Ibn 'AshurYunus · 10:12–15

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Yunus 10:12–15

10:12Page 209

وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦٓ أَوۡ قَاعِدًا أَوۡ قَآئِمٗا فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمۡ يَدۡعُنَآ إِلَىٰ ضُرّٖ مَّسَّهُۥۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡمُسۡرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢

And when affliction touches man, he calls upon Us, whether lying on his side or sitting or standing; but when We remove from him his affliction, he continues [in disobedience] as if he had never called upon Us to [remove] an affliction that touched him. Thus is made pleasing to the transgressors that which they have been doing.

﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ﴾ [يونس: ١١] الآيَةَ؛ لِأنَّ الغَرَضَ الأهَمَّ مِن كِلْتَيْهِما هو الِاعْتِبارُ بِذَمِيمِ أحْوالِ المُشْرِكِينَ تَفْظِيعًا لِحالِهِمْ وتَحْذِيرًا مِنَ الوُقُوعِ في أمْثالِها بِقَرِينَةِ تَنْهِيَةِ هَذِهِ الآيَةِ بِجُمْلَةِ ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . فَلَمّا بُيِّنَ في الآيَةِ السّابِقَةِ وجْهُ تَأْخِيرِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ عَنْهم وإرْجاءِ جَزائِهِمْ إلى الآخِرَةِ بُيِّنَ في هَذِهِ الآيَةِ حالُهم عِنْدَما يَمَسُّهم شَيْءٌ مِنَ الضُّرِّ وعِنْدَما يُكْشَفُ الضُّرُّ عَنْهم.

فالإنْسانُ مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ، والتَّعْرِيفُ بِاللّامِ يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ العُرْفِيَّ، أيِ: الإنْسانَ الكافِرَ؛ لِأنَّ جُمْهُورَ النّاسِ حِينَئِذٍ كافِرُونَ، إذْ كانَ المُسْلِمُونَ قَبْلَ الهِجْرَةِ لا يُعَدُّونَ بِضْعَةً وسَبْعِينَ رَجُلًا مَعَ نِسائِهِمْ وأبْنائِهِمُ الَّذِينَ هم تَبَعٌ لَهم. وبِهَذا الِاعْتِبارِ يَكُونُ المَنظُورُ إلَيْهِمْ في هَذا الحُكْمِ هُمُ الكافِرُونَ، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أئِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: ٦٦] وقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ [الإنفطار: ٦] ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ﴾ [الإنفطار: ٧] . ويَأْخُذُ المُسْلِمُونَ مِن هَذا الحُكْمِ ما يُناسِبُ مِقْدارَ ما في آحادِهِمْ مِن بَقايا هَذِهِ الحالِ الجاهِلِيَّةِ فَيُفِيقُ كُلٌّ مِن غَفْلَتِهِ.

وعُدِلَ عَنِ الإتْيانِ بِالضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى النّاسِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ﴾ [يونس: ١١] لِأنَّ في ذِكْرِ لَفْظِ الإنْسانِ إيماءً إلى التَّذْكِيرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ إذْ جَعَلَهم، مِن أشْرَفِ الأنْواعِ المَوْجُودَةِ عَلى الأرْضِ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن جَعَلَ اللّامَ في الإنْسانِ لِلْعَهْدِ وجَعَلَ المُرادَ بِهِ أبا حُذَيْفَةَ بْنَ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيَّ، واسْمُهُ مُهَشِّمٌ، وكانَ مُشْرِكًا، وكانَ أصابَهُ مَرَضٌ.

صفحة ١١٠

والضُّرُّ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ [يونس: ١٠٧] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والدُّعاءُ: هُنا الطَّلَبُ والسُّؤالُ بِتَضَرُّعٍ.

واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِجَنْبِهِ﴾ بِمَعْنى عَلى كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ﴾ [الإسراء: ١٠٧] وقَوْلِهِ: ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] . ألا تَرى أنَّهُ جاءَ في مَوْضِعِ اللّامِ حَرْفُ عَلى في قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣] وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١] . ونَحْوُهُ قَوْلُ جابِرِ بْنِ جِنِّي التَّغْلِبِيِّ:

تَناوَلَهُ بِالرُّمْحِ ثُمَّ انْثَنى بِهِ فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ ولِلْفَمِ

أيْ: عَلى اليَدَيْنِ وعَلى الفَمِ، وهو مُتَوَلِّدٌ مِن مَعْنى الِاخْتِصاصِ الَّذِي هو أعَمُّ مَعانِي اللّامِ؛ لِأنَّ الِاخْتِصاصَ بِالشَّيْءِ يَقَعُ بِكَيْفِيّاتٍ كَثِيرَةٍ مِنها اسْتِعْلاؤُهُ عَلَيْهِ.

وإنَّما سُلِكَ هُنا حَرْفُ الِاخْتِصاصِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الجَنْبَ مُخْتَصٌّ بِالدُّعاءِ عِنْدَ الضُّرِّ ومُتَّصِلٌ بِهِ فَبِالأوْلى غَيْرُهُ. وهَذا الِاسْتِعْمالُ مَنظُورٌ إلَيْهِ في بَيْتِ جابِرٍ والآيَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ كَما يَظْهَرُ بِالتَّأمُّلِ، فَهَذا وجْهُ الفَرْقِ بَيْنَ الِاسْتِعْمالَيْنِ.

ومَوْضِعُ المَجْرُورِ في مَوْضِعِ الحالِ، ولِذَلِكَ عُطِفَ ﴿أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا﴾ بِالنَّصْبِ. وإنَّما جُعِلَ الجَنْبُ مَجْرُورًا بِاللّامِ ولَمْ يُنْصَبْ فَيُقالُ مَثَلًا مُضْطَجِعًا أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا لِتَمْثِيلِ التَّمَكُّنِ مِن حالَةِ الرّاحَةِ بِذِكْرِ شِقٍّ مِن جَسَدِهِ لِأنَّ ذَلِكَ أظْهَرُ في تَمَكُّنِهِ، كَما كانَ ذِكْرُ الإعْطاءِ في الآيَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ وبَيْتِ جابِرٍ أظْهَرَ في تَمْثِيلِ الحالَةِ؛ بِحَيْثُ جَمَعَ فِيها بَيْنَ ذِكْرِ الأعْضاءِ وذِكْرِ الأفْعالِ الدّالَّةِ عَلى أصْلِ المَعْنى لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ يَدْعُو اللَّهَ في أنْدَرِ الأحْوالِ مُلابَسَةً لِلدُّعاءِ، وهي حالَةُ تَطَلُّبِ الرّاحَةِ ومُلازِمَةِ السُّكُونِ. ولِذَلِكَ ابْتُدِئَ بِذِكْرِ الجَنْبِ، وأمّا زِيادَةُ قَوْلِهِ: ﴿أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا﴾ فَلِقَصْدِ تَعْمِيمِ الأحْوالِ وتَكْمِيلِها؛ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ الإطْنابِ لِزِيادَةِ تَمْثِيلِ الأحْوالِ، أيْ دَعانا في سائِرِ الأحْوالِ لا يُلْهِيهِ عَنْ دُعائِنا شَيْءٌ.

والجَنْبُ: واحِدُ الجُنُوبِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ٣٥] في سُورَةِ (بَراءَةٌ) .

صفحة ١١١

والقُعُودُ: الجُلُوسُ.

والقِيامُ: الِانْتِصابُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا﴾ [البقرة: ٢٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

إذا وهُنا لِمُجَرَّدِ الظَّرْفِيَّةِ وتَوْقِيتِ جَوابِها بِشَرْطِها، ولَيْسَتْ لِلِاسْتِقْبالِ كَما هو غالِبُ أحْوالِها لِأنَّ المَقْصُودَ هُنا حِكايَةُ حالِ المُشْرِكِينَ في دُعائِهِمُ اللَّهَ عِنْدَ الِاضْطِرارِ وإعْراضِهِمْ عَنْهُ إلى عِبادَةِ آلِهَتِهِمْ عِنْدَ الرَّخاءِ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ إذْ جَعَلَها حالًا لِلْمُسْرِفِينَ. وإذْ عَبَّرَ عَنْ عَمَلِهِمْ بِلَفْظِ كانُوا الدّالِّ عَلى أنَّهُ عَمَلُهم في ماضِي أزْمانِهِمْ، ولِذَلِكَ جِيءَ في شَرْطِها وجَوابِها وما عُطِفَ عَلَيْهِما بِأفْعالِ المُضِيِّ لِأنَّ كَوْنَ ذَلِكَ حالَهم فِيما مَضى أدْخَلُ في تَسْجِيلِهِ عَلَيْهِمْ مِمّا لَوْ فُرِضَ ذَلِكَ مِن حالِهِمْ في المُسْتَقْبَلِ إذْ لَعَلَّ فِيهِمْ مَن يَتَّعِظُ بِهَذِهِ الآيَةِ فَيُقْطَعُ عَنْ عَمَلِهِ هَذا أوْ يُساقُ إلى النَّظَرِ في الحَقِيقَةِ.

ولِهَذا فُرِّعَ عَلَيْهِ جُمْلَةُ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ﴾ لِأنَّ هَذا التَّفْرِيعَ هو المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ إذِ الحالَةُ الأُولى وهي المُفَرَّعُ عَلَيْها حالَةٌ مَحْمُودَةٌ لَوْلا ما يَعْقُبُها.

والكَشْفُ: حَقِيقَتُهُ إظْهارُ شَيْءٍ عَلَيْهِ ساتِرٌ أوْ غِطاءٌ. وشاعَ إطْلاقُهُ عَلى مُطْلَقِ الإزالَةِ. إمّا عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ، وإمّا عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ بِتَشْبِيهِ المُزالِ بِشَيْءٍ ساتِرٍ لِشَيْءٍ.

والمُرُورُ: هُنا مَجازِيٌّ بِمَعْنى اسْتِبْدالِ حالَةٍ بِغَيْرِها. شُبِّهَ الِاسْتِبْدالُ بِالِانْتِقالِ مِن مَكانٍ إلى آخَرَ لِأنَّ الِانْتِقالَ اسْتِبْدالٌ، أيِ انْتَقَلَ إلى حالٍ كَحالِ مَن لَمْ يَسْبِقْ لَهُ دُعاؤُنا، أيْ نَسِيَ حالَةَ اضْطِرارِهِ واحْتِياجِهِ إلَيْنا فَصارَ كَأنَّهُ لَمْ يَقَعْ في ذَلِكَ الِاحْتِياجِ.

وكَأنْ مُخَفِّفَةُ كَأنَّ، واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ حُذِفَ عَلى ما هو الغالِبُ. وعُدِّيَ الدُّعاءُ بِحَرْفِ إلى في قَوْلِهِ: ﴿إلى ضُرٍّ﴾ دُونَ اللّامِ كَما هو الغالِبُ في نَحْوِ قَوْلِهِ:

دَعَوْتُ لِما نابَنِي مِسْوَرا

عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ بِتَشْبِيهِ الضُّرِّ بِالعَدُوِّ المُفاجِئِ الَّذِي يَدْعُو إلى مَن فاجَأهُ ناصِرًا إلى دَفْعِهِ.

صفحة ١١٢

وجَعْلُ إلى بِمَعْنى اللّامِ بُعْدٌ عَنْ بَلاغَةِ هَذا النَّظْمِ وخَلْطٌ لِلِاعْتِباراتِ البَلاغِيَّةِ.

وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تَذْيِيلٌ يَعُمُّ ما تَقَدَّمَ وغَيْرُهُ، أيْ هَكَذا التَّزْيِينُ الشَّيْطانِيُّ زَيَّنَ لَهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ مِن أعْمالِهِمْ في ماضِي أزْمانِهِمْ في الدُّعاءِ وغَيْرِهِ مِن ضَلالاتِهِمْ.

وتَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى ومَوْقِعِ كَذَلِكَ في أمْثالِ هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ وقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨] في سُورَةِ الأنْعامِ، فالإشارَةُ إلى التَّزْيِينِ المُسْتَفادِ هُنا وهو تَزْيِينُ إعْراضِهِمْ عَنْ دُعاءِ اللَّهِ في حالَةِ الرَّخاءِ، أيْ مِثْلُ هَذا التَّزْيِينِ العَجِيبِ زُيِّنَ لِكُلِّ مُسْرِفٍ عَمَلُهُ.

والإسْرافُ: الإفْراطُ والإكْثارُ في شَيْءٍ غَيْرِ مَحْمُودٍ. فالمُرادُ بِالمُسْرِفِينَ هُنا الكافِرُونَ. واخْتِيرَ لَفْظُ ﴿المُسْرِفِينَ﴾ [يونس: ٨٣] لِدَلالَتِهِ عَلى مُبالَغَتِهِمْ في كُفْرِهِمْ، فالتَّعْرِيفُ في المُسْرِفِينَ لِلِاسْتِغْراقِ لِيَشْمَلَ المُتَحَدَّثَ عَنْهم وغَيْرَهم.

وأُسْنِدَ فِعْلُ التَّزْيِينِ إلى المَجْهُولِ لِأنَّ المُسْلِمِينَ يَعْلَمُونَ أنَّ المُزَيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ خَواطِرُهُمُ الشَّيْطانِيَّةُ، فَقَدْ أُسْنِدَ فِعْلُ التَّزْيِينِ إلى الشَّيْطانِ غَيْرَ مَرَّةٍ، أوْ لِأنَّ مَعْرِفَةَ المُزَيِّنِ لَهم غَيْرُ مُهِمَّةٍ هاهُنا وإنَّما المُهِمُّ الِاعْتِبارُ والِاتِّعاظُ بِاسْتِحْسانِهِمْ أعْمالَهُمُ الذَّمِيمَةَ اسْتِحْسانًا شَيْطانِيًّا.

والمَعْنى أنَّ شَأْنَ الأعْمالِ الذَّمِيمَةِ القَبِيحَةِ إذا تَكَرَّرَتْ مِن أصْحابِها أنْ تَصِيرَ لَهم دُرْبَةً تُحَسِّنُ عِنْدَهم قَبائِحَها فَلا يَكادُونَ يَشْعُرُونَ بِقُبْحِها فَكَيْفَ يُقْلِعُونَ عَنْها كَما قِيلَ:

يُقْضى عَلى المَرْءِ في أيّامِ مِحْنَتِهِ ∗∗∗ حَتّى يَرى حَسَنًا ما لَيْسَ بِالحَسَنِ

10:13Page 209

وَلَقَدۡ أَهۡلَكۡنَا ٱلۡقُرُونَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُواْۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ١٣

And We had already destroyed generations before you when they wronged, and their messengers had come to them with clear proofs, but they were not to believe. Thus do We recompense the criminal people.

﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكم لَمّا ظَلَمُوا وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾

عادَ الخِطابُ إلى المُشْرِكِينَ عَوْدًا عَلى بَدْئِهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾ [يونس: ٣] إلى قَوْلِهِ ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ [يونس: ٥] بِمُناسَبَةِ التَّماثُلِ بَيْنَهم وبَيْنَ الأُمَمِ قَبْلَهم في الغُرُورِ بِتَأْخِيرِ العَذابِ

صفحة ١١٣

عَنْهم حَتّى حَلَّ بِهِمُ الهَلاكُ فَجْأةً. وهَذِهِ الآيَةُ تَهْدِيدٌ ومَوْعِظَةٌ بِما حَلَّ بِأمْثالِهِمْ.

والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ﴾ [يونس: ١١] بِما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الإنْذارِ بِأنَّ الشَّرَّ قَدْ يَنْزِلُ بِهِمْ ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ غَيْرُ مُعَجَّلٍ، فَضَرَبَ لَهم مَثَلًا بِما نَزَلَ بِالأُمَمِ مِن قَبْلِهِمْ فَقَضى إلَيْهِمْ بِالعَذابِ أجَلُهم وقَدْ كانُوا يَعْرِفُونَ أُمَمًا مِنهم أصابَهُمُ الِاسْتِئْصالُ مِثْلَ عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ نُوحٍ.

ولِتَوْكِيدِ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ أُكِّدَتِ الجُمْلَةُ بِلامِ القَسَمِ و(قَدِ) الَّتِي لِلتَّحْقِيقِ.

والإهْلاكُ: الِاسْتِئْصالُ والإفْناءُ.

والقُرُونُ: جَمْعُ قَرْنٍ وأصْلُهُ مُدَّةٌ طَوِيلَةٌ مِنَ الزَّمانِ، والمُرادُ بِهِ هُنا أهْلُ القُرُونِ. وتَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ [الأنعام: ٦] في سُورَةِ الأنْعامِ.

وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾ حالٌ مِنَ القُرُونِ.

ولَمّا اسْمُ زَمانٍ بِمَعْنى حِينَ عَلى التَّحْقِيقِ، وتُضافُ إلى الجُمْلَةِ.

والعَرَبُ أكْثَرُوا في كَلامِهِمْ تَقْدِيمَ لَمّا في صَدْرِ جُمْلَتِها فَأُشِمَّتْ بِذَلِكَ التَّقْدِيمِ رائِحَةَ الشَّرْطِيَّةِ فَأشْبَهَتِ الشُّرُوطَ لِأنَّها تُضافُ إلى جُمْلَةٍ فَتُشْبِهُ جُمْلَةَ الشَّرْطِ، ولِأنَّ عامِلَها فِعْلُ مُضِيٍّ فَبِذَلِكَ اقْتَضَتْ جُمْلَتَيْنِ فَأشْبَهَتْ حُرُوفَ الشَّرْطِ.

والمَعْنى: أهْلَكْناهم حِينَما ظَلَمُوا، أيْ أشْرَكُوا وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ مِثْلُ هُودٍ وصالِحٍ ولَمْ يُؤْمِنُوا.

وجُمْلَةُ ﴿وجاءَتْهُمْ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ظَلَمُوا

والبَيِّناتُ: جَمْعُ بَيِّنَةٍ، وهي الحُجَّةُ عَلى الصِّدْقِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٧] في سُورَةِ الأنْعامِ.

صفحة ١١٤

وجُمْلَةُ ﴿وما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلَيْها. ومَجْمُوعُ الجُمَلِ الثَّلاثِ هو ما وُقِّتَ بِهِ الإهْلاكُ ﴿وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها رَسُولًا﴾ [القصص: ٥٩]

وعُبِّرَ عَنِ انْتِفاءِ إيمانِهِمْ بِصِيغَةِ لامِ الجُحُودِ مُبالِغَةً في انْتِفائِهِ إشارَةً إلى اليَأْسِ مِن إيمانِهِمْ.

وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ تَذْيِيلٌ. والتَّعْرِيفُ في ﴿القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ لِلِاسْتِغْراقِ فَلِذَلِكَ عَمَّ القُرُونَ الماضِيَةَ وعَمَّ المُخاطَبِينَ، وبِذَلِكَ كانَ إنْذارًا لِقُرَيْشٍ بِأنْ يَنالَهم ما نالَ أُولَئِكَ. والمُرادُ بِالإجْرامِ أقْصاهُ، وهو الشِّرْكُ.

والقَوْلُ في ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ آنِفًا. وكَذَلِكَ ذِكْرُ لَفْظِ القَوْمِ فَهو كَما في نَظِيرِهِ في هَذِهِ السُّورَةِ وفي البَقَرَةِ.

10:14Page 209

ثُمَّ جَعَلۡنَٰكُمۡ خَلَٰٓئِفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لِنَنظُرَ كَيۡفَ تَعۡمَلُونَ ١٤

Then We made you successors in the land after them so that We may observe how you will do.

﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى أهْلَكْنا وحَرْفُ ثُمَّ مُؤْذِنٌ بِبُعْدِ ما بَيْنَ الزَّمَنَيْنِ، أيْ ثُمَّ جَعَلْناكم تَخْلُفُونَهم في الأرْضِ. وكَوْنُ حَرْفِ ثُمَّ هُنا عاطِفًا جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ تَقْتَضِي التَّراخِيَ الرُّتْبِيَّ لِأنَّ جَعْلَهم خَلائِفَ أهَمُّ مِن إهْلاكِ القُرُونِ قَبْلَهم لِما فِيهِ مِنَ المِنَّةِ عَلَيْهِمْ، ولِأنَّهُ عَوَّضَهم بِهِمْ.

والخَلائِفُ: جَمْعُ خَلِيفَةٍ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والمُرادُ بِـ الأرْضِ بِلادُ العَرَبِ، فالتَّعْرِيفُ فِيهِ لِلْعَهْدِ لِأنَّ المُخاطَبِينَ خَلَفُوا عادًا وثَمُودًا وطَسْمًا وجَدِيسًا وجُرْهُمًا في مَنازِلِهِمْ عَلى الجُمْلَةِ.

صفحة ١١٥

والنَّظَرُ: مُسْتَعْمَلٌ في العِلْمِ المُحَقَّقِ؛ لِأنَّ النَّظَرَ أقْوى طُرُقِ المَعْرِفَةِ، فَمَعْنى ﴿لِنَنْظُرَ﴾ لِنَعْلَمَ، أيْ لِنَعْلَمَ عِلْمًا مُتَعَلِّقًا بِأعْمالِكم. فالمُرادُ بِالعِلْمِ تَعَلُّقُهُ التَّنْجِيزِيُّ.

وكَيْفَ اسْمُ اسْتِفْهامٍ مُعَلِّقٌ لِفِعْلِ العِلْمِ عَنِ العَمَلِ، وهو مَنصُوبٌ بِـ نَنْظُرَ، والمَعْنى في مِثْلِهِ: لِنَعْلَمَ جَوابَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، قالَ إياسُ بْنُ قَبِيصَةَ:

وأقْبَلْتُ والخَطِّيُّ يَخْطِرُ بَيْنَنا لِأعْلَمَ مَن جَبّانُها مِن شُجاعِها

أيْ: لِأعْلَمَ جَوابَ مَن جَبّانُها.

وإنَّما جَعَلَ اسْتِخْلافَهم في الأرْضِ عِلَّةً لِعِلْمِ اللَّهِ بِأعْمالِهِمْ كِنايَةً عَنْ ظُهُورِ أعْمالِهِمْ في الواقِعِ إنْ كانَتْ مِمّا يُرْضِي اللَّهَ أوْ مِمّا لا يُرْضِيهِ، فَإذا ظَهَرَتْ أعْمالُهم عَلِمَها اللَّهُ عِلْمَ الأشْياءِ النّافِعَةِ وإنْ كانَ يَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ سَيَقَعُ عِلْمًا أزَلِيًّا، كَما أنَّ بَيْتَ إياسِ بْنِ قَبِيصَةَ مَعْناهُ لِيَظْهَرَ الجَبانُ مِنَ الشُّجاعِ. ولَيْسَ المَقْصُودُ بِتَعْلِيلِ الإقْدامِ حُصُولَ عِلْمِهِ بِالجَبانِ والشُّجاعِ ولَكِنَّهُ كَنّى بِذَلِكَ عَنْ ظُهُورِ الجَبانِ والشُّجاعِ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ﴾ [آل عمران: ١٤٠] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

10:15Page 210

وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَاتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا ٱئۡتِ بِقُرۡءَانٍ غَيۡرِ هَٰذَآ أَوۡ بَدِّلۡهُۚ قُلۡ مَا يَكُونُ لِيٓ أَنۡ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلۡقَآيِٕ نَفۡسِيٓۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّۖ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ١٥

And when Our verses are recited to them as clear evidences, those who do not expect the meeting with Us say, "Bring us a Qur’ān other than this or change it." Say, [O Muḥammad], "It is not for me to change it on my own accord. I only follow what is revealed to me. Indeed I fear, if I should disobey my Lord, the punishment of a tremendous Day."

﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِيَ أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِيَ إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ إنِّيَ أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ﴾ [يونس: ١١] إلَخْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] كَما تَقَدَّمَ فَذَلِكَ أُسْلُوبٌ مِن أسالِيبِ التَّكْذِيبِ. ثُمَّ حُكِيَ في هَذِهِ الآيَةِ أُسْلُوبٌ آخَرُ مِن أسالِيبِ تَكْذِيبِهِمُ

صفحة ١١٦

النَّبِيءَ ﷺ أنْ يَكُونَ القُرْآنُ مُوحًى إلَيْهِ مِنَ اللَّهِ - تَعالى - فَهم يَتَوَهَّمُونَ أنَّ القُرْآنَ وضَعَهُ النَّبِيءُ ﷺ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ، ولِذَلِكَ جَعَلُوا مِن تَكْذِيبِهِمْ أنْ يَقُولُوا لَهُ ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ إطْماعًا لَهُ بِأنْ يُؤْمِنُوا بِهِ مُغايِرًا أوْ مُبَدَّلًا إذا وافَقَ هَواهم.

ومَعْنى ﴿غَيْرِ هَذا﴾ مُخالِفُهُ. والمُرادُ المُخالَفَةُ لِلْقُرْآنِ كُلِّهِ بِالإعْراضِ عَنْهُ وابْتِداءِ كِتابٍ آخَرَ بِأسالِيبَ أُخْرى، كَمِثْلِ كُتُبِ قَصَصِ الفُرْسِ ومَلاحِمِهِمْ إذْ لا يَحْتَمِلُ كَلامُهم غَيْرَ ذَلِكَ، إذْ لَيْسَ مُرادُهم أنْ يَأْتِيَ بِسُوَرٍ أُخْرى غَيْرِ الَّتِي نَزَلَتْ مِن قَبْلُ لِأنَّ ذَلِكَ حاصِلٌ، ولا غَرَضَ لَهم فِيهِ إذا كانَ مَعْناها مِن نَوْعِ ما سَبَقَها.

ووَصَفَ الآياتِ بِـ بَيِّناتٍ لِزِيادَةِ التَّعْجِيبِ مِن طَلَبِهِمْ تَبْدِيلَها لا بِطَلَبِ تَبْدِيلِهِ إذْ لا طَمَعَ في خَيْرٍ مِنهُ.

والتَّبْدِيلُ: التَّغْيِيرُ. وقَدْ يَكُونُ في الذَّواتِ، كَما تَقُولُ: بَدَّلْتُ الدَّنانِيرَ دَراهِمَ. ويَكُونُ في الأوْصافِ، كَما تَقُولُ: بَدَّلْتُ الحَلَقَةَ خاتَمًا. فَلَمّا ذَكَرَ الإتْيانَ بِغَيْرِهِ مِن قَبْلُ تَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِالتَّبْدِيلِ المَعْنى الآخَرُ وهو تَبْدِيلُ الوَصْفِ، فَكانَ المُرادُ بِالغَيْرِ في قَوْلِهِمْ ﴿غَيْرِ هَذا﴾ كَلامًا غَيْرَ الَّذِي جاءَ بِهِ مِن قَبْلُ لا يَكُونُ فِيهِ ما يَكْرَهُونَهُ ويَغِيظُهم. والمُرادُ بِالتَّبْدِيلِ أنْ يَعْمِدَ إلى القُرْآنِ المَوْجُودِ فَيُغَيِّرَ الآياتِ المُشْتَمِلَةَ عَلى عِباراتِ ذَمِّ الشِّرْكِ بِمَدْحِهِ، وعِباراتِ ذَمِّ أصْنامِهِمْ بِالثَّناءِ عَلَيْها، وعِباراتِ البَعْثِ والنَّشْرِ بِضِدِّها، وعِباراتِ الوَعِيدِ لَهم بِعِباراتِ بِشارَةٍ.

وسَمَّوْا ما طَلَبُوا الإتْيانَ بِهِ قُرْآنًا لِأنَّهُ عِوَضٌ عَنِ المُسَمّى بِالقُرْآنِ، فَإنَّ القُرْآنَ عَلَمٌ عَلى الكِتابِ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ أيِ ائْتِ بِغَيْرِ هَذا مِمّا تُسَمِّيهِ قُرْآنًا.

والضَّمِيرُ في ﴿بَدِّلْهُ﴾ عائِدٌ إلى اسْمِ الإشارَةِ، أيْ أوْ بَدِّلْ هَذا.

وأجْمَلَ المُرادَ بِالتَّبْدِيلِ في الآيَةِ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَ السّامِعِينَ.

صفحة ١١٧

ثُمَّ إنَّ قَوْلَهم يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جِدًّا ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدُوا بِهِ الِاسْتِهْزاءَ، وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ فَقَدْ أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ بِأنْ يُجِيبَهم بِما يُقْلِعُ شُبْهَتَهم مِن نُفُوسِهِمْ إنْ كانُوا جادِّينَ، أوْ مِن نُفُوسِ مَن يَسْمَعُونَهم مِن دَهْمائِهِمْ فَيَحْسَبُوا كَلامَهم جِدًّا فَيَتَرَقَّبُوا تَبْدِيلَ القُرْآنِ.

وضَمِيرُ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ راجِعٌ إلى النّاسِ المُرادِ مِنهُمُ المُشْرِكُونَ أوْ راجِعٌ إلى ﴿الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ [يونس: ٧] في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ [يونس: ٧]

وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ في قَوْلِهِ: إذا تُتْلى عَلى عامِلِهِ وهو ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ لِلِاهْتِمامِ بِذِكْرِ ذَلِكَ الوَقْتِ الَّذِي تُتْلى فِيهِ الآياتُ عَلَيْهِمْ فَيَقُولُونَ فِيهِ هَذا القَوْلَ تَعْجِيبًا مِن كَلامِهِمْ ووَهَنِ أحْلامِهِمْ.

ولِكَوْنِ العامِلِ في الظَّرْفِ فِعْلًا ماضِيًا عُلِمَ أنَّ قَوْلَهم هَذا واقِعٌ في الزَّمَنِ الماضِي، فَكانَتْ إضافَةُ الظَّرْفِ المُتَعَلِّقِ بِهِ إلى جُمْلَةٍ فِعْلُها مُضارِعٌ وهو تُتْلى دالَّةً عَلى أنَّ ذَلِكَ المُضارِعَ لَمْ يُرَدْ بِهِ الحالُ أوِ الِاسْتِقْبالُ إذْ لا يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ الماضِي واقِعًا في الحالِ أوِ الِاسْتِقْبالِ فَتَعَيَّنَ أنَّ اجْتِلابَ الفِعْلِ المُضارِعِ لِمُجَرَّدِ الدَّلالَةِ عَلى التَّكَرُّرِ والتَّجَدُّدِ، أيْ ذَلِكَ قَوْلُهم كُلَّما تُتْلى عَلَيْهِمُ الآياتُ.

وماصَدَقَ ﴿الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ [يونس: ٧] هو ماصَدَقَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: عَلَيْهِمْ، فَكانَ المَقامُ لِلْإضْمارِ، فَما كانَ الإظْهارُ بِالمَوْصُولِيَّةِ إلّا لِأنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَ اللَّهِ اشْتَهَرَ بِهِ المُشْرِكُونَ فَصارَتْ هَذِهِ الصِّلَةُ كالعَلَمِ عَلَيْهِمْ. كَما أشَرْنا إلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ آنِفًا ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ [يونس: ٧]، ولَيْسَ بَيْنَ الصِّلَةِ وبَيْنَ الخَبَرِ هُنا عَلاقَةُ تَعْلِيلٍ فَلا يَكُونُ المَوْصُولُ لِلْإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ.

ولَمّا كانَ لِاقْتِراحِهِمْ مَعْنًى صَرِيحٌ، وهو الإتْيانُ بِقُرْآنٍ آخَرَ أوْ تَبْدِيلُ آياتِ القُرْآنِ المَوْجُودِ، ومَعْنًى التِزامِيٌّ كِنائِيٌّ، وهو أنَّهُ غَيْرُ مُنَزَّلٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ وأنَّ الَّذِي جاءَ بِهِ غَيْرُ مُرْسَلٍ مِنَ اللَّهِ، كانَ الجَوابُ عَنْ قَوْلِهِمْ جَوابَيْنِ، أحَدُهُما: ما لَقَّنَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ:

صفحة ١١٨

﴿قُلْ ما يَكُونُ لِيَ أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي﴾ وهو جَوابٌ عَنْ صَرِيحِ اقْتِراحِهِمْ، وثانِيهِما: ما لَقَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ [يونس: ١٦] وهو جَوابٌ عَنْ لازِمِ كَلامِهِمْ.

وعَنْ مُجاهِدٍ تَسْمِيَةُ أُناسٍ مِمَّنْ قالَ هَذِهِ المَقالَةَ وهم خَمْسَةٌ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، ومِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ، وعَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي قَيْسٍ، والعاصُ بْنُ عامِرٍ، قالُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ ائْتِ بِقُرْآنٍ لَيْسَ فِيهِ تَرْكُ عِبادَةِ الأصْنامِ واللّاتِ والعُزّى ومَناةَ وهُبَلَ، ولَيْسَ فِيهِ عَيْبُها.

وقَدْ جاءَ الجَوابُ عَنِ اقْتِراحِهِمْ كَلامًا جامِعًا قَضاءً لِحَقِّ الإيجازِ البَدِيعِ، وتَعْوِيلًا عَلى أنَّ السُّؤالَ يُبَيِّنُ المُرادَ مِنَ الجَوابِ، فَأحَسُّوا بِامْتِناعِ تَبْدِيلِ القُرْآنِ مِن جِهَةِ الرَّسُولِ ﷺ . وهَذا جَوابٌ كافٍ؛ لِأنَّ التَّبْدِيلَ يَشْمَلُ الإتْيانَ بِغَيْرِهِ وتَبْدِيلَ بَعْضِ تَراكِيبِهِ. عَلى أنَّهُ إذا كانَ التَّبْدِيلُ الَّذِي هو تَغْيِيرُ كَلِماتٍ مِنهُ وأغْراضٍ مُمْتَنِعًا كانَ إبْطالُ جَمِيعِهِ والإتْيانُ بِغَيْرِهِ أجْدَرَ بِالِامْتِناعِ.

وقَدْ جاءَ الجَوابُ بِأبْلَغِ صِيَغِ النَّفْيِ وهو ﴿ما يَكُونُ لِيَ أنْ أُبَدِّلَهُ﴾ أيْ ما يَكُونُ التَّبْدِيلُ مِلْكًا بِيَدِي.

وتِلْقاءِ صِيغَةُ مَصْدَرٍ عَلى وزْنِ التِّفْعالِ. وقِياسُ وزْنِ التَّفْعالِ الشّائِعِ هو فَتْحُ التّاءِ وقَدْ شَذَّ عَنْ ذَلِكَ تِلْقاءٌ، وتِبْيانٌ، وتِمْثالٌ، بِمَعْنى اللِّقاءِ والبَيانِ والمُثُولِ فَجاءَتْ بِكَسْرِ التّاءِ لا رابِعَ لَها، ثُمَّ أُطْلِقَ التِّلْقاءُ عَلى جِهَةِ التَّلاقِي ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى الجِهَةِ والمَكانِ مُطْلَقًا كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٢] . فَمَعْنى ﴿مِن تِلْقاءِ نَفْسِي﴾ مِن جِهَةِ نَفْسِي. وهَذا المَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ المُؤَكِّدَةِ لِجُمْلَةِ ﴿ما يَكُونُ لِيَ أنْ أُبَدِّلَهُ﴾ وهي المُسَمّاةُ مُؤَكِّدَةً لِغَيْرِها إذِ التَّبْدِيلُ لا يَكُونُ إلّا مِن فِعْلِ المُبْدِلِ فَلَيْسَتْ تِلْكَ الحالُ لِلتَّقْيِيدِ إذْ لا يَجُوزُ فَرْضُ أنْ يُبَدَّلَ مِن تِلْقاءِ اللَّهِ - تَعالى - التَّبْدِيلَ الَّذِي يَرُومُونَهُ، فالمَعْنى أنَّهُ مُبَلِّغٌ لا مُتَصَرِّفٌ.

وجُمْلَةُ ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿ما يَكُونُ لِيَ أنْ أُبَدِّلَهُ﴾، أيْ ما أتَّبِعُ إلّا الوَحْيَ ولَيْسَ لِي تَصَرُّفٌ بِتَغْيِيرٍ. وما مَصْدَرِيَّةٌ. واتِّباعُ الوَحْيِ: تَبْلِيغُ الحاصِلِ بِهِ، وهو المُوصى بِهِ.

صفحة ١١٩

والِاتِّباعُ مَجازٌ في عَدَمِ التَّصَرُّفِ، بِجامِعِ مُشابَهَةِ ذَلِكَ لِلِاتِّباعِ الَّذِي هو عَدَمُ تَجاوُزِ الِاقْتِفاءِ في المَشْيِ.

واقْتَضَتْ إنِ النّافِيَةُ وأداةُ الِاسْتِثْناءِ قَصْرَ تَعَلُّقِ الِاتِّباعِ عَلى ما أوْحى اللَّهُ وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ لا أُبَلِّغُ إلّا ما أُوحِيَ إلَيَّ دُونَ أنْ يَكُونَ المُتَّبَعُ شَيْئًا مُخْتَرَعًا حَتّى أتَصَرَّفَ فِيهِ بِالتَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ، وقَرِينَةُ كَوْنِهِ إضافِيًّا وُقُوعُهُ جَوابًا لِرَدِّ اقْتِراحِهِمْ.

فَمَن رامَ أنْ يَحْتَجَّ بِهَذا القَصْرِ عَلى عَدَمِ جَوازِ الِاجْتِهادِ لِلنَّبِيءِ ﷺ فَقَدْ خَرَجَ بِالكَلامِ عَنْ مَهْيَعِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنِّيَ أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ إلَخْ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ ولِذَلِكَ فُصِلَتْ عَنْها. واقْتَرَنَتْ بِحَرْفِ إنْ لِلِاهْتِمامِ، وإنْ تُؤْذِنُ بِالتَّعْلِيلِ.

وقَوْلُهُ: ﴿إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾، أيْ عَصَيْتُهُ بِالإتْيانِ بِقُرْآنٍ آخَرَ وتَبْدِيلِهِ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي.

ودَلَّ سِياقُ الكَلامِ عَلى أنَّ الإتْيانَ بِقُرْآنٍ آخَرَ غَيْرِ هَذا بِمَعْنى إبْطالِ هَذا القُرْآنِ وتَعْوِيضِهِ بِغَيْرِهِ، وأنَّ تَبْدِيلَهُ بِمَعْنى تَغْيِيرِ مَعانِي وحَقائِقِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ - مُمْتَنِعٌ.

ولِذَلِكَ لَمْ يُلَقَّنِ الرَّسُولُ ﷺ أنْ يَقُولَ هُنا: إلّا ما شاءَ اللَّهُ، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском