Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:76–78
2:76–77Page 11
وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ قَالُوٓاْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ لِيُحَآجُّوكُم بِهِۦ عِندَ رَبِّكُمۡۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٧٦
And when they meet those who believe, they say, "We have believed"; but when they are alone with one another, they say, "Do you talk to them about what Allāh has revealed to you so they can argue with you about it before your Lord?" Then will you not reason?
أَوَلَا يَعۡلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَ ٧٧
But do they not know that Allāh knows what they conceal and what they declare?
صفحة ٥٦٩
﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ قالُوا أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكم لِيُحاجُّوكم بِهِ عِنْدَ رَبِّكم أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿أوَلا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾
الأظْهَرُ أنَّ الضَّمِيرَ في لَقُوا عائِدٌ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ عَلى نَسَقِ الضَّمائِرِ السّابِقَةِ في قَوْلِهِ ﴿أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٧٥] وما بَعْدَهُ، وأنَّ الضَّمِيرَ المَرْفُوعَ بِقالُوا عائِدٌ عَلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ فَرِيقٍ مِنهم وهُمُ الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ نِفاقًا أوْ تَفادِيًا مَن مُرِّ المُقارَعَةِ والمُحاجَّةِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ آمَنّا وذَلِكَ كَثِيرٌ في ضَمائِرِ الأُمَمِ والقَبائِلِ ونَحْوِها نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] لِأنَّ ضَمِيرَ طَلَّقْتُمْ لِلْمُطَلِّقِينَ وضَمِيرَ تَعَضُلُوا لِلْأوْلِياءِ لِأنَّ الجَمِيعَ راجِعٌ إلى جِهَةٍ واحِدَةٍ وهي جِهَةُ المُخاطَبِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ لِاشْتِمالِهِمْ عَلى الصِّنْفَيْنِ، ومِنهُ أنْ تَقُولَ لَأِنْ نَزَلْتَ بِبَنِي فُلانٍ لَيُكْرِمُنَّكَ وإنَّما يُكْرِمُكَ سادَتُهم وكُرَماؤُهم ويَكُونُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ بَعْضُهم عائِدٌ إلى الجَمِيعِ أيْ بَعْضُ الجَمِيعِ إلى بَعْضٍ آخَرَ ومَعْلُومٌ أنَّ القائِلَ مَن لَمْ يُنافِقْ لِمَن نافَقَ، ثُمَّ تَلْتَئِمُ الضَّمائِرُ بَعْدَ ذَلِكَ في يَعْلَمُونَ ويُسِرُّونَ ويُعْلِنُونَ بِلا كُلْفَةٍ وإلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ ذَهَبَ صاحِبُ الكَشّافِ ويُرَجِّحُها عِنْدِي أنَّ فِيها الِاقْتِصارَ عَلى تَأْوِيلِ ما بِهِ الحاجَةُ والتَّأْوِيلُ عِنْدَ وُجُودِ دَلِيلِهِ بِجَنْبِهِ وهو آمَنّا.
وجُمْلَةُ إذا لَقُوا مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ [البقرة: ٧٥] عَلى أنَّها حالٌ مِثْلَها مِن أحْوالِ اليَهُودِ وقَدْ قُصِدَ مِنها تَقْيِيدُ النَّهْيِ أوِ التَّعْجِيبِ مِنَ الطَّمَعِ في إيمانِهِمْ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى الحالِ بِتَأْوِيلِ وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم آخَرُ إذا لَقُوا. وقَوْلُهُ ﴿وإذا خَلا بَعْضُهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى إذا لَقُوا وهو المَقْصُودُ مِنَ الحالِيَّةِ أيْ والحالُ أنَّهم يَحْصُلُ مِنهم مَجْمُوعُ هَذا لِأنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِهِمْ آمَنّا لا يَكُونُ سَبَبًا لِلتَّعَجُّبِ مِنَ الطَّمَعِ في إيمانِهِمْ؛ فَضَمِيرُ (بَعْضُهم) راجِعٌ إلى ما رَجَعَ إلَيْهِ لَقُوا وهم عُمُومُ اليَهُودِ. ونُكْتَةُ التَّعْبِيرِ بِقالُوا آمَنّا مِثْلَها في نَظِيرِهِ السّابِقِ في أوائِلِ السُّورَةِ.
وقَوْلُهُ أتُحَدِّثُونَهُمُ اسْتِفْهامٌ لِلْإنْكارِ أوِ التَّقْرِيرِ أوِ التَّوْبِيخِ بِقَرِينَةِ أنَّ المَقامَ دَلَّ عَلى أنَّهم جَرى بَيْنَهم حَدِيثٌ في ما يَنْزِلُ مِنَ القُرْآنِ فاضِحًا لِأحْوالِ أسْلافِهِمْ ومَثالِبِ سِيرَتِهِمْ مَعَ أنْبِيائِهِمْ وشَرِيعَتِهِمْ.
والظّاهِرُ عِنْدِي أنَّ مَعْناهُ أنَّهم لَمّا سَمِعُوا مِنَ القُرْآنِ ما فِيهِ فَضِيحَةُ أحْوالِهِمْ وذِكْرُ
صفحة ٥٧٠
ما لا يَعْلَمُهُ إلّا خاصَّتُهم ظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ خَلَصَ لِلنَّبِيءِ مِن بَعْضِ الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ مِن أتْباعِهِمْ وأنَّ نِفاقَهم كانَ قَدْ بَلَغَ بِهِمْ إلى أنْ أخْبَرُوا المُسْلِمِينَ بِبَعْضِ قَصَصِ قَوْمِهِمْ سَتْرًا لِكُفْرِهِمُ الباطِنِ فَوَبَّخُوهم عَلى ذَلِكَ تَوْبِيخَ إنْكارٍ أيْ كَيْفَ يَبْلُغُ بِكُمُ النِّفاقُ إلى هَذا وأنَّ في بَعْضِ إظْهارِ المَوَدَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ كِفايَةً عَلى حَدِّ قَوْلِ المَثَلِ الَّذِي حَكاهُ بَشّارٌ بِقَوْلِهِ:
واسْعَدْ بِما قالَ في الحُلْمِ ابْنُ ذِي يَزَنْ يَلْهُو الكِرامُ ولا يَنْسَوْنَ أحْسابا
فَحَكى اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهم حِكايَةً لِحَيْرَتِهِمْ واضْطِرابِ أمْرِهِمْ لِأنَّهم كانُوا يُرْسِلُونَ نَفَرًا مِن قَوْمِهِمْ جَواسِيسَ عَلى النَّبِيءِ والمُسْلِمِينَ يُظْهِرُونَ الإسْلامَ ويُبْطِنُونَ اليَهُودِيَّةَ ثُمَّ اتَّهَمُوهم بِخَرْقِ الرَّأْيِ وسُوءِ التَّدْبِيرِ وأنَّهم ذَهَبُوا يَتَجَسَّسُونَ فَكَشَفُوا أحْوالَ قَوْمِهِمْ ويَدُلُّ لِهَذا عِنْدِي قَوْلُهُ تَعالى بَعْدُ ﴿أوَلا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ . وأخْبارٌ مَرْوِيَّةٌ عَنْ بَعْضِ التّابِعِينَ بِأسانِيدَ لِبَيانِ المُتَحَدِّثِ بِهِ، فَعَنِ السُّدِّيِّ كانَ بَعْضُ اليَهُودِ يُحَدِّثُ المُسْلِمِينَ بِما عُذِّبَ بِهِ أسْلافُهم وعَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ بَعْضُ المُنافِقِينَ: إنَّ النَّبِيءَ مَذْكُورٌ في التَّوْراةِ وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ كانُوا يُخْبِرُونَ عَنْ بَعْضِ قَصَصِ التَّوْراةِ.
والمُرادُ ﴿بِما فَتَحَ اللَّهُ﴾ إمّا ما قَضى اللَّهُ بِهِ مِنَ الأحْوالِ والمَصائِبِ فَإنَّ الفَتْحَ بِمَعْنى القَضاءِ وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩]، والفَتّاحُ القاضِي بِلُغَةِ اليَمَنِ، وإمّا بِمَعْنى البَيانِ والتَّعْلِيمِ، ومِنهُ الفَتْحُ عَلى الإمامِ في الصَّلاةِ بِإظْهارِ الآيَةِ لَهُ وهو كِنايَةٌ مَشْهُورَةٌ لِأنَّ القَضاءَ يَسْتَلْزِمُ بَيانَ الحَقِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٨٩] أيْ يَسْألُونَهُمُ العِلْمَ بِالأُمُورِ التَّشْرِيعِيَّةِ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ فالمَعْنى بِما عَلَّمَكُمُ اللَّهُ مِنَ الدِّينِ.
وقَوْلُهُ ﴿لِيُحاجُّوكم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ صِيغَةُ المُفاعَلَةِ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِها حُصُولُ الفِعْلِ مِن جانِبَيْنِ بَلْ هي لِتَأْكِيدِ الِاحْتِجاجِ أيْ لِيَحْتَجُّوا عَلَيْكم بِهِ أيْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكم. واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى لِيُحاجُّوكم لامُ التَّعْلِيلِ لَكِنَّها مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّعْقِيبِ مَجازًا أوْ تَرْشِيحًا لِاسْتِعْمالِ الِاسْتِفْهامِ في الإنْكارِ أوِ التَّقْرِيرِ مَجازًا فَإنَّهُ لَمّا كانَ الِاسْتِفْهامُ المَوْضُوعُ لِطَلَبِ العِلْمِ اسْتُعْمِلَ هُنا في الإنْكارِ أوِ التَّقْرِيرِ مَجازًا لِأنَّ طَلَبَ العِلْمِ يَسْتَلْزِمُ الإقْرارَ والمُقَرَّرَ عَلَيْهِ يَقْتَضِي الإنْكارَ لِأنَّ المُقَرَّ بِهِ مِمّا يُنْكَرُ بَداهَةً وكانَتِ المُحاجَّةُ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ فَرْعًا عَنِ التَّحْدِيثِ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ جَعَلَ فَرْعَ وُقُوعِ التَّحْدِيثِ المُنْكَرِ كَأنَّهُ عِلَّةٌ مَسْئُولٌ عَنْها أيْ لَكانَ فِعْلُكم هَذا مُعَلَّلًا بِأنْ يُحاجُّوكم وهو غايَةٌ في الإنْكارِ إذْ كَيْفَ يَسْعى أحَدٌ في إيجادِ شَيْءٍ تَقُومُ بِهِ عَلَيْهِ الحُجَّةُ فالقَرِينَةُ هي
صفحة ٥٧١
كَوْنُ المَقامِ لِلْإنْكارِ لا لِلِاسْتِفْهامِ ولِذَلِكَ كانَتِ اللّامُ تَرْشِيحًا مُتَمَيِّزًا بِهِ أيْضًا. والأظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ عِنْدَ رَبِّكم ظَرْفٌ عَلى بابِهِ مُرادٌ مِنهُ عِنْدِيَّةُ التَّحاكُمِ المُناسِبِ لِقَوْلِهِ يُحاجُّوكم وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ لا مَحالَةَ أيْ يَجْعَلُونَ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْكم أمامَ اللَّهِ عَلى صِدْقِ رَسُولِهِمْ وعَلى تَبِعَتِكم في عَدَمِ الإيمانِ بِهِ وذَلِكَ جارٍ عَلى حِكايَةَ حالِ عَقِيدَةِ اليَهُودِ مِن تَشْبِيهِهِمُ الرَّبَّ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِحُكّامِ البَشَرِ في تَمَشِّي الحِيَلِ عَلَيْهِ وفي أنَّهُ إنَّما يَأْخُذُ المُسَبِّباتِ مِن أسْبابِها الظّاهِرِيَّةِ فَلِذَلِكَ كانُوا يَرْتَكِبُونَ التَّحَيُّلَ في شَرْعِهِمْ وتَجِدُ كُتُبَهم مَلْأى بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ ظَهَرَ لَهُ كَذا وعَلِمَ أنَّ الأمْرَ الفُلانِيَّ كانَ عَلى خِلافِ المَظْنُونِ وكَقَوْلِهِمْ في سِفْرِ التَّكْوِينِ: وقالَ الرَّبُّ هو ذا الإنْسانُ قَدْ صارَ كَواحِدٍ مِنّا يَعْرِفُ الخَيْرَ والشَّرَّ وقالَ فِيهِ: ورَأى الرَّبُّ أنَّ شَرَّ الإنْسانِ قَدْ كَثُرَ فَخَزِنَ الرَّبُّ أنَّهُ عَمِلَ الإنْسانِ في الأرْضِ وتَأسَّفَ في قَلْبِهِ فَقالَ أمْحُو عَنْ وجْهِ الأرْضِ الإنْسانَ الَّذِي خَلَقْتُهُ وجاءَ في التَّكْوِينِ أيْضًا لَمّا شاخَ إسْحاقُ وكَلَّتْ عَيْناهُ عَنِ النَّظَرِ دَعا ابْنَهُ الأكْبَرَ عِيسُو وقالَ لَهُ إنِّي شِخْتُ ولَسْتُ أعْرِفُ يَوْمَ وفاتِي فالآنَ خُذْ عُدَّتَكَ واخْرُجْ إلى البَرِّيَّةِ فَتَصَيَّدْ لِي صَيْدًا واصْنَعْ لِي أطْعِمَةً حَتّى أُبارِكَكَ قَبْلَ أنْ أمُوتَ. فَسَمِعَتْ رُفْقَةُ أُمِّهِما ذَلِكَ فَكَلَّمَتِ ابْنَها يَعْقُوبَ وقالَتِ اذْهَبْ إلى الغَنَمِ وخُذْ جَدْيَيْنِ جَيِّدَيْنِ مِنَ المِعْزى فاصْنَعْهُما أطْعِمَةً لِأبِيكَ حَتّى يُبارِكَكَ قَبْلَ وفاتِهِ فَقالَ يَعْقُوبُ لِأُمِّهِ إنَّ عِيسُو أخِي رَجُلٌ أشْعَرُ وأنا رَجُلٌ أمْلَسُ رُبَّما يَجُسُّنِي أبِي فَأكُونُ في عَيْنَيْهِ كَمُتَهاوِنٍ وأجْلِبُ عَلى نَفْسِي لَعْنَةً، فَقالَتِ: اسْمَعْ لِقَوْلِي فَذَهَبَ وصَنَعَتْ لَهُ أُمُّهُ الطَّعامَ وأخَذَتْ ثِيابَ ابْنِها الأكْبَرِ عِيسُو وألْبَسَتْها يَعْقُوبَ وألْبَسَتْ يَدَيْهِ ومَلّاسَةَ عُنُقِهِ جُلُودَ الجَدْيَيْنِ فَدَخَلَ يَعْقُوبُ إلى أبِيهِ وقالَ: يا أبِي أنا ابْنُكَ الأكْبَرُ قَدْ فَعَلْتُ كَما كَلَّمْتَنِي فَجَسَّهُ إسْحاقُ وقالَ الصَّوْتُ صَوْتُ يَعْقُوبَ ولَكِنَّ اليَدَيْنِ يَدا عِيسُو فَبارَكَهُ أيْ جَعَلَهُ نَبِيًّا وجاءَ عِيسُو وكَلَّمَ أباهُ الحِيلَةَ ثُمَّ قالَ لِأبِيهِ بارِكْنِي أنا فَقالَ قَدْ جاءَ أخُوكَ بُكْرَةً وأخَذَ بَرَكَتَكَ إلَخْ. فَما ظَنُّكَ بِقَوْمٍ هَذِهِ مَبالِغُ عَقائِدِهِمْ أنْ لا يَقُولُوا لا تُعْلِمُوهم لِئَلّا يُحاجُّوكم عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ وبِهَذا يَنْدَفِعُ اسْتِبْعادُ البَيْضاوِيِّ وغَيْرِهِ أنْ يَكُونَ المُرادُ ”بِعِنْدَ رَبِّكم“ يَوْمَ القِيامَةِ بِأنَّ إخْفاءَ الحَقائِقِ يَوْمَ القِيامَةِ لا يُفِيدُ مَن يُحاوِلُهُ حَتّى سَلَكُوا في تَأْوِيلِ مَعْنى قَوْلِهِ عِنْدَ رَبِّكم مَسالِكَ في غايَةِ التَّكَلُّفِ قِياسًا مِنهم لِحالِ اليَهُودِ عَلى حالِ عَقائِدِ
صفحة ٥٧٢
الإسْلامِ فَفَسَّرُوا عِنْدَ بِمَعْنى الكِتابِ أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أوْ حَذْفِ مَوْصُولٍ ثُمَّ سَلَكَ مُتَعَقِّبُوهم في إعْرابِهِ غايَةَ الإغْرابِ.
وقَوْلُهُ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ مِن بَقِيَّةِ مَقُولِهِمْ لِقَوْمِهِمْ ولا يَصِحُّ جَعْلُهُ خِطابًا مِنَ اللَّهِ لِلْمُسْلِمِينَ تَذْيِيلًا لِقَوْلِهِ ﴿أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٧٥] لِأنَّ المُسْلِمِينَ وفِيهِمُ الرَّسُولُ ﷺ لَيْسُوا جَدِيرِينَ بِمِثْلِ هَذا التَّوْبِيخِ وحَسْبُهم ما تَضَمَّنَهُ الِاسْتِفْهامُ مِنَ الِاسْتِغْرابِ أوِ النَّهْيِ.
فَإنْ قُلْتَ لَمْ يُذْكَرْ في الآيَةِ جَوابُ المُخاطَبِينَ بِالتَّبَرُّؤِ مِن أنْ يَكُونُوا حَدَّثُوا المُؤْمِنِينَ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ كَما ذُكِرَ في قَوْلِهِ المُتَقَدِّمِ ﴿وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] قُلْتُ لَيْسَ القُرْآنُ بِصَدَدِ حِكايَةِ مُجادَلاتِهِمْ وأحْوالِهِمْ فَإنَّها أقَلُّ مِن ذَلِكَ وإنَّما يُحْكى مِنها ما فِيهِ شَناعَةُ حالِهِمْ وسُوءُ سُلُوكِهِمْ ودَوامُ إصْرارِهِمْ وانْحِطاطُ أخْلاقِهِمْ؛ فَتَبِرِّيهِمْ مِمّا نُسِبَ إلَيْهِ كُبَراؤُهم مِنَ التُّهْمَةِ مَعْلُومٌ، لِلْقَطْعِ بِأنَّهم لَمْ يُحَدِّثُوا المُسْلِمِينَ بِشَيْءٍ ولِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الآتِي ﴿أوَلا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ إلَخْ. وأمّا ما في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ مِن تَنَصُّلِهِمْ بِقَوْلِهِمْ إنّا مَعَكم فَلِأنَّ فِيهِ التَّسْجِيلَ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ فِيهِ ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤]
وقَوْلُهُ ﴿أوَلا يَعْلَمُونَ﴾ الآيَةَ، الِاسْتِفْهامُ فِيهِ عَلى غَيْرِ حَقِيقَتِهِ فَهو إمّا مَجازٌ في التَّقْرِيرِ أيْ لَيْسُوا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، والمُرادُ التَّقْرِيرُ بِلازِمِهِ وهو أنَّهُ إنْ كانَ اللَّهُ يَعْلَمُهُ فَقَدْ عَلِمَهُ رَسُولُهُ وهَذا لُزُومٌ عُرْفِيٌّ ادِّعائِي في المَقامِ الخَطابِيِّ أوْ مَجازٌ في التَّوْبِيخِ والمَعْنى هو هو، أوْ مَجازٌ في التَّحْضِيضِ أيْ هَلْ كانَ وُجُودُ أسْرارِ دِينِهِمْ في القُرْآنِ مُوجِبًا لِعِلْمِهِمْ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ والمُرادُ لازِمُ ذَلِكَ أيْ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ عَنِ اللَّهِ أيْ هَلّا كانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ عِوَضًا عَنْ أنْ يَكُونَ مُوجِبًا لِتُهْمَةِ قَوْمِهِمُ الَّذِينَ تَحَقَّقُوا صِدْقَهم في اليَهُودِيَّةِ وهَذا الوَجْهُ هو الظّاهِرُ لِي ويُرَجِّحُهُ التَّعْبِيرُ بِيَعْلَمُونَ بِالمُضارِعِ دُونَ عَلِمُوا. ومُوقِعُ الِاسْتِفْهامِ مَعَ حَرْفِ العَطْفِ في قَوْلِهِ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ وقَوْلُهُ ﴿أوَلا يَعْلَمُونَ﴾ سَيَأْتِي الكَلامُ عَلى نَظائِرِهِ وخِلافُ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ﴾ [البقرة: ٨٧]
2:78Page 12
وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ ٧٨
And among them are unlettered ones who do not know the Scripture except [indulgement in] wishful thinking, but they are only assuming.
صفحة ٥٧٣
﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا أمانِيَّ وإنْ هم إلّا يَظُنُّونَ﴾
مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم يَسْمَعُونَ﴾ [البقرة: ٧٥] عَطْفَ الحالِ عَلى الحالِ، ومِنهم خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وتَقْدِيمُهُ لِلتَّشْوِيقِ إلى المُسْنَدِ إلَيْهِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ﴾ [البقرة: ٨] . والمَعْنى كَيْفَ تَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكم وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم مُحَرِّفِينَ، وفَرِيقٌ جَهَلَةً وإذا انْتَفى إيمانُ أهْلِ العِلْمِ مِنهُمُ المَظْنُونُ بِهِمْ تَطَلُّبُ الحَقِّ المُنْجِي والِاهْتِداءُ إلى التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الباطِلِ فَكانُوا يُحَرِّفُونَ الدِّينَ ويُكابِرُونَ فِيما يَسْمَعُونَ مِن مُعْجِزَةِ القُرْآنِ في الإخْبارِ عَنْ أسْرارِ دِينِهِمْ فَكَيْفَ تَطْمَعُونَ أيْضًا في إيمانِ الفَرِيقِ الأُمِّيِّينَ الَّذِينَ هم أبْعَدُ عَنْ مَعْرِفَةِ الحَقِّ وألْهى عَنْ تَطَلُّبِهِ وأضَلُّ في التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ وأجْدَرُ بِالِاقْتِداءِ بِأئِمَّتِهِمْ وعُلَمائِهِمْ فالفَرِيقُ الأوَّلُ هُمُ الماضُونَ.
وعَلى هَذا فَجُمْلَةُ ﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ [البقرة: ٧٥] إلَخْ بِاعْتِبارِ كَوْنِها مُعادِلًا لَها مِن جِهَةِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِن كَوْنِها حالَةَ فَرِيقٍ مِنهم وهَذِهِ حالَةُ فَرِيقٍ آخَرَ. وأمّا قَوْلُهُ وإذا لَقُوا وقَوْلُهُ وإذا خَلا فَتِلْكَ مَعْطُوفاتٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقَدْ كانَ فَرِيقٌ﴾ [البقرة: ٧٥] عَطْفَ الحالِ عَلى الحالِ أيْضًا لَكِنْ بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَةُ الأُولى مِن قَوْلِهِ يَسْمَعُونَ الَّذِي هو حالٌ مِن أحْوالِ اليَهُودِ وبِهَذا لا يَجِيءُ في جُمْلَةِ ﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ﴾ التَّخْيِيرُ المَبْنِيُّ عَلى الخِلافِ في عَطْفِ الأشْياءِ المُتَعَدِّدَةِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ هَلْ يُجْعَلُ الأخِيرُ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ مَنِ المَعْطُوفاتِ أوْ مَعْطُوفًا عَلى المَعْمُولِ الأوَّلِ لِأنَّ ذَلِكَ إذا كانَ مَرْجِعُ العَطْفِ جِهَةً واحِدَةً وهُنا قَدِ اخْتَلَفَتِ الجِهَةُ.
والأُمِّيُّ مَن لا يَعْرِفُ القِراءَةَ والكِتابَةَ والأظْهَرُ أنَّهُ مَنسُوبٌ إلى الأُمَّةِ بِمَعْنى عامَّةِ النّاسِ فَهو يُرادِفُ العامِّيَّ، وقِيلَ مَنسُوبٌ إلى الأُمِّ وهي الوالِدَةُ أيْ أنَّهُ بَقِيَ عَلى الحالِ الَّتِي كانَ عَلَيْها مُدَّةَ حَضانَةِ أُمِّهِ إيّاهُ فَلَمْ يَكْتَسِبْ عِلْمًا جَدِيدًا ولا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ الوَجْهُ في النَّسَبِ أنْ يَقُولُوا أُمَّهِيٌّ بِناءً عَلى أنَّ النَّسَبَ يَرُدُّ الكَلِماتِ إلى أُصُولِها. وقَدْ قالُوا في جَمْعِ الأُمِّ أُمَّهاتٌ فَرَدُّوا المُفْرَدَ إلى أصْلِهِ فَدَلُّوا عَلى أنَّ أصْلَ أُمٍّ أُمَّهَةٌ لِأنَّ الأسْماءَ إذا نُقِلَتْ مِن حالَةِ الِاشْتِقاقِ إلى جَعْلِها أعْلامًا قَدْ يَقَعُ فِيها تَغْيِيرٌ لِأصْلِها.
وقَدِ اشْتُهِرَ اليَهُودُ عِنْدَ العَرَبِ بِوَصْفِ أهْلِ الكِتابِ فَلِذَلِكَ قِيلَ هُنا ﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ﴾ أيْ لَيْسَ جَمِيعُهم أهْلَ كِتابٍ.
ولَمْ تَكُنِ الأُمِّيَّةُ في العَرَبِ وصْفَ ذَمٍّ لَكِنَّها عِنْدَ اليَهُودِ وصْفُ ذَمٍّ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم
صفحة ٥٧٤
قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥] وقالَ ابْنُ صَيّادٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ («أشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ» ) وذَلِكَ لِما تَقْتَضِيهِ الأُمِّيَّةُ مِن قِلَّةِ المَعْرِفَةِ ومِن أجْلِ ذَلِكَ كانَتِ الأُمِّيَّةُ مُعْجِزَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ كانَ أعْلَمَ النّاسِ مَعَ كَوْنِهِ نَشَأ أُمِّيًّا قَبْلَ النُّبُوءَةِ. وقَدْ قالَ أبُو الوَلِيدِ الباجِيُّ: إنَّ اللَّهَ عَلَّمَ نَبِيَّهُ القِراءَةَ والكِتابَةَ بَعْدَ تَحَقُّقِ مُعْجِزَةِ الأُمِّيَّةِ بِأنْ يُطْلِعَهُ عَلى ما يَعْرِفُ بِهِ ذَلِكَ عِنْدَ الحاجَةِ اسْتِنادًا لِحَدِيثِ البُخارِيِّ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ وأيَّدَهُ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ في هَذا، وأنْكَرَ عَلَيْهِ أكْثَرُهم مِمّا هو مَبْسُوطٌ في تَرْجَمَتِهِ مِن كِتابِ المَدارِكِ لِعِياضٍ، وما أرادَ إلّا إظْهارَ رَأْيِهِ.
والكِتابُ إمّا بِمَعْنى التَّوْراةِ اسْمٌ لِلْمَكْتُوبِ وإمّا مَصْدَرُ كَتَبَ أيْ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَةَ ويُبْعِدُهُ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿إلّا أمانِيَّ﴾ فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ﴾ أثَرًا مِن آثارِ الأُمِّيَّةِ أيْ لا يَعْلَمُونَ التَّوْراةَ إلّا عِلْمًا مُخْتَلِطًا حاصِلًا مِمّا يَسْمَعُونَهُ ولا يُتْقِنُونَهُ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي تَكُونُ الجُمْلَةُ وصْفًا كاشِفًا لِمَعْنى الأُمِّيِّينَ كَقَوْلِ أوْسِ بْنِ حَجَرٍ:
الألْمَعِيُّ الَّذِي يَظُنُّ بِكَ الظَّ نَّ كَأنْ قَدْ رَأى وقَدْ سَمِعا
والأمانِيُّ بِالتَّشْدِيدِ جَمْعُ أُمْنِيَةٍ عَلى وزْنِ أفاعِيلَ وقَدْ جاءَ بِالتَّخْفِيفِ فَهو جَمْعٌ عَلى وزْنِ أفاعِلَ عِنْدَ الأخْفَشِ كَما جُمِعَ مِفْتاحٌ عَلى مَفاتِحَ ومَفاتِيحَ. والأُمْنِيَةُ كَأُثْفِيَةٍ وأُضْحِيَةٍ أُفْعُولَةٌ كالأُعْجُوبَةِ والأُضْحُوكَةِ والأُكْذُوبَةِ والأُغْلُوطَةِ، والأمانِيُّ كالأعاجِيبِ والأضاحِيكِ والأكاذِيبِ والأغالِيطِ، مُشْتَقَّةٌ مِن مَنى كَرَمى بِمَعْنى قَدَّرَ الأمْرَ ولِذَلِكَ قِيلَ تَمَنّى بِمَعْنى تَكَلَّفِ تَقْدِيرَ حُصُولِ شَيْءٍ مُتَعَذِّرٍ أوْ مُتَعَسِّرٍ، ومَنّاهُ أيْ جَعَلَهُ مانِيًا أيْ مُقَدَّرًا كِنايَةً عَنِ الوَعْدِ الكاذِبِ لِأنَّهُ يَنْقُلُ المَوْعُودَ مِن تَقْدِيرِ حُصُولِ الشَّيْءِ اليَوْمَ إلى تَقْدِيرِ حُصُولِهِ غَدًا، وهَكَذا كَما قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
فَلا يَغُرَّنَّكَ ما مَنَّتْ وما وعَدَتْ ∗∗∗ إنَّ الأمانِيَّ والأحْلامَ تَضْلِيلُ
ولِأنَّ الكاذِبَ ما كَذَبَ إلّا لِأنَّهُ يَتَمَنّى أنْ يَكُونَ ما في نَفْسِ الأمْرِ مُوافِقًا لِخَبَرِهِ فَمِن أجْلِ ذَلِكَ حَدَثَتِ العَلاقَةُ بَيْنَ الكَذِبِ والتَّمَنِّي فاسْتُعْمِلَتِ الأُمْنِيَةُ في الأُكْذُوبَةِ، فالأمانِيُّ هي التَّقادِيرُ النَّفْسِيَّةُ أيِ الِاعْتِقاداتُ الَّتِي يَحْسَبُها صاحِبُها حَقًّا ولَيْسَتْ بِحَقٍّ أوْ هي الفِعالُ الَّتِي يَحْسَبُها العامَّةُ مِنَ الدِّينِ ولَيْسَتْ مِنهُ؛ بَلْ يَنْسَوْنَ الدِّينَ ويَحْفَظُونَها، وهَذا دَأْبُ الأُمَمِ الضّالَّةِ عَنْ شَرْعِها أنْ تَعْتَقِدَ مالَها مِنَ العَوائِدِ والرُّسُومِ والمَواسِمِ شَرْعًا، أوْ هي التَّقادِيرُ الَّتِي وضَعَها الأحْبارُ
صفحة ٥٧٥
مَوْضِعَ الوَحْيِ الإلَهِيِّ إمّا زِيادَةً عَلَيْهِ حَتّى أنْسَتْهُمُ الأصْلَ وإمّا تَضْلِيلًا وهَذا أظْهَرُ الوُجُوهِ. وقِيلَ الأمانِيُّ هُنا الأكاذِيبُ أيْ ما وضَعَهُ لَهُمُ الَّذِينَ حَرَّفُوا الدِّينَ. وقَدْ قِيلَ الأمانِيُّ القِراءَةُ أيْ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا كَلِماتٍ يَحْفَظُونَها ويَدْرُسُونَها لا يَفْقَهُونَ مِنها مَعْنًى كَما هو عادَةُ الأُمَمِ الضّالَّةِ إذْ تَقْتَصِرُ مِنَ الكُتُبِ عَلى السَّرْدِ دُونَ فَهْمٍ وأنْشَدُوا عَلى ذَلِكَ قَوْلَ حَسّانٍ في رِثاءِ عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - .
تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ أوَّلَ لَيْلِهِ ∗∗∗ وآخِرَهُ لاقى حِمامَ المَقادِرِ
أيْ قَرَأ القُرْآنَ في أوَّلِ اللَّيْلِ الَّذِي قُتِلَ في آخِرِهِ، وعِنْدِي أنَّ الأمانِيَّ هُنا التَّمَنِّيّاتُ وذَلِكَ نِهايَةٌ في وصْفِهِمْ بِالجَهْلِ المُرَكَّبِ أيْ هم يَزْعُمُونَ أنَّهم يَعْلَمُونَ الكِتابَ وهم أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَهُ ولَكِنَّهم يَدَّعُونَ ذَلِكَ لِأنَّهم تَمَنَّوْا أنْ يَكُونُوا عُلَماءَ فَلَمّا لَمْ يَنالُوا العِلْمَ ادَّعَوْهُ باطِلًا فَإنَّ غَيْرَ العالِمِ إذا اتُّهِمَ بِمِيسَمِ العُلَماءِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ يَتَمَنّى لَوْ كانَ عالِمًا. وكَيْفَما كانَ المُرادُ فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ لِأنَّ واحِدًا مِن هاتِهِ المَعانِي لَيْسَ مِن عِلْمِ الكِتابِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences