Ibn 'AshurAr‑Ra'd · 13:11–15

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ar-Ra'd 13:11–15

13:11Page 250

لَهُۥ مُعَقِّبَٰتٞ مِّنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ يَحۡفَظُونَهُۥ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ سُوٓءٗا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ ١١

For him [i.e., each one] are successive [angels]1 before and behind him who protect him by the decree of Allāh.2 Indeed, Allāh will not change the condition of a people until they change what is in themselves. And when Allāh intends for a people ill,3 there is no repelling it. And there is not for them besides Him any patron.

﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ جُمْلَةُ (لَهُ مُعَقِّباتٌ) إلى آخِرِها، يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً بِـ (مَنِ) المَوْصُولَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ ومَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ [الرعد: ١٠] . عَلى أنَّ الجُمْلَةَ خَبَرٌ ثانٍ عَنْ (مَن أسَرَّ القَوْلَ) وما عُطِفَ عَلَيْهِ.

والضَّمِيرُ في (لَهُ) والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في (يَحْفَظُونَهُ)، وضَمِيرا (مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ) جاءَتْ مُفْرَدَةً؛ لِأنَّ كُلًّا مِنها عائِدٌ إلى أحَدِ أصْحابِ تِلْكَ الصَّلاةِ حَيْثُ إنَّ ذِكْرَهم ذِكْرُ أقْسامٍ مِنَ الَّذِينَ جُعِلُوا سَواءً في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، أيْ لِكُلِّ مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ ومَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسارِبٌ بِالنَّهارِ مُعَقِّباتٌ يَحْفَظُونَهُ مِن غَوائِلِ تِلْكَ الأوْقاتِ.

ويَجُوزُ أنْ تَتَّصِلَ الجُمْلَةُ بِـ (﴿مَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ [الرعد: ١٠])، وإفْرادُ الضَّمِيرِ لِمُراعاةِ عَطْفِ صِلَةٍ عَلى صِلَةٍ دُونَ ٧ إعادَةِ المَوْصُولِ. والمَعْنى كالوَجْهِ الأوَّلِ.

والمُعَقِّباتُ جُمَعُ مُعَقِّبَةٍ بِفَتْحِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ القافِ مَكْسُورَةً اسْمُ فاعِلِ عَقَبَهُ إذا تَبِعَهُ. وصِيغَةُ التَّفْعِيلِ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ في العَقِبِ. يُقالُ: عَقَبَهُ إذا اتَّبَعَهُ واشْتِقاقُهُ مِنَ العَقِبِ بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ وهو اسْمٌ لِمُؤَخَّرِ الرَّجُلِ فَهو فِعْلٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الِاسْمِ الجامِدِ؛ لِأنَّ الَّذِي يَتْبَعُ غَيْرَهُ كَأنَّهُ يَطَأُ عَلى عَقِبَهُ، والمُرادُ: مَلائِكَةٌ مُعَقِّباتٌ. والواحِدُ مُعَقِّبٌ. وإنَّما جُمِعَ جَمْعَ مُؤَنَّثٍ بِتَأْوِيلِ الجَماعاتِ.

صفحة ١٠١

والحِفْظُ: المُراقَبَةُ، ومِنهُ سُمِّي الرَّقِيبُ حَفِيظًا، والمَعْنى: يُراقِبُونَ كُلَّ أحَدٍ في أحْوالِهِ مِن إسْرارٍ وإعْلانٍ، وسُكُونٍ وحَرَكَةٍ، أيْ في أحْوالِ ذَلِكَ، قالَ تَعالى ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ [الإنفطار: ١٠] .

و(﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾) مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الإحاطَةِ مِنَ الجِهاتِ كُلِّها. وقَوْلُهُ (﴿مِن أمْرِ اللَّهِ﴾) صِفَةُ (﴿مُعَقِّباتٌ﴾)، أيْ جَماعاتٌ مِن جُنْدِ اللَّهِ وأمْرِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]) وقَوْلِهِ (﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢]) يَعْنِي القُرْآنَ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الحِفْظُ عَلى الوَجْهِ المُرادِ بِهِ الوِقايَةُ والصِّيانَةُ، أيْ يَحْفَظُونَ مَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسارِبٌ بِالنَّهارِ، أيْ يَقُونَهُ أضْرارَ اللَّيْلِ مِنَ اللُّصُوصِ وذَواتِ السُّمُومِ، وأضْرارَ النَّهارِ نَحْوَ الزِّحامِ والقِتالِ، فَيَكُونُ (﴿مِن أمْرِ اللَّهِ﴾) جارًّا ومَجْرُورًا لَغْوًا مُتَعَلِّقًا بِـ (﴿يَحْفَظُونَهُ﴾)، أيْ يَقُونَهُ مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ. وهَذا مِنَّةٌ عَلى العِبادِ بِلُطْفِ اللَّهِ بِهِمْ وإلّا لَكانَ أدْنى شَيْءٍ يَضُرُّ بِهِمْ. قالَ تَعالى ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ [الشورى: ١٩] .

* * *

﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ وإذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وما لَهم مِن دُونِهِ مِن والٍ﴾

جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمَلِ المُتَقَدِّمَةِ المَسُوقَةِ لِلِاسْتِدْلالِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وعِلْمِهِ بِمَصْنُوعاتِهِ وبَيْنَ التَّذْكِيرِ بِقُوَّةِ قُدْرَتِهِ وبَيْنَ جُمْلَةِ (﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ [الرعد: ١٢])، والمَقْصُودُ تَحْذِيرُهم مِنِ الإصْرارِ عَلى الشِّرْكِ بِتَحْذِيرِهِمْ مِن حُلُولِ العِقابِ في الدُّنْيا في مُقابَلَةِ اسْتِعْجالِهِمْ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ، ذَلِكَ أنَّهم كانُوا في نِعْمَةٍ مِنَ العَيْشِ فَبَطَرُوا النِّعْمَةَ وقابَلُوا دَعْوَةَ الرَّسُولِ ﷺ بِالهُزْءِ وعامَلُوا المُؤْمِنِينَ بِالتَّحْقِيرِ قالُوا ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١] .

صفحة ١٠٢

فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ بِنِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ ونَبَّهَهم إلى أنَّ زَوالَها لا يَكُونُ إلّا بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ بَعْدَ ما أنْذَرَهم ودَعاهم.

والتَّغْيِيرُ: التَّبْدِيلُ بِالمُغايِرِ، فَلا جَرَمَ أنَّهُ تَهْدِيدٌ لِأُولِي النَّعْمَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ بِأنَّهم قَدْ تَعَرَّضُوا لِتَغْيِيرِها. فَماصَدَقَ (ما) المَوْصُولَةِ حالَةٌ، والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ حالَةٌ مُلابِسَةٌ لِقَوْمٍ، أيْ حالَةُ نِعْمَةٍ لِأنَّها مَحَلُّ التَّحْذِيرِ مِنَ التَّغْيِيرِ، وأمّا غَيْرُها فَتَغْيِيرُهُ مَطْلُوبٌ. وأُطْلِقَ التَّغْيِيرُ في قَوْلِهِ (حَتّى يُغَيِّرُوا) عَلى التَّسَبُّبِ فِيهِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ.

وجُمْلَةُ ﴿وإذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ﴾ تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومِ الغايَةِ المُسْتَفادِ مِن ﴿حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ تَأْكِيدًا لِلتَّحْذِيرِ؛ لِأنَّ المَقامَ لِكَوْنِهِ مَقامَ خَوْفٍ ووَجَلٍ يَقْتَضِي التَّصْرِيحَ دُونَ التَّعْرِيضِ ولا ما يَقْرُبُ مِنهُ، أيْ إذا أرادَ اللَّهُ أنْ يُغَيِّرَ ما بِقَوْمٍ حِينَ يُغَيِّرُونَ ما بِأنْفُسِهِمْ لا يَرُدُّ إرادَتَهُ شَيْءٌ. وذَلِكَ تَحْذِيرٌ مِنَ الغُرُورِ أنْ يَقُولُوا: سَنَسْتَرْسِلُ عَلى ما نَحْنُ فِيهِ فَإذا رَأيْنا العَذابَ آمَنّا. وهَذا كَقَوْلِهِ ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس: ٩٨] الآيَةَ.

وجُمْلَةُ (﴿وما لَهم مِن دُونِهِ مِن والٍ﴾) زِيادَةٌ في التَّحْذِيرِ مِنَ الغُرُورِ لِئَلّا يَحْسَبُوا أنَّ أصْنامَهم شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ.

والوالِي: الَّذِي يَلِي أمْرَ أحَدٍ، أيْ يَشْتَغِلُ بِأمْرِهِ اشْتِغالَ تَدْبِيرٍ ونَفْعٍ، مُشْتَقٌّ مِن ولِيَ إذا قَرُبَ، وهو قُرْبُ مُلابَسَةٍ ومُعالَجَةٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (مِن والٍ) بِتَنْوِينِ (والٍ) دُونَ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِياءٍ بَعْدَ اللّامِ وقْفًا فَقَطْ دُونَ الوَصْلِ كَما عَلِمْتَهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [الرعد: ٣٣] في هَذِهِ السُّورَةِ.

13:12–13Page 250

هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلۡبَرۡقَ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَيُنشِئُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ ١٢

It is He who shows you lightning, [causing] fear and aspiration, and generates the heavy clouds.

وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعۡدُ بِحَمۡدِهِۦ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ مِنۡ خِيفَتِهِۦ وَيُرۡسِلُ ٱلصَّوَٰعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمۡ يُجَٰدِلُونَ فِي ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلۡمِحَالِ ١٣

And the thunder exalts [Allāh] with praise of Him - and the angels [as well] from fear of Him - and He sends thunderbolts and strikes therewith whom He wills while they dispute about Allāh; and He is severe in assault.

صفحة ١٠٣

﴿هو الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا ويُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ ﴿ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ والمَلائِكَةُ مَن خِيفَتِهِ ويُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَن يَشاءُ وهم يُجادِلُونَ في اللَّهِ وهْوَ شَدِيدُ المِحالِ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ عَلى أُسْلُوبِ تَعْدادِ الحُجَجِ الواحِدَةُ تُلْوى الأُخْرى، فَلِأجْلِ أُسْلُوبِ التَّعْدادِ إذْ كانَ كالتَّكْرِيرِ لَمْ يُعْطَفْ عَلى جُمْلَةِ (﴿سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ﴾ [الرعد: ١٠]) .

وقَدْ أعْرَبَ هَذا عَنْ مَظْهَرٍ مِن مَظاهِرِ قُدْرَةِ اللَّهِ وعَجِيبِ صُنْعِهِ. وفِيهِ مِنَ المُناسَبَةِ لِلْإنْذارِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ﴾ [الرعد: ١١] إلَخْ أنَّهُ مِثالٌ لِتَصَرُّفِ اللَّهِ بِالإنْعامِ والِانْتِقامِ في تَصَرُّفٍ واحِدٍ مَعَ تَذْكِيرِهِمْ بِالنِّعْمَةِ الَّتِي هم فِيها. وكُلُّ ذَلِكَ مُناسِبٌ لِمَقاصِدِ الآياتِ الماضِيَةِ في قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى﴾ [الرعد: ٨] وقَوْلِهِ (﴿وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ [الرعد: ٨])، فَكانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ جَدِيرَةً بِالِاسْتِقْلالِ وأنْ يُجاءَ بِها مُسْتَأْنَفَةً لِتَكُونَ مُسْتَقِلَّةً في عِدادِ الجُمَلِ المُسْتَقِلَّةِ الوارِدَةِ في غَرَضِ السُّورَةِ.

وجاءَ هُنا بِطَرِيقِ الخِطابِ عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ ﴿سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ﴾ [الرعد: ١٠]؛ لِأنَّ الخَوْفَ والطَّمَعَ يَصْدُرانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ ويُهَدَّدُ بِهِما الكَفَرَةُ.

وافْتُتِحَتِ الجُمْلَةُ بِضَمِيرِ الجَلالَةِ دُونَ اسْمِ الجَلالَةِ المُفْتَتَحِ بِهِ في الجُمَلِ السّابِقَةِ، فَجاءَتْ عَلى أُسْلُوبٍ مُخْتَلِفٍ. وأحْسَبُ أنَّ ذَلِكَ مُراعاةٌ لِكَوْنِ هاتِهِ الجُمْلَةِ مُفَرَّعَةً عَنْ أغْراضِ الجُمَلِ السّابِقَةِ فَإنَّ جُمَلَ فَواتِحِ الأغْراضِ افْتُتِحَتْ بِالِاسْمِ العَلَمِ كَقَوْلِهِ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ [الرعد: ٢] وقَوْلِهِ ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى﴾ [الرعد: ٨] وقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ﴾ [الرعد: ١١]، وجُمَلُ التَّفارِيعِ افْتُتِحَتْ بِالضَّمائِرِ كَقَوْلِهِ ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ [الرعد: ٢] وقَوْلِهِ ﴿وهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ﴾ [الرعد: ٣] وقَوْلِهِ ﴿جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ﴾ [الرعد: ٣] .

و﴿خَوْفًا وطَمَعًا﴾ مَصْدَرانِ بِمَعْنى التَّخْوِيفِ والإطْماعِ، فَهُما في مَحَلِّ المَفْعُولِ لِأجْلِهِ لِظُهُورِ المُرادِ.

صفحة ١٠٤

وجَعَلَ البَرْقَ آيَةً نِذارَةً وبِشارَةً مَعًا لِأنَّهم كانُوا يُسَمُّونَ البَرْقَ فَيَتَوَسَّمُونَ الغَيْثَ وكانُوا يَخْشَوْنَ صَواعِقَهُ.

وإنْشاءُ السَّحابِ: تَكْوِينُهُ مِن عَدَمٍ بِإثارَةِ الأبْخِرَةِ الَّتِي تَتَجَمَّعُ سَحابًا.

والسَّحابُ: اسْمُ جَمْعٍ لِسَحابَةٍ. والثِّقالُ: جَمْعُ ثَقِيلَةٍ. والثِّقْلُ كَوْنُ الجِسْمِ أكْثَرَ كَمِّيَّةِ أجْزاءٍ مِن أمْثالِهِ، فالثِّقْلُ أمْرٌ نِسْبِيٌّ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ أنْواعِ الأجْسامِ، فَرُبَّ شَيْءٍ يُعَدُّ ثَقِيلًا في نَوْعِهِ وهو خَفِيفٌ بِالنِّسْبَةِ لِنَوْعٍ آخَرَ. والسَّحابُ يَكُونُ ثَقِيلًا بِمِقْدارِ ما في خِلالِهِ مِنَ البُخارِ. وعَلامَةُ ثِقَلِهِ قُرْبُهُ مِنَ الأرْضِ وبُطْءُ تَنَقُّلِهِ بِالرِّياحِ. والخَفِيفُ مِنهُ يُسَمّى جَهامًا.

وعَطَفَ الرَّعْدَ عَلى ذِكْرِ البَرْقِ والسَّحابِ لِأنَّهُ مُقارِنُهُما في كَثِيرٍ مِنَ الأحْوالِ.

ولَمّا كانَ الرَّعْدُ صَوْتًا عَظِيمًا جَعَلَ ذِكْرَهُ عِبْرَةً لِلسّامِعِينَ؛ لِدَلالَةِ الرَّعْدِ بِلَوازِمَ عَقْلِيَّةٍ عَلى أنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَمّا يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ مِنِ ادِّعاءِ الشُّرَكاءِ، وكانَ شَأْنُ تِلْكَ الدَّلالَةِ أنْ تَبْعَثَ النّاظِرَ فِيها عَلى تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنِ الشَّرِيكِ، جَعَلَ صَوْتَ الرَّعْدِ دَلِيلًا عَلى تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى، فَإسْنادُ التَّسْبِيحِ إلى الرَّعْدِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ اسْتِعارَةً مَكْنِيَّةً بِأنْ شُبِّهَ الرَّعْدُ بِآدَمِيٍّ يُسَبِّحُ اللَّهَ تَعالى، وأُثْبِتَ شَيْءٌ مِن عَلائِقِ المُشَبَّهِ بِهِ وهو التَّسْبِيحُ، أيْ قَوْلُ سُبْحانَ اللَّهِ.

والباءُ في (بِحَمْدِهِ) لِلْمُلابَسَةِ، أيْ يُنَزِّهُ اللَّهَ تَنْزِيهًا مُلابِسًا لِحَمْدِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ دالٌّ عَلى اقْتِرابِ نُزُولِ الغَيْثِ وهو نِعْمَةٌ تَسْتَوْجِبُ الحَمْدَ. فالقَوْلُ في مُلابَسَةِ الرَّعْدِ لِلْحَمْدِ مُساوٍ لِلْقَوْلِ في إسْنادِ التَّسْبِيحِ إلى الرَّعْدِ. فالمُلابَسَةُ مَجازِيَّةٌ عَقْلِيَّةٌ أوِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ.

و(المَلائِكَةُ) عَطْفٌ عَلى الرَّعْدِ، أيْ وتُسَبِّحُ المَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ، أيْ مِن خَوْفِ اللَّهِ.

و(مِن) لِلتَّعْلِيلِ، أيْ يُنَزِّهُونَ اللَّهَ لِأجْلِ الخَوْفِ مِنهُ، أيِ الخَوْفِ مِمّا لا يَرْضى بِهِ وهو التَّقْصِيرُ في تَنْزِيهِهِ.

صفحة ١٠٥

وهَذا اعْتِراضٌ بَيْنَ تَعْدادِ المَواعِظِ لِمُناسَبَةِ التَّعْرِيضِ بِالمُشْرِكِينَ، أيْ أنَّ التَّنْزِيهَ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتُ الجَوِّ يَقُومُ بِهِ المَلائِكَةُ، فاللَّهُ غَنِيٌّ عَنْ تَنْزِيهِكم إيّاهُ، كَقَوْلِهِ ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ [الزمر: ٧]، وقَوْلِهِ ﴿وقالَ مُوسى إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨] .

واقْتُصِرَ في العِبْرَةِ بِالصَّواعِقِ عَلى الإنْذارِ بِها لِأنَّها لا نِعْمَةَ فِيها؛ لِأنَّ النِّعْمَةَ حاصِلَةٌ بِالسَّحابِ، وأمّا الرَّعْدُ فَآلَةٌ مِن آلاتِ التَّخْوِيفِ والإنْذارِ، كَما قالَ في آيَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ ورَعْدٌ وبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ المَوْتِ﴾ [البقرة: ١٩]، وكانَ العَرَبُ يَخافُونَ الصَّواعِقَ. ولَقَّبُوا خُوَيْلِدَ بْنَ نُفَيْلٍ الصَّعِقَ لِأنَّهُ أصابَتْهُ صاعِقَةٌ أحْرَقَتْهُ.

ومِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ: «أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ آيَتانِ مِن آياتِ اللَّهِ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِما عِبادَهُ»، أيْ بِكُسُوفِهِما فاقْتَصَرَ في آيَتِهِما عَلى الإنْذارِ إذْ لا يَتَرَقَّبُ النّاسُ مِن كُسُوفِهِما نَفْعًا.

وجُمْلَةُ ﴿وهم يُجادِلُونَ في اللَّهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ لِأنَّهُ مِن مُتَمِّماتِ التَّعَجُّبِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ [الرعد: ٥] إلَخْ. فَضَمائِرُ الغَيْبَةِ كُلُّها عائِدَةٌ إلى الكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم في صَدْرِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الرعد: ١] وقَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ [الرعد: ٥] وقَوْلِهِ ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الرعد: ٧]، وقَدْ أُعِيدَ الأُسْلُوبُ هُنا إلى ضَمائِرِ الغَيْبَةِ لِانْقِضاءِ الكَلامِ عَلى ما يَصْلُحُ لِمَوْعِظَةِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ فَتَمَحَّضَ تَخْوِيفُ الكافِرِينَ.

والمُجادَلَةُ: المُخاصَمَةُ والمُراجَعَةُ بِالقَوْلِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧] في سُورَةِ النِّساءِ.

وقَدْ فُهِمَ أنَّ مَفْعُولَ (يُجادِلُونَ) هو النَّبِيءُ ﷺ والمُسْلِمُونَ. فالتَّقْدِيرُ: يُجادِلُونَكَ أوْ يُجادِلُونَكم، كَقَوْلِهِ ﴿يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ بَعْدَما تَبَيَّنَ﴾ [الأنفال: ٦] في سُورَةِ الأنْفالِ.

صفحة ١٠٦

والمُجادَلَةُ إنَّما تَكُونُ في الشُّئُونِ والأحْوالِ، فَتَعْلِيقُ اسْمِ الجَلالَةِ المَجْرُورِ بِفِعْلِ (يُجادِلُونَ) يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ القَرِينَةُ، أيْ في تَوْحِيدِ اللَّهِ أوْ في قُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ.

ومِن جَدَلِهِمْ ما حَكاهُ قَوْلُهُ ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] ﴿وضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] . في سُورَةِ يس.

والمِحالُ: بِكَسْرِ المِيمِ يَحْتَمِلُ هُنا مَعْنَيَيْنِ، لِأنَّهُ إنْ كانَتِ المِيمُ فِيهِ أصْلِيَّةً فَهو فِعالٌ بِمَعْنى الكَيْدِ وفِعْلُهُ مَحَلَ، ومِنهُ قَوْلُهم تَمَحَّلَ إذا تَحَيَّلَ. جَعَلَ جِدالَهم في اللَّهِ جِدالَ كَيْدٍ لِأنَّهم يُبْرِزُونَهُ في صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ في نَحْوِ قَوْلِهِمْ ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] فَقُوبِلَ بِـ ﴿شَدِيدُ المِحالِ﴾ عَلى طَرِيقَةِ المُشاكَلَةِ، أيْ وهو شَدِيدُ المِحالِ لا يَغْلِبُونَهُ، ونَظِيرُهُ ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] .

وقالَ نِفْطَوَيْهِ: هو مِن ماحَلَ عَنْ أمْرِهِ، أيْ جادَلَ. والمَعْنى: وهو شَدِيدُ المُجادَلَةِ، أيْ قَوِيُّ الحُجَّةِ.

وإنْ كانَتِ المِيمُ زائِدَةً فَهو مِفْعَلٌ مِنَ الحَوْلِ بِمَعْنى القُوَّةِ، وعَلى هَذا فَإبْدالُ الواوِ ألِفًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ لِأنَّهُ لا مُوجِبَ لِلْقَلْبِ؛ لِأنَّ ما قَبْلَ الواوِ ساكِنٌ سُكُونًا حَيًّا، فَلَعَلَّهم قَلَبُوها ألِفًا لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مِحْوَلٍ بِمَعْنى صَبِيٍّ ذِي حَوْلٍ، أيْ سَنَةٍ.

وذَكَرَ الواحِدِيُّ والطَّبَرِيُّ أخْبارًا عَنْ أنَسٍ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَضِيَّةِ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ وأرْبَدَ بْنِ رَبِيعَةَ حِينَ ورَدا المَدِينَةَ يَشْتَرِطانِ لِدُخُولِهِما في الإسْلامِ شُرُوطًا لَمْ يَقْبَلْها مِنهُما النَّبِيءُ ﷺ، فَهَمَّ أرْبَدُ بِقَتْلِ النَّبِيءِ ﷺ فَصَرَفَهُ اللَّهُ، فَخَرَجَ هو وعامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ قاصِدَيْنِ قَوْمَهُما وتَواعَدا النَّبِيءَ ﷺ بِأنْ يَجْلِبا عَلَيْهِ خَيْلَ بَنِي عامِرٍ. فَأهْلَكَ اللَّهُ أرْبَدَ بِصاعِقَةٍ أصابَتْهُ وأهْلَكَ عامِرًا بِغُدَّةٍ نَبَتَتْ في جِسْمِهِ فَماتَ مِنها وهو في بَيْتِ امْرَأةٍ مِن بَنِي سَلُولٍ في طَرِيقِهِ إلى أرْضِ قَوْمِهِ، فَنَزَلَتْ في أرْبَدَ ﴿ويُرْسِلُ الصَّواعِقَ﴾ وفي عامِرٍ ﴿وهم يُجادِلُونَ في اللَّهِ﴾ .

صفحة ١٠٧

وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ عَنْ صُحارٍ العَبْدِيِّ: أنَّها نَزَلَتْ في جَبّارٍ آخَرَ. وعَنْ مُجاهِدٍ: أنَّها نَزَلَتْ في يَهُودِيٍّ جادَلَ في اللَّهِ فَأصابَتْهُ صاعِقَةٌ.

ولَمّا كانَ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ إنَّما جاءَ المَدِينَةَ بَعْدَ الهِجْرَةِ وكانَ جِدالُ اليَهُودِ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ الهِجْرَةِ، أقْدَمَ أصْحابُ هَذِهِ الأخْبارِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ أوْ أنَّ هَذِهِ الآياتِ مِنها مَدَنِيَّةٌ، وهي أخْبارٌ تَرْجِعُ إلى قَوْلِ بَعْضِ النّاسِ بِالرَّأْيِ في أسْبابِ النُّزُولِ. ولَمْ يَثْبُتْ في ذَلِكَ خَبَرٌ صَحِيحٌ صَرِيحٌ فَلا اعْتِدادَ بِما قالُوهُ فِيها ولا يُخْرِجُ السُّورَةَ عَنْ عِدادِ السُّوَرِ المَكِّيَّةِ. وفي هَذِهِ القِصَّةِ أرْسَلَ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ قَوْلَهُ: ”أغُدَّةٌ كَغُدَّةِ البَعِيرِ ومَوْتٌ في بَيْتِ سَلُولِيَّةٍ“ مَثَلًا. ورَثى لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ أخاهُ أرْبَدَ بِأبْياتٍ مِنها:

أخْشى عَلى أرْبَدَ الحُتُوفَ ولا أرْهَبُ نَوْءَ السِّماكِ والأسَدِ

فَجَّعَنِي الرَّعْدُ والصَّواعِقُ بِالفَـ ∗∗∗ ـارِسِ يَوْمَ الكَرِيهَةِ النَّجَدِ

13:14Page 251

لَهُۥ دَعۡوَةُ ٱلۡحَقِّۚ وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسۡتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيۡءٍ إِلَّا كَبَٰسِطِ كَفَّيۡهِ إِلَى ٱلۡمَآءِ لِيَبۡلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَٰلِغِهِۦۚ وَمَا دُعَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ ١٤

To Him [alone] is the supplication of truth. And those they call upon besides Him do not respond to them with a thing, except as one who stretches his hands toward water [from afar, calling it] to reach his mouth, but it will not reach it [thus].1 And the supplication of the disbelievers is not but in error [i.e., futility].

﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم بِشَيْءٍ إلّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إلى الماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وما هو بِبالِغِهِ وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ بِمَنزِلَةِ النَّتِيجَةِ ونُهُوضِ المُدَلَّلِ عَلَيْهِ بِالآياتِ السّالِفَةِ الَّتِي هي بَراهِينُ الِانْفِرادِ بِالخَلْقِ الأوَّلِ، ثُمَّ الخَلْقِ الثّانِي، وبِالقُدْرَةِ التّامَّةِ الَّتِي لا تُدانِيها قُدْرَةُ قَدِيرٍ، وبِالعِلْمِ العامِّ، فَلا جَرَمَ أنْ يَكُونَ صاحِبُ تِلْكَ الصِّفاتِ هو المَعْبُودَ بِالحَقِّ وأنَّ عِبادَةَ غَيْرِهِ ضَلالٌ.

والدَّعْوَةُ: طَلَبُ الإقْبالِ، وكَثُرَ إطْلاقُها عَلى طَلَبِ الإقْبالِ لِلنَّجْدَةِ أوْ لِلْبَذْلِ وذَلِكَ مُتَعَيِّنٌ فِيها إذا أُطْلِقَتْ في جانِبِ اللَّهِ لِاسْتِحالَةِ الإقْبالِ الحَقِيقِيِّ، فالمُرادُ طَلَبُ الإغاثَةِ أوِ النِّعْمَةِ.

صفحة ١٠٨

وإضافَةُ الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ إمّا مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ إنْ كانَ الحَقُّ بِمَعْنى مُصادَفَةِ الواقِعِ، أيِ الدَّعْوَةُ الَّتِي تُصادِفُ الواقِعَ، أيِ اسْتِحْقاقُهُ إيّاها، وإمّا مِن إضافَةِ الشَّيْءِ إلى مَنشَئِهِ كَقَوْلِهِمْ: بُرُودُ اليَمَنِ، أيِ الدَّعْوَةُ الصّادِرَةُ عَنْ حَقٍّ وهو ضِدُّ الباطِلِ، فَإنَّ دُعاءَ اللَّهِ يَصْدُرُ عَنِ اعْتِقادِ الوَحْدانِيَّةِ وهو الحَقُّ، وعِبادَةَ الأصْنامِ تَصْدُرُ عَنِ اعْتِقادِ الشِّرْكِ وهو الباطِلُ.

واللّامُ لِلْمِلْكِ المَجازِيِّ وهو الِاسْتِحْقاقُ. وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المُبْتَدَأِ لِإفادَةِ التَّخْصِيصِ، أيْ دَعْوَةُ الحَقِّ مِلْكُهُ لا مِلْكُ غَيْرِهِ، وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ.

وقَدْ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ جُمْلَةِ القَصْرِ بِجُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم بِشَيْءٍ﴾، فَكانَتْ بَيانًا لَها. وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ تُفْصَلَ ولا تُعْطَفَ وإنَّما عُطِفَتْ لِما فِيها مِنَ التَّفْضِيلِ والتَّمْثِيلِ، فَكانَتْ زائِدَةً عَلى مِقْدارِ البَيانِ. والمَقْصُودُ بَيانُ عَدَمِ اسْتِحْقاقِ الأصْنامِ أنْ يَدْعُوَها الدّاعُونَ. واسْمُ المَوْصُولِ صادِقٌ عَلى الأصْنامِ. وضَمِيرُ (يَدْعُونَ) لِلْمُشْرِكِينَ. ورابَطُ الصِّلَةِ ضَمِيرُ نَصْبٍ مَحْذُوفٌ. والتَّقْدِيرُ: والَّذِينَ يَدْعُونَهم مِن دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم.

وأُجْرِيَ عَلى الأصْنامِ ضَمِيرُ العُقَلاءِ في قَوْلِهِ (لا يَسْتَجِيبُونَ) مُجاراةً لِلِاسْتِعْمالِ الشّائِعِ في كَلامِ العَرَبِ لِأنَّهم يُعامِلُونَ الأصْنامَ مُعامَلَةَ عاقِلِينَ.

والِاسْتِجابَةُ: إجابَةُ نِداءِ المُنادِي ودَعْوَةِ الدّاعِي، فالسِّينُ والتّاءُ لِقُوَّةِ الفِعْلِ.

والباءُ في (بِشَيْءٍ) لِتَعْدِيَةِ (يَسْتَجِيبُونَ)؛ لِأنَّ فِعْلَ الإجابَةِ يَتَعَدّى إلى الشَّيْءِ المُجابِ بِهِ بِالباءِ. وإذا أُرِيدَ مِنَ الِاسْتِجابَةِ تَحْقِيقُ المَأْمُولِ اقْتُصِرَ عَلى الفِعْلِ، كَقَوْلِهِ (﴿فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾ [يوسف: ٣٤]) .

فَلَمّا أُرِيدَ هُنا نَفِيُ إجْداءِ دُعائِهِمُ الأصْنامَ جُعِلَ نَفْيُ الإجابَةِ مُتَعَدِّيًا بِالباءِ إلى انْتِفاءِ أقَلِّ ما يُجِيبُ بِهِ المَسْئُولُ وهو الوَعْدُ بِالعَطاءِ أوِ الِاعْتِذارُ عَنْهُ، فَهم عاجِزُونَ عَنْ ذَلِكَ وهم أعْجَزُ عَمّا فَوْقَهُ.

صفحة ١٠٩

وتَنْكِيرُ شَيْءٍ لِلتَّحْقِيرِ. والمُرادُ أقَلُّ ما يُجابُ بِهِ مِنَ الكَلامِ.

والِاسْتِثْناءُ في (﴿إلّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ﴾) مِن عُمُومِ أحْوالِ الدّاعِينَ والمُسْتَجِيبِينَ والدَّعْوَةِ والِاسْتِجابَةِ، لِأنَّهُ تَشْبِيهُ هَيْئَةٍ فَهو يَسْرِي إلى جَمِيعِ أجْزائِها فَلَكَ أنْ تُقَدِّرَ الكَلامَ إلّا كَداعٍ باسِطٍ، أوْ إلّا كَحالِ باسِطٍ. والمَعْنى: لا يَسْتَجِيبُونَهم في حالٍ مِن أحْوالِ الدُّعاءِ والِاسْتِجابَةِ إلّا في حالٍ لِداعٍ ومُسْتَجِيبٍ كَحالِ باسِطِ كَفَّيْهِ إلى الماءِ. وهَذا الِاسْتِثْناءُ مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ فَيَؤُولُ إلى نَفْيِ الِاسْتِجابَةِ في سائِرِ الأحْوالِ بِطَرِيقِ التَّمْلِيحِ والكِنايَةِ.

والمُرادُ بِـ (باسِطِ كَفَّيْهِ) مَن يَغْتَرِفُ ماءً بِكَفَّيْنِ مَبْسُوطَتَيْنِ غَيْرِ مَقْبُوضَتَيْنِ إذِ الماءُ لا يَسْتَقِرُّ فِيهِما. وهَذا كَما يُقالُ: هو كالقابِضِ عَلى الماءِ، في تَمْثِيلِ إضاعَةِ المَطْلُوبِ. وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:

فَأصْبَحْتُ فِيما كانَ بَيْنِي وبَيْنَها مِنَ الوُدِّ مِثْلَ القابِضِ الماءَ بِاليَدِ و(إلى) لِلِانْتِهاءِ لِدَلالَةِ (باسِطِ) عَلى أنَّهُ مَدَّ إلى الماءِ كَفَّيْهِ المَبْسُوطَتَيْنِ، واللّامُ في (لِيَبْلُغَ) عائِدٌ إلى الماءِ وكَذَلِكَ ضَمِيرُ (هو) والضَّمِيرُ المُضافُ إلَيْهِ في (بالِغِهِ) لِلْفَمِ.

والكَلامُ تَمْثِيلِيَّةٌ. شُبِّهَ حالُ المُشْرِكِينَ في دُعائِهِمُ الأصْنامَ وجَلْبِ نَفْعِهِمْ وعَدَمِ اسْتِجابَةِ الأصْنامِ لَهم بِشَيْءٍ بِحالِ الظَّمْآنِ يَبْسُطُ كَفَّيْهِ يَبْتَغِي أنْ يَرْتَفِعَ الماءُ في كَفَّيْهِ المَبْسُوطَتَيْنِ إلى فَمِهِ لِيَرْوِيَهُ وما هو بِبالِغٍ إلى فَمِهِ بِذَلِكَ الطَّلَبِ فَيَذْهَبُ سَعْيُهُ وتَعَبُهُ باطِلًا مَعَ ما فِيهِ مِن كِنايَةٍ وتَمْلِيحٍ كَما ذَكَرْناهُ.

وجُمْلَةُ (﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾) لِاسْتِيعابِ حالِ المَدْعُوِّ وحالِ الدّاعِي. فَبَيَّنَتِ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ حالَ عَجْزِ المَدْعُوِّ عَنِ الإجابَةِ وأُعْقِبَتْ بِالتَّمْثِيلِ المُشْتَمِلِ عَلى كِنايَةٍ وتَمْلِيحٍ. واشْتَمَلَ ذَلِكَ أيْضًا بِالكِنايَةِ عَلى خَيْبَةِ الدّاعِي.

صفحة ١١٠

وبَيَّنَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ حالَ خَيْبَةِ الدّاعِي بِالتَّصْرِيحِ عَقِبَ تَبْيِينِهِ بِالكِنايَةِ. فَبِاخْتِلافِ الغَرَضِ والأُسْلُوبِ حَسُنَ العَطْفُ، وبِالمَآلِ حَصَلَ تَوْكِيدُ الجُمْلَةِ الأُولى وتَقْرِيرُها وكانَتِ الثّانِيَةُ كالفَذْلَكَةِ لِتَفْصِيلِ الجُمْلَةِ الأُولى.

والضَّلالُ: التَّلَفُ والضَّياعُ. و(في) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّمَكُّنِ في الوَصْفِ، أيْ إلّا ضائِعٌ ضَياعًا شَدِيدًا.

13:15Page 251

وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا وَظِلَٰلُهُم بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ۩ ١٥

And to Allāh prostrates whoever is within the heavens and the earth, willingly or by compulsion, and their shadows [as well] in the mornings and the afternoons.

﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ﴾ [الرعد: ١٤]) أيْ لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ ولَهُ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ وذَلِكَ شِعارُ الإلَهِيَّةِ، فَأمّا الدَّعْوَةُ فَقَدِ اخْتَصَّ بِالحَقَّةِ مِنها دُونَ الباطِلَةِ، وأمّا السُّجُودُ وهو الهَوِيُّ إلى الأرْضِ بِقَصْدِ الخُضُوعِ فَقَدِ اخْتَصَّ اللَّهُ بِهِ عَلى الإطْلاقِ؛ لِأنَّ المَوْجُوداتِ العُلْيا والمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ يَسْجُدُونَ لَهُ، والمُشْرِكِينَ لا يَسْجُدُونَ لِلْأصْنامِ ولا لِلَّهِ تَعالى، ولَعَلَّهم يَسْجُدُونَ لِلَّهِ في بَعْضِ الأحْوالِ.

وعُدِلَ عَنْ ضَمِيرِ الجَلالَةِ إلى اسْمِهِ تَعالى العَلَمِ تَبَعًا لِلْأُسْلُوبِ السّابِقِ في افْتِتاحِ الأغْراضِ الأصْلِيَّةِ.

والعُمُومُ المُسْتَفادُ مِن (مَنِ) المَوْصُولَةِ عُمُومٌ عُرْفِيٌّ يُرادُ بِهِ الكَثْرَةُ الكاثِرَةُ.

والمَقْصُودُ مِن (﴿طَوْعًا وكَرْهًا﴾) تَقْسِيمُ أحْوالِ السّاجِدِينَ. والمُرادُ بِالطَّوْعِ الِانْسِياقُ مِنَ النَّفْسِ تَقَرُّبًا وزُلْفى لِمَحْضِ التَّعْظِيمِ ومَحَبَّةِ اللَّهِ. وبِالكُرْهِ الِاضْطِرارُ عِنْدَ الشِّدَّةِ والحاجَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]، ومِنهُ قَوْلُهم: مُكْرَهٌ أخُوكَ لا بَطَلٌ، أيْ مُضْطَرٌّ إلى المُقاتَلَةِ.

صفحة ١١١

ولَيْسَ المُرادُ مِنَ الكُرْهِ الضَّغْطَ والإلْجاءَ كَما فَسَّرَ بِهِ بَعْضُهم فَهو بَعِيدٌ عَنِ الغَرَضِ كَما سَيَأْتِي.

والظِّلالُ: - جَمْعُ ظِلٍّ، وهو صُورَةُ الجِسْمِ المُنْعَكِسِ إلَيْهِ نُورٌ.

والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى مَن في السَّماواتِ والأرْضِ مَخْصُوصٌ بِالصّالِحِ لَهُ مِنَ الأجْسامِ الكَثِيفَةِ ذاتِ الظِّلِّ تَخْصِيصًا بِالعَقْلِ والعادَةِ. وهو عَطْفٌ عَلى (مَن) أيْ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ وتَسْجُدُ ظِلالُهم.

والغُدُوُّ: الزَّمانُ الَّذِي يَغْدُو فِيهِ النّاسُ، أيْ يَخْرُجُونَ إلى حَوائِجِهِمْ: إمّا مَصْدَرًا عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ. أيْ وقْتُ الغُدُوِّ، وإمّا جَمْعُ غَدْوَةٍ. فَقَدْ حُكِيَ جَمْعُها عَلى غُدُوٍّ، وتَقَدَّمَ في آخِرِ سُورَةِ الأعْرافِ.

والآصالُ: جَمْعُ أصِيلٍ، وهو وقْتُ اصْفِرارِ الشَّمْسِ في آخِرِ المَساءِ. والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِهِما اسْتِيعابُ أجْزاءِ أزْمِنَةِ الظِّلِّ.

ومَعْنى سُجُودِ الظِّلالِ أنَّ اللَّهَ خَلَقَها مِن أعْراضِ الأجْسامِ الأرْضِيَّةِ، فَهي مُرْتَبِطَةٌ بِنِظامِ انْعِكاسِ أشِعَّةِ الشَّمْسِ عَلَيْها وانْتِهاءِ الأشِعَّةِ إلى صَلابَةِ وجْهِ الأرْضِ حَتّى تَكُونَ الظِّلالُ واقِعَةً عَلى الأرْضِ وُقُوعَ السّاجِدِ، فَإذا كانَ مِنَ النّاسِ مَن يَأْبى السُّجُودَ لِلَّهِ أوْ يَتْرُكُهُ اشْتِغالًا عَنْهُ بِالسُّجُودِ لِلْأصْنامِ فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ مِثالَهُ شاهِدًا عَلى اسْتِحْقاقِ اللَّهِ السُّجُودَ إلَيْهِ شَهادَةً رَمْزِيَّةً ولَوْ جَعَلَ اللَّهُ الشَّمْسَ شَمْسَيْنِ مُتَقابِلَتَيْنِ عَلى السَّواءِ لانْعَدَمَتِ الظِّلالُ، ولَوْ جَعَلَ وجْهَ الأرْضِ شَفّافًا أوْ لامِعًا كالماءِ لَمْ يَظْهَرِ الظِّلُّ بَيِّنًا، فَهَذا مِن رُمُوزِ الصَّنْعَةِ الَّتِي أوْجَدَها اللَّهُ وأدَقَّها دِقَّةً بَدِيعَةً. وجَعَلَ نِظامَ المَوْجُوداتِ الأرْضِيَّةِ مُهَيَّئَةً لَها في الخِلْقَةِ لِحِكَمٍ مُجْتَمِعَةٍ، مِنها: أنْ تَكُونَ رُمُوزًا دالَّةً عَلى انْفِرادِهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ، وعَلى حاجَةِ المَخْلُوقاتِ إلَيْهِ، وجَعَلَ أكْثَرَها في نَوْعِ الإنْسانِ؛ لِأنَّ نَوْعَهُ مُخْتَصٌّ بِالكُفْرانِ دُونَ الحَيَوانِ.

صفحة ١١٢

والغَرَضُ مِن هَذا الِاسْتِدْلالِ الرَّمْزِيِّ التَّنْبِيهُ لِدَقائِقِ الصُّنْعِ الإلَهِيِّ كَيْفَ جاءَ عَلى نِظامٍ مُطَّرِدٍ دالٍّ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، كَما قِيلَ:

وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ الواحِدُ

والِاسْتِدْلالُ مَعَ ذَلِكَ عَلى أنَّ الأشْياءَ تَسْجُدُ لِلَّهِ؛ لِأنَّ ظِلالَها واقِعَةٌ عَلى الأرْضِ في كُلِّ مَكانٍ وما هي مَساجِدُ لِلْأصْنامِ وأنَّ الأصْنامَ لَها أمْكِنَةٌ مُعَيَّنَةٌ هي حِماها وحَرِيمُها، وأكْثَرُ الأصْنامِ في البُيُوتِ مِثْلُ: العُزّى وذِي الخَلَصَةِ وذِي الكَعْباتِ حَيْثُ تَنْعَدِمُ الظِّلالُ في البُيُوتِ.

وهَذِهِ الآيَةُ مَوْضِعُ سُجُودٍ مِن سُجُودِ القُرْآنِ، وهي السَّجْدَةُ الثّانِيَةُ في تَرْتِيبِ المُصْحَفِ بِاتِّفاقِ الفُقَهاءِ. ومِن حِكْمَةِ السُّجُودِ عِنْدَ قِراءَتِها أنْ يَضَعَ المُسْلِمُ نَفْسَهُ في عِدادِ ما يَسْجُدُ لِلَّهِ طَوْعًا بِإيقاعِهِ السُّجُودَ. وهَذا اعْتِرافٌ فِعْلِيٌّ بِالعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском