Ibn 'AshurAl‑Baqarah · 2:50–53

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:50–53

2:50Page 8

وَإِذۡ فَرَقۡنَا بِكُمُ ٱلۡبَحۡرَ فَأَنجَيۡنَٰكُمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ ٥٠

And [recall] when We parted the sea for you and saved you and drowned the people of Pharaoh while you were looking on.

﴿وإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ فَأنْجَيْناكم وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾

هَذا زِيادَةٌ في التَّفْصِيلِ بِذِكْرِ نِعْمَةٍ أُخْرى عَظِيمَةٍ خارِقَةٍ لِلْعادَةِ بِها كانَ تَمامُ الإنْجاءِ مِن آلِ فِرْعَوْنَ وفِيها بَيانُ مِقْدارِ إكْرامِ اللَّهِ تَعالى لَهم ومُعْجِزَةٌ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وتَعْدِيَةُ فِعْلِ ﴿فَرَقْنا﴾ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ بِواسِطَةِ الحَرْفِ جارٍ عَلى نَحْوِ تَعْدِيَةِ فِعْلِ ﴿نَجَّيْناكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩] إلى ضَمِيرِهِمْ كَما تَقَدَّمَ.

وفَرَقَ وفَرَّقَ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ بِمَعْنًى واحِدٍ؛ إذِ التَّشْدِيدُ يُفِيدُهُ تَعْدِيَةً ومَعْناهُ الفَصْلُ بَيْنَ أجْزاءِ شَيْءٍ مُتَّصِلِ الأجْزاءِ، غَيْرَ أنَّ فَرَّقَ يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ التَّفْرِقَةِ وذَلِكَ إذا كانَتِ الأجْزاءُ المُفَرَّقَةُ أشَدَّ اتِّصالًا وقَدْ قِيلَ إنَّ فَرَّقَ لِلْأجْسامِ وفَرَقَ لِلْمَعانِي، نَقَلَهُ القَرافِيُّ عَنْ بَعْضِ مَشايِخِهِ وهو غَيْرُ تامٍّ كَما تَقَدَّمَ في المُقَدِّمَةِ الأُولى مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ بِدَلِيلِ هَذِهِ الآيَةِ، فالوَجْهُ أنَّ فَرَّقَ بِالتَّشْدِيدِ لِما فِيهِ عِلاجٌ ومُحاوَلَةٌ وأنَّ المُخَفَّفَ والمُشَدَّدَ كِلَيْهِما حَقِيقَةٌ في فَصْلِ الأجْسامِ وأمّا في فَصْلِ المَعانِي المُلْتَبِسَةِ فَمَجازٌ. وقَدِ اتَّفَقَتِ القِراءاتُ المُتَواتِرَةُ العَشْرُ عَلى قِراءَةِ فَرَقْنا بِالتَّخْفِيفِ والتَّخْفِيفُ مَنظُورٌ فِيهِ إلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى فَكانَ ذَلِكَ الفَرْقُ الشَّدِيدُ خَفِيفًا.

وتَصْغُرُ في عَيْنِ العَظِيمِ العَظائِمُ و(ال) في البَحْرِ وهو البَحْرُ الَّذِي عَهِدُوهُ أعْنِي بَحْرَ القُلْزُمِ المُسَمّى اليَوْمَ بِالبَحْرِ الأحْمَرِ وسَمَّتْهُ التَّوْراةُ بَحْرَ سُوفٍ.

والباءُ في بِكم إمّا لِلْمُلابَسَةِ كَما في طارَتْ بِهِ العَنْقاءُ، وعَدا بِهِ الفَرَسُ. أيْ كانَ فَرْقُ البَحْرِ مُلابِسًا لَكم والمُرادُ مِنَ المُلابَسَةِ أنَّهُ يُفْرَقُ وهم يُدْخُلُونَهُ فَكانَ الفَرْقُ حاصِلًا بِجانِبِهِمْ. وجَوَّزَ صاحِبُ الكَشّافِ كَوْنَ الباءِ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ بِسَبَبِكم يَعْنِي لِأجْلِكم.

والخِطابُ هُنا كالخِطابِ في قَوْلِهِ ﴿وإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٤٩] وقَوْلُهُ ﴿فَأنْجَيْناكم وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ هو مَحَلُّ المِنَّةِ وذِكْرِ النِّعْمَةَ وهو نَجاتُهم مِنَ الهَلاكِ وهَلاكُ عَدُوِّهِمْ. قالَ الفَرَزْدَقُ:

صفحة ٤٩٥

كَيْفَ تَرانِي قالِيًا مِجَنِّي قَدْ قَتَلَ اللَّهُ زِيادًا عَنِّي

فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿وإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ﴾ تَمْهِيدًا لِلْمِنَّةِ لِأنَّهُ سَبَبُ الأمْرَيْنِ: النَّجاةِ والهَلاكِ وهو مَعَ ذَلِكَ مُعْجِزَةٌ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

وقَدْ أشارَتِ الآيَةُ إلى ما حَدَثَ لِبَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِن مِصْرَ مِن لِحاقِ جُنْدِ فِرْعَوْنَ بِهِمْ لِمَنعِهِمْ مِن مُغادَرَةِ البِلادِ المِصْرِيَّةِ وذَلِكَ أنَّهم لَمّا خَرَجُوا لَيْلًا إمّا بِإذْنٍ مِن فِرْعَوْنَ كَما تَقُولُ التَّوْراةُ في بَعْضِ المَواضِعِ، وإمّا خُفْيَةً كَما عَبَّرَتْ عَنْهُ التَّوْراةُ بِالهُرُوبِ، حَصَلَ لِفِرْعَوْنَ نَدَمٌ عَلى إطْلاقِهِمْ أوْ أغْراهُ بَعْضُ أعْوانِهِ بِصَدِّهِمْ عَنِ الخُرُوجِ لِما في خُرُوجِهِمْ مِن إضاعَةِ الأعْمالِ الَّتِي كانُوا يُسَخَّرُونَ فِيها أوْ لِأنَّهُ لَمّا رَآهم سَلَكُوا غَيْرَ الطَّرِيقِ المَأْلُوفِ لِاجْتِيازِ مِصْرَ إلى الشّامِ ظَنَّهم يَرُومُونَ الِانْتِشارَ في بَعْضِ جِهاتِ مَمْلَكَتِهِ المِصْرِيَّةِ فَخَشِيَ شَرَّهم إنْ هم بَعُدُوا عَنْ مَرْكَزِ مُلْكِهِ ومُجْتَمَعِ قُوَّتِهِ وجُنْدِهِ.

إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا خَرَجُوا مِن جِهاتِ حاضِرَةِ مِصْرَ وهي يَوْمَئِذٍ مَدِينَةُ مَنفِيسَ لَمْ يَسْلُكُوا الطَّرِيقَ المَأْلُوفَ لِبِلادِ الشّامِ إذْ تُرِكُوا أنْ يَسْلُكُوا طَرِيقَ شاطِئِ بَحْرِ الرُّومِ المُتَوَسِّطِ فَيَدْخُلُوا بَرِّيَّةَ سِينا مِن غَيْرِ أنْ يَخْتَرِقُوا البَحْرَ ولا يَقْطَعُوا أكْثَرَ مِنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَرْحَلَةً أعْنِي مِائَتَيْنِ وخَمْسِينَ مِيلًا وسَلَكُوا طَرِيقًا جَنُوبِيَّةً شَرْقِيَّةً حَوْلَ أعْلى البَحْرِ الأحْمَرِ لِئَلّا يَسْلُكُوا الطَّرِيقَ المَأْلُوفَةَ الآهِلَةَ بِقَوافِلِ المِصْرِيِّينَ وجُيُوشِ الفَراعِنَةِ فَيَصُدُّوهم عَنِ الِاسْتِرْسالِ في سَيْرِهِمْ أوْ يُلْحِقُ بِهِمْ فِرْعَوْنُ مَن يَرُدُّهم لِأنَّ مُوسى عَلِمَ بِوَحْيٍ كَما قالَ تَعالى ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ [الشعراء: ٥٢] إنَّ فِرْعَوْنَ لا يَلْبَثُ أنْ يَصُدَّهم عَنِ المُضِيِّ في سَيْرِهِمْ فَلِذَلِكَ سَلَكَ بِهِمْ بِالأمْرِ الإلَهِيِّ طَرِيقًا غَيْرَ مَطْرُوقَةٍ فَكانُوا مُضْطَرِّينَ لِلْوُقُوفِ أمامَ البَحْرِ في مَوْضِعٍ يُقالُ لَهُ فَمُ الحَيْرُوثِ فَهُنالِكَ ظَهَرَتِ المُعْجِزَةُ إذْ فَلَقَ اللَّهُ لَهُمُ البَحْرَ بِباهِرِ قُدْرَتِهِ فَأمَرَ مُوسى أنْ يَضْرِبَهُ بِعَصاهُ فانْفَلَقَ وصارَ فِيهِ طَرِيقٌ يَبَسٌ مَرَّتْ عَلَيْهِ بَنُو إسْرائِيلَ وكانَ جُنْدُ فِرْعَوْنَ قَدْ لَحِقَ بِهِمْ ورامَ اقْتِحامَ البَحْرِ وراءَهم فانْطَبَقَ البَحْرُ عَلَيْهِمْ فَغَرِقُوا.

صفحة ٤٩٦

وقَوْلُهُ ﴿وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ جُنْدَهُ وأنْصارَهُ. ولَمْ يَذْكُرْ في هاتِهِ الآيَةِ غَرَقَ فِرْعَوْنَ لِأنَّ مَحَلَّ المِنَّةِ هو إهْلاكُ الَّذِينَ كانُوا المُباشِرِينَ لِتَسْخِيرِ بَنِي إسْرائِيلَ وتَعْذِيبِهِمْ والَّذِينَ هم قُوَّةُ فِرْعَوْنَ. وقَدْ ذُكِرَ غَرَقُ فِرْعَوْنَ في آياتٍ أُخْرى نَتَكَلَّمُ عَلَيْها في مَوْضِعِها إنْ شاءَ اللَّهُ وكانَ ذَلِكَ في زَمَنِ المَلِكِ مَنفِتاحَ ويُقالُ لَهُ مَنفِطَةُ أوْ مِينِيتاهْ مِن فَراعِنَةِ العائِلَةِ التّاسِعَةَ عَشْرَةَ في تَرْتِيبِ فَراعِنَةِ مِصْرَ عِنْدَ المُؤَرِّخِينَ.

قَوْلُهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِنَ الفاعِلِ وهو ضَمِيرُ الجَلالَةِ في فَرَقْنا وأنْجَيْنا وأغْرَقْنا مُقَيِّدَةٌ لِلْعَوامِلِ الثَّلاثَةِ عَلى سَبِيلِ التَّنازُعِ فِيها، ولا يُتَصَوَّرُ في التَّنازُعِ في الحالِ إضْمارٌ في الثّانِي عَلى تَقْدِيرِ إعْمالِ الأوَّلِ لِأنَّ الجُمْلَةَ لا تُضْمَرُ كَما لا يُضْمَرُ في التَّنازُعِ في الظَّرْفِ نَحْوَ سَكَنَ وقَرَأ عِنْدَكَ ولَعَلَّ هَذا مِمّا يُوجِبُ إعْمالَ الأوَّلِ وهَذا الحالُ زِيادَةٌ في تَقْرِيرِ النِّعْمَةِ وتَعْظِيمِها فَإنَّ مُشاهَدَةَ المُنْعَمِ عَلَيْهِ لِلنِّعْمَةِ لَذَّةٌ عَظِيمَةٌ لا سِيَّما ومُشاهَدَةَ إغْراقِ العَدُوِّ أيْضًا نِعْمَةٌ زائِدَةٌ كَما أنَّ مُشاهَدَةَ فَرْقِ البَحْرِ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ لِما فِيها مِن مُشاهَدَةِ مُعْجِزَةٍ تَزِيدُهم إيمانًا وحادِثٍ لا تَتَأتّى مُشاهَدَتُهُ لِأحَدٍ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا مِنَ المَفْعُولِ وهو آلُ فِرْعَوْنَ أيْ تَنْظُرُونَهم، ومَفْعُولُ (تَنْظُرُونَ) مَحْذُوفٌ ولا يَسْتَقِيمُ جَعْلُهُ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ اللّازِمِ.

وإسْنادُ النَّظَرِ إلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ أنَّ أسْلافَهم كانُوا ناظِرِينَ ذَلِكَ لِأنَّ النِّعْمَةَ عَلى السَّلَفِ نِعْمَةٌ عَلى الأبْناءِ لا مَحالَةَ فَضَمِيرُ الخِطابِ مَجازٌ.

2:51–52Page 8

وَإِذۡ وَٰعَدۡنَا مُوسَىٰٓ أَرۡبَعِينَ لَيۡلَةٗ ثُمَّ ٱتَّخَذۡتُمُ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَنتُمۡ ظَٰلِمُونَ ٥١

And [recall] when We made an appointment with Moses for forty nights. Then you took [for worship] the calf after him [i.e., his departure], while you were wrongdoers.

ثُمَّ عَفَوۡنَا عَنكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٥٢

Then We forgave you after that so perhaps you would be grateful.

﴿وإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾

تَذْكِيرٌ لَهم بِنِعْمَةِ عَفْوِ اللَّهِ عَنْ جُرْمِهِمُ العَظِيمِ بِعِبادَةِ غَيْرِهِ وذَلِكَ مِمّا فَعَلَهُ سَلَفُهم، فَإسْنادُ تِلْكَ الأفْعالِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ بِاعْتِبارِ ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ﴾ فَإنَّ العَفْوَ عَنِ الآباءِ مِنَّةٌ عَلَيْهِمْ وعَلى أبْنائِهِمْ يَجِبُ عَلى الأبْناءِ الشُّكْرُ عَلَيْهِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٧] ووَقَعَ في الكَشّافِ وتَفْسِيرِ البَغَوِيِّ وتَفْسِيرِ البَيْضاوِيِّ أنَّ اللَّهَ وعَدَ مُوسى أنْ يُؤْتِيَهُ الشَّرِيعَةَ بَعْدَ أنْ عادَ بَنُو إسْرائِيلَ إلى مِصْرَ بَعْدَ مَهْلِكِ فِرْعَوْنَ وهَذا وهْمٌ فَإنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ

صفحة ٤٩٧

يَعُودُوا إلى مِصْرَ البَتَّةَ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ كَيْفَ والآياتُ صَرِيحَةٌ في أنَّ نُزُولَ الشَّرِيعَةِ كانَ بِطُورِ سِينا وأنَّ خُرُوجَهم كانَ لِيُعْطِيَهُمُ اللَّهُ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَهم وقَدْ أشارَ في الكَشّافِ في سُورَةِ الدُّخانِ إلى التَّرَدُّدِ فِيهِ ولا يَنْبَغِي التَّرَدُّدُ في ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ﴾ هو المَقْصُودُ وأمّا ما ذُكِرَ قَبْلَهُ فَهو تَمْهِيدٌ وتَأْسِيسٌ لِبِنائِهِ وتَهْوِيلٌ لِذَلِكَ الجُرْمِ إظْهارًا لِسِعَةِ عَفْوِ اللَّهِ تَعالى وحِلْمِهِ عَنْهم. وتَوْسِيطُ التَّذْكِيرِ بِالعَفْوِ عَنْ هَذِهِ السَّيِّئَةِ بَيْنَ ذِكْرِ النِّعَمِ المَذْكُورَةِ مُراعاةٌ لِتَرْتِيبِ حُصُولِها في الوُجُودِ لِيَحْصُلَ غَرَضانِ غَرَضُ التَّذْكِيرِ وغَرَضُ عَرْضِ تارِيخِ الشَّرِيعَةِ.

والمُرادُ مِنَ المُواعَدَةِ هُنا أمْرُ اللَّهِ مُوسى أنْ يَنْقَطِعَ أرْبَعِينَ لَيْلَةً لِمُناجاةِ اللَّهِ تَعالى وإطْلاقِ الوَعْدِ عَلى هَذا الأمْرِ مِن حَيْثُ إنَّ ذَلِكَ تَشْرِيفٌ لِمُوسى ووَعْدٌ لَهُ بِكَلامِ اللَّهِ وبِإعْطاءِ الشَّرِيعَةِ. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ وواعَدْنا بِألِفٍ بَعْدَ الواوِ عَلى صِيغَةِ المُفاعَلَةِ المُقْتَضِيَةِ حُصُولَ الوَعْدِ مِن جانِبَيْنِ؛ الواعِدُ والمَوْعُودُ والمُفاعَلَةُ عَلى غَيْرِ بابِها لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ عَلى حَدِّ سافَرَ وعافاهُ اللَّهُ، وعالَجَ المَرِيضَ وقاتَلَهُ اللَّهُ، فَتَكُونُ مَجازًا في التَّحْقِيقِ لِأنَّ المُفاعَلَةَ تَقْتَضِي تَكَرُّرَ الفِعْلِ مِن فاعِلَيْنِ فَإذا أُخْرِجَتْ عَنْ بابِها بَقِيَ التَّكَرُّرُ فَقَطْ مِن غَيْرِ نَظَرٍ لِلْفاعِلِ ثُمَّ أُرِيدَ مِنَ التَّكَرُّرِ لازِمُهُ وهو المُبالَغَةُ والتَّحَقُّقُ فَتَكُونُ بِمَنزِلَةِ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ.

والأشْهَرُ أنَّ المُواعَدَةَ لَمّا كانَ غالِبُ أحْوالِها حُصُولَ الوَعْدِ مِنَ الجانِبَيْنِ شاعَ اسْتِعْمالُ صِيغَتِها في مُطْلَقِ الوَعْدِ وقَدْ شاعَ اسْتِعْمالُها أيْضًا في خُصُوصِ التَّواعُدِ بِالمُلاقاةِ كَما وقَعَ في حَدِيثِ الهِجْرَةِ وواعَداهُ غارَ ثَوْرٍ. وقَوْلُ الشّاعِرِ:

فَواعِدِيهِ سَرْحَتَيْ مالِكٍ أوِ الرُّبا بَيْنَهُما أسْهَلا

واسْتُعْمِلَتْ هُنا لِأنَّ المُناجاةَ والتَّكَلُّمَ يَقْتَضِي القُرْبَ فَهو بِمَنزِلَةِ اللِّقاءِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ ولِذَلِكَ اسْتَغْنى عَنْ ذِكْرِ المَوْعُودِ بِهِ لِظُهُورِهِ مِن صِيغَةِ المُواعَدَةِ. وقِيلَ المُفاعَلَةُ عَلى بابِها بِتَقْدِيرِ أنَّ اللَّهَ وعَدَ مُوسى أنْ يُعْطِيَهُ الشَّرِيعَةَ وأمَرَهُ بِالحُضُورِ لِلْمُناجاةِ فَوَعَدَ مُوسى رَبَّهُ أنْ يَمْتَثِلَ لِذَلِكَ، فَكانَ الوَعْدُ حاصِلًا مِنَ الطَّرَفَيْنِ وذَلِكَ كافٍ في تَصْحِيحِ المُفاعَلَةِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ اخْتِلافِ المَوْعُودِ بِهِ، وذَلِكَ لا يُنافِي المُفاعَلَةَ لِأنَّ مَبْنى صِيغَةِ المُفاعَلَةِ حُصُولُ فِعْلٍ مُتَماثِلٍ مِن جانِبَيْنِ لا سِيَّما إذا لَمْ يُذْكَرِ المُتَعَلِّقُ في اللَّفْظِ كَما هُنا لِقَصْدِ الإيجازِ البَدِيعِ لِقَصْدِ إعْظامِ المُتَعَلِّقِ مِنَ الجانِبَيْنِ، ولَكَ أنَّ تَقُولَ سَوَّغَ حَذْفَهُ عِلْمُ المُخاطَبِينَ بِهِ فَإنَّ هَذا الكَلامَ مَسُوقٌ لِلتَّذْكِيرِ لا لِلْإخْبارِ والتَّذْكِيرِ يُكْتَفى فِيهِ بِأقَلِّ إشارَةٍ فاسْتَوى الحَذْفُ والذِّكْرُ فَرَجَّحَ الإيجازَ وإنْ كانَ الغالِبُ اتِّحادَهُ.

صفحة ٤٩٨

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ (وعَدْنا) بِدُونِ ألِفٍ عَقِبَ الواوِ عَلى الحَقِيقَةِ.

ومُوسى هو رَسُولُ اللَّهِ إلى بَنِي إسْرائِيلَ وصاحِبُ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ وهو مُوسى بْنُ عِمْرانَ ولَمْ يَذْكُرِ اسْمَ جَدِّهِ ولَكِنَّ الَّذِي جاءَ في التَّوْراةِ أنَّهُ هو وأخُوهُ هارُونُ مِن سِبْطِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ. وُلِدَ بِمِصْرَ في حُدُودِ سَنَةِ ألْفٍ وخَمْسِمِائَةٍ قَبْلَ مِيلادِ عِيسى. ولَمّا ولَدَتْهُ أُمُّهُ خافَتْ عَلَيْهِ أنْ يَأْخُذَهُ القِبْطُ فَيَقْتُلُوهُ لِأنَّهُ في أيّامِ وِلادَتِهِ كانَ القِبْطُ قَدْ سامُوا بَنِي إسْرائِيلَ سُوءَ العَذابِ لِأسْبابٍ غَيْرِ مَشْرُوعَةٍ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُذَبِّحُونَ أبْناءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩] فَأمَرَ مَلِكُ مِصْرَ بِقَتْلِ كُلِّ ذَكَرٍ يُولَدُ في بَنِي إسْرائِيلَ، وأُمُّهُ تُسَمّى يُوحانَذَ وهي أيْضًا مِن سِبْطِ لاوِي وكانَ زَوْجُها قَدْ تُوُفِّيَ حِينَ ولَدَتْ مُوسى فَتَحَيَّلَتْ لِإخْفائِهِ عَنِ القِبْطِ مُدَّةَ ثَلاثَةِ أشْهُرٍ ثُمَّ ألْهَمَها اللَّهُ فَأرْضَعَتْهُ رَضْعَةً ووَضَعَتْهُ في سَفَطٍ مَنسُوجٍ مِن خُوصِ البَرْدِيِّ وطَلَتْهُ بِالمَغْرَةِ والقارِ لِئَلّا يَدْخُلَهُ الماءُ ووَضَعَتْ فِيهِ الوَلَدَ وألْقَتْهُ في النِّيلِ بِمَقْرُبَةٍ مِن مَساكِنِ فِرْعَوْنَ عَلى شاطِئِ النِّيلِ ووَكَّلَتْ أُخْتًا لَهُ اسْمُها مَرْيَمُ بِأنْ تَرْقُبَ الجِهَةَ الَّتِي يُلْقِيهِ النِّيلُ فِيها وماذا يَصْنَعُ بِهِ وكانَ مَلِكُ مِصْرَ في ذَلِكَ الوَقْتِ تَقْرِيبًا هو فِرْعَوْنَ رَمْسِيسَ الثّانِيَ، ولَمّا حَمَلَهُ النَّهْرُ كانَتِ ابْنَةُ فِرْعَوْنَ المُسَمّاةُ ثَرْمُوتَ مَعَ جَوارٍ لَها يَمْشِينَ عَلى حافَةِ النَّهْرِ لِقَصْدِ السِّباحَةِ والتَّبَرُّدِ في مائِهِ قِيلَ كانُوا في مَدِينَةِ عَيْنِ شَمْسٍ فَلَمّا بَصُرَتْ بِالسَّفَطِ أرْسَلَتْ أمَةً لَها لِتَنْظُرَ السَّفَطَ فَلَمّا فَتَحْنَهُ وجَدْنَ الصَّبِيَّ فَأخَذَتْهُ ابْنَةُ فِرْعَوْنَ إلى أُمِّها وأظْهَرَتْ مَرْيَمُ أُخْتُ مُوسى نَفْسَها لِابْنَةِ فِرْعَوْنَ فَلَمّا رَأتْ رِقَّةَ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ عَلى الصَّبِيِّ قالَتْ إنَّ فِينا مُرْضِعًا أفَأذْهَبُ فَأدْعُوَها لِتُرْضِعَهُ ؟ فَقالَتْ نَعَمْ فَذَهَبَتْ وأتَتْ بِأُمِّ مُوسى. وأخَذَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ الوَلَدَ وتَبَنَّتْهُ وسَمَّتْهُ مُوشى قِيلَ إنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن كَلِمَةِ (مو) بِمَعْنى الماءِ وكَلِمَةِ (شى) بِمَعْنى المُنْقِذِ وقَدْ صارَتْ في العَرَبِيَّةِ مُوسى والأظْهَرُ أنَّ هَذا الِاسْمَ مُرَكَّبٌ مِنَ اللُّغَةِ العِبْرِيَّةِ لا مِنَ القِبْطِيَّةِ فَلَعَلَّهُ كانَ لَهُ اسْمٌ آخَرُ في قَصْرِ فِرْعَوْنَ وأنَّهُ غَيَّرَ اسْمَهُ بَعْدَ ذَلِكَ.

ونَشَأ مُوسى في بَيْتِ فِرْعَوْنَ كَوَلَدٍ لَهُ. ولَمّا كَبِرَ عَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ بِابْنِ فِرْعَوْنَ وأنَّهُ إسْرائِيلِيٌّ ولَعَلَّ أُمَّهُ أعْلَمَتْهُ بِذَلِكَ وجَعَلَتْ لَهُ أماراتٍ يُوقِنُ بِها وأنْشَأهُ اللَّهُ عَلى حُبِّ العَدْلِ ونَصْرِ الضَّعِيفِ وكانَ مُوسى شَدِيدًا قَوِيَّ البِنْيَةِ ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ في حُدُودِ نَيِّفٍ وثَلاثِينَ مِن عُمُرِهِ حَدَثَ لَهُ حادِثٌ قَتَلَ فِيهِ قِبْطِيًّا انْتِصارًا لِإسْرائِيلِيٍّ ولَعَلَّ ذَلِكَ كانَ بَعْدَ مُفارَقَتِهِ لِقَصْرِ فِرْعَوْنَ أيْ بَعْدِ مَوْتِ مُرَبِّيهِ فَخافَ مُوسى أنْ يُقْتَصَّ مِنهُ وهاجَرَ مِن مِصْرَ ومَرَّ في مُهاجَرَتِهِ بِمَدْيَنَ وتَزَوَّجَ ابْنَةَ شُعَيْبٍ ثُمَّ خَرَجَ مِن مَدْيَنَ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ وعُمُرُهُ يَوْمَئِذٍ نَيِّفٌ وأرْبَعُونَ سَنَةً.

صفحة ٤٩٩

وأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ في طَرِيقِهِ أنْ يُخْرِجَ بَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ ويُنْقِذَهم مِن ظُلْمِ فِرْعَوْنَ فَدَخَلَ مِصْرَ ولَقِيَ أخاهُ هارُونَ في جُمْلَةِ قَوْمِهِ في مِصْرَ وسَعى في إخْراجِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ بِما قَصَّهُ اللَّهُ في كِتابِهِ وكانَ خُرُوجُهُ بِبَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ في حُدُودِ سَنَةِ ١٤٦٠ سِتِّينَ وأرْبَعِمائَةٍ وألْفٍ قَبْلَ المَسِيحِ في زَمَنِ مِنفِطاحِ الثّانِي وتُوُفِّيَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قُرْبَ أرِيحا عَلى جَبَلِ نِيبُو سَنَةَ ١٣٨٠ ثَمانِينَ وثَلاثِمِائَةٍ وألْفٍ قَبْلَ مِيلادِ عِيسى ودُفِنَ هُنالِكَ وقَبْرُهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ لِأحَدٍ كَما هو نَصُّ التَّوْراةِ.

وقَوْلُهُ أرْبَعِينَ لَيْلَةً انْتَصَبَ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ لِمُتَعَلَّقِ واعَدْنا وهو اللِّقاءُ المَوْعُودُ بِهِ نابَ هَذا الظَّرْفُ عَنِ المُتَعَلَّقِ أيْ مُناجاةً وغَيْرَها في أرْبَعِينَ لَيْلَةً إنْ جُعِلَ واعَدْنا مَسْلُوبَ المُفاعَلَةِ وإنْ أُبْقِيَ عَلى ظاهِرِهِ قَدَّرْنا مُتَعَلَّقَيْنِ وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ فانْتِصابُ أرْبَعِينَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِذَلِكَ المَحْذُوفِ عَلى أنَّ إطْلاقَ اسْمِ الزَّمانِ عَلى ما يَقَعُ فِيهِ مَجازٌ شائِعٌ في كَلامِ البُلَغاءِ ومِنهُ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ﴾ [البقرة: ٤٨] كَما تَقَدَّمَ والأُمُورُ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْها الأرْبَعُونَ لَيْلَةً مَعْلُومَةٌ لِلْمُخاطَبِينَ يَتَذَكَّرُونَها بِمُجَرَّدِ الإلْماحِ إلَيْها.

وبِما حَرَّرْناهُ في قَوْلِهِ ﴿وإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ تَسْتَغْنِي عَنْ تَطْوِيلاتٍ واحْتِمالاتٍ جَرَتْ في كَلامِ الكاتِبِينَ هُنا مِن وُجُوهٍ ذَكَرَها التَّفْتَزانِيُّ وعَبْدُ الحَكِيمِ وقَدْ جَمَعَ الوَجْهُ الَّذِي أبْدَيْناهُ مَحاسِنَها. وجَعَلَ المِيقاتَ لَيالِيَ لِأنَّ حِسابَهم كانَ بِالأشْهُرِ القَمَرِيَّةِ.

وعُطِفَتْ جُمْلَةُ ﴿اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ﴾ بِحَرْفِ ثُمَّ الَّذِي هو في عَطْفِ الجُمَلِ لِلتَّراخِي التَّرْتِيبِيِّ لِلْإشارَةِ إلى تَرْتِيبٍ في دَرَجاتِ عِظَمِ هَذِهِ الأحْوالِ وعَطَفَ ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ أيْضًا لِتَراخِي مَرْتَبَةِ العَفْوِ العَظِيمِ عَنْ عِظَمِ جُرْمِهِمْ فَرُوعِيَ في هَذا التَّراخِي أنَّ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الجُمَلُ عَظائِمُ أُمُورٍ في الخَيْرِ وضِدِّهِ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِ سِعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ بِهِمْ قَبْلَ المَعْصِيَةِ وبَعْدَها وحَذْفُ المَفْعُولِ الثّانِي لِاتَّخَذْتُمْ لِظُهُورِهِ وعِلْمِهِمْ بِهِ ولِشَناعَةِ ذِكْرِهِ وتَقْدِيرِهِ مَعْبُودًا أوْ إلَهًا وبِهِ تَظْهَرُ فائِدَةُ ذِكْرِ (مِن بَعْدِهِ) لِزِيادَةِ التَّشْنِيعِ بِأنَّهم كانُوا جَدِيرِينَ بِانْتِظارِهِمُ الشَّرِيعَةَ الَّتِي تَزِيدُهم كَمالًا لا بِالنُّكُوصِ عَلى أعْقابِهِمْ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والِانْغِماسِ في نِعَمِ اللَّهِ تَعالى وبِأنَّهم كانُوا جَدِيرِينَ بِالوَفاءِ لِمُوسى فَلا يُحْدِثُوا ما أحْدَثُوا في مَغِيبِهِ بَعْدَ أنْ رَأوْا مُعْجِزَتَهُ وبَعْدَ أنْ نَهاهم عَنْ هاتِهِ العِبادَةِ لَمّا قالُوا لَهُ ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهُمُ آلِهَةٌ قالَ إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] الآيَةَ. وفائِدَةُ ذِكْرِ ”مِن“ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الِاتِّخاذَ ابْتَدَأ مِن أوَّلِ أزْمانِ بَعْدِيَّةِ مَغِيبِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ

صفحة ٥٠٠

وهَذِهِ أيْضًا حالَةٌ غَرِيبَةٌ لِأنَّ شَأْنَ التَّغَيُّرِ عَنِ العَهْدِ أنْ يَكُونَ بَعْدَ طُولِ المَغِيبِ عَلى أنَّهُ ضَعْفٌ في العَهْدِ كَما قالَ الحَرْثُ بْنُ كِلْدَةَ:

فَما أدْرِي أغَيَّرَهم تَناءٍ ∗∗∗ وطُولُ العَهْدِ أمْ مالٌ أصابُوا

فَفِي قَوْلِهِ (مِن بَعْدِهِ) تَعْرِيضٌ بِقِلَّةِ وفائِهِمْ في حِفْظِ عَهْدِ مُوسى. وقَوْلُهُ مِن بَعْدِهِ أيْ بَعْدَ مَغِيبِهِ وتَقْدِيرُ المُضافِ مَعَ (بَعْدِ) المُضافِ إلى اسْمِ المُتَحَدَّثِ عَنْهُ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ لِظُهُورِهِ بِحَسَبِ المَقامِ وإذا لَمْ يَكُنْ ما يَعْنِيهِ مِنَ المَقامِ فالأكْثَرُ أنَّهُ يُرادُ بِهِ بَعْدَ المَوْتِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى﴿قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [غافر: ٣٤] وقَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلَأِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾ [البقرة: ٢٤٦] وإنَّما اتَّخَذُوا العِجْلَ تَشَبُّهًا بِالكَنْعانِيِّينَ الَّذِينَ دَخَلُوا إلى أرْضِهِمْ وهُمُ الفِنِيقِيُّونَ سُكّانُ سَواحِلِ بِلادِ الشّامِ فَإنَّهم كانُوا عَبَدَةَ أوْثانٍ وكانَ العِجْلُ مُقَدَّسًا عِنْدَهم وكانُوا يُمَثِّلُونَ أعْظَمَ الآلِهَةِ عِنْدَهم بِصُورَةِ إنْسانٍ مِن نُحاسٍ لَهُ رَأْسُ عِجْلٍ جالِسٍ عَلى كُرْسِيٍّ مادًّا ذِراعَيْهِ كَمُتَناوِلِ شَيْءٍ يَحْتَضِنُهُ وكانُوا يَحْمُونَهُ بِالنّارِ مِن حُفْرَةٍ تَحْتَ كُرْسِيِّهِ لا يَتَفَطَّنُ لَها النّاسُ فَكانُوا يُقَرِّبُونَ إلَيْهِ القَرابِينَ ورُبَّما قَرَّبُوا لَهُ أطْفالَهم صِغارًا فَإذا وُضِعَ الطِّفْلُ عَلى ذِراعَيْهِ اشْتَوى فَظَنُّوا ذَلِكَ أمارَةَ قَبُولِ القُرْبانِ فَتَبًّا لِجَهْلِهِمْ وما يَصْنَعُونَ.

وكانَ يُسَمّى عِنْدَهم بَعْلًا ورُبَّما سَمَّوْهُ (مَوْلُوكَ) وهم أُمَّةٌ سامِيَةٌ لُغَتُها وعَوائِدُها تُشْبِهُ في الغالِبِ لُغَةَ وعَوائِدَ العَرَبِ فَلَمّا مَرَّ بِهِمْ بَنُو إسْرائِيلَ قالُوا لِمُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ فانْتَهَرَهم مُوسى وكانُوا يَخْشَوْنَهُ فَلَمّا ذَهَبَ لِلْمُناجاةِ واسْتَخْلَفَ عَلَيْهِمْ هارُونَ اسْتَضْعَفُوهُ وظَنُّوا أنَّ مُوسى هَلَكَ فاتَّخَذُوا العِجْلَ الَّذِي صَنَعُوهُ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ مِن حُلِيِّهِمْ وعَبَدُوهُ.

وقَوْلُهُ وأنْتُمْ ظالِمُونَ حالٌ مُقَيِّدَةٌ لِاتَّخَذْتُمْ لِيَكُونَ الِاتِّخاذُ مُقْتَرِنًا بِالظُّلْمِ مِن مَبْدَئِهِ إلى مُنْتَهاهُ. وفائِدَةُ الحالِ الإشْعارُ بِانْقِطاعِ عُذْرِهِمْ فِيما صَنَعُوا، وأنْ لا تَأْوِيلَ لَهم في عِبادَةِ العِجْلِ، أوْ لِأنَّهم كانُوا مُدَّةَ إقامَتِهِمْ بِمِصْرَ مُلازِمِينَ لِلتَّوْحِيدِ مُحافِظِينَ عَلى وصِيَّةِ إبْراهِيمَ ويَعْقُوبَ لِذُرِّيَّتِهِما بِمُلازَمَةِ التَّوْحِيدِ فَكانَ انْتِقالُهم إلى الإشْراكِ بَعْدَ أنْ جاءَهم رَسُولٌ انْتِقالًا عَجِيبًا.

فَلِذَلِكَ كانُوا ظالِمِينَ في هَذا الصُّنْعِ ظُلْمًا مُضاعَفًا فالظّاهِرُ أنْ لَيْسَ المُرادُ بِالظُّلْمِ في هاتِهِ الآيَةِ الشِّرْكَ والكُفْرَ وإنْ كانَ مِن مَعانِي الظُّلْمِ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ لِظُهُورِ أنَّ اتِّخاذَ العِجْلِ

صفحة ٥٠١

ظُلْمٌ فَلا يَكُونُ لِلْحالِ مَعَهُ تَوَقُّعٌ. وقَدِ اطَّلَعْتُ بَعْدَ هَذا عَلى تَفْسِيرِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَرَفَةَ التُّونُسِيِّ فَوَجَدْتُهُ قالَ وأنْتُمْ ظالِمُونَ أيْ لا شُبْهَةَ لَكم في اتِّخاذِهِ.

وقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ هو مَحَلُّ المِنَّةِ وعَطْفُهُ بِثُمَّ لِتَراخِي رُتْبَةِ هَذا العَفْوِ في أنَّهُ أعْظَمُ مِن جَمِيعِ تِلْكَ النِّعَمِ الَّتِي سَبَقَ عَدُّها فَفِيهِ زِيادَةُ المِنَّةِ فالمَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ هو المَعْطُوفُ بِثُمَّ وأمّا ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ ﴿وإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ إلَخْ؛ فَهو تَمْهِيدٌ لَهُ وتَوْصِيفٌ لِما حَفَّ بِهَذا العَفْوِ مِن عِظَمِ الذَّنْبِ. وقَوْلُهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ حالٌ مِن ضَمِيرِ عَفَوْنا مُقَيِّدَةٌ لِلْعَفْوِ إعْجابًا بِهِ أيْ هو عَفْوٌ حالَ حُصُولِهِ بَعْدَ ذَلِكَ الذَّنْبِ العَظِيمِ ولَيْسَ ظَرْفًا لَغْوًا مُتَعَلِّقًا بِعَفَوْنا حَتّى يُقالَ إنَّ ثُمَّ دَلَّتْ عَلى مَعْناهُ فَيَكُونُ تَأْكِيدًا لِمَدْلُولِ ثُمَّ تَأْخِيرُ العَفْوِ فِيهِ وإظْهارُ شَناعَتِهِ بِتَأْخِيرِ العَفْوِ عَنْهُ وإنَّما جاءَ قَوْلُهُ ذَلِكَ مُقْتَرِنًا بِكافِ خِطابِ الواحِدِ في خِطابِ الجَماعَةِ لِأنَّ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ أكْثَرَ أسْماءِ الإشارَةِ اسْتِعْمالًا بِالإفْرادِ؛ إذْ خِطابُ المُفْرَدِ أكْثَرُ غَلَبٍ فاسْتُعْمِلَ لِخِطابِ الجَمْعِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الكافَ قَدْ خَرَجَتْ عَنْ قَصْدِ الخِطابِ إلى مَعْنى البَعْدِ ومِثْلُ هَذا في كَلامِ العَرَبِ كَثِيرٌ لِأنَّ التَّثْنِيَةَ والجَمْعَ شَيْئانِ خِلافُ الأصْلِ لا يُصارُ إلَيْهِما إلّا عِنْدَ تَعْيِينِ مَعْناهُما فَإذا لَمْ يُقْصَدْ تَعْيِينُ مَعْناهُما فالمَصِيرُ إلَيْهِما اخْتِيارٌ مَحْضٌ.

وقَوْلُهُ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ رَجاءٌ لِحُصُولِ شُكْرِكم، وعَدَلَ عَنْ لامِ التَّعْلِيلِ إيماءً إلى أنَّ شُكْرَهم مَعَ ذَلِكَ أمْرٌ يَتَطَرَّقُهُ احْتِمالُ التَّخَلُّفِ فَذِكْرُ حَرْفِ الرَّجاءِ دُونَ حَرْفِ التَّعْلِيلِ مِن بَدِيعِ البَلاغَةِ فَتَفْسِيرُ لَعَلَّ بِمَعْنى لِكَيْ يُفِيدُ هَذِهِ الخُصُوصِيَّةَ وقَدْ تَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ دِلالَةِ لَعَلَّ عَلى الرَّجاءِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] إلى قَوْلِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ومَعْنى الشُّكْرِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] ولِلْغَزالِيِّ فِيهِ بابٌ حافِلٌ عَدَلْنا عَنْ ذِكْرِهِ لِطُولِهِ فارْجِعْ إلَيْهِ في كِتابِ الإحْياءِ.

2:53Page 8

وَإِذۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡفُرۡقَانَ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ٥٣

And [recall] when We gave Moses the Scripture and criterion1 that perhaps you would be guided.

﴿وإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾

هَذا تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةِ نُزُولِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي بِها صَلاحُ أُمُورِهِمْ وانْتِظامُ حَياتِهِمْ وتَأْلِيفُ جَماعَتِهِمْ مَعَ الإشارَةِ إلى تَمامِ النِّعْمَةِ وهم يَعُدُّونَها شِعارَ مَجْدِهِمْ وشَرَفِهِمْ لِسِعَةِ الشَّرِيعَةِ المُنَزَّلَةِ لَهم حَتّى كانَتْ كِتابًا فَكانُوا بِهِ أهْلَ كِتابٍ أيْ أهْلَ عِلْمِ تَشْرِيعٍ. والمُرادُ مِنَ الكِتابِ التَّوْراةُ الَّتِي أُوتِيَها مُوسى فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ، ويُعْتَبَرُ مَعَها ما أُلْحِقَ بِها عَلى نَحْوِ ما قَدَّمْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى ذَلِكَ الكِتابُ

صفحة ٥٠٢

والفَرْقانُ مَصْدَرٌ بِوَزْنِ فُعْلانُ مُشْتَقٌّ مِنَ الفَرْقِ وهو الفَصْلُ اسْتُعِيرَ لِتَمْيِيزِ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ فَهو وصْفٌ لُغَوِيٌّ لِلتَّفْرِقَةِ فَقَدْ يُطْلَقُ عَلى كِتابِ الشَّرِيعَةِ وعَلى المُعْجِزَةِ وعَلى نَصْرِ الحَقِّ عَلى الباطِلِ وعَلى الحُجَّةِ القائِمَةِ عَلى الحَقِّ وعَلى ذَلِكَ جاءَتْ آياتُ ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ﴾ [الأنبياء: ٤٨] فَلَعَلَّهُ أرادَ المُعْجِزاتِ لِأنَّ هارُونَ لَمْ يُؤْتَ وحْيًا وقالَ ﴿يَوْمَ الفُرْقانِ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ [الأنفال: ٤١] يَعْنِي يَوْمَ النَّصْرِ يَوْمَ بَدْرٍ وقالَ ﴿وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ [آل عمران: ٤] عَطْفًا عَلى نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ ﴿وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٣] الآيَةَ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ هُنا المُعْجِزَةُ أوِ الحُجَّةُ لِئَلّا يَلْزَمَ عَطْفُ الصِّفَةِ عَلى مَوْصُوفِها إنْ أُرِيدَ بِالفُرْقانِ الكِتابُ الفارِقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والصِّفَةُ لا يَجُوزُ أنْ تَتْبَعَ مَوْصُوفَها بِالعَطْفِ ومِن نَظَرِ ذَلِكَ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:

إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمْ فَقَدَّسَها

لِأنَّ ذَلِكَ مِن عَطْفِ بَعْضِ الصِّفاتِ عَلى بَعْضٍ لا مِن عَطْفِ الصِّفَةِ عَلى المَوْصُوفِ كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ.

وقَوْلُهُ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ هو مَحَلُّ المِنَّةِ لِأنَّ إتْيانَ الشَّرِيعَةِ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِاهْتِدائِهِمْ وكانَ قاصِرًا عَلى عَمَلِ مُوسى بِهِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نِعْمَةٌ عَلَيْهِمْ. والقَوْلُ في لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ كالقَوْلِ في لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ السّابِقِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском