Ibn 'AshurAl‑Isra · 17:88–96

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:88–96

17:88Page 291

قُل لَّئِنِ ٱجۡتَمَعَتِ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِمِثۡلِ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لَا يَأۡتُونَ بِمِثۡلِهِۦ وَلَوۡ كَانَ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٖ ظَهِيرٗا ٨٨

Say, "If mankind and the jinn gathered in order to produce the like of this Qur’ān, they could not produce the like of it, even if they were to each other assistants."

﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ اسْتِئْنافٌ لِلزِّيادَةِ في الِامْتِنانِ، وهو اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٧]، وافْتِتاحُهُ بِـ ”قُلْ“ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، وهَذا تَنْوِيهٌ يُشَرِّفُ القُرْآنَ، فَكانَ هَذا التَّنْوِيهُ امْتِنانًا عَلى الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ، وهُمُ الَّذِينَ كانَ لَهم شِفاءً ورَحْمَةً، وتَحَدِّيًا بِالعَجْزِ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِ لِلَّذِينَ أعْرَضُوا عَنْهُ، وهُمُ الَّذِينَ لا يَزِيدُهم إلّا خَسارًا، واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ.

وجُمْلَةُ ﴿لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ جَوابُ القَسَمِ المَحْذُوفِ.

وجَرَّدَ الجَوابَ مِنَ اللّامِ الغالِبِ اقْتِرانُها بِجَوابِ القَسَمِ؛ كَراهِيَةَ اجْتِماعِ لامَيْنِ: لامِ القَسَمِ، ولامِ النّافِيَةِ.

صفحة ٢٠٣

ومَعْنى الِاجْتِماعِ: الِاتِّفاقُ واتِّحادُ الرَّأْيِ، أيْ لَوْ تَوارَدَتْ عُقُولُ الإنْسِ والجِنِّ عَلى أنْ يَأْتِيَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لَما أتَوْا بِمِثْلِهِ، فَهو اجْتِماعُ الرَّأْيِ لا اجْتِماعُ التَّعاوُنِ، كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ المُبالَغَةُ في قَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ .

وذِكْرُ الجِنِّ مَعَ الإنْسِ؛ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ، كَما يُقالُ ”لَوِ اجْتَمَعَ أهْلُ السَّماواتِ والأرْضِ“ وأيْضًا؛ لَأنَّ المُتَحَدَّيْنَ بِإعْجازِ القُرْآنِ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ الجِنَّ يَقْدِرُونَ عَلى الأعْمالِ العَظِيمَةِ.

والمُرادُ بِالمُماثَلَةِ لِلْقُرْآنِ: المُماثَلَةُ في مَجْمُوعِ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ، والمَعانِي، والآدابِ، والشَّرائِعِ، وهي نَواحِي إعْجازِ القُرْآنِ اللَّفْظِيِّ، والعِلْمِيِّ.

وجُمْلَةُ ”لا يَأْتُونَ“ جَوابُ القَسَمِ المُوَطَّأِ لَهُ بِاللّامِ، وجَوابُ (إنِ) الشَّرْطِيَّةِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ.

وجُمْلَةُ ﴿ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ في مَوْقِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”لا يَأْتُونَ“ .

و(لَوْ) وصْلِيَّةٌ، وهي تُفِيدُ أنَّ ما بَعْدَها مَظِنَّةُ أنْ لا يَشْمَلَهُ ما قَبْلَها، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْناها عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] في آلِ عِمْرانَ.

والظَّهِيرُ: المُعِينُ، والمَعْنى: ولَوْ تَعاوَنَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ لَما أتَوْا بِمِثْلِهِ، فَكَيْفَ بِهِمْ إذا حاوَلُوا ذَلِكَ مُتَفَرِّقِينَ ؟

وفائِدَةُ هَذِهِ الجُمْلَةِ تَأْكِيدُ مَعْنى الِاجْتِماعِ المَدْلُولِ بِقَوْلِهِ ﴿لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ﴾ أنَّهُ اجْتِماعٌ تَظافَرَ عَلى عَمَلٍ واحِدٍ ومَقْصِدٍ واحِدٍ، وهَذِهِ الآيَةُ مُفْحِمَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ في التَّحَدِّي بِإعْجازِ القُرْآنِ.

17:89Page 291

وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖ فَأَبَىٰٓ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورٗا ٨٩

And We have certainly diversified for the people in this Qur’ān from every [kind of] example, but most of the people refused except disbelief.

صفحة ٢٠٤

﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ لَمّا تَحَدّى اللَّهُ بُلَغاءَ المُشْرِكِينَ بِالإعْجازِ تَطاوَلَ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ فَضائِلِ القُرْآنِ عَلى ما سِواهُ مِنَ الكَلامِ، مُدْمِجًا في ذَلِكَ النَّعْيَ عَلَيْهِمْ، إذْ حَرَمُوا أنْفُسَهُمُ الِانْتِفاعَ بِما في القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ، وذُكِرَتْ هُنا ناحِيَةٌ مِن نَواحِي إعْجازِهِ، وهي ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِن أنْواعِ الأمْثالِ، وتَقَدَّمُ ذِكْرُ المَثَلِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما﴾ [البقرة: ٢٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالمَثَلِ الحالُ، أيْ مِن كُلِّ حالٍ حَسَنٍ مِنَ المَعانِي يَجْدُرُ أنْ يُمَثَّلَ بِهِ ويُشَبَّهَ - ما يُزادُ بَيانُهُ في نَوْعِهِ.

فَجُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ﴾ [الإسراء: ٨٨] مُشارِكَةٌ لَها في حُكْمِها المُتَقَدِّمِ بَيانُهُ زِيادَةً في الِامْتِنانِ والتَّعْجِيزِ.

وتَأْكِيدُها بِلامِ القَسَمِ، وحَرْفِ التَّحْقِيقِ؛ لِرَدِّ أفْكارِ المُشْرِكِينَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَمَوْرِدُ التَّأْكِيدِ هو فَصْلُ صَرَّفْنا الدّالِّ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ.

والتَّصْرِيفُ تَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الإسراء: ٤١] .

وزِيدَ في هَذِهِ الآيَةِ قَيْدُ ”لِلنّاسِ“ دُونَ الآيَةِ السّابِقَةِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ وارِدَةٌ في مَقامِ التَّحَدِّي والإعْجازِ، فَكانَ النّاسُ مَقْصُودِينَ بِهِ قَصْدًا أصْلِيًّا مُؤْمِنُهم وكافِرُهم، بِخِلافِ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، فَإنَّها في مَقامِ تَوْبِيخِ المُشْرِكِينَ خاصَّةً فَكانُوا مَعْلُومِينَ كَما تَقَدَّمَ.

ووَجْهُ تَقْدِيمِ أحَدِ المُتَعَلِّقَيْنِ بِفِعْلِ ”صَرَّفْنا“ عَلى الآخَرِ: أنَّ ذِكْرَ النّاسِ أهَمُّ في هَذا المَقامِ؛ لِأجْلِ كَوْنِ الكَلامِ مَسُوقًا لِتَحَدِّيهِمْ والحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وإنْ كانَ

صفحة ٢٠٥

ذِكْرُ القُرْآنِ أهَمَّ بِالأصالَةِ، إلّا أنَّ الِاعْتِباراتِ الطّارِئَةَ تُقَدَّمُ في الكَلامِ البَلِيغِ عَلى الِاعْتِباراتِ الأصْلِيَّةِ؛ لِأنَّ الِاعْتِباراتِ الأصْلِيَّةَ لِتَقَرُّرِها في النُّفُوسِ تَصِيرُ مُتَعارَفَةً؛ فَتَكُونُ الِاعْتِباراتُ الطّارِئَةُ أعَزَّ مَنالًا، ومِن هَذا بابُ تَخْرِيجِ الكَلامِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ، والأظْهَرُ كَوْنُ التَّعْرِيفِ في ”النّاسِ“ لِلْعُمُومِ كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ .

وذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ مُتَعَلِّقَ التَّصْرِيفِ بِقَوْلِهِ ﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ بِخِلافِ الآيَةِ السّابِقَةِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ ذَلِكَ أدْخَلُ في الإعْجازِ، فَإنَّ كَثْرَةَ أغْراضِ الكَلامِ أشَدُّ تَعْجِيزًا لِمَن يَرُومُ مُعارَضَتَهُ عَنْ أنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ، إذْ قَدْ يَقْدِرُ بَلِيغٌ مِنَ البُلَغاءِ عَلى غَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ، ولا يَقْدِرُ عَلى غَرَضٍ آخَرَ، فَعَجْزُهم عَنْ مُعارَضَةِ سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ مَعَ كَثْرَةِ أغْراضِهِ عَجْزٌ بَيِّنٌ مِن جِهَتَيْنِ؛ لِأنَّهم عَجَزُوا عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، ولَوْ في بَعْضِ الأغْراضِ، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] فَإنَّ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، وتَنْوِينُ (مَثَلٍ) لِلتَّعْظِيمِ والتَّشْرِيفِ، أيْ مِن كُلِّ مَثَلٍ شَرِيفٍ، والمُرادُ: شَرَفُهُ في المَقْصُودِ مِنَ التَّمْثِيلِ.

و(مِن) في قَوْلِهِ ﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ لِلتَّبْعِيضِ، و(كُلِّ) تُفِيدُ العُمُومَ، فالقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى أبْعاضٍ مِن جَمِيعِ أنْواعِ المَثَلِ.

وحَذْفُ مَفْعُولِ ”أبى“ لِلْقَرِينَةِ، أيْ أبى العَمَلَ بِهِ.

وفِي قَوْلِهِ إلّا كُفُورًا تَأْكِيدُ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ، أيْ تَأْكِيدٌ في صُورَةِ النَّقْصِ، لِما فِيهِ مِنَ الإطْماعِ بِأنْ إبايَتَهم غَيْرُ مُطَّرِدَةٍ، ثُمَّ يَأْتِي المُسْتَثْنى مُؤَكِّدًا لِمَعْنى المُسْتَثْنى مِنهُ، إذِ الكُفُورُ أخَصُّ مِنَ المَفْعُولِ الَّذِي حُذِفَ لِلْقَرِينَةِ، وهو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّعٌ لِما في فِعْلِ ”أبى“ مِن مَعْنى النَّفْيِ الَّذِي هو شَرْطُ الِاسْتِثْناءِ المُفَرَّغِ؛ لِأنَّ المَدارَ عَلى مَعْنى النَّفْيِ، مِثْلَ الِاسْتِثْناءِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ المُسْتَعْمَلِ في النَّفْيِ كَقَوْلِهِ ﴿هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣] .

والكُفُورُ بِضَمِّ الكافِ المَحْجُودُ، أيْ جَحَدُوا بِما في القُرْآنِ مِن هُدًى وعانَدُوا.

17:90–93Page 291

وَقَالُواْ لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفۡجُرَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَرۡضِ يَنۢبُوعًا ٩٠

And they say, "We will not believe you until you break open for us from the ground a spring

أَوۡ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٞ مِّن نَّخِيلٖ وَعِنَبٖ فَتُفَجِّرَ ٱلۡأَنۡهَٰرَ خِلَٰلَهَا تَفۡجِيرًا ٩١

Or [until] you have a garden of palm trees and grapes and make rivers gush forth within them in force [and abundance]

أَوۡ تُسۡقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمۡتَ عَلَيۡنَا كِسَفًا أَوۡ تَأۡتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ قَبِيلًا ٩٢

Or you make the heaven fall upon us in fragments as you have claimed or you bring Allāh and the angels before [us]

أَوۡ يَكُونَ لَكَ بَيۡتٞ مِّن زُخۡرُفٍ أَوۡ تَرۡقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤۡمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيۡنَا كِتَٰبٗا نَّقۡرَؤُهُۥۗ قُلۡ سُبۡحَانَ رَبِّي هَلۡ كُنتُ إِلَّا بَشَرٗا رَّسُولٗا ٩٣

Or you have a house of ornament [i.e., gold] or you ascend into the sky. And [even then], we will not believe in your ascension until you bring down to us a book we may read." Say, "Exalted is my Lord! Was I ever but a human messenger?"

صفحة ٢٠٦

﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تُفَجِّرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ أوْ تَرْقى في السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ .

عَطَفَ جُمْلَةَ وقالُوا عَلى جُمْلَةِ ﴿فَأبى الظّالِمُونَ إلّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٩٩]، أيْ كَفَرُوا بِالقُرْآنِ وطَلَبُوا بِمُعْجِزاتٍ أُخْرى.

وضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدٌ إلى أكْثَرِ النّاسِ الَّذِينَ أبَوْا إلّا كُفُورًا، بِاعْتِبارِ صُدُورِ هَذا القَوْلِ بَيْنَهم، وهم راضُونَ بِهِ، ومُتَمالِئُونَ عَلَيْهِ مَتى عَلِمُوهُ، فَلا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم قالَ هَذا القَوْلَ كُلَّهُ بَلْ يَكُونُ بَعْضُهم قائِلًا جَمِيعَهُ أوْ بَعْضُهم قائِلًا بَعْضَهُ.

ولَمّا اشْتَمَلَ قَوْلُهم عَلى ضَمائِرِ الخِطابِ تَعَيَّنَ أنَّ بَعْضَهم خاطَبَ بِهِ النَّبِيءَ ﷺ مُباشَرَةً؛ إمّا في مَقامٍ واحِدٍ، وإمّا في مَقاماتٍ، وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ: أنّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وأبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ، والأسْوَدَ بْنَ المُطَّلِبِ، وزَمَعَةَ بْنَ الأسْوَدِ، والوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، وأبا جَهْلِ بْنَ هِشامٍ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أبِي أُمَيَّةَ، وأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، وناسًا مَعَهُمُ اجْتَمَعُوا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ عِنْدَ الكَعْبَةِ، وبَعَثُوا إلى النَّبِيءِ ﷺ أنْ

صفحة ٢٠٧

يَأْتِيَهم؛ فَأسْرَعَ إلَيْهِمْ حِرْصًا عَلى هُداهم، فَعاتَبُوهُ عَلى تَسْفِيهِ أحْلامِهِمْ والطَّعْنِ في دِينِهِمْ، وعَرَضُوا عَلَيْهِ ما يَشاءُ مِن مالٍ أوْ تَسْوِيدٍ، وأجابَهم بِأنَّهُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِمْ لا يَنْبَغِي غَيْرُ نُصْحِهِمْ، فَلَمّا رَأوْا مِنهُ الثَّباتَ انْتَقَلُوا إلى طَلَبِ بَعْضِ ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم في هَذِهِ الآيَةِ.

ورُوِي أنَّ الَّذِي سَألَ ما حُكِيَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ تَرْقى في السَّماءِ﴾ إلى آخِرِهِ، هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ المَخْزُومِيُّ، وحَكى اللَّهُ امْتِناعَهم عَنِ الإيمانِ بِحَرْفِ (لَنِ) المُفِيدِ لِلتَّأْيِيدِ؛ لِأنَّهم كَذَلِكَ قالُوهُ.

والمُرادُ بِالأرْضِ: أرْضُ مَكَّةَ، فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ، ووَجْهُ تَخْصِيصِها أنَّ أرْضَها قَلِيلَةُ المِياهِ، بَعِيدَةٌ عَنِ الجَنّاتِ.

والتَّفْجِيرُ: مَصْدَرُ فَجَّرَ - بِالتَّشْدِيدِ - مُبالَغَةً في الفَجْرِ، وهو الشَّقُّ بِاتِّساعٍ، ومِنهُ سُمِّيَ فَجْرُ الصَّباحِ فَجْرًا؛ لِأنَّ الضَّوْءَ يَشُقُّ الظُّلْمَةَ شَقًّا طَوِيلًا عَرِيضًا، فالتَّفْجِيرُ أشَدُّ مِن مُطْلَقِ الفَجْرِ، وهو تَشْقِيقٌ شَدِيدٌ بِاعْتِبارِ اتِّساعِهِ، ولِذَلِكَ ناسَبَ اليَنْبُوعَ هُنا، والنَّهَرُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ [الكهف: ٣٣] وقَوْلِهِ ﴿فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ﴾ .

وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِضَمِّ التّاءِ وتَشْدِيدِ الجِيمِ عَلى أنَّهُ مُضارِعُ (فَجَّرَ) المُضاعَفِ، وقَرَأهُ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِفَتْحِ التّاءِ، وسُكُونِ الفاءِ، وضَمِّ الجِيمِ مُخَفَّفَةً، عَلى أنَّهُ مُضارِعُ ”فَجَرَ“ كَنَصَرَ، فَلا التِفاتَ فِيها لِلْمُبالَغَةِ؛ لِأنَّ اليَنْبُوعَ يَدُلُّ عَلى المَقْصُودِ، أوْ يُعَبِّرُ عَنْ مُخْتَلِفِ أقْوالِهِمُ الدّالَّةِ عَلى التَّصْمِيمِ في الِامْتِناعِ.

ومَعْنى ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ لَنْ نُصَدِّقَكَ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ إلَيْنا.

والإيمانُ: التَّصْدِيقُ، يُقالُ: آمَنَهُ، أيْ صَدَّقَهُ، وكَثُرَ أنْ يُعَدّى إلى

صفحة ٢٠٨

المَفْعُولِ بِاللّامِ، قالَ تَعالى ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ [يوسف: ١٧] وقالَ ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦]، وهَذِهِ اللّامُ مِن قَبِيلِ ما سَمّاهُ في (مُغْنِي اللَّبِيبِ) لامَ التَّبْيِينِ، وغَفَلَ عَنِ التَّمْثِيلِ لَها بِهَذِهِ الآيَةِ ونَحْوِها، فَإنَّ مَجْرُورَ اللّامِ بَعْدَ فِعْلِ ”نُؤْمِنُ“ مَفْعُولٌ لا التِباسَ لَهُ بِالفاعِلِ، وإنَّما تُذْكَرُ اللّامُ؛ لِزِيادَةِ البَيانِ والتَّوْكِيدِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّها لِدَفْعِ التِباسِ مَفْعُولِ فِعْلِ (آمَنَ) بِمَعْنى صَدَّقَ بِمَفْعُولِ فِعْلِ (آمَنَ) إذا جَعَلَهُ أمِينًا، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾ [يونس: ٨٣] في سُورَةِ يُونُسَ.

واليَنْبُوعُ: اسْمٌ لِلْعَيْنِ الكَثِيرَةِ النَّبْعِ الَّتِي لا يَنْضُبُ ماؤُها، وصِيغَةُ ”يَفْعُولٍ“ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ غَيْرُ قِياسِيَّةٍ، واليَنْبُوعُ مُشْتَقَّةٌ مِن مادَّةِ النَّبْعِ، غَيْرَ أنَّ الأسْماءَ الوارِدَةَ عَلى هَذِهِ الصِّيغَةِ مُخْتَلِفَةٌ، فَبَعْضُها ظاهِرٌ اشْتِقاقُهُ كاليَنْبُوعِ واليَنْبُوتِ، وبَعْضُها خَفِيٌّ كاليَعْبُوبِ لِلْفَرَسِ الكَثِيرِ الجَرْيِ، وقِيلَ: اشْتُقَّ مِنَ العَبِّ المَجازِيِّ، ومِنهُ أسْماءٌ مُعَرَّبَةٌ جاءَ تَعْرِيبُها عَلى وزْنِ ”يَفْعُولٍ“ مِثْلَ: يَكْسُومَ، اسْمِ قائِدٍ حَبَشِيٍّ، ويَرْمُوكَ اسْمِ نَهْرٍ، وقَدِ اسْتَقْرى الحَسَنُ الصّاغانِيُّ ما جاءَ مِنَ الكَلِماتِ في العَرَبِيَّةِ عَلى وزْنِ ”يَفْعُولٍ“ في مُخْتَصَرٍ لَهُ مُرَتَّبٍ عَلى حُرُوفِ العَجَمِ، وقالَ السُّيُوطِيُّ في المُزْهِرِ: إنَّ ابْنَ دُرَيْدٍ عَقَدَ لَهُ في الجَمْهَرَةِ بابًا.

والجَنَّةُ، والنَّخِيلُ، والعِنَبُ، والأنْهارُ تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ ﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [البقرة: ٢٦٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وخَصُّوا هَذِهِ الجَنَّةَ بِأنْ تَكُونَ لَهُ؛ لِأنَّ شَأْنَ الجَنَّةِ أنْ تَكُونَ خاصَّةً لِمِلْكِ واحِدٍ مُعَيَّنٍ، فَأرَوْهُ أنَّهم لا يَبْتَغُونَ مِن هَذا الِاقْتِراحِ نَفْعَ أنْفُسِهِمْ، ولَكِنَّهم يَبْتَغُونَ حُصُولَهُ، ولَوْ كانَ لِفائِدَةِ المُقْتَرَحِ عَلَيْهِ، والمُقْتَرَحُ هو تَفْجِيرُ الماءِ في الأرْضِ القاحِلَةِ، وإنَّما ذَكَرُوا وُجُودَ الجَنَّةِ؛ تَمْهِيدًا لِتَفْجِيرِ أنْهارٍ خِلالَها، فَكَأنَّهم قالُوا: حَتّى تُفَجِّرَ لَنا يَنْبُوعًا يَسْقِي النّاسَ كُلَّهم، أوْ تُفَجِّرَ أنْهارًا تَسْقِي جَنَّةً واحِدَةً، تَكُونُ تِلْكَ الجَنَّةُ وأنْهارُها لَكَ، فَنَحْنُ مُقْتَنِعُونَ بِحُصُولِ ذَلِكَ لا بُغْيَةَ الِانْتِفاعِ مِنهُ، وهَذا كَقَوْلِهِمْ: ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ﴾ .

صفحة ٢٠٩

وذَكَرَ المَفْعُولَ المُطْلَقَ بِقَوْلِهِ ”تَفْجِيرًا“ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّكْثِيرِ؛ لِأنَّ ”تُفَجِّرَ“ قَدْ كَفى في الدَّلالَةِ عَلى المُبالَغَةِ في الفَجْرِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ الإتْيانُ بِمَفْعُولِهِ المُطْلَقِ لِلْمُبالَغَةِ في العَدَدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ونَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦]، وهو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ خِلالَها؛ لِأنَّ الجَنَّةَ تَتَخَلَّلُها شُعَبُ النَّهْرِ لِسَقْيِ الأشْجارِ، فَجَمَعَ الأنْهارَ بِاعْتِبارِ تَشَعُّبِ ماءِ النَّهْرِ إلى شُعَبٍ عَدِيدَةٍ، ويَدُلُّ لِهَذا المَعْنى إجْماعُ القُرّاءِ عَلى قِراءَةِ ”فَتُفَجِّرَ“ هُنا بِالتَّشْدِيدِ مَعَ اخْتِلافِهِمْ في الَّذِي قَبْلَهُ، وهَذا مِن لَطائِفِ مَعانِي القِراءاتِ المَرْوِيَّةِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ، فَهي مِن أفانِينِ إعْجازِ القُرْآنِ.

وقَوْلُهم ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ انْتِقالٌ مِن تَحَدِّيهِ بِخَوارِقَ فِيها مَنافِعُ لَهم إلى تَحَدِّيهِ بِخَوارِقَ فِيها مَضَرَّتُهم، يُرِيدُونَ بِذَلِكَ التَّوْسِيعَ عَلَيْهِ، أيْ فَلْيَأْتِهِمْ بِآيَةٍ عَلى ذَلِكَ ولَوْ في مَضَرَّتِهِمْ، وهَذا حِكايَةٌ لِقَوْلِهِمْ كَما قالُوا، ولَعَلَّهم أرادُوا بِهِ الإغْراقَ في التَّعْجِيبِ مِن ذَلِكَ، فَجَمَعُوا بَيْنَ جَعْلِ الإسْقاطِ لِنَفْسِ السَّماءِ، وعَزَّزُوا تَعْجِيبَهم بِالجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ وهي ﴿كَما زَعَمْتَ﴾ إنْباءً بِأنَّ ذَلِكَ لا يُصَدِّقُ بِهِ أحَدٌ، وعَنَوْا بِهِ قَوْلَهُ تَعالى ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ [سبإ: ٩] وبِقَوْلِهِ ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤]، إذْ هو تَهْدِيدٌ لَهم بِأشْراطِ السّاعَةِ، وإشْرافِهِمْ عَلى الحِسابِ، وجَعَلُوا (مِن) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كِسْفًا مِنَ السَّماءِ﴾ [الطور: ٤٤] تَبْعِيضِيَّةً، أيْ قِطْعَةً مِنَ الأجْرامِ السَّماوِيَّةِ، فَلِذَلِكَ أبَوْا تَعْدِيَةَ فِعْلِ ”تُسْقِطَ“ إلى ذاتِ السَّماءِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ هاتانِ الآيَتانِ أوْ إحْداها نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الإسْراءِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُسْتَبْعَدٍ.

والكِسَفُ - بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ السِّينِ_ جَمْعُ كِسْفَةٍ، وهي القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ مِثْلُ سِدْرَةٍ وسِدَرٍ، وكَذَلِكَ قَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَرَأهُ الباقُونَ بِسُكُونِ السِّينِ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيِ المَكْسُوفِ بِمَعْنى المَقْطُوعِ.

صفحة ٢١٠

والزَّعْمُ: القَوْلُ المُسْتَبْعَدُ أوِ المُحالُ.

والقَبِيلُ: الجَماعَةُ مِن جِنْسٍ واحِدٍ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِنَ المَلائِكَةِ، أيْ هم قَبِيلٌ خاصٌّ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، كَأنَّهم قالُوا: أوْ تَأْتِيَ بِفَرِيقٍ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ.

والزُّخْرُفُ: الذَّهَبُ.

وإنَّما عُدِّيَ ﴿تَرْقى في السَّماءِ﴾ بِحَرْفِ (في) الظَّرْفِيَّةِ؛ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الرُّقِيَّ تَدَرُّجٌ في السَّماواتِ كَمَن يَصْعَدُ في المِرْقاةِ والسُّلَّمِ.

ثُمَّ تَفَنَّنُوا في الِاقْتِراحِ فَسَألُوهُ إنْ رَقى أنْ يُرْسِلَ إلَيْهِمْ بِكِتابٍ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ يَقْرَءُونَهُ، فِيهِ شَهادَةٌ بِأنَّهُ بَلَغَ السَّماءَ، قِيلَ: قائِلُ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ، قالَ: حَتّى تَأْتِيَنا بِكِتابٍ مَعَهُ أرْبَعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ يَشْهَدُونَ لَكَ.

ولَعَلَّهم إنَّما أرادُوا أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ كِتابًا كامِلًا دُفْعَةً واحِدَةً، فَيَكُونُوا قَدْ ألْحَدُوا بِتَنْجِيمِ القُرْآنِ؛ تَوَهُّمًا بِأنَّ تَنْجِيمَهُ لا يُناسِبُ كَوْنَهُ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ لِأنَّ التَّنْجِيمَ عِنْدَهم يَقْتَضِي التَّأمُّلَ والتَّصَنُّعَ في تَأْلِيفِهِ، ولِذَلِكَ يَكْثُرُ في القُرْآنِ بَيانُ حِكْمَةِ تَنْجِيمِهِ.

واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لِرُقِيِّكَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لامَ التَّبْيِينِ، عَلى أنَّ ”رُقِيَّكَ“ مَفْعُولُ ”نُؤْمِنُ“ مِثْلُ قَوْلُهُ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ فَيَكُونُ ادِّعاءُ الرُّقِيِّ مَنفِيًّا عَنْهُ التَّصْدِيقُ حَتّى يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ كِتابٌ، ويَجُوزَ أنْ تَكُونَ اللّامُ لامَ العِلَّةِ، ومَفْعُولُ ”نُؤْمِنَ“ مَحْذُوفًا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ قَبْلَهُ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾، والتَّقْدِيرُ: لَنْ نُصَدِّقَكَ لِأجْلِ رُقِيِّكَ، هي ”تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا“ والمَعْنى: أنَّهُ لَوْ رَقى في السَّماءِ لَكَذَّبُوا أعْيُنَهم حَتّى يُرْسِلَ إلَيْهِمْ كِتابًا يَرَوْنَهُ نازِلًا مِنَ السَّماءِ، وهَذا تَوَرُّكٌ مِنهم وتَهَكُّمٌ.

ولَمّا كانَ اقْتِراحُهُمُ اقْتِراحَ مُلاجَّةٍ وعِنادٍ؛ أمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يُجِيبَهم بِما يَدُلُّ عَلى التَّعَجُّبِ مِن كَلامِهِمْ بِكَلِمَةِ ﴿سُبْحانَ رَبِّي﴾ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ في التَّعَجُّبِ كَما

صفحة ٢١١

تَقَدَّمَ في طالِعِ هَذِهِ السُّورَةِ، ثُمَّ بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وصِيغَةِ الحَصْرِ المُقْتَضِيَةِ قَصْرَ نَفْسِهِ عَلى البَشَرِيَّةِ والرِّسالَةِ قَصْرًا إضافِيًّا، أيْ لَسْتُ رَبًّا مُتَصَرِّفًا أخْلُقُ ما يُطْلَبُ مِنِّي، فَكَيْفَ آتِي بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ ؟ وكَيْفَ أخْلُقُ في الأرْضِ ما لَمْ يُخْلَقْ فِيها ؟

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”قُلْ“ بِصِيغَةِ فِعْلِ الأمْرِ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ (قالَ) بِألْفٍ بَعْدَ القافِ بِصِيغَةِ الماضِي، عَلى أنَّهُ حِكايَةٌ لِجَوابِ الرَّسُولِ ﷺ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ.

17:94–95Page 291

وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤۡمِنُوٓاْ إِذۡ جَآءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرٗا رَّسُولٗا ٩٤

And what prevented the people from believing when guidance came to them except that they said, "Has Allāh sent a human messenger?"

قُل لَّوۡ كَانَ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَلَٰٓئِكَةٞ يَمۡشُونَ مُطۡمَئِنِّينَ لَنَزَّلۡنَا عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكٗا رَّسُولٗا ٩٥

Say, "If there were upon the earth angels walking securely,1 We would have sent down to them from the heaven an angel [as a] messenger."

﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ ﴿قُلْ لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ .

بَعْدَ أنْ عُدَّتْ أشْكالُ عِنادِهِمْ ومَظاهِرُ تَكْذِيبِهِمْ أُعْقِبَتْ بِبَيانِ العِلَّةِ الأصْلِيَّةِ الَّتِي تَبْعَثُ عَلى الجُحُودِ في جَمِيعِ الأُمَمِ، وهي تَوَهُّمُهُمُ اسْتِحالَةَ أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ لِلنّاسِ بِرِسالَةٍ بَشَرًا مِثْلَهم، فَذَلِكَ التَّوَهُّمُ هو مَثارُ ما يَأْتُونَهُ مِنَ المَعاذِيرِ، فالَّذِينَ هَذا أصْلُ مُعْتَقَدِهِمْ لا يُرْجى مِنهم أنْ يُؤْمِنُوا، ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ، وما قَصْدُهم مِن مُخْتَلَفِ المُقْتَرَحاتِ إلّا إرْضاءُ أوْهامِهِمْ بِالتَّنَصُّلِ مِنَ الدُّخُولِ في الدِّينِ، فَلَوْ أتاهُمُ الرَّسُولُ بِما سَألُوهُ، لانْتَقَلُوا فَقالُوا: إنَّ ذَلِكَ سِحْرٌ، أوْ قُلُوبُنا غُلْفٌ، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، ومَعَ ما في هَذا مِن بَيانِ أصْلِ كُفْرِهِمْ، هو أيْضًا رَدٌّ بِالخُصُوصِ لِقَوْلِهِمْ ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢] ورَدٌّ لِقَوْلِهِمْ ﴿أوْ تَرْقى في السَّماءِ﴾ [الإسراء: ٩٣] إلى آخِرِهِ.

صفحة ٢١٢

وقَوْلُهُ ﴿إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ يَقْتَضِي بِصَرِيحِهِ أنَّهم قالُوا بِألْسِنَتِهِمْ، وهو مَعَ ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنِ اعْتِقادِهِمْ ما قالُوهُ، ولِذَلِكَ جَعَلَ قَوْلَهم ذَلِكَ مانِعًا مِن أنْ يُؤْمِنُوا؛ لِأنَّ اعْتِقادَ قائِلِيهِ يَمْنَعُ مِن إيمانِهِمْ بِضِدِّهِ، ونُطْقَهم بِما يَعْتَقِدُونَهُ يَمْنَعُ مَن يَسْمَعُونَهم مِن مُتَّبِعِي دِينِهِمْ.

وإلْقاءُ هَذا الكَلامِ بِصِيغَةِ الحَصْرِ، وأداةِ العُمُومِ جَعَلَهُ تَذْيِيلًا لِما مَضى مِن حِكايَةِ تَفَنُّنِهِمْ في أسالِيبِ التَّكْذِيبِ، والتَّهَكُّمِ.

فالظّاهِرُ حَمْلُ التَّعْرِيفِ في النّاسِ عَلى الِاسْتِغْراقِ، أيْ ما مَنَعَ جَمِيعَ النّاسِ أنْ يُؤْمِنُوا إلّا ذَلِكَ التَّوَهُّمُ الباطِلُ؛ لِأنَّ اللَّهَ حَكى مِثْلَ ذَلِكَ عَنْ كُلِّ أُمَّةٍ كَذَّبَتْ رَسُولَها فَقالَ حِكايَةً عَنْ قَوْمِ نُوحٍ ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤] .

وحُكِيَ مِثْلُهُ عَنْ هُودٍ ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣]، وعَنْ قَوْمِ صالِحٍ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ [الشعراء: ١٥٤]، وعَنْ قَوْمِ شُعَيْبٍ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ [الشعراء: ١٨٦]، وحُكِيَ عَنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ [المؤمنون: ٤٧]، وقالَ قَوْمُ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق: ٢] وإذا شَمِلَ العُمُومُ كَفّارَ قُرَيْشٍ أمَرَ الرَّسُولُ بِأنْ يُجِيبَهم عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ ﴿لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾ الآيَةَ، فاخْتَصَّ اللَّهُ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِاجْتِثاثِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ مِن أصْلِها، اخْتِصاصًا لَمْ يُلَقِّنْهُ مَن سَبَقَ مِنَ الرُّسُلِ، فَإنَّهم تَلَقَّوْا تِلْكَ الشُّبْهَةَ بِاسْتِنْصارِ اللَّهِ تَعالى عَلى أقْوالِهِمْ فَقالَ عَنْ نُوحٍ ﴿قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي ومَن مَعِيْ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٧] .

صفحة ٢١٣

وقالَ مِثْلَهُ عَنْ هُودٍ وصالِحٍ، وقالَ عَنْ مُوسى وهارُونَ: ﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٨]، فَقَدِ ادَّخَرَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ قَواطِعَ الأدِلَّةِ عَلى إبْطالِ الشِّرْكِ وشُبَهِ الضَّلالَةِ بِما يُناسِبُ كَوْنَهُ خاتَمَ الرُّسُلِ، ولِهَذا قالَ في خُطْبَةِ حَجَّةِ الوَداعِ: «إنَّ الشَّيْطانَ قَدْ يَئِسَ أنْ يُعْبَدَ في أرْضِكم هَذِهِ، ولَكِنَّهُ قَدْ رَضِيَ أنْ يُطاعَ فِيما دُونَ ذَلِكَ مِمّا تَحْقِرُونَ مِن أعْمالِكم» .

ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ﴾ إلَخْ: أنَّ اللَّهَ يُرْسِلُ الرَّسُولَ لِلْقَوْمِ مِن نَوْعِهِمْ؛ لِلتَّمَكُّنِ مِنَ المُخالَطَةِ؛ لِأنَّ اتِّحادَ النَّوْعِ هو قِوامُ تَيْسِيرِ المُعاشَرَةِ، قالَ تَعالى ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩]، أيْ في صُورَةِ رَجُلٍ لِيُمْكِنَ التَّخاطُبُ بَيْنَهُ وبَيْنَ النّاسِ.

وجُمْلَةُ ”يَمْشُونَ“ وصْفٌ لِـ ”مَلائِكَةٌ“ .

و”مُطْمَئِنِّينَ“ حالٌ، والمُطْمَئِنُّ: السّاكِنُ، وأُرِيدَ بِهِ هُنا المُتَمَكِّنُ غَيْرُ المُضْطَرِبِ، أيْ مَشْيُ قَرارٍ في الأرْضِ، أيْ لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ قاطِنُونَ عَلى الأرْضِ غَيْرُ نازِلِينَ بِرِسالَةٍ لِلرُّسُلِ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ مَلَكًا.

ولَمّا كانَ المَشْيُ والِاطْمِئْنانُ في الأرْضِ مِن صِفَةِ الإنْسانِ آلَ المَعْنى إلى: لَوْ كُنْتُمْ مَلائِكَةً لَنَزَّلْنا عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ مَلَكًا، فَلَمّا كُنْتُمْ بَشَرًا أرْسَلَنا إلَيْكم بَشَرًا مِثْلَكم، ومَجِيءُ الهُدى هو دَعْوَةُ الرُّسُلِ إلى الهُدى.

17:96Page 291

قُلۡ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدَۢا بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا ٩٦

Say, "Sufficient is Allāh as Witness between me and you. Indeed He is ever, concerning His servants, Aware and Seeing."

﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ بَعْدَ أنْ خَصَّ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِتَلْقِينِ الحُجَّةِ القاطِعَةِ لِلضَّلالَةِ أرْدَفَ ذَلِكَ بِتَلْقِينِهِ أيْضًا ما لَقَّنَهُ الرُّسُلَ السّابِقِينَ مِن تَفْوِيضِ الأمْرِ إلى اللَّهِ

صفحة ٢١٤

وتَحْكِيمِهِ في أعْدائِهِ، فَأمَرَهُ بِـ ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ﴾ تَسْلِيَةً لَهُ، وتَثْبِيتًا لِنَفْسِهِ، وتَعَهُّدًا لَهُ بِالفَصْلِ بَيْنَهُ، وبَيْنَهم كَما قالَ نُوحٌ وهُودٌ ﴿رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون: ٢٦]، وغَيْرُهُما مِنَ الرُّسُلِ قالَ قَرِيبًا مِن ذَلِكَ.

وفِي هَذا رَدٌّ لِمَجْمُوعِ مُقْتَرَحاتِهِمُ المُتَقَدِّمَةِ عَلى وجْهِ الإجْمالِ.

ومَفْعُولُ ”كَفى“ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: كَفانِي، والشَّهِيدُ: الشّاهِدُ، وهو المُخْبِرِ بِالأمْرِ الواقِعِ كَما وقَعَ.

وأُرِيدَ بِالشَّهِيدِ هُنا الشَّهِيدُ لِلْمُحِقِّ عَلى المُبْطِلِ، فَهو كِنايَةٌ عَنِ النَّصِيرِ والحاكِمِ؛ لِأنَّ الشَّهادَةَ سَبَبُ الحُكْمِ، والقَرِينَةُ قَوْلُهُ ﴿بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾؛ لِأنَّ ظَرْفَ (بَيْنَ) يُناسِبُ مَعْنى الحُكْمِ، وهَذا بِمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٧] وقَوْلِهِ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ٣] .

والباءُ الدّاخِلَةُ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ لُصُوقِ فِعْلِ ”كَفى“ بِفاعِلِهِ، وأصْلُهُ: كَفى اللَّهُ شَهِيدًا.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ تَعْلِيلٌ لِلِاكْتِفاءِ بِهِ تَعالى، و”الخَبِيرُ“ العَلِيمُ، وأُرِيدَ بِهِ العَلِيمُ بِالنَّوايا والحَقائِقِ، و”البَصِيرُ“ العَلِيمُ بِالذَّواتِ والمُشاهَداتِ مِن أحْوالِها، والمَقْصُودُ مِنِ اتِّباعِهِ بِهِ إحاطَةُ العِلْمِ وشُمُولُهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском