 3032.]]. وقال بعض أهل المعاني: قد عني الله جل ثناؤه الوجهين جمعيًا بالآية [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 614 - 685 بمعناه.]].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences