Ibn 'AshurYunus · 10:69–73

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Yunus 10:69–73

10:69–70Page 216

قُلۡ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ ٦٩

Say, "Indeed, those who invent falsehood about Allāh will not succeed."

مَتَٰعٞ فِي ٱلدُّنۡيَا ثُمَّ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُهُمۡ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلۡعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ ٧٠

[For them is brief] enjoyment in this world; then to Us is their return; then We will make them taste the severe punishment because they used to disbelieve.

﴿قُلْ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ﴿مَتاعٌ في الدُّنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ افْتُتِحَ بِأمْرِ النَّبِيءِ ﷺ أنْ يَقُولَ لِتَنْبِيهِ السّامِعِينَ إلى وعْيِ ما يَرِدُ بَعْدَ الأمْرِ بِالقَوْلِ بِأنَّهُ أمْرٌ مُهِمٌّ بِحَيْثُ يُطْلَبُ تَبْلِيغُهُ، وذَلِكَ أنَّ المَقُولَ قَضِيَّةٌ عامَّةٌ يَحْصُلُ مِنها وعِيدٌ لِلَّذِينَ قالُوا:﴿اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ [يونس: ٦٨]، عَلى مَقالَتِهِمْ تِلْكَ، وعَلى أمْثالِها كَقَوْلِهِمْ ﴿ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ [الأنعام: ١٣٩] وقَوْلِهِمْ: ما كانَ لِآلِهَتِهِمْ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ لا يَصِلُ إلى اللَّهِ وما كانَ لِلَّهِ مِن ذَلِكَ يَصِلُ إلى آلِهَتِهِمْ، وقَوْلِهِمْ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠]

صفحة ٢٣٣

وأمْثالِ ذَلِكَ. فَذَلِكَ كُلُّهُ افْتِراءٌ عَلى اللَّهِ؛ لِأنَّهم يَقُولُونَهُ عَلى أنَّهُ دِينٌ، وماهِيَّةُ الدِّينِ أنَّهُ وضْعٌ إلَهِيٌّ فَهو مَنسُوبٌ إلَيْهِ، ويَحْصُلُ مِن تِلْكَ القَضِيَّةِ وعِيدٌ لِأمْثالِ المُشْرِكِينَ مِن كُلِّ مَن يَفْتَرِي عَلى اللَّهِ ما لَمْ يَقُلْهُ، فالمَقُولُ لَهُمُ ابْتِداءً هُمُ المُشْرِكُونَ.

والفَلاحُ: حُصُولُ ما قَصَدَهُ العامِلُ مِن عَمَلِهِ بِدُونِ انْتِقاضٍ ولا عاقِبَةِ سُوءٍ. وتَقَدَّمَ في طالِعِ سُورَةِ البَقَرَةِ. فَنَفْيُ الفَلاحِ هُنا نَفْيٌ لِحُصُولِ مَقْصُودِهِمْ مِنَ الكَذِبِ وتَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ ﷺ .

وجُمْلَةُ ”مَتاعٌ في الدُّنْيا“ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّ القَضاءَ عَلَيْهِ بِعَدَمِ الفَلاحِ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ أنْ يَسْألَ سائِلٌ كَيْفَ نَراهم في عِزَّةٍ وقُدْرَةٍ عَلى أذى المُسْلِمِينَ وصَدِّ النّاسِ عَنِ اتِّباعِ الرَّسُولِ ﷺ فَيُجابُ السّائِلُ بِأنَّ ذَلِكَ تَمْتِيعٌ في الدُّنْيا لا يُعْبَأُ بِهِ، وإنَّما عَدَمُ الفَلاحِ مَظْهَرُهُ الآخِرَةُ، فَـ ”مَتاعٌ“ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ يُعْلَمُ مِنَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، أيْ أمْرُهم مَتاعٌ.

والمَتاعُ: المَنفَعَةُ القَلِيلَةُ في الدُّنْيا إذْ يُقِيمُونَ بِكَذِبِهِمْ سِيادَتَهم وعِزَّتَهم بَيْنَ قَوْمِهِمْ ثُمَّ يَزُولُ ذَلِكَ.

ومادَّةُ ”مَتاعٌ“ مُؤْذِنَةٌ بِأنَّهُ غَيْرُ دائِمٍ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [الأعراف: ٢٤] في أوائِلِ سُورَةِ الأعْرافِ.

وتَنْكِيرُهُ مُؤْذِنٌ بِتَقْلِيلِهِ، وتَقْيِيدُهُ بِأنَّهُ في الدُّنْيا مُؤَكِّدٌ لِلزَّوالِ ولِلتَّقْلِيلِ، و”ثُمَّ“ مِن قَوْلِهِ: ”﴿ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾“ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ لِأنَّ مَضْمُونَهُ هو مَحَقَّةُ أنَّهم لا يُفْلِحُونَ فَهو أهَمُّ مَرْتَبَةً مِن مَضْمُونِ لا يُفْلِحُونَ.

والمَرْجِعُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى الرُّجُوعِ. ومَعْنى الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ الرُّجُوعُ إلى وقْتِ نَفاذِ حُكْمِهِ المُباشِرِ فِيهِمْ.

وتَقْدِيمُ ”إلَيْنا“ عَلى مُتَعَلِّقِهِ وهو المَرْجِعُ لِلِاهْتِمامِ بِالتَّذْكِيرِ بِهِ واسْتِحْضارِهِ كَقَوْلِهِ: ”﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: ٣٩]“ إلى قَوْلِهِ: ”﴿ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ﴾ [النور: ٣٩]“ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَرْجِعُ كِنايَةً عَنِ المَوْتِ.

صفحة ٢٣٤

وجُمْلَةُ ”﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ﴾“ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ”ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهم“

وحَرْفُ ثُمَّ هَذا مُؤَكِّدٌ لِنَظِيرِهِ الَّذِي في الجُمْلَةِ المُبَيَّنَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَرْجِعِ الحُصُولُ في نَفاذِ حُكْمِ اللَّهِ.

والجُمَلُ الأرْبَعُ هي مِنَ المَقُولِ المَأْمُورِ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ تَبْلِيغًا عَنِ اللَّهِ تَعالى.

وإذاقَةُ العَذابِ إيصالُهُ إلى الإحْساسِ، أُطْلِقَ عَلَيْهِ الإذاقَةُ لِتَشْبِيهِهِ بِإحْساسِ الذَّوْقِ في التَّمَكُّنِ مِن أقْوى أعْضاءِ الجِسْمِ حاسِّيَّةَ لَمْسٍ وهو اللِّسانُ.

والباءُ في ”بِما كانُوا يَكْفُرُونَ“ لِلتَّعْلِيلِ.

وقَوْلُهُ: ”﴿كانُوا يَكْفُرُونَ﴾“ يُؤْذِنُ بِتَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنهم وتَجَدُّدِهِ بِأنْواعِ الكُفْرِ.

10:71Page 217

۞ وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ نُوحٍ إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيۡكُم مَّقَامِي وَتَذۡكِيرِي بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡتُ فَأَجۡمِعُوٓاْ أَمۡرَكُمۡ وَشُرَكَآءَكُمۡ ثُمَّ لَا يَكُنۡ أَمۡرُكُمۡ عَلَيۡكُمۡ غُمَّةٗ ثُمَّ ٱقۡضُوٓاْ إِلَيَّ وَلَا تُنظِرُونِ ٧١

And recite to them the news of Noah, when he said to his people, "O my people, if my residence and my reminding of the signs of Allāh has become burdensome upon you - then I have relied upon Allāh. So resolve upon your plan and [call upon] your associates. Then let not your plan be obscure to you.1 Then carry it out upon me and do not give me respite.

﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي وتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكم ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ولا تُنْظِرُونَ﴾

انْتِقالٌ مِن مُقارَعَةِ المُشْرِكِينَ بِالحُجَجِ السّاطِعَةِ عَلى بُطْلانِ دِينِهِمْ، وبِالدَّلائِلِ الواضِحَةِ عَلى تَفْنِيدِ أكاذِيبِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِنَ المَوْعِظَةِ والوَعِيدِ بِالعَذابِ العاجِلِ والآجِلِ والإرْهابِ، إلى التَّعْرِيضِ لَهم بِذِكْرِ ما حَلَّ بِالأُمَمِ المُماثِلَةِ أحْوالُها لِأحْوالِهِمْ، اسْتِقْصاءً لِطَرائِقِ الحِجاجِ عَلى أصْحابِ اللَّجاجِ؛ فَإنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ قَوْمِهِ مَثَلٌ لِحالِ مُحَمَّدٍ ﷺ - مَعَ المُشْرِكِينَ مِن قَوْمِهِ في ابْتِداءِ الأمْرِ وتَطَوُّرِهِ، فَفي ذِكْرِ عاقِبَةِ قَوْمِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَعْرِيضٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّ عاقِبَتَهم كَعاقِبَةِ أُولَئِكَ أوْ أنَّهم إنَّما يُمَتَّعُونَ قَلِيلًا ثُمَّ يُؤْخَذُونَ أخْذَةً رابِيَةً،

صفحة ٢٣٥

كَما مُتِّعَ قَوْمُ نُوحٍ زَمَنًا طَوِيلًا ثُمَّ لَمْ يُفْلِتُوا مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا، فَذِكْرُ قِصَّةِ نُوحٍ مَعَ قَوْمِهِ عِظَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ ومُلْقِيًا بِالوَجَلِ والذُّعْرِ في قُلُوبِهِمْ، وفي ذَلِكَ تَأْنِيسٌ لِلرَّسُولِ ﷺ ولِلْمُسْلِمِينَ بِأنَّهم أُسْوَةٌ بِالأنْبِياءِ، والصّالِحِينَ مِن أقْوامِهِمْ، وكَذَلِكَ قِصَّةُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَقِبَها كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ في نِهايَةِ هَذِهِ القِصَصِ ”﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]“ الآياتِ. وقَوْلُهُ: ”﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤]“ الآياتِ.

وبِهَذا يَظْهَرُ حُسْنُ مَوْقِعِ ”إذْ“ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ﴾ إلى آخِرِهِ، فَإنَّ تَقْيِيدَ النَّبَأِ بِزَمَنِ قَوْلِهِ: لِقَوْمِهِ إيماءٌ إلى أنَّ مُحاوَرَتَهُ قَوْمَهُ وإصْرارَهم عَلى الإعْراضِ هو مَحَلُّ العِبْرَةِ؛ لِأنَّهُ وجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَ المُشْرِكِينَ وبَيْنَ قَوْمِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في صَمِّ آذانِهِمْ عَنْ دَعْوَةِ رَسُولِهِمْ، وقَوْلُهُ ذَلِكَ لَهم إنَّما كانَ بَعْدَ أنْ كَرَّرَ دُعاءَهم زَمَنًا طَوِيلًا فَكانَ ذَلِكَ آخِرَ جَدَلٍ بَيْنَهُ وبَيْنَهم، والنَّبِيءُ ﷺ قَدْ دَعا أهْلَ مَكَّةَ سِنِينَ وقْتَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ ثُمَّ حاوَرَهم وجادَلَهم ولِأنَّ ذَلِكَ الزَّمَنَ هو أعْظَمُ مَوْقِفٍ وقَفَهُ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ قَوْمِهِ، وكانَ هو المَوْقِفُ الفاصِلُ الَّذِي أعْقَبَهُ العَذابُ بِالغَرَقِ.

و”إذْ“ اسْمٌ لِلزَّمَنِ الماضِي، وهو هُنا بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ”نَبَأ“ أوْ مِن نُوحٍ. وفي ذِكْرِ قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وما بَعْدَها تَفْصِيلٌ لِما تَقَدَّمَ إجْمالُهُ مِن قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكم لَمّا ظَلَمُوا وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ [يونس: ١٣]

وضَمِيرُ ”عَلَيْهِمْ“ عائِدٌ إلى ﴿الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [يونس: ٦٠]

والتِّلاوَةُ: القِراءَةُ. وتَقَدَّمَتْ في سُورَةِ الأنْفالِ.

والنَّبَأُ: الخَبَرُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ”﴿ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَأِ المُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤]“ في سُورَةِ الأنْعامِ.

صفحة ٢٣٦

والتَّعْرِيفُ بِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتارِيخِهِ مَضى في أوَّلِ آلِ عِمْرانَ.

وتَعْرِيفُ قَوْمِ نُوحٍ بِطَرِيقِ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ نُوحٍ في قَوْلِهِ: ”﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ إذْ لَيْسَ ثَمَّةَ طَرِيقٍ لِتَعْرِيفِهِمْ غَيْرُ ذَلِكَ إذْ لَمْ يَكُنْ لِتِلْكَ الأُمَّةِ اسْمٌ تُعْرَفُ بِهِ، فَإنَّهم كانُوا أُمَّةً واحِدَةً في الأرْضِ فَلَمْ يَحْصُلْ داعٍ إلى تَسْمِيَتِهِمْ بِاسْمِ جَدٍّ أوْ أرْضٍ إذْ لَمْ يَكُنْ ما يَدْعُو إلى تَمْيِيزِهِمْ إذْ لَيْسَ ثَمَّةَ غَيْرُهم، ألا تَرى إلى حِكايَةِ اللَّهِ عَنْ هُودٍ في قَوْلِهِ لِقَوْمِهِ ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩]، ولَمّا حَكى عَنْ صالِحٍ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ﴾ [الأعراف: ٧٤]

وظَرْفُ“ إذْ ”وما أُضِيفَ إلَيْهِ في مَوْضِعِ الحالِ مِن“ نَبَأ ”نُوحٍ

وافْتِتاحُ خِطابِ نُوحٍ قَوْمَهُ بِـ“ يا قَوْمِ ”إيذانٌ بِأهَمِّيَّةِ ما سَيُلْقِيهِ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّ النِّداءَ طَلَبُ الإقْبالِ. ولَمّا كانَ هُنا لَيْسَ لِطَلَبِ إقْبالِ قَوْمِهِ إلَيْهِ لِأنَّهُ ما ابْتَدَأ خِطابَهم إلّا في مَجْمَعِهِمْ تَعَيَّنَ أنَّ النِّداءَ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في طَلَبِ الإقْبالِ المَجازِيِّ، وهو تَوْجِيهُ أذْهانِهِمْ إلى فَهْمِ ما سَيَقُولُهُ.

واخْتِيارُ التَّعْبِيرِ عَنْهم بِوَصْفِ كَوْنِهِمْ قَوْمَهُ تَحْبِيبٌ لَهم في نَفْسِهِ لِيَأْخُذُوا قَوْلَهُ مَأْخَذَ قَوْلِ النّاصِحِ المُتَطَلِّبِ الخَيْرَ لَهم؛ لِأنَّ المَرْءَ لا يُرِيدُ لِقَوْمِهِ إلّا خَيْرًا. وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ مِنَ المُنادى المُضافِ إلَيْها عَلى الِاسْتِعْمالِ المَشْهُورِ في نِداءِ المُضافِ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ.

ومَعْنى ﴿إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي﴾ شَقَّ عَلَيْكم وأحْرَجَكم.

والكِبَرُ: وفْرَةُ حَجْمِ الجِسْمِ بِالنِّسْبَةِ لِأمْثالِهِ مِن أجْسامِ نَوْعِهِ، ويُسْتَعارُ الكِبَرُ لِكَوْنِ وصْفٍ مِن أوْصافِ الذَّواتِ أوِ المَعانِي أقْوى فِيهِ مِنهُ في أمْثالِهِ مِن نَوْعِهِ، فَقَدْ يَكُونُ مَدْحًا كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلّا عَلى الخاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]، ويَكُونُ ذَمًّا كَقَوْلِهِ: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ [الكهف: ٥]، ويُسْتَعارُ الكِبَرُ لِلْمَشَقَّةِ والحَرَجِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣] وقَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ﴾ [الأنعام: ٣٥] وكَذَلِكَ هُنا.

صفحة ٢٣٧

والمَقامُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مُرادِفٌ لِلْقِيامِ. وقَدِ اسْتُعْمِلَ هُنا في مَعْنى شَأْنِ المَرْءِ وحالِهِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] وقَوْلِهِ: ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا﴾ [مريم: ٧٣] أيْ خَيْرٌ حالَةً وشَأْنًا. وهو اسْتِعْمالٌ مِن قَبِيلِ الكِنايَةِ؛ لِأنَّ مَكانَ المَرْءِ ومَقامَهُ مِن لَوازِمِ ذاتِهِ، وفِيهِما مَظاهِرُ أحْوالِهِ.

وخُصَّ بِالذِّكْرِ مِن أحْوالِهِ فِيهِمْ تَذْكِيرُهُ إيّاهم بِآياتِ اللَّهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِن أهَمِّ شُئُونِهِ مَعَ قَوْمِهِ، فَعَطْفُهُ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ. فَمَعْنى ﴿كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي وتَذْكِيرِي﴾ سَئِمْتُمْ أحْوالِي مَعَكم وخاصَّةً بِتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ.

وتَجَهُّمُ الحَقِّ عَلى أمْثالِهِمْ شِنْشِنَةُ المُتَوَغِّلِينَ في الفَسادِ المَأْسُورِينَ لِلْهَوى إذْ تَقَعُ لَدَيْهِمُ الدَّعْوَةُ إلى الإقْلاعِ عَنْهُ والتَّثْوِيبُ بِهِمْ إلى الرَّشادِ مَوْقِعًا مُرَّ المَذاقِ مِن نُفُوسِهِمْ، شَدِيدَ الإيلامِ لِقُلُوبِهِمْ، لِما في مُنازَعَةِ الحَقِّ نُفُوسَهم مِن صَوْلَةٍ عَلَيْها لا يَسْتَطِيعُونَ الِاسْتِخْفافَ بِها ولا يُطاوِعُهم هَواهم عَلى الإذْعانِ إلَيْها، فَيَتَوَرَّطُونَ في حَيْرَةٍ ومُنازَعَةٍ نَفْسانِيَّةٍ تَثْقُلُ عَلَيْهِمْ، وتَشْمَئِزُّ مِنها نُفُوسُهم، وتُكَدِّرُ عَلَيْهِمْ صَفْوَ انْسِياقِهِمْ مَعَ هَواهم.

وإضافَةُ التَّذْكِيرِ إلى ضَمِيرِهِ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ.

والباءُ في“ بِآياتِ اللَّهِ ”لِتَأْكِيدِ تَعْدِيَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ الثّانِي، والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: تَذْكِيرِي إيّاكم.

و“ آياتِ اللَّهِ ”مَفْعُولٌ ثانٍ لِلتَّذْكِيرِ. يُقالُ: ذَكَّرْتُهُ أمْرًا نَسِيَهُ، فَتَعْدِيَتُهُ بِالباءِ لِتَأْكِيدِ التَّعْدِيَةِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥]، وقَوْلِ مِسْوَرِ بْنِ زِيادَةَ الحارِثِيِّ:

أُذَكِّرُ بِالبُقْيا عَلى مَن أصابَنِي وبُقْيايَ أنِّي جاهِدٌ غَيْرُ مُؤْتَلِي

ولِذَلِكَ قالُوا في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] إنَّ الباءَ لِتَأْكِيدِ اللُّصُوقِ أيْ لُصُوقِ الفِعْلِ بِمَفْعُولِهِ.

صفحة ٢٣٨

و“ آياتِ اللَّهِ ”: دَلائِلُ فَضْلِهِ عَلَيْهِمْ، ودَلائِلُ وحْدانِيَّتِهِ؛ لِأنَّهم لَمّا أشْرَكُوا بِاللَّهِ فَقَدْ نَسُوا تِلْكَ الدَّلائِلَ، فَكانَ يُذَكِّرُهم بِها، وذَلِكَ يُبْرِمُهم ويُحْرِجُهم.

وجُمْلَةُ ﴿فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ جَوابُ شَرْطِ ﴿إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي﴾ بِاعْتِبارِ أنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ تَضَمَّنَ أنَّ إنْكارَهُ عَلَيْهِمْ قَدْ بَلَغَ مِن نُفُوسِهِمْ ما لا طاقَةَ لَهم بِحَمْلِهِ، وأنَّهم مُتَهَيِّئُونَ لِمُدافَعَتِهِ فَأنْبَأهم أنَّ احْتِمالَ صُدُورِ الدِّفاعِ مِنهم، وهم في كَثْرَةٍ ومَنَعَةٍ وهو في قِلَّةٍ وضَعْفٍ، لا يَصُدُّهُ عَنِ اسْتِمْرارِ الدَّعْوَةِ، وأنَّهُ وإنْ كانَ بَيْنَهم وحِيدًا فَذَلِكَ يُوهِنُهُ لِأنَّهُ مُتَوَكِّلٌ عَلى اللَّهِ.

ولِأجْلِ هَذا قُدِّمَ المَجْرُورُ عَلى عامِلِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أيْ لا عَلى غَيْرِهِ.

والتَّوَكُّلُ: التَّعْوِيلُ عَلى مَن يُدَبِّرُ أمْرَهُ. وقَدْ مَرَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

والفاءُ في ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكُمْ﴾ لِلتَّفْرِيعِ عَلى جُمْلَةِ ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ فَلِلْجُمْلَةِ المُفَرَّعَةِ حُكْمُ جَوابِ الشَّرْطِ لِأنَّها مُفَرَّعَةٌ عَلى جُمْلَةِ الجَوابِ، ألا تَرى أنَّهُ لَوْلا قَصْدُهُ المُبادَرَةَ بِإعْلامِهِمْ أنَّهُ غَيْرُ مُكْتَرِثٍ بِمُناوَأتِهِمْ لَكانَ مُقْتَضى ظاهِرِ الكَلامِ أنْ يَقُولَ: إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي إلَخْ، فَأجْمِعُوا أمْرَكم فَإنِّي عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ، كَما قالَ هُودٌ لِقَوْمِهِ ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي﴾ [هود: ٥٥] ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ [هود: ٥٦]

وإجْماعُ الأمْرِ: العَزْمُ عَلى الفِعْلِ بَعْدَ التَّرَدُّدِ بَيْنَ فِعْلِهِ وفِعْلٍ ضِدَّهُ. وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الجَمْعِ الَّذِي هو ضِدُّ التَّفْرِيقِ؛ لِأنَّ المُتَرَدِّدَ في ماذا يَعْمَلُهُ تَكُونُ عِنْدَهُ أشْياءُ مُتَفَرِّقَةٌ فَهو يَتَدَبَّرُ ويَتَأمَّلُ فَإذا اسْتَقَرَّ رَأْيُهُ عَلى شَيْءٍ مِنها فَقَدْ جَمَعَ ما كانَ مُتَفَرِّقًا. فالهَمْزَةُ فِيهِ لِلْجَعْلِ، أيْ جَعَلَ أمْرَهُ جَمْعًا بَعْدَ أنْ كانَ مُتَفَرِّقًا.

ويَقُولُونَ: جاءُوا وأمْرُهم جَمِيعٌ، أيْ مَجْمُوعٌ غَيْرُ مُتَفَرِّقٍ بِوُجُوهِ الِاخْتِلافِ.

والأمْرُ: هو شَأْنُهم مِن قَصْدِ دَفْعِهِ وأذاهُ وتَرَدُّدِهِمْ في وُجُوهِ ذَلِكَ ووَسائِلِهِ.

صفحة ٢٣٩

و“ شُرَكاءَكم ”مَنصُوبٌ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ. والواوُ بِمَعْنى“ مَعَ ”أيْ أجْمِعُوا أمْرَكم ومَعَكم شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ تَسْتَنْصِرُونَ بِهِمْ.

وقَرَأ يَعْقُوبُ“ وشُرَكاؤُكم ”مَرْفُوعًا عَطْفًا عَلى ضَمِيرِ“ فَأجْمِعُوا ”، وسَوَّغَهُ الفَصْلُ بَيْنَ الضَّمِيرِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ بِالمَفْعُولِ. والمَعْنى: ولْيَجْمَعْ شُرَكاؤُكم أمْرَهم.

وصِيغَةُ الأمْرِ في قَوْلِهِ:“ فَأجْمِعُوا ”مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّسْوِيَةِ، أيْ إنَّ عَزْمَهم لا يَضِيرُهُ بِحَيْثُ هو يُغْرِيهِمْ بِأخْذِ الأُهْبَةِ التّامَّةِ لِمُقاوَمَتِهِ. وزادَ ذِكْرُ شُرَكائِهِمْ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا يَخْشاها لِأنَّها في اعْتِقادِهِمْ أشَدُّ بَطْشًا مِنَ القَوْمِ، وذَلِكَ تَهَكُّمٌ بِهِمْ، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قُلُ ادْعُوا شُرَكاءَكم ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥]

وعَطْفُ جُمْلَةِ ﴿ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً﴾ بِثُمَّ الدّالَّةِ عَلى التَّراخِي في الرُّتْبَةِ لِما تَتَضَمَّنُهُ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ مِنَ التَّرَقِّي في قِلَّةِ مُبالاتِهِ بِما يُهَيِّئُونَهُ لَهُ مِنَ الضُّرِّ بِحَيْثُ يَتَصَدّى لَهم تَصَدِّي المُشِيرِ بِما يُسَهِّلُ لَهُمُ البُلُوغَ إلى الإضْرارِ بِهِ الَّذِي يَنْوُونَهُ وإزالَةَ العَوائِقِ الحائِلَةِ دُونَ مَقْصِدِهِمْ. وجاءَ بِما ظاهِرُهُ نَهْيُ أمْرِهِمْ عَنْ أنْ يَكُونَ غُمَّةً عَلَيْهِمْ مُبالَغَةً في نَهْيِهِمْ عَنِ التَّرَدُّدِ في تَبَيُّنِ الوُصُولِ إلى قَصْدِهِمْ حَتّى كَأنَّ شَأْنَهم هو المَنهِيُّ عَنْ أنْ يَكُونَ التِباسًا عَلَيْهِمْ، أيِ اجْتَهِدُوا في أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ.

والغُمَّةُ: اسْمُ مَصْدَرٍ لِلْغَمِّ. وهو السِّتْرُ. والمُرادُ بِها في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ السِّتْرُ المَجازِيُّ، وهو انْبِهامُ الحالِ، وعَدَمُ تَبَيُّنِ السَّدادِ فِيهِ، ولَعَلَّ هَذا التَّرْكِيبَ جَرى مَجْرى المَثَلِ فَقَدْ قالَ طَرَفَةُ مِن قَبْلُ:

لَعَمْرُكَ ما أمْرِي عَلَيَّ بِغُمَّةٍ ∗∗∗ نَهارِي ولا لَيْلِي عَلَيَّ بِسَرْمَدِ

وإظْهارُ لَفْظِ الأمْرِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً﴾ مَعَ أنَّهُ عَيْنُ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكُمْ﴾ لِكَوْنِ هَذا التَّرْكِيبِ مِمّا جَرى مَجْرى المَثَلِ فَيَقْتَضِي أنْ لا تُغَيَّرَ ألْفاظُهُ.

صفحة ٢٤٠

و“ ثُمَّ ”في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ﴾“ لِلتَّراخِي في الرُّتْبةِ، فَإنَّ رُتْبَةَ إنْفاذِ الرَّأْيِ بِما يُزْمِعُونَ عَلَيْهِ مِن أذاهُ أقْوى مِن تَدْبِيرِ ذَلِكَ، ومِن رُتْبَةِ إجْماعِ الرَّأْيِ عَلَيْهِ فَهو ارْتِقاءٌ مِنَ الشَّيْءِ إلى أعْلى مِنهُ، فَعُطِفَ بِـ ”ثُمَّ“ الَّتِي تُفِيدُ التَّراخِي في الرُّتْبَةِ في عَطْفِها الجُمَلَ.

و”اقْضُوا“ أمْرٌ مِنَ القَضاءِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ القَضاءِ بِمَعْنى الإتْمامِ والفَصْلِ، أيِ أنْفِذُوا ما تَرَوْنَهُ مِنَ الإضْرارِ بِي.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ القَضاءِ بِمَعْنى الحُكْمِ، وهو قَرِيبٌ مِنَ الوَجْهِ الأوَّلِ، أيْ أنْفِذُوا حُكْمَكم.

وعُدِّيَ بِـ ”إلى“ دُونَ ”عَلى“ لِأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى الإبْلاغِ والإيصالِ تَنْصِيصًا عَلى مَعْنى التَّنْفِيذِ بِالفِعْلِ؛ لِأنَّ القَضاءَ يَكُونُ بِالقَوْلِ فَيَعْقُبُهُ التَّنْفِيذُ أوِ الإرْجاءُ أوِ العَفْوُ، ويَكُونُ بِالفِعْلِ، فَهو قَضاءٌ بِتَنْفِيذٍ، ويُسَمّى عِنْدَ الفُقَهاءِ بِالقَضاءِ الفِعْلِيِّ.

وقَوْلُهُ: ”﴿ولا تُنْظِرُونِ﴾“ تَأْكِيدٌ لِمَدْلُولِ التَّضْمِينِ المُشارِ إلَيْهِ بِحَرْفِ ”إلى“ . والإنْظارُ التَّأْخِيرُ، وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ مِن ”تُنْظِرُونَ“ لِلتَّخْفِيفِ، وهو حَذْفٌ كَثِيرٌ في فَصِيحِ الكَلامِ، وبَقاءُ نُونِ الوِقايَةِ مُشْعِرٌ بِها.

10:72Page 217

فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَمَا سَأَلۡتُكُم مِّنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۖ وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ٧٢

And if you turn away [from my advice] - then no payment have I asked of you. My reward is only from Allāh, and I have been commanded to be of the Muslims [i.e., those who submit to Allāh]."

﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾

الفاءُ لِتَفْرِيعِ الكَلامِ عَلى الكَلامِ فَجُمْلَةُ الشَّرْطِ وجَوابُهُ مُفَرَّعَتانِ عَلى الجُمْلَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ، ولَمّا كانَ تَوَلِّيهِمْ عَنْ دَعْوَتِهِ قَدْ وقَعَ واسْتَمَرَّ تَعَيَّنَ أنَّ جَعْلَ التَّوَلِّي في جُمْلَةِ الشَّرْطِ مُرادٌ بِهِ ما كانَ حَصَلَ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ جَوابَ الشَّرْطِ الَّذِي هو شَيْءٌ قَدْ وقَعَ أيْضًا. وإنَّما قُصِدَ إقْرارُهم بِهِ قَطْعًا لِتَعَلُّلاتِهِمْ واسْتِقْصاءً لِقَطْعِ مَعاذِيرِهِمْ. والمَعْنى:

صفحة ٢٤١

فَإنْ كُنْتُمْ قَدْ تَوَلَّيْتُمْ فَقَدْ عَلِمْتُمْ أنِّي ما سَألْتُكم أجْرًا فَتَتَّهِمُونِي بِرَغْبَةٍ في نَفْعٍ يَنْجَرُّ لِي مِن دَعْوَتِكم حَتّى تُعْرِضُوا عَنْها شُحًّا بِأمْوالِكم أوِ اتِّهامًا بِتَكْذِيبِي، وهَذا إلْزامٌ لَهم بِأنَّ تَوَلِّيَهم لَمْ يَكُنْ فِيهِ احْتِمالُ تُهْمَتِهِمْ إيّاهُ بِتَطَلُّبِ نَفْعٍ لِنَفْسِهِ. وبِذَلِكَ بَرَّأ نَفْسَهُ مِن أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِتَوَلِّيهِمْ، وبِهَذا تَعَيَّنَ أنَّ المُعَلَّقَ بِهَذا الشَّرْطِ هو التَّحَقُّقُ بَيْنَ مَضْمُونِ جُمْلَةِ الشَّرْطِ وجُمْلَةِ الجَزاءِ لا وُقُوعُ جُمْلَةِ الجَزاءِ عِنْدَ وُقُوعِ جُمْلَةِ الشَّرْطِ. وذَلِكَ مِثْلَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦] في آخِرِ سُورَةِ العُقُودِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنكم آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا﴾ [الأعراف: ٨٧] في سُورَةِ الأعْرافِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ تَعْمِيمٌ لِنَفْيِ تَطَلُّبِهِ أجْرًا عَلى دَعْوَتِهِمْ سَواءٌ مِنهم أمْ مِن غَيْرِهِمْ، فالقَصْرُ حَقِيقِيٌّ وبِهِ يَحْصُلُ تَأْكِيدُ جُمْلَةِ ﴿فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ﴾ مَعَ زِيادَةِ التَّعْمِيمِ. وطَرِيقُ جَزْمِهِ بِأنَّ اللَّهَ يُؤْجِرُهُ عَلى ذَلِكَ هو وعْدُ اللَّهِ إيّاهُ بِهِ بِما أوْحى إلَيْهِ.

وأتى بِحَرْفِ ”عَلى“ المُفِيدِ لِكَوْنِهِ حَقًّا لَهُ عِنْدَ اللَّهِ بِناءً عَلى وعْدِ اللَّهِ إيّاهُ وأعْلَمَهُ بِأنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ، فَصارَ بِالوَعْدِ حَقًّا عَلى اللَّهِ التَزَمَ اللَّهُ بِهِ.

والأجْرُ: العِوَضُ الَّذِي يُعْطى لِأجْلِ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ آخِذُ العِوَضِ.

وجُمْلَةُ ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ الجَوابِ، والتَّقْدِيرُ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ، أيْ أمَرَنِي اللَّهُ أنْ أتَّبِعَ الدِّينَ الحَقَّ ولَوْ كُنْتُ وحْدِي. وهَذا تَأْيِيسٌ لَهم بِأنَّ إجْماعَهم عَلى التَّوَلِّي عَنْهُ لا يَفُلُّ حَدَّهُ ولا يَصُدُّهُ عَنْ مُخالَفَةِ دِينِهِمُ الضَّلّالِ.

وبُنِيَ فِعْلُ ”أُمِرْتُ“ لِلْمَجْهُولِ في اللَّفْظِ لِلْعِلْمِ بِهِ، إذْ مِنَ المَعْلُومِ مِن سِياقِ الكَلامِ أنَّ الَّذِي أمَرَهُ هو اللَّهُ تَعالى.

وقَوْلُهُ: ﴿أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيْ مِنَ الفِئَةِ الَّتِي يَصْدُقُ عَلَيْها هَذا الوَصْفُ وهو الإسْلامُ، أيْ تَوْحِيدُ اللَّهِ دُونَ عِبادَةِ شَرِيكٍ؛ لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن إسْلامِ العِبادَةِ

صفحة ٢٤٢

وتَخْلِيصِها لِلَّهِ - تَعالى - دُونَ غَيْرِهِ. كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران: ٢٠]

وقَدْ سُمِّيَ التَّوْحِيدُ ودِينُ الحَقِّ الخالِصُ إسْلامًا في مُخْتَلِفِ العُصُورِ وسَمّى اللَّهُ بِهِ سُنَنَ الرُّسُلِ فَحَكاهُ عَنْ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هُنا وعَنْ إبْراهِيمَ بِقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]، وعَنْ إسْماعِيلَ ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]، ويَعْقُوبَ وبَنِيهِ إذْ حَكى عَنْهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ، وعَنْ يُوسُفَ ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ [يوسف: ١٠١]، وعَنْ مُوسى قالَ ﴿وقالَ مُوسى يا قَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤]، وعَنْ سُلَيْمانَ ﴿ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣١]، وعَنْ عِيسى والحَوارِيِّينَ ﴿قالُوا آمَنّا واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١] . وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ مُفَصَّلًا عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أقْوى في الدَّلالَةِ عَلى الِاتِّصافِ بِالإسْلامِ مِن: أنْ أكُونَ مُسْلِمًا، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] في سُورَةِ ”بَراءَةٌ“ .

10:73Page 217

فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيۡنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَجَعَلۡنَٰهُمۡ خَلَٰٓئِفَ وَأَغۡرَقۡنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُنذَرِينَ ٧٣

And they denied him, so We saved him and those with him in the ship and made them successors, and We drowned those who denied Our signs. Then see how was the end of those who were warned.

﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ وجَعَلْناهم خَلائِفَ وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾

الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ الذِّكْرِيِّ، أيْ تَفْرِيعِ ذِكْرِ هَذِهِ الجُمَلِ السّابِقَةِ لِأنَّ الشَّأْنَ أنْ تَكُونَ لِما بَعْدَ الفاءِ مُناسَبَةٌ لِما قَبْلَها تَقْتَضِي أنْ يُذْكَرَ بَعْدَها فَيُؤْتى بِالفاءِ لِلْإشارَةِ إلى تِلْكَ المُناسَبَةِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٧٢]، وإلّا فَإنَّ تَكْذِيبَ قَوْمِ نُوحٍ حَصَلَ قَبْلَ أنْ يَقُولَ لَهم ﴿إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي﴾ [يونس: ٧١] إلَخْ؛ لِأنَّهُ ما قالَ لَهم ذَلِكَ إلّا وقَدْ رَأى مِنهم تَجَهُّمَ دَعْوتِهِ.

صفحة ٢٤٣

ولَكَ أنْ تَجْعَلَ مَعْنى فِعْلِ كَذَّبُوهُ الِاسْتِمْرارَ عَلى تَكْذِيبِهِ مِثْلَ فِعْلِ آمَنُوا في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، فَتَكُونُ الفاءُ لِتَفْرِيعِ حُصُولِ ما بَعْدَها عَلى حُصُولِ ما قَبْلَها.

وأمّا الفاءُ الَّتِي في جُمْلَةِ فَنَجَّيْناهُ فَهي لِلتَّرْتِيبِ والتَّعْقِيبِ؛ لِأنَّ تَكْذِيبَ قَوْمِهِ قَدِ اسْتَمَرَّ إلى وقْتِ إغْراقِهِمْ وإنْجاءِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَنِ اتَّبَعَهُ. وهَذا نَظْمٌ بَدِيعٌ وإيجازٌ مُعْجِزٌ إذْ رَجَعَ الكَلامُ إلى التَّصْرِيحِ بِتَكْذِيبِ قَوْمِهِ الَّذِي لَمْ يُذْكَرْ قَبْلُ بَلْ أُشِيرَ لَهُ ضِمْنًا بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي﴾ [يونس: ٧١] الآيَةَ، فَكانَ كَرَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ. ثُمَّ أُشِيرَ إلى اسْتِمْرارِهِ في الأزْمِنَةِ كُلِّها حَتى انْتَهى بِإغْراقِهِمْ، فَذَكَرَ إنْجاءَ نُوحٍ وإغْراقَ المُكَذِّبِينَ لَهُ، وبِذَلِكَ عادَ الكَلامُ إلى ما عَقِبَ مُجادَلَةِ نُوحٍ الأخِيرَةِ قَوْمَهُ المُنْتَهِيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧٢] فَكانَ تَفَنُّنًا بَدِيعًا في النَّظْمِ مَعَ إيجازٍ بَهِيجٍ.

وتَقَدَّمَ ذِكْرُ إنْجائِهِ قَبْلَ ذِكْرِ الإغْراقِ الَّذِي وقَعَ الإنْجاءُ مِنهُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ إنْجاءَهُ أهَمُّ عِنْدَ اللَّهِ - تَعالى - مِن إغْراقِ مُكَذِّبِيهِ، ولِتَعْجِيلِ المَسَرَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ السّامِعِينَ لِهَذِهِ القِصَّةِ.

والفُلْكُ: السَّفِينَةُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والخَلائِفُ: جَمْعُ خَلِيفَةٍ وهو اسْمٌ لِلَّذِي يَخْلُفُ غَيْرَهُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وصِيغَةُ الجَمْعِ هُنا بِاعْتِبارِ الَّذِينَ مَعَهُ في الفُلْكِ تَفَرَّعَ عَلى كُلِّ زَوْجَيْنِ مِنهم أمَةٌ.

وتَعْرِيفُ قَوْمِ نُوحٍ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ لِلْإيماءِ إلى سَبَبِ تَعْذِيبِهِمْ بِالغَرَقِ، وأنَّهُ التَّكْذِيبُ بِآياتِ اللَّهِ إنْذارًا لِلْمُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ ولِذَلِكَ ذُيِّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾، أيِ المُنْذَرِينَ بِالعَذابِ المُكَذِّبِينَ بِالإنْذارِ.

صفحة ٢٤٤

والنَّظَرُ: هُنا نَظَرُ عَيْنٍ، نُزِّلَ خَبَرُهم لِوُضُوحِهِ واليَقِينِ بِهِ مَنزِلَةَ المُشاهَدِ.

والخِطابُ بِـ انْظُرْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ مَن يَسْمَعُ فَلا يُرادُ بِهِ مُخاطَبٌ مُعَيَّنٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ فَخُصَّ بِالخِطابِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ بِأنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ يُوشِكُ أنْ يُصِيبَهم مِنَ العَذابِ نَحْوٌ مِمّا أصابَ قَوْمَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لَهُ عَلى ما يُلاقِيهِ مِن أذاهم وإظْهارٌ لِعِنايَةِ اللَّهِ بِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском